logo

logo

logo

logo

logo

الباروك والروكوكو (فن-)

باروك وروكوكو (فن)

-

 الباروك والركوكو

الباروك والركوكو (فن -)

 

   

الباروك: مصطلح يعني في مضمونه اللغوي الشي الغريب أو المحوَّر عن أصله؛ أطلقت هذه التسمية على العديد من الفنون التي سادت غربيّ أوربا وأمريكا اللاتينية في القرنين 16-17م؛ ولاسيما في مجال فنون العمارة والتصوير، وذلك قبل أن يعمم مضمونها ليشمل مختلف العلوم الإنسانية؛ من أدب ومسرح وموسيقا وغيرها من الفنون، وذلك إثر الحركة الثقافية التي تركت بصمات واضحة في مفاهيم الحياة العامة. وأسهمت مجموعة من العوامل الناجمة عنها في تكوين أسلوب الباروك وازدهاره، وقد ترك بصمات واضحة في الحياة الثقافية لأوروبا الغربية منذ مطلع القرن السابع عشر الميلادي، ومنها:

1- ثورة الفنانين في نهاية القرن السادس عشر ضد فن عصر النهضة المنمق، الذي استند إلى أسلوب التوازن التماثلي المقيد باستخدام المساحات المستطيلة، والذي عدله الفنانون الباروكيون؛ ليصبح أكثر دراميةً وإثارة، وذلك من خلال استخدام المساحات المقوسة.

2- رغبة الكثير من حكام ذلك العصر وملوكه في تطوير أسلوب فني يمجد حكمهم، ويضخم أعمالهم، ويبرز دورهم ومكانتهم السياسية والاجتماعية المطلقة، والتي نجم عنها قيام العديد من الملوك والأباطرة بتشييد العديد من المنشآت المعمارية الفخمة، كما في قصر فرساي Versaihhes وحدائقه الملكية، وقصر زفنجر Zwinger في ألمانيا.

3- الدور المهم الذي كان لحركة الإصلاح الديني المضاد في أوربا؛ التي أثارت الشعور بالحماسة الدينيّة، التي كان لها دور أساسي في نمو أسلوب الباروك وتطوره منذ نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر الميلاديين.

خصائص فن الباروك:

تميز فن الباروك بطرازه المعقد الذي استمد منه خصوبته، فهو فن اللحظة الآنية وذروة الحركة السريعة المشحونة بالانفعالات الحزينة التي تجمع في نمطها التركيبي بين العظمة واللاواقعية التي تجلت في الغنى اللوني المتداخل مع التراكيب والأشكال الزخرفية المرسلة في الفضا والمتجانسة مع التراكيب المعمارية التي تعتمد في أسلوبها الفني على مبدأ الخداع البصري لتحقيق نوع من التكامل الفني.

يعتمد طراز الباروك في منهجه الفني على إظهار الحيوية والحركة وجيشان العاطفة المبتذلة، وذلك على النقيض من الاتجاه الكلاسيكي الذي كان يهدف إلى محاكاة الواقع في صور جمالية منسقة.

على الرغم من أن أسلوب الباروك قد برز بشكلٍ ملموس في مجال العمارة والنحت والرسم، غير أن هذا الأسلوب الفني ما لبث أن تحول إلى مدرسة فنية انضوت تحتها مختلف أنواع الفنون من موسيقا وشعر وأدب ومسرح.. وغيرها من الفنون والعلوم الإنسانية؛ ليكوّن ظاهرة ثقافية مستقلة بحد ذاتها.

يعبّر فن الباروك في إيطاليا عن مثل أعلى سياسي وديني، وفي فرنسا يعبر عن مثل سياسي محض؛ وفي إسبانيا عن مثل أعلى ديني. وقد اصطلح علما الفن على تقسيم عصر الباروك إلى مرحلتين، وهما مرحلة الباروك المبكرة والعليا، والمرحلة المتأخرة التي عرفت باسم الركوكو Rococo.

مرحلة الباروك المبكرة والعليا

مع بدايات القرن السادس عشر الميلادي أخذ فن الباروك يكوّن حركة فنية جديدة، بدأت بالسيطرة على فنون العصر على الصعيدين الفني والزخرفي، إذ تميزت مشيدات العصر بكثرة العناصر المنحنية والاستخدام المتقن والمعقد للأعمدة والمنحوتات، والتي وجدت دعماً كبيراً من قبل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وملوك أوربا الأقويا الذين كانوا من أكبر المؤيدين لحركة الإصلاح المضاد الذي نجم عنه ولادة طراز الباروك بنمطه الفني الجديد المناقض لفنون المرحلة السابقة على الصعد كافة.

