logo

logo

logo

logo

logo

حاصور

حاصور

Hasor - Hasor

 ¢ حاصور

حاصور

 

مدينة كنعانية مشهورة ازدهرت في العصرين البرونزي الوسيط والمتأخر، يُعرف موقعها الحالي باسم تل الِقدَح بمنطقة الجليل الأعلى شمالي بحيرة طبرية بـ١٥ كم في فلسطين، وهو من أكبر مواقع بلاد الشام الجنوبية. تبلغ مساحته قرابة ٨٠ هكتاراً، ويرتفع نحو ٤٠ م، ويتألف من قسم مرتفع مساحته ١٠هكتارات، وقسم منخفض يقع في شمالي التل مساحته ٧٠هكتاراً.

زار الإنكليزي ج. ل. بورترJ. L. Porter التل عام ١٨٧٥م، وكان أول من أشار إلى أنه هو حاصور Hasor القديمة، وهذا ما أكده فيما بعد جون غارستانغ J. Garstang الذي أجرى بعض الأسبار فيه عام ١٩٢٨م، واعتقد أن المكان كان مركزاً للمشاة والخيالة.

منظر جوي لحاصور

يعني اسم حاصور في لغات المشرق العربي القديم « الحظيرة، المكان المسور، الحصن»، ويرد ذكرها مكتوباً أول مرة في « نصوص اللعن المصرية «[ر] (القرن ١٩ ق.م) التي تورد أسماء مدن سورية وفلسطينية معادية لمصر، من دون أن تقدم أي معلومات عنها. ثم تُذكر بصيغة حاصورا في محفوظات ماري [ر] الملكية العائدة للقرن ١٨ ق.م، وكانت مقصداً للتجار والسعاة في ظل حكم ملك يحمل اسماً أكادياً هو « إبني أدد « ( الإله أدد خَلقَ )، الذي تلقَّى من ماري[ر] بحسب أحد النصوص ثلاث إرساليات من القصدير الضروري لصناعة البرونز بلغت كميتها نحو خمسة وثلاثين كيلوغراماً. وكان هذا الملك معاصراً لزمري لِم [ر] ملك ماري المشهور (١٧٨٢- ١٧٦٩ ق.م). كما تظهر حاصور في « كتاب أحلام الآشوري « ضمن مجموعة من أسماء المدن تضم ماري وإيمار[ر] وحلب[ر] وقطنة[ر] وحاصور؛ مما يدل على أنها كانت محطة مهمة على طريق تجارية كانت تربط بلاد الرافدين بالمدن السورية المختلفة، وأنها كانت مملكة أمورية [ر] مستقلة لها علاقاتها الواسعة مع الممالك الأمورية الأخرى المعروفة في سورية وبلاد الرافدين في ذلك العصر. وقد مكّنها موقعها الاستراتيجي في أعالي وادي الأردن من مراقبة طريق المواصلات والتجارة الممتدة من وادي النيل إلى سورية، ومنها إلى بلاد الرافدين وهضبة الأناضول.

مخطط طبوغرافي لتل القدح في حاصور

كما ورد ذكر حاصور في قائمة المدن الفلسطينية التي احتلها الفرعون المصري تحوتموس الثالث (القرن ١٥ ق.م)، والتي كتبها على جدران معبد آمون الكبير في الكرنك. ووردت أيضاً في رسائل العمارنة[ر] (١٤٨،٢٢٧، ٢٢٨، ٣٦٤) العائدة للقرن الرابع عشر ق.م، وظهرت فيها تابعة للامبراطورية المصرية الحديثة، من خلال رسالتين (٢٢٧، ٢٢٨) أرسلهما ملكها المدعو «عبدي تيرشي Abdi-Tirshi» إلى الفرعون المصري أمنحوتب الرابع (أخناتون) يقدم فيهما الولاء والخضوع له. ولاحقاً ذكر أن الفرعون سيتي الأول احتلها في حملاته على سورية (نحو ١٣٠٠ ق.م)، وكان آخر ذكر مصري لها في أحد النقوش العائدة لرعمسيس الثاني.

وفي العهد القديم ذكرت حاصور عدة مرات، فتظهر في سِفر يشوع مقراً لملك كنعاني قوي يدعى «يابين»، يُهزم على يد يشوع بن نون الذي أحرق حاصور كلها بعد أن قتل سكانها؛ لأنها برأيه « كانت قبلا ً رأس جميع تلك الممالك الكنعانية التي قاومته». كما تظهر في سِفر القضاة (الإصحاح الرابع) الذي يصف هزيمة جيش «يابين ملك كنعان» على يد «دبورة قاضية إسرائيل».

