logo

logo

logo

logo

logo

حمص في العصور الكلاسيكية

حمص في عصور كلاسيكيه

-

 حمص

حمص

حمص في العصور الكلاسيكية

 

الدياميس

الحمامات

لوحات الفسيفساء

أسوار المدينة

القلعة

معبد الشمس

المدافن

يبدو أن حمص كانت منطوية على نفسها ضمن حدود تل قلعة حمص وعلى أطرافها خلال عهود طويلة. وتم تأسيس مدن جديدة في العصر الهلنستي، كما أعيد تأسيس مدن كانت موجودة من قبل؛ مثل دمشق التي سميت في هذا العصر (دمترياس Demetrias) وحلب (بيرويا Beroia) وحماة (إيبفانياEpiphania ). أما فيما يخص حمصة Emèse فهناك خلاف بشأنها، خاصة أنها المدينة السورية الوحيدة التي لم تحمل اسماً يونانياً، لذلك فإن مسألة تطور مدينة حمص كانت مجال جدل بين المؤرخين وعلماء الآثار الذين اهتموا بتاريخها خلال العصرين الهلنستي والروماني، وقد تركز النقاش حول معرفة ما إذا كانت حمص تندرج ضمن المدن التي أعيد تأسيسها كحلب ودمشق، أو هي مدينة تطورت خلال الفترة الرومانية. لذلك برز منذ بداية القرن العشرين اتجاهان: الأول من خلال أعمال رينيه دوسو R.Dussaud الذي يقول: إن مدينة إيميسا لا يمكن إنكارها أو تجاهلها قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وقد تم تأسيسها من جديد مدينة خلال العصر الهلنستي حيث يمكن إدراجها في مصاف المدن الكبرى كمدينة حلب وحماة ودمشق. أما الاتجاه الثاني فقد نادى به هنري سيريغ H.Seyrig إذ ربط مسألة تطور حمص مدينة مهمة مع ازدهار تدمر خلال العصر الروماني، إذ يقول : « إن تاريخ حمص هو تاريخ طويل تتوسطه ثلاثة قرون من الرخاء الذي لا مثيل له. إن صعود مدينة حمص المفاجئ أيضاً يطابق ازدهار تدمر الذي كان أيضاً مفاجئاً»، ويضيف أنه لم يكن لحمص أي أهمية تذكر قبل العصر الروماني. ولم تذكر حمص مدينة بل كانت هناك تسمية الحمصيِّين، وهم قبيلة بدوية سكنت المنطقة، واختار شيوخها مدينة الرستن مركزاً لسكنهم وحكمهم، وكانت هذه القبيلة محرومة من أي وجود مدني حقيقي خلال القرن الأول قبل الميلاد. قد يكون دور حمص محطة تجارية على الطريق بين تدمر والساحل هو السبب في ازدهارها، وقد يكون انتهاء دورها محطة تجارية بسبب سقوط تدمر سنة ٢٧٢م على يد الامبراطور الروماني أورليانوس Aurelianus؛ السبب في انحطاط شأنها إذ اقتصر دورها على استغلال أرضها الزراعية وبعض الاستفادة المتواضعة من حركة التجارة المحلية فآلت إلى الانحطاط. وفي رأيه فإن القبائل التي استقرت في هذه المنطقة بسبب ضعف الملوك السلوقيّين لم تستطع أن تشغل إلا أطراف المنطقة المزروعة، في حين بقي التأثير الأكبر على البادية. وأخيراً فإنه يربط بين بناء سد بحيرة قطينة وتطور مدينة حمص في العصر الروماني.

 

تل قلعة حمص

 

لقد دافعت مجموعة من الباحثين عن الفرضية التي ترى أنه أعيد تأسيس مدينة حمص في العصر الهلنستي حيث طرحوا من خلال دراسة الصور الجوية للمخطط الحالي للمدينة إمكان إيجاد مخطط ذي مقياس هلنستي ضمن المخطط الحالي للمدينة، وكذلك اعتمدوا في فرضيتهم على النقوش الكتابية المكتشفة في مدينة حمص المؤرخة بحسب التقويم السلوقي. من أهم من تناول هذا الموضوع : ميشيل دوديني M. Dodinet وبيير لوي غاتييه P.L.Gatier وماجد الموصلي ومأمون عبدالكريم.

