logo

logo

logo

logo

logo

جوليا دومنا

جوليا دومنا

Julia Domna -

 ¢ جوليا دومنا

 جوليا دومنا

 

أولى «الامبراطورات السوريات» على عرش روما وإحدى أشهر زوجات الأباطرة الرومان وأكثرهن ثقافة وأعظمهن نفوذاً وتأثيراً. كانت جوليا دومنا Julia Domna (لعل لقبها Domna جاء-مع بعض التحريف- من كلمة Domina اللاتينية؛ أي سيدة، وهو بالتالي ترجمة لاسمها الأصلي مارتا الذي يعني سيدة باللغة الآرامية) أميرة حمصية وابنة رئيس كهنة إله الشمس باسيانوس Basianus من أسرة عريقة تعود بأصولها إلى سمسيجراموس Sampsigeramus مؤسس السلالة الملكية التي حكمت حمص منذ أواسط القرن الأول الميلادي حتى عهد الامبراطور دوميتيان[ر] Domitianus (81 - 96م) والتي كانت تتولى منصب الكاهن الأعظم لإله الشمس في حمص، ويبدو أن الابن البكر كان يحمل دائماً اسم باسيانوس (وهو الاسم الأصلي لابنها كركلا). تعرف إليها سبتيميوس سفيروس[ر] Septimius Severus(المولود في لبدة الكبرى بإقليم طرابلس الغرب عام 146م) عندما كان يتولى قيادة الفرقة الرابعة السكيثية في سورية والتي كانت ترابط في كيروس Cyrus (النبي هوري)، بهره جمالها وطالع سعدها حين علم أن برج ولادتها يتنبأ لها بالزواج بحاكم كبير؛ إضافة إلى كونها أميرة من أسرة رفيعة الشأن واسعة الثراء والنفوذ ومن سورية أرض الأجداد الذين أسسوا مسقط رأسه لبدة. وهكذا تم زواجهما في بلاد الغال عام 187م عندما كان سبتيميوس والياً عليها، وسرعان ما أثمر هذا الزواج بولادة ابنهما البكر كركلا في مدينة ليون عام 188م (الذي حمل اسم جده لأمه باسيانوس )، وتلاه أخوه غيتاGeta في روما عام 189م.

جوليا دومنا

كانت جوليا تدعم طموحات زوجها في الحكم وفي تأسيس أسرة حاكمة من نسلهما، وهو ما بدأ يتحقق بعد أن تغلب زوجها على منافسيه وأصبح سيد الامبراطورية الرومانية، وقد بقيت إلى جانبه على الدوام وفي كل المواقف، وهو لم يبخل عليها بالتقدير والتكريم، فمنحها منذ البداية لقب امبراطورة ( Augusta)، وأشركها معه في كل الألقاب التي حملها مع ابنيه سواء على النقوش أم النقود أم التماثيل.

فثمة نقش من مدينة ليون الفرنسية من عام ١٩٧م أقيم «تكريماً لأغسطس والقيصر وجوليا أوغسطا وأم المعسكر وكل البيت الإلهي» كما حملت لقب «أم الامبراطور» ثم أم الامبراطورينmater Augusti وأم المعسكر Mater Castrorum «وأم مجلس الشيوخ» «وأم الوطن؛ » وهي ألقاب لم تحملها مجتمعة أي زوجة امبراطور من قبل. كما أنها تظهر على النقود بوصفها تجسيداً للفضائل الرومانية الكبرى: التقوى Pietia والعفاف pudicitia والخصبfecunditas والوفاقConcordia والسلام pax. وتظهرها النقود المسكوكة في الشرق بوصفها الإلهة هيرا الرومانية الجديدة. وكثير من النقوش التي تذكر كركلا وغيتا تشير إليهما بوصفهما ابني سفيروس و جوليا دومنا على خلاف التقاليد الرومانية التي تذكر اسم الأب فقط، ولعله كان من التقاليد السورية التي كانت جوليا تحرص عليها.

رافقت جوليا زوجها في زياراته للشرق، وأغدقت هي وأسرتها الامبراطورية كثيراً من الامتيازات والألقاب على كبرى المدن السورية ومدن الشرق، ومنها على سبيل المثال مدينة القدس (وكانت آنذاك تدعى ايليا Aelia) التي كرمتها بمناسبة زيارتها عام 201م بإصدار مجموعتين من النقود التي تصور الامبراطور سبتيميوس سفيروس مع زوجته الامبراطورة جوليا دومنا على الوجه وصورة ابنيهما كركلا وغيتا على الظهر. كما رافقته في آخر حملاته العسكرية على بريطانيا عام 208م والتي قضى فيها نحبه عام 211م وهو يذود عن حدود الامبراطورية. وكان آخر امبراطور روماني يموت ميتة طبيعية في القرن الثالث الميلادي. وقد سبق له أن هيأ ولديه للجلوس على عرش روما بأن منحهما اللقب الامبراطوري أغسطس Augustus فحمل الأول اسم M. Aureluis Septimius Antoninus وسمي الثاني P.Septimius Geta، وتعود جوليا مع ابنيها كركلا وجيتا اللذين خلفا أباهما في حكم الامبراطورية إلى روما حيث دفن الأب في ضريح الأنطونينيين. ولكن سرعان ما اندلع الخلاف مجدداً بين الشقيقين المتعاديين، وضاعت كل جهود والديهما السابقة للتوفيق فيما بينهما.

