logo

logo

logo

logo

logo

أحمر (تل-)

احمر (تل)

Ahmar (Tell-) - Ahmar (Tell-)



أحمر (تل (-

 

التنقيبات الأثرية في الموقع

العصور المبكرة والعصر البرونزي

العصر الحديدي

تاريخ الموقع من خلال النصوص المسمارية

 

يقع تل أحمر على الضفة اليسرى لنهر الفرات على بعد نحو 25كم إلى الجنوب- الشرقي من الموضع الذي يعبر فيه نهر الفرات الحدود السورية - التركية، وذلك عند خط العرض  19ً 41 َ 36ًْ شمالاً وخط الطول 22 ً 7 َ 38 ْ شرقاً حيث يأخذ نهر الفرات منحى جنوبياً- شرقياً في واحدة من المنحنيات الكبيرة لمجراه في الأراضي السورية، ويقوم هذا التل الأثري عند حافة الوادي الفيضي للنهر في منطقة غمر سد تشرين. ولهذا الموقع أهمية تاريخية عبر العصور؛ إذ كان موضعاً جيداً لعبور الفرات من أعالي بلاد الرافدين وأعالي الجزيرة، حيث تأتي الطرق البرية من أميدي  Amedi (ديار بكر حالياً) عبر أديسّا Edessa (أورفا حالياً) أو حرّان باتجاه سورية الشمالية.

للموقع شكل نصف دائري تقريباً يصل طول قاعدته إلى نحو 1200م من الشرق إلى الغرب، ونصف قطره نحو600م من الشمال إلى الجنوب. ويمكن تمييز ثلاثة أقسام رئيسة يتكون منها الموقع: أولها التل الرئيسي أو القلعة يقع قرب منتصف الحافة الجنوبية للموقع، وهو تل مرتفع تبلغ أبعاده زها 250×150م. والقسم الثاني يمتد إلى الغرب من القلعة ويغطي المدرج الطبيعي فيما بينها وبين السور الخارجي للموقع، ويشار إلى هذا القسم في تقارير المنقبين باسم "المدينة الوسطى". أما القسم الثالث فيشغل بقية أرجا الموقع، وتبدو آثار السكنى في بعض أجزائه أقل كثافة مما هي عليه في القسمين الآخرين، ويشار إلى هذا القسم - وهو الأوسع في الموقع- باسم "المدينة السفلى". ومن الجدير بالذكر أنه حتى قبل الشروع بالتنقيب في هذا الموقع المهم والغني بمحتوياته؛ كانت بعض الآثار ظاهرة على سطحه. ومن هذه الآثار بقايا بوابة مع تماثيل أسود على جانبيها في الطرف الشمالي- الشرقي من الموقع. ووجدت في عدة مواضع منحوتات حجرية، ومنها مسلتان كبيرتان تعودان إلى الملك الآشوري أسرحدون [ر] (680-669 ق.م).

أولاً - التنقيبات الأثرية في الموقع

شرع بالتنقيب الأثري في تل أحمر من قبل بعثة فرنسية من متحف اللوفر بإدارة عالم الآثار والمسماريات ثورو- دانجن[ر] F. Thureau- Dangin وذلك في عام 1928م، ثم استؤنف من عام 1929 إلى 1931م. وتولت بعثة آثارية أسترالية من جامعة ملبورن التنقيبات الحديثة في تل أحمر بمواسم عمل سنوية في الأعوام 1989-1999م بإدارة غي بونينز Guy Bunnens. وقد كانت المعلومات الخاصة بتسلسل الطبقات في تل أحمر التي توصلت إليها البعثة الفرنسية قليلة جداً، ولكن بعد تنقيبات جامعة ملبورن أمكن التوصل إلى التسلسل الواضح للطبقات في الموقع. وقد تأكد أن تاريخ الاستيطان في تل أحمر يعود إلى أواخر الألف الخامس قبل الميلاد واستمر حتى القرن الرابع قبل الميلاد، وهذا يعني امتداداً من العصر الحجري - النحاسي إلى العصور الهلينستية والرومانية. وابتدا ً من عام 2000م قامت بعثة من جامعة لييج  Liège البلجيكية بالعمل في تل أحمر.

