logo

logo

logo

logo

logo

الحلي في العصر الإسلامي

حلي في عصر اسلامي

-

 الحلي

الحلي

 الحلي في العصر الإسلامي

 

 

لم تختلف صناعة الحلي في العهد النبوي والراشدي وبداية العصر الأموي عما كان الحال عليه قبل الإسلام كثيراً، فعلى الرغم من أن الإسلام لم يحرم لبس الحلي- وإن قَصر الذهب على النساء- إلا أن الحلي لم تأخذ حيزاً مهماً في الحياة اليومية عند المسلمين، وظل الأمر على هذا النحو حتى قبيل نهاية الدولة الأموية حين سعى خلفاء بني أمية تعزيز حرفية الدولة بعد فتحهم لبلاد كان يحكمها الفرس والروم والفرنج، وفتحت خزائن تلك الأمم على مصراعيها أمام جيوش المسلمين فعرفوا أنواعاً شتى من الحلي كالقلائد والأقراط والأساور والخواتم والعقود والخلاخل وغير ذلك من أنواع الحلي.

إن ما وصل اليوم من قطع الحلي خلال العصر الإسلامي يعد نذراً يسيراً جداً على الرغم ممّا تناقلته المصادر التاريخية من ثراء المجتمع الإسلامي وكثرة الحلي إذا ما قورنت الحضارة الإسلامية بغيرها من الحضارات الأخرى، ومرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها: أن العقيدة الإسلامية تحض على عدم التبذير والبذخ، وتدعو إلى الزهد وعدم الإسراف في كل شيء بما في ذلك الحلي، وكذلك الإيمان بأن المسلم يلاقي ربه بعمله؛ لذا فقد دُفِن موتى المسلمين بكفن يستر أبدانهم، خلافاً لحضارات الأمم الأخرى الذين كانوا يدفنون الموتى ومعهم قطع الحلي والزينة، وهذا ما لم يحدث عند المسلمين.

 
تاج مرصع بالألماس واللؤلؤ من العصر الإسلامي موجود في المتحف القطري 

وعليه فإن الحفائر الأثرية في الترب والقبور الإسلامية لم تكشف عن حلي، وكل ما وصلنا من تحف وحلي إسلامية إنما عثر عليها تحت الأنقاض المخلّفة عن الأبنية، أو كان متوارثاً يعتز به الخلف، لأنه من آثار السلف.

كان مجيء العباسيين إلى الحكم إيذاناً بإحداث ثورة في مجال الحلي؛ فقد امتلأت خزائن الدولة بالأموال والذهب والفضة والحلي التي كانت تُحمل إليها من أماكن مترامية داخل دولة الخلافة. كما كثُرت الجواري اللواتي جُلِبن من أصقاع الأرض كافة بسبب الحروب، وامتلأت بهن قصور الخلفاء العباسيّين، فكنَّ من العوامل المهمة التي أسهمت في العناية بالحلي والجواهر والإكثار منها، حيث أصبحن يمثّلن طبقة مهمة داخل المجتمع الإسلامي. ومع زيادة الثراء اختلفت أنماط الحياة وبلغت الحياة الاجتماعية أوجها في النواحي كافة. وكان من ذلك أن بالغ بعض الأغنياء من النساء في زينتهن وأناقتهن؛ فكن يرفلن في الثياب الحريرية ويختلن في الحلي والجواهر متخذات منها تيجاناً وأقراطاً وخلاخل وعقوداً وقلائد تتضمَّنها شعورهن أو عصائبهن، كما فعلت علية بنت المهدي التي كان بها عيب في جبينها؛ فأحدثت بذلك زياً فريداً قلدته نساء عصرها.

 
قلادة من الحجر الكريم من العصر المغولي الإسلامي 

والتاريخ الإسلامي حافل بذكر أنواع الحلي والزينة، فقد أفردت بعض كتب التراث أبواباً فيها أسماء أدوات الزينة والحلي وطريقة صنعها ولبسها واستعمالها.

وقد صنع العباسيّون الحلي بطرق كثيرة مثل الحز والحفر والتخريم، وعُرف في عهدهم الترصيع بالمينا السوداء منها والزرقاء أو الحفر. كما تمت زخرفة الحلي في عهدهم بالمينا التي عُرفت بميناء الفصوص، أو المينا التي كانت تُصهر وتُصب في قطع الحلي. وقد وُجدت بعض الحلي في العصر العباسي المتأخر تحتوي على رسوم بهيئة حيوانات أو طيور أو رسوم آدمية متأثرة بالزخارف الساسانية والبيزنطية. وتجدر الإشارة إلى أن العباسيّين كان قوام زخارف حُليِّهم نقوشاً نباتية وأشكالاً هندسية وكتابات خطية.