ويُعدّ جيوفاني برنيني Giovanni Bernini المؤسس الحقيقي لفن العمارة الباروكية، والذي برع في مجال تخطيط المدن والمشيدات المعمارية، والتي تمثلت في تشييده لقصر بربريني ونافورة مياه ساحة نافونا في روما Place Navone ر(1653-1657م) التي شكلت نموذجاً لفن الباروك الإيطالي، وكذلك برز اسم بروميني Bromini الذي جَمَّل واجهة كنيسة القديس أغنيز Agnes في روما معتمداً في تزيينها وزخرفتها على السطوح والخطوط الانسيابية والانحنا ات المتواصلة واستخدام الحنيات المتواصلة؛ وكذلك الإفراط الزخرفي الذي يخدم الشكل، ولا يؤثر في المضمون.

كنيسة القديس أغنيز (روما) نافورة مياه ساحة  قصر نافونا في إيطاليا

كما لمع في هذا المجال اسم كل من المعماريين لورينزو برنيني Lorenzo Bernini وفرانشيسكو برومينو Bromino وكذلك غوارينو غواريني Guarino Guarini الذي أبدع في توزيع أعمدة ساحة كنيسة القديس بطرس التي اتخذت في توزيعها شكل ثقب المفتاح، وكذلك تشييده لقبة كنيسة القديس لورنزو San Lorenzo في تورينو (1668-1687م)، والتي تميزت بقبتها المخروطية الشكل والمرفوعة فوق فراغ يتخذ الشكل المثمن.

هذا وقد انتقل فن الباروك في مراحله الباكرة إلى فرنسا، حيث ترك بصمات واضحة في فن العمارة الملكي، الذي تجلى في تشييد قصر فرساي وتنظيم حدائقه الملكية، الذي صمم من قبل المعماريين الفرنسيين لويس لوفاو Louis le Fao وجول هردوين مانسارت Jules Hardouin Mansart ر(1661م)، هذا القصر الذي قدر طوله بما يقارب 400م. واحتوى على 1300 غرفة؛ مع التركيز على تنسيق حدائقه الملكية التي تحيط بمجمل الكتلة المعمارية.

ومن هناك انتقل هذا الفن في وقت متأخر نسبياً إلى باقي أنحا أوربا وأمريكا، حيث وقع الفنانون في مرحلة الاقتباس الأولى تحت تأثير المدرسة الإيطالية في فن الباروك، وذلك قبل أن يخطوا لأنفسهم منهجاً فنياً جديداً خاصاً في مجال العمارة، ميّز كل بلد بأسلوبه الباروكي المتفرد عن غيره، والمتأثر بالسمات والمظاهر الثقافية والحضارية لكل دولة.

غير أن الطراز الفني الباروكي الأول ما لبث أن شهد نوعاً من التطور في نهاية القرن السابع عشر الميلادي، عندما قصد المعماري أن يترك أثراً درامياً من خلال أعماله الفنية التي أخذت بالتطور عن المفهوم النموذجي للعمارة الباروكية الأولى؛ حيث برز هذا التطور وبشكلٍ واضح في أكثر طرز مرحلة الباروك العليا شهرةً وهو الطراز الإسباني المعروف باسم شوريجورسك، الذي عممه الإخوة ألبرتو Alberto وخواكين Joaquin وخوسيه شوريجورا الذين كانوا من أوائل رواد هذا الطراز. أما في بريطانيا فقد لمع اسم كل من المعماريين جون فانبرا الذي صمم قصر بلنهايم في أكسفورد شاير (1705-1724م)، وهو من أكثر قصور الباروك بذخاً، وكذلك المعماري كريستوفر رن Christopher Run الذي يُعدّ أحد أهم رواد طراز الباروك الإنكليزي، حيث برزت موهبته في تصميمه لكاتدرائية سان بول ( القديس بولص) في لندن (1675-1710م).

