logo

logo

logo

logo

logo

التحصينات في العصور الكلاسيكية

تحصينات في عصور كلاسيكيه

-

 التحصينات

التحصينات

 

التحصينات في العصور الكلاسيكية

مرت التحصينات fortifications في سورية خلال العصور الكلاسيكية بمراحل عدة تميزت فيها بسمات مختلفة، حيث كان للظروف السياسية والطبيعية في كل عصر تأثير كبير في واقعها المعماري، ويمكن تحديد ثلاث مراحل مهمة مرت فيها هذه التحصينات، وهي:

المرحلة الأولى: تمتد منذ بداية القرن الثالث قبل الميلاد حتى نهاية القرن الأول قبل الميلاد وهذه المرحلة تغطي العصر الهلنستي وبدايات العصر الروماني. تميزت المرحلة الأولى بكثرة الحروب؛ ولا سيما خلال القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، شهدت تحصينات المدن خلالها أعمال بنا وتجديد وتدعيم مستمرة لتلافي الدمار الذي تعرضت له نتيجة الأحداث التي مرت خلال هذه المرحلة.

 
مخطط مدينة أنطاكية

ففي مدينة أنطاكية يشير نص للجغرافي اليوناني استرابون [ر] Strabo في حديثه عن مدينة أنطاكية إلى أنها كانت مؤلفة من أربعة أحيا ، ولكل حي سور خاص به؛ إضافة إلى سور يحيط بالأحيا الأربعة، ويتحدث عن كيفية بنا هذه الأحيا على نحو متعاقب من قبل ملوك السلوقيين الأوائل. وقد أثر الضعف الذي ساد الدولة السلوقية بد اً من القرن الثاني قبل الميلاد في المدن السلوقية التي لم تتطور بطريقة مهمة، تعرضت أسوارها لتدمير متواصل بسبب الأحداث التي عاشتها؛ وبالتالي فإن أعمال التجديد فيها لم تتوقف.

أما مدينة أفامية [ر] فقد تم تخطيط هذه المدينة وفق طبوغرافية الموقع لذلك جا مخططها غير منتظم، يبلغ طول سورها نحو ٨كم مدّعماً بمئة برج، والمساحة الإجمالية نحو ٢٢٥ هكتاراً. يبدو بالاعتماد على التنقيبات التي أجريت في الموقع أن التخطيط العام للمدينة يعود إلى العصر الهلنستي، حيث أظهرت التنقيبات في كامل محيط المدينة- باستثنا ات بسيطة- وجود أساسات ذات طبيعة معمارية عائدة إلى العصر الهلنستي ولكن الأجزا العليا من هذا السور تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي. أما فيما يتعلق بالأبراج؛ فقد لوحظ وجود اختلاف في عددها، فالأبراج العريضة الهلنستية الأصل تتميز غالباً بتغير في اتجاه الجدار، وأغلب الظن أنه تم انتظار نحو مئة سنة من تأسيس المدينة في بداية العصر الهلنستي من أجل تشييد السور.

 
مخطط مدينة أفامية مخطط مدينة بصرى 

كما شيدت مدينة سيروس [ر] (النبي هوري) في وادي عفرين من أجل حماية الطريق الرابط شماليّ بلاد الرافدين مع أنطاكية، وتميزت بموقعها الاستراتيجي؛ إذ أدّت دوراً مهماً كمركز لقيادة الحملات والجيوش ضد الدولة البارثية ابتدا ً من القرن الثاني قبل الميلاد.

أما في المنطقة الساحلية؛ فقد عثر في موقع رأس ابن هاني [ر] في الجز الشرقي من المدينة على التحصينات من العصر الهلنستي. لقد تأسس ابن هاني (هانئ) منذ البد كمدينة كبيرة الأبعاد محصنة بأسوار منيعة وبحجارة كبيرة، تعطي هذه المدينة نموذجاً عن التصورات العمرانية والدفاعية التي تجلت في النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد.

أما مدينة دورا أوروبوس [ر] فتُعد صورة حقيقية عن مخطط المدن الشطرنجي، وتقدم نفسها بحسب مظهرها كمدينة شرقية، بيّنت الدراسات الأثرية أن خصائصها هي خصائص مدينة هلنستية. ذات ميزات دفاعية واضحة؛ كالقلعة المنيعة المعزولة عن المدينة، وأسوار عمرانية تتطابق مع الجرف في الشرق والواديين الصغيرين المحيطين بالمدينة من الشمال والجنوب؛ إضافة إلى الجدران الضخمة المستقيمة المدعمة بأبراج مربعة من جهة الهضبة، وأبواب عظيمة محمية بشدة.