أسوار المدينة:

تقع مدينة حمص ضمن سور مستطيل تقريباً، وتحتل القلعة الجانب الجنوبي الغربي له، ووفقاً للتنقيبات الأثرية التي تمت في المدينة؛ لا يوجد أي علاقة بين المدينة الرومانية البيزنطية وبين السور الذي يعود إلى الفترة الإسلامية، فالمدينة المحصورة ضمن السور هي إذاً مدينة إسلامية، وقد تأكدت هذه النظرية عندما تبين أن السور يمر عبر مبنىً كبيرٍ في الشمال تمّ الكشف عنه على أنه كنيسة، ومن المحتمل أن هذا المبنى كان قد دمر في أواخر العصر البيزنطي بسبب الحروب التي عاشتها المنطقة بين الامبراطورية البيزنطية والساسانية، وهذا ما أدى إلى تقلص حجم المدينة حتى حدود السور الإسلامي في جهة الشمال، كما أثبت هذه الفرضية أيضاً اكتشاف بقايا معمارية من العصور الرومانية البيزنطية الواقعة خارج السور الحالي؛ مما يعني أن السور العائد إلى العصرين الروماني والبيزنطي كان متقدماً أكثر إلى الشمال.

يأخذ السور الإسلامي شكلاً مستطيلاً تقريباً بارتفاع نحو عشرة أمتار، وعرض نحو أربعة أمتار. وقد تم بناؤه من قطع كبيرة من الحجارة، وزوّدَ بأبراج كبيرة في النقاط الاستراتيجية، ويعُتقد أن هذه التحصينات تعود إلى العصر الأموي، فيما بعد تمت تقوية الأسوار الإسلامية خلال القرنين السادس والسابع الهجريين القرن الثالث عشر الميلادي لصد الهجمات العسكرية، وقد أدت تحصينات المدينة دوراً في المقاومة خلال الحروب الصليبية، لكنها دُمِّرت خلال الحملة الصليبية الثانية.

القلعة:

تقع القلعة على تل حمص، وهي تعود إلى العصر الأيوبي كما أظهرت الأسبار. وقد تم بناؤها على تحصينات تعود إلى الفترة الحمدانية (القرن الخامس الهجري /الحادي عشرالميلادي)، لكن الطبقة الدُّنيا بيزنطية، وترك لنا ل. ف. كاساس L.F.Casas في كتابه رسماً لهذه القلعة، وهي تشبه قلاع حلب ودمشق؛ فالأبراج مربعة ويحيط بها خندق، ولم يتبق سوى أجزاء قليلة منها حتى هذا اليوم. وأخيراً فإن البعثة السورية الإنكليزية- برئاسة جيفري كينغ G. King وفريد جبور- التي عملت خلال السنوات ١٩٩٥-٢٠٠٠؛ قد كشفت عن طبقات عديدة تعود إلى العصور الإسلامية، ولكن دون الوصول إلى الطبقات الأقدم العائدة إلى العصور الكلاسيكية.

جزء من قلعة حمص أحد أبراج قلعة حمص

 

معبد الشمس:

على الرغم من أهمية معبد الشمس في مدينة حمص خلال العصر الروماني؛ لا يوجد معلومات كافية عن طبيعة هذا المعبد وعن شكله المعماري أو حتى عن موقعه على نحو دقيق، علماً أن بعض المؤرخين مثل هيروديانوس[ر]Herodianus، تحدث في كتابه «تاريخ الأباطرة الرومان» عن هذا المعبد وأهميته الدينية في مجمل المنطقة؛ ولكن المعلومات الأثرية غير متوفرة باستثناء بعض الصور المنقوشة على المسكوكات التي ضربت في هذه المدينة، وبالتالي فهي تعطي بعض الإشارات إلى عناصره وشكله الكلاسيكي من خلال وجود الرواق الأمامي والجبهة المثلثة.

يصف هيروديانوس في كتابه عن تاريخ الأباطرة الرومان هذا المعبد فيقول: «لقد تم بناء معبد كبير على شرف إلاجبالوس Elagabalus، وهو مزيّن بكمية كبيرة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة. وهذا الإله لم يكن معبوداً في هذه المدينة من قبل السكان المحليين فحسب؛ بل من قبل كل الحكام الفرس والملوك البرابرة المجاورين الذين كانوا يتنافسون بين بعضهم البعض لتقديم الأعطيات له كل عام. أما تمثاله الشعائري فلم يكن يشبه تماثيل الإغريق والرومان، ولم يكن من صنع الإنسان، ولم يكن يقصد به تمثيل الذات الإلهية. وإنما هو قطعة كبيرة من الحجر مستديرة ومدببة من طرفها الأعلى على شكل مخروط، ولونها أسود. ويتحدث سكان المدينة عنه كما لو كان قد سقط من السماء، ويشيرون إلى آثار صغيرة لحزوز وأثلام، يريدون أن نرى فيها الصورة غير التامة للشمس، لأنهم ينظرون إليه بحب».