فتحت في الموقع ثمانية قطاعات للتنقيب كان أولها في أعلى القلعة (القطاع  (A، والثاني في السفح الشمالي- الغربي من القلعة (القطاع (B، وكانت خمسة من هذه القطاعات (C-D)  في "المدينة السفلى" مع امتداد السور الخارجي نصف الدائري للمدينة القديمة، أما القطاع السابع (H)  فكان في وسط "المدينة السفلى"، وفي القطاع الثامن  (S) حفر مجس اختباري عميق لتحديد الطبقات الأثرية التي يضمها الموقع، وموضع هذا القطاع في أعلى القسم الشرقي من القلعة. وقد تركزت أعمال التنقيب طوال مواسم الأعوام 1989-1996م في القطاع    (C ) في الطرف الغربي من الموقع.

تل أحمر: المخطط الكنتوري  العام للموقع

ثانياً- العصور المبكرة والعصر البرونزي

يعود تاريخ أقدم طبقة وصلت إليها التنقيبات في تل أحمر إلى العصر الحجري- المعدني، وتحديداً دور العبيد. وقد عثر في هذه المنطقة على فخار يشتمل على أوانٍ دائرية تحمل أحياناً زخارف هندسية بسيطة منفذة بطلا غامق على خلفية باهتة اللون. وباستعمال طريقة فحص كربون (14) على عينة متفحمة استخرجت من أدنى مستويات هذه الطبقة أمكن تحديد تاريخ الطبقة من أواخر الألف الخامس قبل الميلاد. وعلى الرغم من توقف التنقيب عند هذه الطبقة كانت هناك دلائل واضحة على وجود سكن أقدم من دور العبيد ولكن الفرصة لم تسنح للتنقيب فيها. ووجد فوق طبقة دور العبيد تسلسل من ثماني طبقات يمتد تاريخها من أواخر العصر الحجري - النحاسي إلى العصر البرونزي القديم الثاني في النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد. البقايا المعمارية المكتشفة في هذه الطبقات كانت بسيطة، وتتمثل في بيوت صغيرة بجدران مشيدة بسمك لبنة واحدة. وتأتي فوق هذه الطبقات ست طبقات أخرى يرجح أنها تعود إلى العصر البرونزي القديم الثالث نحو منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. ويدل الاختلاف الواضح فيما بين البقايا البنائية من هذه الطبقات الست والطبقات الأقدم على أن الموقع كان قرية صغيرة ثم تطور في العصر البرونزي القديم الثالث إلى مركز مدني مع وجود نخبة اجتماعية قادرة على تشييد أبنية سكنية كبيرة.

 c2 و c1 تل أحمر: مخطط للبيتين

وقد كشف من العصر البرونزي المبكر الثالث عن ركن من بناية كبيرة في قطاع التنقيب S، وهذه البناية مشيدة بالحجر ويصل سمك جدرانها إلى نحو مترين، ومن المحتمل أن تكون لها وظيفة رسمية أو دينية. ومن دلائل التطور الذي شهده موقع تل أحمر في العصر البرونزي القديم الثالث ما عرف باسم "القبو الجنائزي" Hypogeum، وهو ضريح بشكل حجرة كبيرة سبق أن كشف عنها في أثنا أعمال تنقيبات البعثة الفرنسية، وحينها عدت بنا ً منفرداً، ولكن تنقيبات البعثة الأسترالية أظهرت أنها كانت جز اً من بنا واسع، فقد تم الكشف عن غرفتين إلى الشمال من هذا الضريح تكوِّنان معه جز اً من مجمَّع بنائي واحد. وفي الجهة الغربية من هذا المجمَّع هناك سلم بقيت منه 13 درجة تنزل باتجاه الشمال، ومن المرجح أنها كانت تقود إلى حجرة ضريح أخرى. وحجرة الضريح الرئيسي مستطيلة الشكل تقريباً أبعادها 7.40 ×6.50م، وإلى الشمال منها هناك غرفة واسعة لها أرضية أعلى من مستوى أرضية الضريح، وتحت أرضية هذه الغرفة اكتشفت مجموعة قبور لأطفال ضم أحدها زها عشرين وعا ً فخارياً. وقد لاحظ المنقبون أن المواد الأثرية المكتشفة في هذا الضريح تحمل خصائص العصر البرونزي المبكر الرابع، وتشمل هذه المواد قطعاً من فخار الفرات وأواني برونزية وأواني ثلاثية القوائم وفخاراً بسيطاً خالياً من الزينة مع حافة فوهة لجرة فخارية تحمل طبعة ختم أسطواني بزخرفة هندسية.