المرحلة المتأخرة لفن الباروك (الركوكو):

ما لبثت مرحلة الباروك العليا أن أخذت بالتراجع والانحسار مع مطلع القرن الثامن عشر الميلادي؛ فاسحةً المجال أمام مرحلة تطورية جديدة لفن الباروك عرفت باسم الركوكو، التي يصنفها بعض الباحثين على أنها المرحلة الأخيرة من مراحل تطور فن الباروك، في حين يعدها بعضهم مدرسة فنية جديدة مستقلة بذاتها؛ عندما أخذت هذه النزعة الفنية الجديدة بالسيطرة على الثقافة العامة خلال السنين (1720-1780م)، وانتشرت في جميع أنحا أوربا فيما بعد؛ مشكّلةً الحلقة النهائية لتطور فن الباروك التقليدي الذي اعتمد على الضخامة في توزيع العناصر والوحدات، وذلك على النقيض من فنون مرحلة الركوكو المتطورة التي امتازت بالتركيز على الخفة والنعومة الهيكلية المتزامنة مع الغنى الزخرفي؛ والتي تجلت بوضوح في العديد من المساكن والقصور الراقية التي شيدها النبلا الفرنسيون في باريس، وكذلك الكنائس والأديرة التي شيدت في جنوبيّ ألمانيا والنمسا، ككنيسة دَفيز Davis التي صممها المعماري دومينيكو سزيمرمانا في جنوبيّ ألمانيا (1745-1754م)، وكذلك قاعة المرايا بجناح قصر أمالينبورج Amalienborg التي صممها المعماري فرانسوا كوفيليه الفلمنكي المولد في الثلاثينيات من القرن الثامن عشر الميلادي في جنوبيّ ألمانيا بالقرب من ميونخ.

الجناح الداخلي في قصر شونبرون قصر شونبرون (فيينا) قصر البلفدير (فيينا)

ومن أشهر المباني المشيدة وفق طراز الركوكو قصر البلفدير Belvedere الصيفي المطلّ على الحديقة في فيينا، والقصر الذي شيّده المهندس لوكاس فون هيلدبراندت Hildebrandt، المتميّز بخط أفقه المتكسّر وأبراجه الركنية الأربعة، والغنى الزخرفي المنبثق من الأبواب ليشمل مجمل واجهة البنا ، حيث حفت جوانب نوافذ الطابق الثاني ببعض الأعمدة الملتصقة المركّبة المفرطة في زخارفها، ومجموعة التماثيل التي كونت مشهداً لراقصي الباليه- المنمقة والمتداخلة مع مجموعة الخطوط والمنحنيات المتعرجة والمنكسرة- التي تكسب المشهد نوعاً من الواقعية والحركة القائمة على مل الفراغ؛ والتي تتيح الفرصة لتلاعب النور والظل تلاعباً يتغيّر بتغيّر أوقات النهار بحيث تبدو الواجهة وقد غشّـتها دوّامات الحركة بلا توقّف، فإذا ما انتقلت العين أفقياً من جانب إلى آخر تعاقبت الأشكال المقعّرة والمحدّبة في إيقاع مرهف آسر؛ الأمر الذي يؤكد القول: إن طراز «الركوكو» الذي بلغ غاية الرقّة ولطف العذوبة كان آخر الطرز الأوربية التي التزمت الأسس الجمالية المتعارف عليها؛ والتي قامت على تميز هذا الفن بطابعه الأرستقراطي الذي انتشر بين الطبقة البرجوازية العليا وأرستقراطية المدن، والذي اعتمد في تركيبه العام على الخطوط اللولبية المنحنية، التي تبنت أشكال القواقع والمحار والأصداف البحرية وأنماطها، أو التراكيب الصخرية في الكهوف والمغارات من الصواعد والنوازل؛ لتنسيق الفراغ الداخلي لدور السكن وزخرفته؛ من الردهات والقاعات الصغيرة المخصصة للاستقبال؛ ولاسيما اللفائف الحلزونية المذهبة التي استخدمت في تجميل السقوف والجدران، والتي عممت فيما بعد؛ لتشمل كل ما يحتويه السكن من أثاث ومفروشات (أرجل المناضد الخشبية والأرائك، والمنسوجات..)، ولعل النموذج الأمثل الدال على طراز هذا العصر هي مجموعة تلك الرسوم المطبوعة بطريقة الحفر الغائر والنافر التي أعدها الفنان أنطوان فاتو؛ مستخدماً في مضمون تركيبها الزخرفي التراكيب الصدفية والمحارية المنفذة بدقة وبراعة، والتي مكنت الفنانين فيما بعد من استعارة عناصره المبتدعة وصيغها المحورة لتطبيقها في شتى مجالات الزخرفة؛ سوا ً في الكسوات الخشبية على الجدران، أم ورق الحائط المطبوع، أم في مشغولات الجص والطين المحروق المطلي باللونين الأبيض والذهبي، وكذلك المنسوجات.

