logo

logo

logo

logo

logo

البيمارستان

بيمارستان

-

البيمارستان 

 

يعد البيمارستان من مباني الرعاية الاجتماعية التي تؤلف جزءاً مهماً من المباني المدنية في العمارة الإسلامية. وتعكس البيمارستانات في الحضارة الإسلامية دلالات إنسانية وعلمية غاية في التقدم والرقي. والبيمارستانات مفردها بيمارستان، وهو محلٌّ معدٌّ لإقامة المرضى، ويتألف اللفظ من كلمتين فارسيتين أولاهما «بيمار»بمعنى مريض أو ضعيف أو عليل، وثانيتهما «ستان» بمعنى بيت أو دار أو محل، فهو دار أو محل المرضى أو دار المرض، وتعرف اليوم بالمستشفى، وقد اختصر الاسم فصار مارستان وبيمرستان.

وقد تطوّرت عمارة البيمارستانات بوصفها منشآت معمارية مستقلة ذات وظيفة محددة في العمارة الإسلامية منذ العصر الأموي؛ حين بنى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك في دمشق سنة 88ه/706م بيمارستاناً جعل فيه أطباء لهم أرزاق محددة لقاء معالجة المرضى، حيث يقول تقي الدين المقريزي: «إن أول من بنى البيمارستان في الإسلام ودار المرضى الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي وجعل في البيمارستان الأطباء، وأجرى لهم الأرزاق، وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق».

واجهة مدخل البيمارستان النوري في دمشق

وقد أبدى المسلمون لاحقاً اهتماماً كبيراً بإنشاء البيمارستانات، إذ تطورت وزاد عددها في العصر العباسي، فشُيِّد عدد كبير منها في كلّ الحواضر الإسلامية التي عرفت هذا النّوع من الأبنية الطّبية؛ من خوارزم إلى بغداد ودمشق ثم إلى مصر وتونس وغرناطة. حتى إنّ الأقاليم كانت لها بيمارستاناتها هي الأخرى، وقد عرفت إسطنبول وحدها قيام سبعين بيمارستاناً خلال خمسة قرون. أمّا أوّل بيمارستان عثماني فقد أُقيم في بورصه سنة 727ه/1326م ولم تكن قد عرفت هذا النوع من المباني.

بوابة البيمارستان النوري في دمشق

وكان المسلمون يبالغون في عنايتهم باختيار المكان الصحي والملائم الذي يصلح لإقامة بيمارستاناتهم عليها، وجعلوها أمكنة للاستشفاء، ومدارس لتعليم الطلاب وتمرينهم، وتخريج الأطباء. وكان للبيمارستانات أوقاف يصرف منها عليها، وأُنيطت إدارتها بالمديرين المنتخبين من أمراء البلاد أو من قواد الجيش. وأوكل أمر التطبيب فيها إلى أطباء انتخبوا - بعد الامتحان - عن جدارة ومقدرة، وعُيِّن لكلٍّ منها طبيب وجراح وكحال وفاصد، وخدم عديدون لتوفير راحة المرضى، وكان يعطى لكلِّ طبيب بعد الامتحان إجازة تخوّله العمل في دائرة اختصاصه.

الواجهة الداخلية الجنوبية لصحن البيمارستان النوري
الدهليز والصحن في البيمارستان النوري في دمشق

في بلاد الشام استمرت العناية بإقامة هذه المنشآت حتى صارت تشبه ما يعرف اليوم بالمشافي الجامعية، فكانت مدارس عليا للطب، وأُلحق بها مكتبة طبية. وقد شهدت عمارتها في القرن 6ه/12م تطوراً مميزاً، حين عمّر السلطان نور الدين محمود بن زنكي بيمارستانه في دمشق 549ه/1154م  على نمط المدارس الإسلامية، (الصّحن المركزي والأواوين الأربعة). وفي القرن 8ه/14م  شهدت عمارة البيمارستانات قمة تطورها حين أُنشئ البيمارستان الأراغوني بحلب [ر] 755ه/1354م بمقاييس ومعايير معمارية دقيقة تتناسب مع الغاية من عمارته، وتحقيقه على نحو أفضل لوظيفته؛ إذ صار البيمارستان يقسم عدة أقسام مختلفة بحسب الأمراض، بكل منها قاعات عدة مجهزة بالأدوات الطبية اللازمة، وكان للبيمارستان ناظر يشرف على إدارته، وفي كل بيمارستان عدد من الاختصاصيّين لكل منهم شيخ يتولى مهمة المعالجة والتعليم.

وقد اشتهر البيمارستان النوري في دمشق[ر] والنوري في حلب[ر] ، بعدّهما مدرستين لتعليم الطب، فأشرف الطبيب ابن النفيس على بيمارستان دمشق، كما أشرف الطبيب ابن أبي الوقار على بيمارستان حلب. وقد تخرج في البيمارستانين المذكورين مئات الأطباء الذين نقلوا علومهم إلى الشرق والغرب.