خاتم من الذهب مرصع - العراق (القرن 6-7هـ/12-13م)

(متحف المتروبوليتان بنيويورك)

وقد توالى على ديار الإسلام- إبان الخلافة العباسية وبعدها- أمراء اهتموا بالحلي والجواهر والزينة، حتى صار في كل مدينة من البلاد الإسلامية سوق للصاغة به حوانيت لصناعة الحلي والجواهر وبيعه.

عقد ذهبي من العصر المملوكي 

وبلغت هذه الصناعة مبلغاً عظيماً، وبرع الصنّاع المسلمون في صناعة الحلي وتكفيته وترصيعه حداً يفوق الخيال، ويقول المستشرق جوستاف لوبون عن ذلك: «تقدم العرب كثيراً في الصناعة المعدنية وبلغ إتقانهم لبعضها مبلغاً يصعب الوصول إلى مثله في زماننا».

وفي العصر الفاطمي ازدهرت صناعة الحلي في كل من مصر وسورية على نحو كبير، وقد أشار المؤرخون والرحالة وكل من زار مصر وسورية في تلك الفترة إلى أن القصور الفاطمية وخزائن خلفائهم كانت تزخر بقطع الحلي والجواهر. كما شهدوا أن كثيراً من نساء العصر الفاطمي أُغرِمن بجمع قطع الحلي. وقد حفظت متون الكتب أن سيدات اشتهرن في البلاط الفاطمي انصبّ جُلّ اهتمامهن على جمع قطع الحلي، ومن أشهرهن رشيدة وعبدة ابنتا الخليفة الفاطمي المعز بالله. كما اشتهرت ستّ الملك ابنة الخليفة العزيز بالله باقتنائها أنفس الحلي وأغلاها من ياقوت وزبرجد، وقد ورد أن مخصصاتها كانت تبلغ نحو خمسمئة ألف دينار. ويعد المقريزي من أكثر المؤرخين الذين وصفوا كنوز القصور الفاطمية وما كانت تحويه من روائع تحف الحلي المختلفة. وقد شاعت في العصر الفاطمي عدة طرق وأساليب لصناعة الحلي وزخرفتها، حيث عرفوا طريقة الحز والحفر، وكثر عندهم الترصيع بالأحجار الكريمة والتنزيل بالمينا؛ سواء مينا الفصوص أم الإنزال على قطع الحلي بطريقة مينا الصب على الزخارف المحفورة. وشاع أيضاً عند الفاطميين طريقة أخرى عُرفت باسم التشبيك، وهي إعداد أسلاك دقيقة من الذهب أو الفضة، تُشَكّل فيها أشكال متعددة، يربط بينها لحام خاص قد يثبت فوق صفائح دقيقة من المعدن لتقوية قطعة الحلي، وقد تترك الزخارف مفرغة بلا تصفيح. وتعد القطع الفاطمية التي وصلتنا في حكم النادرة نسبياً إذا ما قورنت بغيرها من قطع الحلي عبر العصور الإسلامية؛ فقد صاغ الفنان الفاطمي قطع الحلي واستمد زخارفها من بعض العناصر الزخرفية المستوحاة من الفن الفارسي، وكان قوام هذه الزخارف نقوشاً نباتية وهندسية وأشكال طيور وكتابات بالخط الكوفي، وصورت بعض هذه النقوش رسوماً آدمية ومناظر لمجالس طرب.

قلادة من الذهب مطعمة بالمينا - الدولة الفاطمية، مصر (ق 5هـ/11م) (متحف المتروبوليتان بنيويورك)

وتزخر المتاحف الأثرية العالمية بقطع الحلي التي يرجع تاريخها إلى العصر الفاطمي، فما يزال المتحف الوطني بدمشق، ومتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، ومتحف المتروبوليتان بنيويورك، ودار الآثار الإسلامية بالكويت، ومتحف بناكي بأثينا، وقصر بارجلو بمدينة فلورنسا بإيطاليا؛ كلّ هذه المناطق تحتفظ بقطع وروائع من فن الحلي الإسلامي، ولا سيما العائدة إلى العصر الفاطمي. من هذه القطع قرط متأثر بالفن الساساني مصنوع من الذهب موجود بالمتحف الوطني بدمشق، وهو على هيئة طائر ممسك بكرة صغيرة في منقاره. كما يوجد في المتحف ذاته مجموعة من العقود والقلائد تعد من أهم القطع الذهبية المستطيلة والبيضوية الشكل، جُمعت بترتيب خاص في سلاسل ذهبية منتظمة. كما عُثِر في فلسطين سنة ١٣٨٣هـ/١٩٦٣م على عقد يتألف من مجموعة من الحبات الذهبية صنعت بطريقة التشبيك. وتحوي دار الآثار الإسلامية بالكويت مجموعة من الأساور الذهبية والفضية تزينها زخارف بارزة بأسلوب الطَّرْق البارز، وهي زخارف هندسية ونباتية تقوم بينها رسوم لأرانب برية وصور ورسوم آدمية تمثل مناظر طرب فوق مهاد. كما يوجد في متحف المتروبوليتان في نيويورك مجموعة من الخواتم المصنوعة في مصر من الذهب والفضة والنحاس مزينة برسوم نباتية دقيقة، إضافة إلى كتابات عربية كوفية. ويحتفظ مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بطوق ذهبي تزينه كتابات كوفية بارزة، ويُرجَّح أنه صنع في مصر.