مسلة من حجر البازلت من تل أحمر
تمثال الأسد الذي كان مستنداً عند الجهة الغربية من بوابة الأسود في تل أحمر
نحت بارز للإلهة عشتار تقف على أسد كشف في تنقيبات عام1929 في تل أحمر (متحف اللوفر، باريس)
رسم جداري آشوري من تل أحمر من قصر شلمنصر الثالث
 ت (824 - 585 ) ق .م
وعا فخاري من تل أحمر (800 ق . م)
نحت بارز لإله العاصفة تارهوندا كشف في تنقيبات عام 1929 في تل أحمر (متحف اللوفر، باريس). وهذا النحت شاهد على نهضة الحثيين في أوائل الألف الأول قبل الميلاد بعد سقوط الامبراطورية الحثية نحو 1200 ق .م. والنقش الذي يقول " أنا حامياتاس مصورايملك الأرض وخادم إله السما تارهوندا" يبين اسم الإله واسم الملك الذي نحت هذا النصب التذكاري.

استُظهر من العصر البرونزي المبكر الرابع شارع صغير في السفح الجنوبي من التل، وعند الاستدارة الشمالية لهذا الشارع وجدت بقايا بيت صغير (البيت (A3  تشمل المواد الأثرية المكتشفة من هذا البيت دمية طينية بشرية ومصغر طيني لعربة، وكشف من العصر نفسه عن بقايا بنا حجري في السفح الشرقي للتل حيث فتح قطاع التنقيب S، وقد بلغ الارتفاع المتبقي من أحد جدران هذا البنا أربعة أمتار. إن مظهر هذا البنا وطبيعة المواد المكتشفة فيه يوحيان بأنه لم يكن مخصصاً للسكن الاعتيادي؛ وإن كان من الصعب تحديد وظيفته تحديداً حاسماً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن من بين المواد المكتشفة في هذا البنا خمسة عشر قدحاً فخارياً صغيراً عثر عليها في الزاوية الشمالية - الشرقية من إحدى غرفه الكبيرة. وفي القطاع نفسه كشفت طبقة يعود تاريخها إلى العصر البرونزي الوسيط - النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد- تتضمن أجزا ً من عدة أبنية، وعثر على خمسة قبور تعود إلى هذا العصر، ومن بينها قبر وضعت فيه جثة داخل جرة فخارية ضمت أيضاً ثلاثة أوعية فخارية ودبوساً مفصلياً برونزياً وختماً أسطوانياً.

وجدت في قطاع التنقيب S أيضاً طبقات من العصر البرونزي المتأخر- النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد- لكنها تعرضت للتخريب بسبب الفعاليات البنائية في طبقات العصر الحديدي التي تعلوها، وأمكن في هذا القطاع استظهار جز من سور دفاعي عريض في السفح الشرقي للتل يرجح أنه من بقايا نظام التحصينات المحيط بالقلعة في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد. وفي عام 1999م أجريت تحريات جديدة في بقايا بناية ضخمة مستقلة مشيدة باللبن، تبلغ أبعادها نحو 15.90× 8.80م، سبق للبعثة الفرنسية أن اكتشفتها وعدّها المنقبون في حينها جز اً من القصر الآشوري في طبقة العصر الحديدي، لكن التحريات الجديدة أظهرت أنها تعود إلى بنا مستقل عن القصر الآشوري وأقدم منه طبقياً وزمنياً، وبحسب التفسير الجديد تعود هذه البقايا إلى برج كان جز اً من تحصينات العصر البرونزي المتأخر، ومن الواضح أن تاريخ كسر الفخار التي عثر عليها في هذه الطبقات يرجع إلى أواخر الألف الثاني قبل الميلاد.