 
مخطط مدينة دورا أوروبوس 

المرحلة الثانية: تمتد مع عهد الامبراطور الروماني أوغسطس [ر] (٢٧ ق.م - ١٤م) حتى منتصف القرن الثالث الميلادي عندما بدأ الضعف يدب في الامبراطورية الرومانية. تشمل هذه المرحلة الجز الأكبر من العصر الروماني المسمى بفترة السلام الروماني. تمت في هذه المرحلة أغلب المشاريع العمرانية المهمة في سورية الكلاسيكية، شهدت خلالها المدن السورية نهضة عمرانية معمارية، وذلك بفضل السلام الامبراطوري الذي ساد خلال المرحلة.

تبدل نظام الحماية في هذه المرحلة، وانتقل من نظام حماية المدينة التي تشكل فيها الأسوار الخط الدفاعي الرئيس إلى الدفاع عن حدود الدولة، إذ تم تنظيم خط هجومي Limes ابتدا ً من عهد الامبراطور ترايانوس [ر] ٩٨- ١١٧م مدعماً بمراكز عسكرية متتالية على طول الحدود مع الامبراطورية البارثية [ر]، تقوم هذه المراكز بحماية المعابر الحدودية ونقاط وجود المياه ضمن هذا الخط، مثل مدينة دورا أوروبوس التي دخلت تحت السيطرة الرومانية عام ١٦٨م، وتحولت إلى مركز عسكري مهم في منطقة الفرات. أما حماية المدن داخل الدولة؛ فقد أُنيطت بالفرق العسكرية الموزعة في مناطق مختلفة في سورية، حيث تمركزت بجوار المدينة كالفرقة العسكرية المتمركزة في الضمير شرق دمشق ورافاني شمال شرقيّ حمص [ر] والفرقة المتمركزة بجوار مدينة سيروس في وادي عفرين. لذلك لم تحظَ أسوار المدن خلال هذه المرحلة بالاهتمام الذي كانت عليه في المرحلة الأولى.

كانت أنطاكية من أهم المدن السورية؛ حيث كانت العاصمة خلال هذا العصر، فقد دلّت مصادر الجغرافي استرابون على إن الامبراطور تيبيريوس قد بنى سوراً حول أنطاكية ضم أحيا المدينة العائدة للعصر السلوقي.

أما تحصينات مدينة سيروس؛ فقد فقدت أهميتها خلال العصر الروماني بسبب تحول طريق الفرات باتجاه مدينة حلب في عهد الإمبراطور الروماني سبتيموس سفيروس [ر] في ١٩٣-٢١٣م، وبذلك يلاحظ أن أسوار المدينة قد أهملت خلال هذا العصر. لقد تعرضت أسوار مدينة أفامية أيضاً لتدمير بسبب الأحداث التي مرت بها، وكان لزلزال ضرب المدينة في عام ١١٥م تأثير مخرب في المدينة وتحصيناتها؛ مما تطلب إعادة بنا المدينة وترميم أسوارها خلال هذا العصر، وقد تميزت الأبراج في العصر الروماني بأنها أصغر حجماً من أبراج العصر الهلنستي.

مخطط مدينة سيروس

بقيت أسوار مدينة تدمر خلال العصر الروماني بسيطة، ولم تستطع أن تصمد أمام قوات الامبراطور أورليانوس [ر] في القرن الثالث للميلاد، وهذا ناجم عن الإهمال لأسوار المدن في عصر السلام الروماني. ولكن تدمر تحولت فيما بعد إلى منطقة أساسية في الخط الدفاعي الذي أنشئ من قبل الامبراطور ديوقليسيانوس[ر] في نهاية القرن الثالث للميلاد؛ إذ تم رفع أسوارها بهدف حماية الفرقة العسكرية الأولى، ويبدو أن الأسوار في هذه المرّة لم تتضمن كل أجزا المدينة حيث بقيت الأحيا السكنية خارجها.

 
مخطط مدينة تدمر 

كما أن تحصينات مدينة دورا أوروبوس قد استكملت خلال هذا العصر بسبب التهديد الفارسي (البارثي والساساني) على نحو متكرر على هذه المدينة؛ مما تطلب الاستعجال في إنها بنا الأسوار وتدعيمها من خلال تجميع الأتربة على جدار السور من الداخل بهدف تقويتها.

أما في المنطقة الجنوبية فإن مدينة بصرى قد أصبحت عاصمة للولاية العربية عام ١٠٦م بعد أن كانت العاصمة الثانية للمملكة النبطية، تمركزت فيها فرقة عسكرية رومانية. يقع السور في الجهة الغربية من المدينة، ومازال محافظاً على وضعه حتى الآن، يعود بناؤه إلى القرن الثاني للميلاد، أنشئ على أساسات نبطية كما أثبتت ذلك الأسبار الأثرية، يضم هذا السور باباً ضخماً يقع على الطريق المحوري للمدينة.