زوج من القرط متأثر بالفن الساساني مصنوع من الذهب على هيئة طائر يمسك كرة صغيرة بمنقاره (ق 5هـ/11م) (المتحف الوطني بدمشق)

ولما فتح المسلمون بلاد الأندلس سنة ٩٢هـ/٧١٠م، حملوا معهم العلوم والفنون، واستمروا بحكمها نحو ثمانية قرون. وقد عرفت البلاد الرخاء والثراء في عهدهم إلى جانب تأثرهم البسيط بالأساليب الزخرفية لجيرانهم الأوربيّين؛ مما أحدث نوعاً من التمازج في أساليب صناعة الحلي، لذا فإن قطع الحلي المنسوبة إلى بلاد الأندلس تبدو نادرة للغاية، وقد استُخدمت فيها الزخرفة بالمينا ذات الألوان المتعددة واتسمت هذه القطع بالبساطة والرقي في وقت واحد. فقد عثر على عدة عقود مؤلفة من أشكال أسطوانية صغيرة من حبات الزجاج الأخضر والذهب، واتسمت هذه العقود بوحدة الشكل وكأنها صنعت في مصنع واحد.

ومن أشهر قطع الحلي الأندلسية قرط ذهبي يحوي كتابةً بالخط المغربي الشهير، يجمع بين الخط الكوفي والنسخ على أرضية من المينا الزرقاء والحمراء.

زوج من القرط - سورية (ق 5هـ/11م) (متحف المتروبوليتان بنيويورك)

وقد شجع الحكام الأيوبيّون في بلاد الشام ومصر الصنّاع من بلاد الرافدين ــــ ولاسيما الموصل ـــ ممن عرف عنه اتقان الصناعات المعدنية عموماً والحلي خصوصاً؛ على الهجرة إلى مصر والشام حتى صارت هناك مراكز جديدة لصناعة المعادن ومن بينها الحلي، فغدت دمشق وحلب والقاهرة مدناً صناعية. وقد أدى قصر فترة حكم الأيوبيّين وكثرة الحروب التي خاضوها والالتزام الجاد بتعاليم الشريعة الإسلامية إلى جعل الحكام الأيوبيّين زاهدين في جمع الحلي مقارنة بما كان عليه الأمر في العصر الفاطمي. وقد ظلت التقاليد والأساليب الفنية في صناعة الحلي مستمرة خلال العصر المملوكي، وحملت القطع زخارف نباتية ورسوماً هندسية وكتابات خطية نُفِّذت بالطُّرق المتعارف عليها من حز أو حفر وترصيع وتكفيت.

سوار من الذهب - إيران (منتصف القرن 5هـ/11م)

(متحف المتروبوليتان بنيويورك)

وكان لهجوم التتار على عاصمة الخلافة العباسية بغداد وهروب الكثير من الصناع المهرة نحو الشام ثم مصر أثره في تقدم تلك الصناعة في العصر المملوكي.

خاتم ذهبي من القرن 5هـ/11م

وأظهر الصنَّاع العثمانيون حذقاً في صناعة الحلي والجواهر، وإن تأثر ذلك بعض الشيء بأساليب بلاد الهند وفارس المتاخمة لأراضي الدولة العثمانية. وقد نالت منتجات الصنّاع العثمانيّين إعجاب الأوربيّين، وتميزت قطع حلي العثمانيّين بدقة المشغولات الذهبية ووفرة زخارفها، مع الميل إلى استخدام الأحجار الكريمة بكثافة كبيرة في الأعمال الزخرفية. وكان قوام هذه الزخارف النقوش النباتية وبعض الكتابات، ومايزال متحف طوب قابي سراي بإسطنبول يحتفظ بالكثير من قطع الحلي والجواهر التي تدل على روعة ما وصل إليه الفن الإسلامي في هذا المجال.

أنواع مختلفة من الحلي من العصر العثماني

فاطمة السليطي

 

التصنيف : آثار إسلامية
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 48
الكل : 11017648
اليوم : 6385