ثالثاً- العصر الحديدي

كانت معالم العصر الحديدي في دوره الأول محدودة في قطاعات التنقيب في تل أحمر، وعثر على قطع فخارية من الدور الثاني من العصر الحديدي في قطاع التنقيب  A فوق التل إلى الغرب من القطاع S، ومثلت آثار العصر الآشوري الحديث الدور الثالث من العصر الحديدي. فقد كشفت تنقيبات البعثة الفرنسية في الأعوام 1929- 1931م عن بقايا قصر من العصر الآشوري الحديث في أعلى القلعة يمتد تاريخه من القرن الثامن قبل الميلاد إلى عهد الملك الآشوري آشور- بانيبال [ر] (727- 668ق.م) على أقل تقدير. وجدت بقايا هذا القصر محفوظة جزئياً، ولم يكتمل استظهارها على نحو شامل، إلكن يمكن القول إن عمارته تتبع أسلوب عمارة الأبنية الرسمية الآشورية، وقد جددت بناية هذا القصر في عهد آشور- بانيبال.

لا تأتي الأهمية الكبيرة لهذا القصر من احتوائه لرسوم جدارية جميلة لا تقتصر على أشرطة تزيينية فقط؛ وإنما تتضمن مواضيع واضحة المضمون وغنية بالمشاهد التاريخية، وحينما جددت بناية القصر أدخل أسلوب جديد في تنفيذ الرسوم الجدارية فيها، وفي كلتا المرحلتين تفصح هذه الرسوم عن أسلوب آشوري خالص، وتعد هذه من أفضل الرسوم الجدارية المحفوظة، لذلك تتهيأ من خلالها أهم المصادر لدراسة فن الرسم القديم. وقد نقلت هذه الرسوم - الملونة في الغالب - وأعيد عرضها في متحف حلب في سورية. وفيما يخص مواضيع هذه الرسوم الجدارية منها ما يتضمن مشاهد خيول تقاد من قبل محاربين، وهي على جدران قاعة العرش، وهناك رسوم غير ملونة لخيول راكضة. وفي غرفة أخرى  مشهد كبير بعرض 22م يظهر فيه الملك مع أتباعه من محاربين وعربات وخيول؛ وأمام الملك رجال الدولة من مدنيين وعسكريين، وكذلك يظهر أسرى حرب، وتظهر في مشاهد أخرى وحوش خُرافية وسجنا يعاقبون. والرسوم عموماً مخططة باللونين الأسود والأحمر وتؤطرها أشرطة تتألف من زخارف هندسية ونباتية.

اكتشف في القطاع S جز من سور عريض كان يحيط بالقلعة، وهناك ركام من أحجار غير منتظمة كانت تحمي قاعدة هذا السور، وأمكن تتبع هذا الركام لمسافة خمسة أمتار. ويستخلص من نتائج التنقيبات أن معظم الجهة الغربية من الموقع كانت مشغولة بأبنية سكنية آشورية؛ إذ اكتشفت بقاياها في القطاع  C، وهو أكبر القطاعات المفتوحة في "المدينة السفلى"، وفي القطاعات  F - D. ومن الجدير بالذكر أنه لم تكتشف أي بقايا من العصر الحديدي مما قبل العصر الآشوري الحديث في هذه القطاعات، وهذا ما يدل على أن التوسع الذي شهدته المدينة السفلى في الموقع خارج التل الرئيسي لم يحدث إلا في العصر الآشوري الحديث، وإن أي بقايا آرامية أو حثية حديثة ينبغي أن يبحث عنها عند التل الرئيسي، ومن جهة أخرى فإن عدم رصد أي تسلسل طبقي في القطاعين الصغيرين G وH يعني أن المنشآت المدنية الآشورية لم تغط المدينة السفلى بأكملها.