قطعة نقدية من البرونز سكها أورانوس أنطونيوس وقد نقش على أحد وجهيها معبد الشمس مع الحجر المقدس

 

يشير ر. توركانR.Turcan في قراءته لهيروديانوسHerodianus إلى أن هذا الأخير لا يعطي أي معلومات عن عمارة المبنى وبنيته ووظيفته، ولا عن شكل المذبح. وقد ساعدته نقود الامبراطورين كركلا وإلاجبالوس ثم أورانوس أنطونيوس على تخيل شكل هذا المعبد الضخم، فهو «حرم واسع ذو شكل مستطيل محاط بالأعمدة من جهاته الأربع، ويرتفع على مصطبة عالية، أما الدخول إليه فيتم عبر درج كبير. ويبدو أن هذه المصطبة كانت لتسوية الحدبة في الأرض حيث كان رمز الإله، الحجر الأسود ذو الرأس المدبب، منتصباً، وهو الذي تظهر صورته بين الأعمدة في وسط الواجهة وخلف نسر على قطعة نقد كركلا. وفي مثلث الواجهة نستطيع تمييز الهلال، بالإضافة إلى شكل مستطيل لم نتمكن من تفسير معناه». ويضيف أيضاً؛ لقد كان الحجر الأسود معروضاً للعبادة، وهو محمي بحاجز بين مظلتين كبيرتين تلمع عليهما الأحجار الكريمة؛ وأمام هذا الرمز شبه المخروطي- بين حاملتي شموع مشتعلتين- وضعت منضدة التقدمات، وتحتها نقود أورانوس أنطونيوس التي تظهر أمفورة كبيرة وعريضة. ولابد أن هذا الوعاء كان يحوي الماء المقدس الذي يتم رشه، والخمر الذي كان يحفظ ليسفح على الضحايا والمذبح ساعة التضحية. وتُظهر لنا نقود أخرى لكركلا وأمه جوليا دومنا مذبحاً صرحياً لا يمكن أن يكون قائماً في قدس الأقداس (السيلا- cella) في الحرم، بل في وسط باحة كبيرة مغلقة تابعة للمعبد، والتي كانت تشبه تلك الموجودة في معابد بعلبك أو تدمر. ويذكر توركان أيضاً أن الكتلة المتوازية المستطيلات للمذبح ترتفع على قاعدة ذات درجة مزدوجة، وتحيط بها أعمدة زوايا ذات جذوع منحوتة كما يبدو، وكان متوجاً بكورنيش مقولب بارز، كثيراً ما تحمل زواياه عنصراً تزيينياً. أما الواجهة فكانت تضم مجموعتين من الكوى ذات الأعمدة أو الدعامات تحوي ست صور للآلهة (أو الجن؟) المرتبطة بالإله الشمس. فإذا افتُرض أن الجهات الأربع للمذبح كانت تحمل العناصر نفسها؛ فلابد أن يُتصور وجود أربع وعشرين كوة تظهر آلهة إيميسا، والأرجح أن الصور البارزة كانت مدعمة بالألوان لتبهر الحجاج والسياح كما تفعل اليوم تزيينات بعض الكنائس البيزنطية. وفي النقود المسكوكة التي تظهر صورة جوليا دومنا؛ تبدو زوايا الجزء العلوي من المذبح كأنها على صورة وجه سبع. و تعلو المذبح الشعلة المقدسة، لكن العديد من قطع النقود تظهر كوتين توءمين تنتميان على الأغلب إلى الواجهة خلف المذبح وليس إلى بنية المذبح نفسه.

لقد اختفى المعبد بما فيه موقعه على الرغم من أهميته، ووفقاً لسليم عادل عبد الحق كان المعبد ضمن المدينة نفسها مكان الجامع النوري الذي احتفظ ببعض بقايا المعبد القديم. أما ر. توركان فيعتقد أن هذا المعبد كان يقع تحت كنيسة مسيحية مخصّصة لجميع القديسين، ثم تحت جامع حمص الكبير، حيث ظهرت البقايا النادرة لقاعدة المبنى الوثني.