أما مدينة فيليبيوبوليس (شهبا) فيعود تاريخ أسوارها إلى منتصف القرن الثالث، تلقت الكثير من الرعاية خلال فترة حكم الامبراطور فيليب العربي (٢٤٤-٢٤٩م) الذي يتحدر منها، وسميت نسبة إليه فيليبيوبوليس، كانت ذات مخطط منتظم، أسوارها شبه مربعة ومدعمة بالأبراج، وتمتلك المدينة أربعة أبواب محصنة.

المرحلة الثالثة: تمتد من منتصف القرن الثالث الميلادي حتى الفتح الإسلامي ١٥هـ/ ٦٣٦م. تغطي هذه المرحلة نهاية العصر الروماني وكامل العصر البيزنطي في سورية.

دمشق  تدمر 

تغيّر نظام الحماية في المدن السورية مع وصول الساسانيين إلى الحكم في بلاد فارس خلال المرحلة الثالثة، تميزت بأعمال هجومية من قبل الساسانيين وصلت ذروتها في الهجوم على سورية عام ٢٥٦م وتدمير مدينة دورا أوروبوس واحتلال مدينة أنطاكية وأفامية؛ مما دفع كلاً من الامبراطورين أورليانوس وديوقليسيانوس لتقوية الخط الحدودي Limes وتعويض دور تدمر التي دمرت بإضافة مراكز عسكرية جديدة إلى الخط الذي امتد من أعالي نهر الفرات شمالاً حتى حوران جنوباً، وأصبح هذا الخط ذا طبيعة دفاعية بعد أن كان ذا طبيعة هجومية في المرحلة السابقة، كما تحولت بعض المدن السورية كبصرى وتدمر إلى مراكز دفاعية. أثرت حروب هذه المرحلة بين بيزنطة والدولة الساسانية في المدن السورية، التي انتهت باحتلال الساسانيين لأنطاكية عام ٥٤٠م وعقد هدنة مدة خمسين عاماً، تغيرت السياسة الدفاعية لبيزنطة إذ اعتمد الامبراطور جوستينيانوس [ر] على الغساسنة [ر] في سورية ضد المناذرة [ر] في العراق المدعومين من الدولة الساسانية، وانتهت هذه المرحلة بالفتح الإسلامي لسورية.

 
صورة جوية لمدينة دورا أوربوس

من الأمثلة عن تحصينات المدن خلال هذا العصر: مدينة أفامية، حيث تعرضت هذه المدينة لكثير من الكوارث من الزلازل وأحداثٍ عسكرية عصفت بالمدينة خلال العصر البيزنطي؛ مما تطلب القيام بأعمال الترميم لأسوارها خاصة في القرن السادس الميلادي؛ ولاسيما في عهد الامبراطور البيزنطي جوستينيانوس.

 
من آثار مدينة دورا أوروبوس  مدينة دورا أوروبوس 

أما أسوار مدينة سيروس الظاهرة للعيان حالياً؛ فإن تخطيطها ينسجم على نحو كامل مع طبوغرافية الموقع (هضبة)، إن هذه الأسوار العائدة إلى العصر البيزنطي والمدعمة بالأبراج ربما جا ت على تخطيط هلنستي، وبانتظار نتائج التنقيب الجديدة للتأكد من ذلك بوضوح.أما أسوار مدينة سيروس الظاهرة للعيان حالياً؛ فإن تخطيطها ينسجم على نحو كامل مع طبوغرافية الموقع (هضبة)، إن هذه الأسوار العائدة إلى العصر البيزنطي والمدعمة بالأبراج ربما جا ت على تخطيط هلنستي، وبانتظار نتائج التنقيب الجديدة للتأكد من ذلك بوضوح.

أما مدينة تدمر فتعود أسوارها الباقية الآن إلى عهد الامبراطور ديوقليسيانوس (٢٨٥-٣٠٥م) والامبراطور جوستينيانوس (٥٢٧-٥٦٥م)، حيث قام هذا الأخير بتدعيم هذه الأسوار لحماية المدينة وتقويتها من التهديد الساساني.

تميّز عصر الامبراطور جوستينيانوس بإنجاز الكثير من تحصينات المدن الكبيرة والصغيرة في سورية بسبب الخطر الساساني على سورية؛ حيث قام بتحصين أغلب المدن السورية المهددة بالاحتلال من قبل الساسانيين مثل أنطاكية وسورا والرصافة، ويمكن تتبع أعمال هذا الامبراطور المعمارية من خلال المعطيات الأثرية في عدد من المواقع وكذلك من خلال المصادر التاريخية للمؤرخ البيزنطي بروكوبيوس [ر] Procopius.

مأمون عبدالكريم

 

 

 


التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 32
الكل : 10414592
اليوم : 1216