معبد من حاصور

بدأت الحفريات ببعض الأسبار التي أجراها غارستانغ عام ١٩٢٨، ثم واصل الصهيوني ي. يادين Yigael Yadinـ وبتمويل من مؤسسة جيمس روتشيلد الصهيونية ـ تنقيباته في الموقع عام ١٩٥٥ واستمر حتى ١٩٥٨، ثم تابعها عامي ١٩٦٨- ١٩٦٩ باحثاً عن شواهد أثرية تؤكد صحة روايات العهد القديم. واستأنفت سلطات الاحتلال حفرياتها في الموقع بدءاً من عام ١٩٩٠ من قبل الجامعة العبرية بالقدس، ومشاركة جامعة مدريد الإسبانية بقيادة أمنون بن تور Amnon Ben-Tor.

أظهرت التنقيبات وجود إحدى وعشرين طبقة أثرية في مرتفع التل، يرجع أقدمها لعصر البرونز المبكر وأحدثها للعصر الهلنستي، واقتصر السكن في المدينة المنخفضة على عصري البرونز الوسيط والمتأخر. وقد كان الاعتقاد أن المدينة المنخفضة لم تكن سوى مخيم للجنود وعرباتهم، قبل أن يظهر الموقع بتحصيناته المهمة بوصفه إحدى المدن الكنعانية الكبيرة في المنطقة فاق عدد سكانها الأربعين ألف نسمة.

بينت البقايا الأثرية ومن ضمنها الكسر الفخارية وبعض الأختام الأسطوانية أن أقدم الطبقات السكنية في الموقع تعود لعصر البرونز المبكر الثاني والثالث وتظهر تشابهاً مع المواقع السورية. بعد ذلك هناك فترة تحول من عصر البرونز المبكر إلى الوسيط الأول، وقد تميز فخار هذه المرحلة بتشابهه مع فخار منطقة وادي العاصي.

تعد التحصينات من أهم أبنية الموقع التي بنيت خلال عصر البرونز الوسيط الثاني، وأعيد استخدامها في العصور اللاحقة ولاسيما عصر البرونز المتأخر، وهي مشابهة لتحصينات إيبلا وكركميش وقطنة وغيرها من المواقع، وتتألف من سور ضخم يحيط بالمدينة المنخفضة بني بالتراب واللبن، بلغ عرضه في القسم الجنوبي ٩٠م، وارتفاعه نحو ١٥ م، وأُحيط بخندقٍ عميق، وتتخلله أربع بوابات من الطراز السوري المعروف بالكماشة.

بعد هذه الفترة المزدهرة تعرضت المدينة لبعض الدمار ربما تمّ على يد الفرعون ستي الأول Seti نهاية القرن الرابع عشر، وهذا ما تظهره طبقة رقيقة من الرماد وعدد من المدافن في مرتفع التل، لكن لا تلبث أن تعود الحياة للموقع من جديد خلال عصر البرونز المتأخر تشهد عليه بقايا بعض الأبنية ومن بينها السور الشرقي وبوابات المدينة ومعبد(القطاع H)، وكذلك الساحة الطقسية المفتوحة (القطاع A) وبجوارها معبد طولاني الشكل، ومعبد آخر(القطاع C)، والقصر المرتفع (القطاع F).

ويعد معبد (القطاع H) من أهم مباني هذه الفترة، وقد بني على أطلال معبد أقدم منه يعود إلى العصر البرونزي الوسيط تم هجره نحو ١٤٠٠ق.م ليبنى هذا المعبد مكانه، وهو يتألف من مدخل يليه ردهة تحيط بها حجرتان جانبيتان صغيرتان ثم الحرم، وهو حجرة رئيسية لها محراب مستطيل الشكل في الواجهة المقابلة للمدخل. والمعبد يشابه في مخططه معبد السوية السابعة في ألالاخ. وقد عثر فيه على لوحة حجرية لأسد وضعت بالقرب من المدخل، وعلى ألواح حجرية وأحواض للقيام بأداء طقوس التطهير.

وهناك معبد آخر تمّ تشييده في الزاوية الجنوبية الغربية من المدينة السفلى، وهو بسيط التخطيط وأصغر من السابق مؤلف من حجرة عبادة أقيم محراب في جدارها الجنوبي الغربي، وتتقدم المعبد ساحة في وسطها منصة مستطيلة كانت تستخدم قاعدة للمذبح. وهو يتميز من المعابد الأخرى بوجود مجموعة من الألواح الحجرية صفت داخل المعبد، نقش على أحدها صورة يدين مفتوحتين تمسكان بقرص وهلال (رمز إله القمر)، وعثر في الجانب الأيسر من هذا اللوح على تمثال لشخص (إله أو ملك) جالس على عرش يتدلى من عنقه رسم لهلال، وعثر إلى اليمين منه على تمثال آخر لأسد، وفي ساحة المعبد وجدت قرابين مختلفة منها أقنعة ورايات مصنوعة من الذهب تحمل ملامح الإله، وبعضها يحمل بيده مصوغات في صورة أفاعٍ على رأسها هلال (رمزاً للخصوبة).