ذكر مؤرخو القرون الوسطى العرب عملية تحول جامع حمص الكبير الذي كان يوماً كنيسة؛ فابن حوقل من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي يذكر أنه كان لهذا الجامع قسمان مختلفان أحدهما عن الآخر الأول كان للمسيحيين والآخر للمسلمين، ويتحدث عنه المقدسي- وهو أيضاً من القرن العاشر- قائلاً إنه تم بعد دخول المسلمين تقسيم الكنيسة إلى قسمين تحول أحدهما إلى جامع، كما تم العثور على بضع كتابات إغريقية من الفترة البيزنطية داخله.

إن الطريقة الوحيدة للعثور على المكان المؤكد للمعبد هي التنقيب في مكان الجامع إن وجدت فرصة لذلك، وكذلك الاستمرار في أعمال التنقيب عن التل على الرغم من تعرض الطبقات الأثرية لهذا التل للتخريب بفعل الأعمال التي كانت تهدف إلى بناء القلعة خلال العصور الإسلامية، أو تلك الأعمال التي قام بها الجيش الفرنسي خلال فترة الاحتلال حيث يمكن أن يساعد ذلك على تقدم الأبحاث.

المدافن

تم اكتشاف العديد من المدافن الفردية، ولاسيما مقبرة جورة «أبو صابون»، كما تم الكشف عن العديد من المدافن الأرضية، إضافة إلى دياميس من الفترة البيزنطية، ومعلومات عن وجود ضريح ملكي.

ضريح شمشيجرام:

وصف الرحالة الأوربيون من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في مذكراتهم بعض الصروح التاريخية التي اختفت منذ عام ١٩١١، وقد تمُّ الحصول على المعلومات التي تخص ضريح شمشيجرام بهذه الطريقة.

يتألف هذا الضريح من صرح معماري مؤلف من طابقين، ومغطى بسقف على شكل هرم، وهذا النمط وُجد في مدينة حمص أو في الهرمل في لبنان. لقد كان المدفن الملكي في مدينة حمص-الذي دمره العثمانيون في سنة ١٩١١م لبناء محطة وقود- يحمل سقفاً هرمياً كان غنياً بالزخارف المختلفة، وقد ترك الرحالة الذين زاروا المكان قبل القرن العشرين الكثير من الرسومات المختلفة التي تعطي معلومات وافية عن شكله و أبعاده، تم إنشاء المدفن عام ٧٨-٧٩ ميلادي، كما ورد في الكتابة الإغريقية التالية:

القناع الجنائزي الذي اكتشف في مقبرة تل «أبو صابون»

«كايوس جوليوس شمشيجرام من قبيلة فابياFabia المعروفة باسم سيلاس Seilas، ابن كايوس أليكسونو، بُني هذا القبر، من أجله وأجل ذويه عام ٣٩٠= ٧٨-٧٩ميلادي». درس كاساس، هذا الضريح ووصفه عندما زاره في نهاية القرن الثامن عشر، وكان الرحالة الأخير الذي استطاع رؤيته هو السويدي كارل واتسينجرCarl Watzinger، إذ تم تدميره بعد ذلك. أقيم الضريح في جنوب غربي المدينة قرب الشارع المتجه إلى المحطة (على نحو أدق أمام المركز الثقافي الحالي) وكان مؤلفاً من طابقين، لهما مخطط مربع، ويتوجهما سقف هرمي الشكل، وقد زينت الدعامات أو الأعمدة بعض الأماكن، إضافة إلى عناصر أخرى كالجبهات المثلثية والأفاريز والأشرطة الزخرفية المجدولة التي تشكل رؤوس الثيران فيها تناغماً بين الفراغات الوسيطة. كان الداخل مؤلفاً من قاعة تعلوها غرفة مغطاة بقبة تحت السقف الهرمي، وكانت الكوى القليلة العمق تزين الزوايا. ويشبه الضريح أضرحة إديسا وسيرين (على الضفة اليسرى للفرات)، والضريح موجود في الهرمل بلبنان. وتقارب أبعاد هذه الأضرحة أبعاد ضريح شمشيجرام في حمص، وتضم العناصر نفسها (القواعد المزينة بالأشرطة الزخرفية المجدولة، وقواعد الأعمدة والعلية الوسيطة ذات الزخارف على شكل أشرطة زخرفية مجدولة تتضمن رؤوس الثيران، وطابقا ًذا أعمدة، وهرماً يتوج المجموع).