شهدت جوليا مأساة حياتها عندما دبر كركلا مقتل أخيه الأصغر غيتا - كما يروى - وهو بين ذراعي أمه وقد جرحت يدها وهي تحاول حمايته. وقد أدركت هذه الكارثة كثيراً من أنصار غيتا وكبار رجال البلاط. وكان عليها توخي الحذر وهي تحاول الحد من تصرفات ابنها الدموية، فارتفعت فوق الجراح والأحزان، وشاركت في حمل أعباء الحكم إلى جانبه. وهي مرحلة شبيهة بتلك التي كانت بين نيرون وأمه، ولكن جوليا دومنا بقيت كذلك حتى نهاية حياتها، وكانت بذكائها وخبرتها وحكمتها السياسية خير عون لكركلا في تدبير شؤون المملكة، وكان يترك لها تصريف الأمور خلال غيابه عن روما في حملاته العسكرية، فكانت تتولى الإشراف على المراسلات الامبراطورية باللغتين اللاتينية والإغريقية؛ مما يدل على إتقانها لهما، وكان كركلا يكيل لأمه آيات المديح والثناء في تقاريره إلى مجلس الشيوخ الروماني.

كانت جوليا امرأة متعددة المواهب لم يقتصر اهتمامها على الأمور الأسرية والسياسية، وإنما امتد إلى الأمور الثقافية والعلمية، فقد جمعت حولها في حلقتها الأدبية في روما رهطاً من كبار العلماء والأدباء والحقوقيين والكتّاب، منهم أشهر أطباء عصرها جالينوس وكبار الفقهاء السوريين بابينيانوس وأولبيانوس وباولوس، والفيلسوف ذيوجين لائرتيوس مؤلف «سير الفلاسفة» والأديب الإسكندراني أثينايوس Athenaios مؤلف «مأدبة الحكماء» ومنهم أيضاً فيلوستراتوس Philostratos مربي ابنيها كركلا وغيتا الذي كلفته كتابة سيرة أبولونيوس التياني Apollonios Tyanos صانع الأعاجيب الذي كان من المتفلسفين أتباع الفلسفة الفيثاغورية الجديدة، وبلغ من الشهرة حداً صار ينظر إليه على أنه نبي الوثنيين ومنافس للسيد المسيح ،علماً أنه عاش في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي. وهذا يدل على مدى تعلقها ورعايتها لتراث الشرق الروحي . لقد فاقت جوليا دومنا كل من سبقها من نساء الأباطرة في اهتماماتها الثقافية، وقد سماها فيلوستراتوس في إحدى رسائله «الفيلسوفة» كما يذكر حبها لعلم البلاغة ومشاركتها في نقاشات علماء عصرها حول المسائل الفلسفية والدينية، وهي تشبه بذلك أميرات عصر النهضة في إيطاليا وعصر التنوير الفرنسي بصالوناته الأدبية ونشر مبادئ الحرية والمساواة. وهنا ينبغي التذكير أن منح حقوق المواطنة إلى جميع سكان الامبراطورية الرومانية الأحرار قد صدر في عام 212م؛ أي خلال مشاركتها ابنها كركلا في حكم الامبراطورية الرومانية .

رافقت جوليا دومنا ابنها الامبراطور كركلا في حملته إلى الشرق عام 214/ 215م، وكان بصحبتها أختها مائسه وذووها، واستقر بها المقام في أنطاكية[ر] تدير منها أمور الامبراطورية؛ في حين شرع كركلا في حربه ضد البارثيين؛ ولكنه اغتيل غدراً في 8 نيسان/أبريل سنة 217م قرب مدينة حران[ر]. وعندما وصلتها أخبار مقتله أظلمت الدنيا في عينيها، وحاولت أن تضع حداً لحياتها بالامتناع عن الطعام، ثم عدلت عن رأيها عندما راسلها الامبراطور الجديد ماكرينوس[ر] Macrinus، ووعدها بالحفاظ على مكانتها؛ ولكنه تراجع بعد ذلك، وأمر بنفيها من أنطاكية؛ عندها فضلت الموت على الحياة، وامتنعت عن الطعام حتى وافاها الأجل في آخر سنة 217م. ونقل جثمانها إلى روما، ودفنت بحسب وصيتها في ضريح الامبراطور أغسطس Augustus، ولكن أختها مائسه أمرت بعد ذلك بنقل رفاتها مع رفات ابنها غيتا إلى ضريح الأباطرة الأنطونينيين إلى جانب رفات زوجها سبتيميوس سفيروس.

وقد رثاها معاصرها المؤرخ كاسيوس ديو[ر] Dio Cassius؛ وهي المرأة الجميلة المثقفة الحكيمة بقوله: ليس كل من وصل إلى السلطة الامبراطورية يمكن الثناء عليه ووصفه بالسعادة ما عداها.

وهكذا فإن جوليا دومنا تبقى جديرة بالمكانة اللائقة التي احتلتها بين أشهر الشخصيات النسائية في العالم القديم .

محمد الزين

مراجع للاستزادة:

- The Oxford Classical Dictionary, 2nd Edition (Oxford 1970).

- J.Babelon, Impératrices syriennes (Paris 1957).

 


التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 567
الكل : 31288713
اليوم : 36901