logo

logo

logo

logo

logo

التكفيت

تكفيت

-

 التكفيت

التكفيت

 

كَفَتَ: لغةً تعني الضم، أي ضم الشيء بعضه إلى بعض وجاء فى الحديث «.. واكفتوا صبيانكم عند العشاء فإن للجن انتشاراً وخطفة». والمُكفت هو من يلبس درعين بينهما ثوب. الكِفات (بكسر الكاف) هو الموضع الذى يُضَمُّ في الشيء ويُقبض مصداقاً لقوله تعالى }ألم نجعل الأرض كِفاتاً. أحياءً وأمواتاً{ وكفات الأرض: ظهرها للأحياء وبطنها للأموات.

الكِفْت: القدر الصغيرة، والكفت من الخيل: شديد الوثب الذى لا يستمكن منه. وفي الفارسية تعني كلمة التكفيت: الدق.

ولا تعارض بين المعنيين الدق أو الضم فى الفارسية والعربية لوقوعهما حال الصناعة، ويفهم ذلك من التعريف الاصطلاحي لكلمة التكفيت وهي زخرفة الأجزاء المفرغة من المعدن الأصلي بمعدن آخر شريطة أن يكون أكثر قيمة وذا لون مختلف عن المعدن الأصلي. وطريقة التكفيت تتم بتثبيت التحفة المراد تزيينها على طبقة من القار لتكتسب قوة تحمل عند الطرق على سطحها لعمل الرسوم والزخارف، حيث تُحز أو تحفر بقلم يدق عليه بمطرقة خشبية تسمى هذه العملية (الشق) لأنها تحدث شقوقاً بالمعدن المراد تكفيته، وتُملأ تلك الشقوق أو الزخارف بوساطة أسلاك يتم الدق عليها بحيث تكون أكثر بروزاً حتى تحدث الفائدة المرجوة منه؛ وهي إظهار الرسوم والزخارف وإيضاحها بشكل مغاير للمعدن الأصلي. والشائع أن يتم تكفيت البرونز والنحاس بالذهب والفضة أو النحاس الأحمر.

شمعدان مملوكي من النحاس والفضة (القرن 8 هـ/ 14م)

وقد اختلف في نشأة هذا الفن فهناك من يرى أنه ابتكار إسلامي وهناك من يرى أن فن التكفيت عرف عند المصريين القدماء، فما خلفوه من آثار باقية منذ عهد الأسرة الثامنة عشرة يدل على ذلك ومن أشهرها قناع توت عنخ أمون الذي يحتوي على زخارف متعددة بالمينا مختلفة الألوان (وهو نوع من التكفيت)، كما يحتوي على زخارف مكفتة بالذهب ذي اللون الوردي على أرضية الذهب الأصفر.

وهناك رأي ثالث– وهو الشائع – يرى أن الفرس هم من ابتكروا فن التكفيت حيث عُرف منذ العصر الساساني، وأن هذا الفن ازدهر فى بلاد الفرس حتى صارت خراسان مركزاً رئيسياً لهذا الفن. ثم انتقل إلى بلاد العرب فى عهد السلاجقة الأتراك فى القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي.

وتجدر الإشارة إلى أنه من الصعب الجزم برأي من هذه الآراء لعدم الإتيان بأدلة قاطعة، وأكثر الباحثين الذين رجحوا الرأي الثالث فإن مرجعهم في ذلك أمران:

1 - إن صناعة المعادن وتشكيلها وزخرفة الأواني كانت منتشرة في بلاد فارس منذ العصر الساساني وذلك نظراً لتوافر المعادن بتلك البقاع.

2 - كثرة ما خلف الساسانيون والفرس من آثار مكفتة دفع جل الآثاريين إلى القول إن هذا الفن موطنه بلاد فارس.

والحقيقة أنه لا يمكن الجزم بصحة هذا القول على إطلاقه ولا سيما أن خراسان مركز انتشار التكفيت وموطنه لم تكن جزءاً من بلاد فارس، إنما هي في الأصل جزء من بلاد الترك حكمها الفرس واستوطنها العرب المسلمون بعد فتحهم لها.