في القطاع  C كشف عن بقايا ثلاث بنايات سكنية تم التنقيب بدقة في اثنتين منها  C1) و(C2. ومن أبرز الخصائص المعمارية في مجمع بنايات هذا القطاع ساحة مرصوفة بحصى أسود وأبيض مرتب بمربعات مشابهة لمربعات رقعة الشطرنج، وهي تغطي مساحة تبلغ 190م2. ومثل هذه الأرضيات الفسيفسائية المكونة من الحصى وجدت في عدة مواقع خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، ومن هذه المواقع أرسلان طاش [ر] في شمالي سورية. ومن الآثار المعمارية في هذا القطاع أيضاً حجرة ضريح كبيرة مشيدة بالآجر، تبلغ أبعادها 4.50 ×2.60م، يغطيها سقف بعقد مقوس، ولها مدخل ينزل إليه بسلم مكون من سبع درجات في الجهة الجنوبية- الشرقية.

يتكون البيت الكبير- C1- من ساحتين محاطتين بعدة غرف، وإلى الشمال- الغربي هناك البيت الثاني- C2- الذي شيد في وقت لاحق لتشييد البيت الأول. وقد أمكن توثيق ثلاث مراحل سكنية رئيسة في البيت الأول، وعثر في المستوى المخرب الذي يعود إلى أقدم هذه المراحل على 35 من الرقم والكسر الطينية، وهذه الرقم تمثل محفوظات تخص شخصاً اسمه خَنّي  Khanni ومعها بعض النصوص العائدة إلى شخص آخر اسمه عشتار- دوري  Ishtar- duri، ونصوص هذه الرقم جميعها مدونة بالخط المسماري واللغة الأكادية بلهجتها الآشورية الحديثة؛ باستثنا نصين مدونين بالأبجدية الآرامية، وتتضمن النصوص تواريخ على مدى زمني يمتد من عام 683 ق.م حتى نهاية الدولة الآشورية. أما مواضيع هذه النصوص فتتباين من عقود شرا وقروض إلى وثائق شخصية وقوائم الأسما .

واكتشفت بقايا معمارية آشورية أيضاً في قطاعي التنقيب  D وE، ووجد في القطاع  E عند الطرف الشمالي للموقع مجمع بنائي آخر كشف عن بعض غرفه. يضم هذا المجمع بنا ين؛ في كل منهما أرضية مرصوفة بالحصى الأسود والأبيض مشابهة لما اكتشف في القطاع  C، ولوحظ في إحدى غرف البنا الشرقي في هذا المجمع وجود دخلة في الجدار ولوح للتغسيل عند جدارها الشرقي الذي زين بزخارف هندسية. وفي البنا الثاني كشف عن غرفة عريضة مفتوحة على ساحة، وفي وسط الفتحة توجد قاعدة عمود، وهذا الترتيب يشابه الطراز المعماري السوري القديم المعروف باسم بيت خيلاني[ر].

تتضمن المواد الأثرية المكتشفة في تل أحمر من العصر الآشوري الحديث مجموعة من القطع العاجية المنحوتة بمهارة عالية، وتظهر فيها أساليب فنية مختلفة من التراث السوري الكنعاني، وأكثر القطع شبهاً بها تلك التي وجدت في نمرود؛ موقع العاصمة الآشورية كَلخ  Kalkhu. وهناك أيضاً تمثال بالحجم الطبيعي لمسؤول كبير في الدولة الآشورية، ولعله كان حاكماً للمدينة. أما المواد الفخارية فهي مقاربة لما اكتشف في المواقع الآشورية الأخرى المعاصرة، وتشمل الفخاريات المكتشفة قطعاً ملمعة باللون الأحمر وفخاراً رمادي اللون وما يعرف باسم "فخار  القصر". ووجدت أيضاً بعض الكسر من قطع فخارية مستوردة من قبرص بصفة رئيسة. ويمكن القول عن نهاية العصر الآشوري الحديث في تل أحمر إنها لم تكن تدميرية أو عنيفة، ويبدو أن الموقع بقي لوقت قصير بعد سقوط الدولة الآشورية، كما أن الموقع سُكن في العصور المتأخرة؛ إذ اكتشفت بقايا معبد هيلينستي مشيد فوق أنقاض القصر الآشوري على القلعة، وكذلك عثر على بعض المسكوكات السلوقية هناك.