- القبور الفردية:

هي قبور بسيطة محفورة في الصخر الكلسي أو البازلتي أو في التربة، وعادة ما يعثر في داخلها على تابوت حجري مصنوع من الحجر الكلسي أو البازلتي، أو من حجر المرمر، وقد تم العثور أيضاً على توابيت من الرصاص والخشب والفخار. تكون أبعاد القبور متناسبة مع أحجام الأشخاص التي تعود إليهم هذه القبور، أما العمق فيراوح عادة بين ١,٥م وخمسة أمتار، وتسمى في الحالات التي تكون عميقة باسم قبر على شكل بئر، وينتشر هذا النمط من المقابر في أغلب مواقع بلاد الشام.

عثر داخل الكثير من القبور خلال أعمال التنقيب المختلفة على الكثير من الأثاث الجنائزي المدفون مع المتوفى، وخير مثال على ذلك ما تم اكتشافه في مقبرة «أبو صابون» في مدينة حمص التي ضمت الكثير من المكتشفات الرائعة كالمجوهرات المختلفة العائدة إلى القرن الأول الميلادي، وهي تعود على الأغلب إلى الأسرة الملكية التي حكمت مدينة حمص خلال القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي.

ميدالية ذهبية من حمص (القرن الأول الميلادي - متحف دمشق الوطني)

نشر هنري سيريغ مقالاً عن المكتشفات الأثرية في مقبرة جورة «أبو صابون» الواقعة على تل «أبو صابون» الذي تمت إزالته لبناء ملعب. وقد تم التنقيب فيها عام ١٩٣٦ من قبل هـ. سيريغ والأمير جعفر الحسني و شلومبرغر D.Schlumberger. وضمت اثنين وعشرين قبراً.

ومن الاكتشافات الأثرية أيضاً القناع الجنائزي، وهو خوذة للوجه مؤلفة من قسمين: قسم علوي مغطي للرأس بتزييناته، والقناع المعلق بالجزء العلوي بمفصل جبهي. والقسم العلوي مستدير ومصنوع من الحديد، أما وجه القناع المصنوع من الحديد أيضاً فهو مشكل مثل قسمات الوجه بما فيها استدارة الأذن وتفاصيل الشفاه، وتغطي المجموع جزئياً ورقة من الفضة، وتنسب هذه الخوذة إلى ورشة سورية على الأرجح في مدينة أنطاكية.

وخلال العصر الروماني احتفظت السلالة الملكية بالتقليد القديم للقناع الذهبي أو بواقية الفم التي كان الأموات من ذوي المقام الرفيع يدفنون فيها. وهذه الشعيرة معروفة في كل منطقة شرق المتوسط، ففي الفترة الفارسية تم دفن والدة ملك جبيل (بيبلوس) بواقية ذهبية للفم على الطريقة الملكية. ومن اللقى الأثرية الأخرى المهمة سوار من الذهب مزين بالتركواز وخواتم من الذهب ذات تزيينات على سطحها، مرصعة بالكورنالين، وأخرى ضخمة، إضافة إلى كريات من الذهب، ومزهرية من الفضة.

كتب هـ. سيريغ الذي درس الأدوات المكتشفة في المقبرة مايلي: «كل الدلائل تشير إلى أن الدفن كان يتم في النصف الأول، وربما حتى منتصف القرن الأول الميلادي». ويدل عدد هذه الأدوات وغناها على القوة العسكرية التي كان يتمتع بها المتوفون، ومن المرجح- وفق التأريخ المفترض- أن تعود هذه المقبرة إلى سلالات مدينة حمص.