كما كُشف في مرتفع التل عن جزء من أحد الأبنية يعتقد أنه قصر المدينة القائم على قواعد من الأعمدة الضخمة، واحتوى على الكثير من اللقى الثمينة ومنها تماثيل برونزية وعاجية وجواهر وأختام وربتون (إناء فخار للسوائل) على شكل رأس أسد، وهذا يشير إلى غنى الحكام الكنعانيّين.

انتهت المدينة خلال عصر البرونز المتأخر بالدمار حيث عثر على الكثير من الرماد والخشب المحروق واللبن المتساقط في القسمين المرتفع والمنخفض من الموقع. لكن القسم المرتفع شهد مع بداية العصر الحديدي إعادة استيطان جديد، ولم يأتِ القرن العاشر ق.م حتى سُكِنَ الموقع وتحول إلى مدينة كبيرة أحيطت بسور دفاعي ضخم مزدوج تتخلله بوابة كبيرة في منتصفه على كل من جانبيها ثلاث حجرات، ويعلوها برجان دفاعيان. كما شيدت قلعة المدينة في الجهة الجنوبية، أما في الجهة الجنوبية الغربية فقد تم حفر بئر على عمق أربعين متراً لتوفير الماء وقت الحصار، وجرى حفر قناة لجر المياه من ينبوع يقع على المنحدر الجنوبي للتل تصب في خزان كبير، كما شيدت أحياء للإقامة وأمكنة للورش والمخازن وأبنية عامة لبعضها صفان من الأعمدة ترتفع نحو مترين عن الأرض.

احتل الملك الآشوري تجلات -بلاصر الثالث[ر] المدينة عام٧٣٤ق.م فأحرقها بالكامل، وهجَّر سكانها. لكن التنقيبات أظهرت إشغال الموقع فيما بعد من خلال وجود بعض المباني والتحصينات حتى نهاية العصر الهلنستي حيث هجرت المدينة نهائياً على الرغم من أن المؤرخ يوسيفوس (القرن الأول الميلادي) يأتي على ذكرها بقوله إنها قريبة من بحيرة ساماخونيتيس، أي بحيرة الحولة.

ومن اللقى الأخرى التي عثر عليها في الموقع عدد من الرقيمات الطينية المسمارية بلغ عددها حتى الآن تسعة عشر رقيماً، يحمل أحدها نصاً مزدوج اللغة (سومري – أكَّادي) ووثيقة حقوقية، ونصاً اقتصادياً، وكسرة من رسالة ملكية. وهناك نموذج لكبد حيوان عليه طلاسم كتبت بالأكادية، عثر عليه داخل معبد الألواح يشبه مثيلاته في بلاد الرافدين وسورية، كان يستعمل من أجل التنبؤ بالمستقبل. وقد كُتبت الوثيقة الحقوقية باللغة الأكادية وبأسلوب شبيه بأسلوب قانون حمورابي[ر] القائم على مبدأ العين بالعين والسن بالسن؛ مما يعني أن علاقات قوية كانت قائمة بين حاصور وبابل في ذلك الوقت. كما عثر عام ٢٠١٠م على تمثال معدني، وبعض الأختام الأسطوانية، وفي العام ٢٠١٢م –تم العثور على جزء من تمثال مصري لأبي الهول يحمل كتابة هيروغليفية تتحدث عن الفرعون المصري منقرع (نحو ٢٥٠٠ ق.م)، الأمر الذي يدل على قدم علاقات حاصور مع مصر.

ألواح مسمارية حاصور

يشار أخيراً إلى أن منظمة اليونسكو سجلت موقع حاصور ضمن قائمة التراث العالمي عام ٢٠٠٥، وذلك نزولاً عند رغبة سلطات الاحتلال الصهيوني التي تسعى من خلال هذه المحاولات إلى إقحام نفسها ضمن النسيج التاريخي والاجتماعي لهذه المنطقة لإعطاء صبغة شرعية على وجودها الحاضر، علماً أن اسم حاصور كان معروفاً في مناطق أخرى من سورية وفلسطين منذ القدم، وإلى الآن هناك أكثر من قرية سورية تحمل الاسم نفسه تقع إحداها على بعد ٥٥كم شمال غربي حمص.

عيد مرعي

مراجع للاستزادة:

 -خير نمر سلمان، جنوبي بلاد الشام: تاريخه وآثاره في العصور البرونزية (عمان ١٩٩١).

- K. Kenyon ,Archaeology in the Holly land, 4th ed.) New York; 1979.(

- G. R. H. Wright, Ancient Building in South Syria and Palestine, )Leiden, 1985).

 


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 34
الكل : 10414490
اليوم : 1114