منحوتة "أبولو ودافني"
لجان لورنزو برنيني
منحوتة "الروح الملعونة" لجان لورنزو برنيني
هذا النحت يمثل رأس برنيني نفسه: ويقال إن
برنيني وضع يده في النار ليكشف التعبير الحقيقي

وإذا قورن فيما بين التنسيق الداخلي لقصر شونبرون بـفيينا الذي يُعدّ نموذجاً مهماً للركوكو؛ والتنسيق الداخلي للقصور الباروكية المشيدة في عهد لويس الرابع عشر؛ لتجلّى الفارق بينهما بوضوح، فعلى حين كان طراز الباروك مهيباً جليلاً باهراً كان طراز الركوكو جذّاباً رقيقاً رشيقاً رهيفاً، حيث تحل الرقّة مكان الشموخ والضخامة؛ والأناقة مكان الجلال والفخامة.

أما في مجال فن النحت؛ فقد كان من الطبيعي أن يتلازم هذا الفن مع التطورات الفنية المهمّة لفن الباروك وطرازه؛ إذ تأثر فن النحت تأثراً واضحاً بتطورات فن العمارة؛ نتيجة الارتباط الوثيق بين هذين الفنين من حيث الكتلة والفراغ والزخرفة، وذلك من خلال الميل الواضح نحو الحركة الشديدة نتيجة المزج الدقيق بين الكتلة والفراغ، هذا إلى جانب استخدام مواد جديدة مثل الجص اعتمدت على نحو واضح وملموس في تطبيق التراكيب النحتية ذات الطبيعة الزخرفية في مجال العمارة، وبرز في هذا المجال جان لورنزو برنيني الإيطالي الجنسية، الذي عمل في المنحوتات الرخامية؛ ولاسيما تصميم نوافير المياه، والتماثيل النصفية، وكذلك المنحوتات الكاملة التي تميزت بوقفتها المتراخية وتراكيبها الواقعية التي تعطي إحساساً مسرحياً متوهجاً قائماً على المبالغة والانفعال والتكلف.

أما في مجال الرسم فقد برع بيتر بول روبنز الذي يُعدّ من أشهر فناني الباروك في مجال الرسم، إذ رسم عدداً كبيراً من اللوحات التشكيلية، حيث صوّر موضوعات أسطورية وتكوينات زخرفية لأشكال ضخمة ذات حركة ديناميكية، وكذلك برز اسم رامبرانت في هولندا، والذي نفذ العديد من اللوحات التي تأثرت بأعمال كارافادجو وروبنز، غير أن ما ميّز أعمال رامبرانت هو استخدام تأثير الضو وتطبيق الألوان بحرية وتنوع وتدرج لإبراز الحالة العاطفية والنفسية؛ وفي إسبانيا برز اسم الرسام دييغو فيلازكز الذي عُدّ من أشهر رسامي العصر.

ومن الجدير بالذكر أن عصر الباروك لم يتأطر بفنون العمارة والنحت والتصوير أو الرسم، بل تعدى ذلك إلى العديد من الفنون الإنسانية؛ ولا سيما الأدب منها الذي اصطبغ بسمات عصر الباروك الذي لم يتسم بالحداثة الكلية، وإنما كان نوعاً من الاستعادة أو المتابعة لأفكار المرحلة الأخيرة من العصور الوسطى، والذي يعبر في عمقه عن الأفكار المسيحية الكاثوليكية، المرتبطة بفلسفة اللاهوت المسيحي؛ إذ جنح أدب عصر الباروك نحو التعبير عن المتناقضات وإلى المبالغة في الأسلوب اللغوي والخروج على قواعد الأشكال الفنية، فهو من حيث المضمون لا يعبر عن تجربة ذاتية، بل هو استعراض مسرحي ذو طابع تزييني، يُكثر من استخدام المحسنات الخطابية العاطفية التي تمنح كل صورة قيمة مجازية خاصة بها.

شعلان الطيار

 

مراجع للاستزادة:

- Andersen LISELOTTE, “Baroque and Rococo Art”, (New York, 1969).

- Heinrich WÖLFFLIN, 1964. Renaissance and Baroque (Reprinted 1984; originally published in German, 1888).

 

 

التصنيف : آثار إسلامية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 26
الكل : 12091788
اليوم : 808