المدخل والإيوان الرئيسي في البيمارستان القيمري في دمشق

وكانت البيمارستانات تُعالج فيها جميع الأمراض والعلل الباطنية والجلدية والنفسية، وتُجرى فيها العمليات الجراحية، حتى خُصِّصت في البيمارستان الأراغوني بحلب أقسام خاصة لمعالجة المختلين والمجانين، كما خُصّصت في البيمارستان النوري بحلب قاعة خاصة لأمراض النساء.

البيمارستان الأرغوني في حلب

وفي مصر ظهر أول بيمارستان في العمارة الإسلامية في عهد ابن طولون سنة 259-261ه/872-874م. ثم كان من بعده البيمارستان الناصري، الذي أنشأه السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 578ه/1182م، وكلاهما لم يعد له وجود حالياً. أما بيمارستان قلاوون الذي ألحقه بمجموعته الشهيرة سنة 683-684ه/1284-1285م، فقد كان مثلاً واضحاً لهذه الأبنية في العمارة الإسلامية في مصر. وكان يضم قاعة لكل نوع من الأمراض كأمراض العيون والأمراض الباطنة والأمراض العقلية التي ألحقت بقاعاتها حجرات صغيرة لعزل الحالات الخطيرة، وقاعات أخرى خُصِّصت لإجراء العمليات الجراحية، فضلاً على جناح خاص للسيدات، وعيادة خارجية يتزود منها المرضى بما يحتاجون إليه من الأشربة والأدوية من خلال الوصفات الطبية الني يصفها لهم الأطباء، إلى جانب مطبخ لطهي الطعام. وظلّ هذا البيمارستان يؤدي وظيفته حتى توقف تماماً عندما انتقل المرضى منه إلى جامع ابن طولون في أوائل الخمسينات من القرن الماضي ثم إلى بولاق. أما البيمارستان الثاني في العمارة الإسلامية في مصر فهو البيمارستان الذي شيده السلطان المؤيد شيخ المحمودي  بين سنتي821-823ه/1418-1420م، ومازالت بقاياه قائمة حتى اليوم تدل على ما كان عليه عند إنشائه من جمال وجلال.

وقد كانت البيمارستانات في العصور الوسطى على نوعين: الأول هي البيمارستانات الثابتة التي تنطوي تحت العمارة الإسلامية. ويبدو أن هذا النوع أيضاً قسم إلى نوعين:  بيمارستانات عامة وبيمارستانات خاصة، والنوع الثاني البيمارستانات المتنقلة التي تُحمل على الحيوانات، وتنتقل من مكان إلى آخر، وترافق الجيوش في أثناء الحملات.

بيمارستان ديبوريغي في تركيا

 

وقد توفرت في بيمارستانات الخلفاء والسلاطين كل أسباب الراحة والرفاهية من أسرّة وثيرة ناعمة وحمامات فخمة. ومن المعلوم أن هذه البيمارستانات - على غناها ورفاهيتها - كانت تفتح أبوابها للفقراء ولكل أبناء الشعب مجاناً من دون تمييز. وكان الخلفاء وكبار موظفي الدولة هم الذين يدفعون أجور الأطباء والصيادلة وحاجيات المرضى في البيمارستانات التي أنشؤوها، وذلك بحبس الأوقاف عليها.

البيمارستان الصلاحي في القدس

وظلت البيمارستانات تقوم بدورها حتى ضاعت أوقافها واختلّت أحوالها وتراجع دورها، فصارت في وقت ما مكاناً للمجانين فقط، وصارت كلمة بيمارستان أو مارستان تعني بأذهان الناس مأوى المجانين.

وعلى الرغم مما تعرضت له البيمارستانات بعد انتهاء دورها لمصلحة المشافي الحديثة من تعديات كبيرة أضاعت العديد منها؛ فإن المدن السورية مازالت تحتفظ بالعديد من البيمارستانات المهمة الباقية، ففي مدينة دمشق يوجد بيمارستانان هما النوري 549ه/1154م، والقيمري[ر]646-656ه/1248-1258م، وفي حلب بقي البيمارستان النوري الذي هو في الأصل البيمارستان العتيق الذي بناه الطبيب ابن بطلان سنة 440ه/1048م، وجدده السلطان نور الدين محمود بن زنكي، إضافة إلى البيمارستان الأراغوني، وفي حماه يوجد البيمارستان النوري بجانب جامعه.

وعموماً فقد عكس بناء البيمارستانات التطور العلمي بقوة، وقدم شكلاً متطوراً عن التكافل الاجتماعي، فكانت البيمارستانات بحق أفضل عمائر الرعاية الاجتماعية في الإسلام.

غزوان ياغي

مراجع للاستزادة:

- عاصم محمد رزق، معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية (مكتبة مدبولي، القاهرة 2000م).

- أحمد عيسى، البيمارستانات في الإسلام (دار الرائد العربي، بيروت 1981م).

- غزوان ياغي، المعالم الأثرية للحضارة الإسلامية في سورية (المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، الرباط 2011م).

 


التصنيف : آثار إسلامية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 600
الكل : 27113341
اليوم : 26017