الدياميس:

وتسمى باللغة الأجنبية كاتاكومب catacombs وهي كهوف أو غرف منحوتة في الصخر تحت الأرض يمارس فيها المسيحيون ديانتهم بعيداً عن ملاحقة السلطة الرومانية التي كانت تقاوم الديانة المسيحية خلال فترة الاضطهاد، وتستخدم لممارسة العبادة أو الدفن. أعطت الدياميس التي اكتشفت في حمص مجموعة من اللوحات الجدارية وموادّ مهمة، وهي تقع في قلب حي الشرفة. وتعود هذه الدياميس- بحسب الحفريات- إلى القرن الأول الميلادي، لكن الجزء الذي تم التنقيب فيه لم يعط أي مواد تعود إلى ما قبل القرن الثالث. وبالمقابل تعطي المواد المؤرخة مجالاً واسعاً يمتد حتى نهاية القرن السابع الميلادي. لقد تم تنظيم هذه الدياميس وفق المخطط التقليدي الذي يضم الممرات والدهاليز والكهوف والغرف والمصلى والكوى، ويتم تنويرها بتجهيزات إضاءة. ويمثل الطلاء الكلسي من الرسومات الجدارية أغلب عناصر التزيين. وقد تم استخدام عدة طرق للدفن؛ كالغرف الجنائزية من نوع النواويس، والقبور الإفرادية، والقبور البئرية. وأخيراً تم العثور على مجموعة كبيرة من المواد كالسيراميك والزجاج والنقود والقطع المصنوعة من الخشب والعظام والبرونز والذهب. وتعدُّ هذه القطع من الأهمية بمكان نظراً لعددها، وقيمتها العلمية، وحالة الحفظ الجيدة التي وجدت عليها، وهي تسمح بتأريخ القسم الذي تم التنقيب فيه بدقة، وتعطي صورة حقيقية للشعائر الجنائزية لمسيحي الشرق خلال العصر البيزنطي حتى بداية العصور الإسلامية.

الحمامات:

ظهرت الحمامات خلال حفريات الإنقاذ التي تمت عام ١٩٩١ من قبل المديرية العامة للآثار والمتاحف في تربة الجندي. و لم يتم نشر النتائج ومن هذه الحفريات تم العثور على نصب يحمل كتابة تعود إلى عام ١١٤-١١٥م.

فسيفساء من حمص يعود تاريخها إلى القرن الرابع ميلادي
(متحف جامعة ويسكونسن ماديسون - أمريكا)

يتألف الحمام من عدة غرف ذات المخطط الدائري والأبعاد المتوسطة، وتحتوي إحداها على مصاطب الجلوس، عرضها ٠,٤٥ سم، وارتفاعها ٠,٦٠سم، ويغطيها الرخام. وكانت الصالة الساخنة (الجواني) تسخن بنظام الهواء الساخن، وقد تم خلال العمل العثور على اثنتي عشرة دعامة بارتفاع ١,٥٠ م ، وبقطر ٠,٥٠سم. وكانت المياه تجري وتفرغ عبر قنوات من البازلت والآجر، كما تم العثور على مجموعة من الأحواض الحجرية ضمن قاعات مبلطة بالرخام الملون، كما ظهرت آثار تلوين بالأحمر والأسود والبني ذات الشكل الهندسي في اثنتين منها.

لوحات الفسيفساء:

عثر في مدينة حمص في حي الأربعين على لوحة فسيفسائية مهمة جداً تمثل مجموعة من الشخصيات الأسطورية، تعود إلى القرن الثالث الميلادي، وتتألف من عدة مشاهد: الأول يمثل ولادة البطل الأسطوري هرقل[ر] من والدته ألكميني وإلى جانبها زوجها أمفيتريون؛ إذ تهيأ لها زيوس[ر] بهيئة زوجها عندما كان يرعى قطعانه، واتصل بها فحملت منه توءمين:هيراكليس من زيوس وإيفكليس من أمفيتريون، مما دفع بهيرا زوجة زيوس إلى وضع الأفاعي في مهد هرقل لقتله، إلا أنه يمسك بها ويخنقها. ويُظهر المشهد والدته وهي تسحب طفلها إيفكليس خوفاً عليه منها، ويقوم أمفيترون بإشهار سلاحه، في حين تقوم أناسيا بحمل المشعل للإضاءة. تميزت هذه القطعة الفنية بدقة ومهارة بالغة في رصف مكعباتها الصغيرة الحجم وبتمثيل واقعي شديد التعبير.

والمشهد الثاني: يظهر هرقل على شكل رجل ملتح يضع إكليل الغار رمزاً للنصر، ويتقدم إلى الإله ليباركه، تقف وراءه أناسيا حاملة المشعل.

والمشهد الثالث: يقوم هرقل بتخليص أوقيانوس (إله المحيطات)، من أفعى على جذع شجرة بوساطة سهم ينفذ فيها ويقتلها.

مأمون عبد الكريم

 

التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد السادس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 79
الكل : 13712211
اليوم : 5970