وأياً كان الأمر فإن مجيء الإسلام كان إيذاناً بتقدم فن التكفيت، فقد كانت عادة المسلمين عند فتحهم لأي مصر من الأمصار أن يأخذوا الصناع المهرة إلى دار الخلافة ويولوهم الرعاية والاهتمام، وعليه فإن هذا النوع من الفن صار من جملة الأساليب الفنية الراقية ولكن ذات طابع إسلامي صرف.

وجدير بالذكر أن فن التكفيت مر بعدة مراحل كان لكل مرحلة ملامحها وأساليبها الفنية التي تميزها من المرحلة الأخرى ومن أهمها:

المرحلة الأولى (وتعرف بالساسانية): برع الصناع الساسانيون في التكفيت، وذلك خلال القرنين الخامس وأوائل السادس الهجري، فغدت خراسان - وما فيها من مدن مرو وهراة ونيسابور وسيستان- مصدراً من مصادر الإشعاع لفن التكفيت.

وقد امتازت هذه المرحلة بأن معظم التحف المعدنية المصنوعة كان أغلبها من البرونز، ويتم تكفيتها بأسلاك من الذهب والفضة، كما غلب على أسلوب هذه المرحلة الفني أن المعادن المكفتة كانت تحتوي على رسوم آدمية وحيوانية ومناظر تصويرية على أشرطة من الكتابات بعضها بالخط الكوفي والأخرى بالخط النسخي، وتنتهي هامات الحروف وسيقانها برؤوس أشخاص أو صور آدمية كاملة.

إبريق مصنوع من النحاس المكفت بالفضة ومؤرخ سنة 630هـ/1232م (الموصل/العراق)

 

المرحلة الثانية (وتعرف بالسلجوقية أو الموصلية): نظراً لسهولة انتقال الصناع في شتى ربوع الخلافة الإسلامية فقد انحدر صانعو فن التكفيت من خراسان صوب الموصل– مفتاح خراسان كما يسميها ياقوت الحموي– شمالي العراق.

ففي القرن 7هـ/١٣م بلغت الموصل أوج ازدهارها في فن التكفيت، وقد شاع بها استخدام النحاس الأصفر فى صناعة التحف المعدنية ثم تكفيتها بالفضة والذهب، ولم يستخدم النحاس الأحمر في التكفيت.

وقد امتازت التحف المعدنية التي تمت زخرفتها وتكفيتها في هذه المرحلة بأسلوب فني كادت أن تنفرد به، وذلك أن الرسوم الحيوانية والآدمية أو النباتية تقوم على أرضية من خطوط منكسرة متداخلة بعضها ببعض بحيث تؤلف أشكالاً متعامدة أو على شكل قائم ممتد يعلوه خط مستقيم.

ولعل أبدع ما يمثل هذا الأسلوب هو ذاك الإبريق المصنوع من النحاس المكفت بالفضة ومؤرّخ سنة ٦٢٩هـ/١٢٣١م حيث كتب عليه نص يذكر صانعه وتاريخ الصنع كالآتي: «نقش شجاع بن منعة الموصلي في شهر الله المبارك شهر رجب في تسع وعشرين وستمائة بالموصل» كما يوجد بالمتحف البريطاني دواة من النحاس المكفّت بالفضة والذهب تنسب زخارفها إلى الموصل وقد كتب على غطائها نص كالآتي: «عمل محمود بن سنقر فى سنة ثمانين وستمائة».

ومن التحف الموصلية التي نالت شهرة عالمية إناء كبير من النحاس المكفت يعرف باسم معمدانة سان لوي وذلك أن أولياء العهد فى فرنسا كانوا يعتمدون عليه منذ عهد لويس التاسع.

وعن ازدهار فن التكفيت في الموصل يذكر الرحاله ابن سعيد المغربى الذى زارها فى ٦٤٨هـ/١٢٥٠م حيث يقول عمّا شاهده «إن مدينة الموصل كانت فيها صنايع جمة ولا سيما النحاس المُطعم (يقصد المكفّت)».

المرحلة الثالثة: وهي تلك التي أعقبت سقوط بغداد ٦٥٦هـ/١٢٥٨م في أيدي المغول فقد فرَّ أغلب الصناع من العراق فاتجهوا ناحية الشام ومصر، حيث مارسوا فن التكفيت لأمراء بني أيوب في حلب ودمشق ومصر وصنعوا الكثير من التحف المعدنية المكفتة بالتقاليد الفنية الموصلية نفسها حيث كان قوامَ زخارفها رسومٌ آدمية وحيوانية محوّرة ونباتية وكتابية ولكن مع اتساع حجم المناطق المكفتة من الذهب والفضة.