رابعاً- تاريخ الموقع من خلال النصوص المسمارية

بات مؤكداً منذ تنقيبات البعثة الفرنسية أن تل أحمر هو موقع المدينة القديمة تِل- بارسِب Til- Barsip؛ المذكورة في نصوص من العصر الآشوري الحديث منذ عهد شلمنصر الثالث (858- 824 ق.م) إلى عهد آشور- بانيبال، ويرد الاسم نفسه بصيغ مختلفة في النصوص الآشورية أيضاً، مثل تَربُسِبِ Tarbusibi وتِربُسي Tarbuse. وقد وصفت هذه المدينة في تلك النصوص بأنها "قلعة بيت- أدينِ (عدين)"، ووصفت أيضاً بأنها عاصمة تلك المملكة الآرامية (بيت- عدينِ)، وهذا يدل على دورها قبل السيطرة الآشورية عليها وتحولها إلى مركز مقاطعة أو محافظة آشورية. واستمر اسم المدينة في العصر الهيلينستي بصيغة بيرسِبَ Bersiba. ولما استولى الملك الآشوري شلمنصر الثالث على هذه المدينة في عام 856 ق.م أطلق عليها اسم "كار- شلمنصر"، وبالأكادية كار- شُلمانُ- أشريد Kar- Shulmanu- ashared، لكن هذا الاسم لم يستمر طويلاً.

وقبل أن تصبح المدينة مركزاً للمملكة الآرامية كانت مقراً لسلالة حاكمة قامت في أوائل الألف الأول قبل الميلاد، وكان مؤسس هذه السلالة يحمل اسماً حورياً هو حاباتيلاس Hapatilas، وقد ازدهرت تل- بارسِب في عهد خليفته حامياتاس Hamyatas الذي خلف الكثير من النصب والمنحوتات المنقوشة بنصوص لوفيانية ساعدت على معرفة تاريخ المدينة حينذاك مثلما أعطت الاسم الحثي الحديث للمدينة، وهو مَصواري Masuwari. أما الطابع الآرامي فقد طغى على المدينة في مطلع القرن التاسع قبل الميلاد.

لا يزال اسم المدينة خلال الألفين الثاني والثالث قبل الميلاد محل شك، ولا يتوافر الدليل الحاسم عليه، وقد افترض بعض الباحثين أن هذا الاسم كان دور- أدّو Dur- Addu المذكور في نصوص ماري. وذهب باحثون إلى افتراض أن يكون اسم المدينة في الألف الثالث قبل الميلاد أبارسال Abarsal الذي ورد في نصوص إيبلا [ر]؛ إذ إن تلك النصوص تشير إلى معاهدة عقدت بين حاكمي إيبلا وأبارسال لضمان طرق تجارة إيبلا الشمالية- الشرقية مع شمالي بلاد الرافدين، ويمكن قبول هذا الافتراض في حال توافر الدليل الحاسم على صحته مستقبلاً.

 

نائل حنون

 

 

مراجع للاستزادة:

 - G. BUNNENS, “Tell Ahmar on the Euphrates: a new research project of the Uni­ver­si೿ty of Melbourne”, Akkadica 63 (1989), pp. 1-11.

- G. BUNNENS, “Til Barsib under Assyrian Dom೿i­na೿tion: a brief account of the Mel­bourne University Ex­ca­va೿tions at Tell Ahmar”, Assyria 1995, S. Parpola and R. M. Whiting (eds.), (Helsinki, 1997), pp. 17-28.

 - F. THUREAU- DANGIN and M. DUNAND, Til- Barsib, (Paris, 1963).

 


التصنيف : العصور التاريخية
النوع : مواقع وأحياء
المجلد: المجلد الأول
رقم الصفحة ضمن المجلد : 241
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 591
الكل : 27118064
اليوم : 30740