كما تميزت زخارف التحف المعدنية في هذه المرحلة بإضافة عناصر من الصور كالبطات الطائرات، كذا اعتاد صناع التكفيت بدمشق على تركيب الأزهار الذهبية أو الفضية على أساس من الفولاذ أو النحاس بين خطين متوازيين، وطرق أطراف هذه الزخارف طرقاً خفيفاً ينتج منه ما يشبه الإطار، وقد خلفت تلك المرحلة مجموعة كبيرة من التحف المعدنية المكفتة تشغل جنبات المتاحف العالمية في اللوفر بباريس ومتحف فرير بواشنطن وغيرها من المتاحف.

فهناك مجموعة من الشمعدانات صُنعت لتيمورلنك سنة ٨٠٠هـ/١٣٩٧م وهي من البرونز المكفت بالذهب وقد نقش عليها اسم تيمورلنك أو اسم صانعها.

جرّة مصنوعة من النحاس والفضة والذهب من صنع حافظ، ونقش عليها أبيات شعر بالفارسية بخط الثلث (885هـ/1480م - هراة/أفغانستان)

 

المرحلة الرابعة: فيها آلت القيادة في صناعة المعادن وفن التكفيت من حواضر الشام إلى مصر في العصر المملوكي في القرن ٨هـ/١٤م حيث ازدهر التكفيت ازدهاراً بالغاً ولقي رواجاً كبيراً حتى أصبح له سوق خاصة في القاهرة تعرف بسوق الكفتيين، أشار إليها المقريزي في معرض حديثه عن الأسواق في القاهرة فذكر أنها كانت تشتمل «على عدة حوانيت لعمل الكفت الذي تُطعم به أواني النحاس بأسلاك الذهب والفضة».

وقد بلغ حرص المصريين على اقتناء القطع المعدنية المكفتة مبلغاً عظيماً فحرصوا على وضع قطعة معدنية مكفتة بالذهب أو الفضة في متاع كل عروس عند زواجها.

وقد عرفت صناعة المعادن فى العصر المملوكي طرازاً مميزاً حيث تركت التقاليد السلجوقية الخاصة بالزخرفة الصورية واتخذت بديلاً منها الأساليب التجريدية، وقد امتازت الرسوم والزخارف بالتفريعات النباتية ذات الأوراق والزهور كتب عليها بعض الكتابات النسخية.

وقد خلّف العصر المملوكى الكثير من التحف التي يظهر من خلالها وبجلاء مدى تقدم فن التكفيت في هذه الفترة حيث كفت الصناع الشمعدانات والصناديق والمقلمات والأواني والأبواب المصفحة والأسلحة والرنوك بالذهب والفضة. ومهرت بأسماء سلاطين وأمراء المماليك وصانعيها وسنة الصنع، ومن أمثلة ذلك الكرسي النحاسي المكفت بالفضة وقد صُنع للسلطان الناصر محمد بن قلاوون ٧٢٨هـ/١٣٢٨م وقد صنعه محمد بن سنقر البغدادى السنكري، هذا الكرسي موجود الآن بالمتحف الإسلامي بمصر.

وفى النصف الأول من القرن ١٣هـ/١٩م دب الوهن والاضمحلال في صناعة التكفيت وعزف الناس عن شراء التحف المكفتة. وليس هذا فحسب بل إن التجار ولفترة طويلة من الوقت قاموا بشراء التحف المكفتة ونزعوا ما بها من ذهب أو فضة طلباً للمال فاندثر هذا الفن بمرور الوقت.

فاطمة السليطي

 

مراجع للاستزادة:

- حسن الباشا، الآثار الإسلامية (دار النهضة العربية، القاهرة ١٩٩٠م).

- عاصم محمد رزق، الفنون العربية الإسلامية في مصر (مكتبة مدبولي، القاهرة ٢٠٠٧م).

- علي أحمد الطايش، الفنون الزخرفية الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي (مكتبة زهراء الشرق، القاهرة ٢٠٠٣م).


التصنيف : آثار إسلامية
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 578
الكل : 27115465
اليوم : 28141