logo

logo

logo

logo

logo

الحجر في العصور التاريخية

حجر في عصور تاريخيه

-

 الحجر

الحجر

الحجر في العصور التاريخية

 

يعدُّ الحجر stone من أكثر اللقى شيوعاً في المواقع الأثرية، نظراً لتوفره في محيط الإنسان الذي استخدمه خلال كل العصور، فبنى منه مسكنه ومدفنه، وصنع منه الأواني والأدوات المنزلية والزراعية والمنحوتات الفنية، وكذلك الأسلحة والحلي والتمائم والأختام وغير ذلك.

أظهرت الدراسات الجيولوجية للتوضعات الصخرية القديمة في سورية وجود طبقات صخرية مختلفة تكونت نتيجة التغيرات المناخية التي طرأت على الكرة الأرضية، إذ تغطي الصخور الرسوبية sedimentary rocks مساحات واسعة منها، وهي ناجمة عن الترسبات البحرية الضحلة التي غمرت أجزاء كبيرة من البلاد، فيما تتميز المنطقة الشرقية بوجود ترسبات جبسية، أما الصخور البركانية igneous rocks فتوجد في أغلب المناطق: الجنوبية والشرقية والشمالية والوسطى، في حين تتميز المناطق الجبلية- ولاسيما سلاسل الجبال الغربية -بالصخور الرسوبية الجوراسية والكريتاسية. وهذا يعني أن معظم الصخور في سورية هي رسوبية كلسية (كالدولوميت والجبس والحجر الرملي)، أو بركانية (كالبازلت والغرانيت والسياتيت).

بوابة من إيبلا

تطور استخدام الحجر وتقنية نحته وتصنيعه في منطقة المشرق العربي خلال مراحل الاستيطان المختلفة تبعاً للتغيرات الثقافة والاجتماعية والسياسية التي شهدتها المنطقة، واستخدم الإنسان الحجر المتوفر في البيئة المحيطة به لمعظم الاحتياجات، في حين كان يتم استيراد أنواع أخرى من الحجارة كالأوبسيديان [ر] والأحجار الكريمة من مناطق أخرى بعيدة أحياناً، بهدف صناعة بعض الحلي والتمائم والأدوات وغيرها. ففي منتصف الألف الرابع قبل الميلاد ومع التطور العمراني والحضاري نشأت المدن الكبيرة المحصنة بالأبراج والأسوار التي تخترقها البوابات والعمارة المزخرفة والمنحوتة، كتلك التي في تل حبوبة الكبيرة [ر] وتل قناص[ر] في منطقة الفرات الأوسط، وتلال براك[ر] وبيدر[ر] وموزان[ر] وليلان[ر] في الجزيرة السورية وغيرها، وقد شكّل الحجر مادة أساسية في بنائها.

ومع تتابع الحركة العمرانية وتوسع المدن في الألف الثالث ق.م تطور نظام العمارة والبناء وفن النحت المعتمد على الحجر، وهذا ما يظهر جلياً في معظم المدن القديمة مثل ماري وإيبلا وناغار (تل براك) وجبيل[ر] وخربة الزيرقون[ر] وجاوه [ر] (في الأردن) وغيرها من المدن، التي تميزت بحصونها وبواباتها ومعابدها وقصورها الضخمة، وقنوات المياه والخزانات والسدود، والتي بني قسم كبير منها بالحجارة، فيما عثر فيها على الكثير من الأواني الحجرية الجميلة والتماثيل والمنحوتات والأحجار الكريمة والحلي والقوالب والأختام الاسطوانية وغيرها؛ مما يدل على بلوغ فن نحت الحجارة والأدوات المستخدمة فيه- وكذلك الصناعات الدقيقة، كصناعة الأختام والحلي- درجة كبيرة من التطور والإتقان تشهد عليها مكتشفات معظم المواقع السورية العائدة إلى هذه المرحلة.

تميزت مدينة إيبلا [ر] خلال هذه المرحلة بسورها الدائري المنيع والمزود بأبراج مربعة بارزة، وتتخلله البوابات، تم بناؤه بحجارة كلسية كبيرة بحسب التقاليد المعروفة، كذلك بنيت أساسات القصور والمعابد والأدراج في المرتفع (الأكروبول) من صخور كلسية. أما التماثيل فقد كانت مركبة من أكثر من مادة أهمها الحجر العادي والكريم، علاوة على الخشب والصدف والذهب. واستخدم الحجر البازلتي في إيبلا لصناعة الأحواض النذرية التي نحت عليها بشكل نافر أشكال ومشاهد إنسانية وحيوانية ذات مواضيع دينية وميثولوجية وغيرها، وقد استمر استخدام هذه الأحواض في الألف الثاني ق.م، وإلى هذه المرحلة يعود جذع التمثال البازلتي الذي يحمل كتابة مسمارية تم من خلالها التعرف إلى الموقع.

شاهدة مدفن من حجر البازلت من زنجرلي

يظهر التأثير الفني الرافدي القديم في تماثيل تل خويرة [ر] التي نحتت من حجر الألباستر، وتمثل أشخاصاً متعبدين بوضعية الجلوس لهم لحىً تشبه تماثيل ماري [ر] الحجرية التي كانت مواضيعها دينية بحسب ما تؤكده الكتابات التي نقشت عليها والتي تحمل أسماء أصحابها والآلهة المهداة لها، وقد تم صناعتها من الحجر الكلسي المحلي، ويدل التباين في درجة كمالها على أنها تعود إلى عدة مشاغل؛ مما يدل على تطور كبير في فن النحت، ومن أهم هذه التماثيل: لمجي ماري، إيكو شماغان، إيشوب إيلوم، شيبوم، أورنينا...إلخ. كما أتت من ماري تماثيل زوجية مصنوعة من الحجر، هي الأولى من نوعها في سورية، أحدها يجسد رجلاً وامرأة جالسين على مقعد واحد يرتديان لباس الكوناكس العادي ويتعانقان بشوق. كما وجدت في ماري تماثيل كان بعضها مركباً من أكثر من مادة تم تطعيم التماثيل فيها.

تمثال العاشقان من ماري

وفي الألف الثاني قبل الميلاد ومع سيادة الأموريين[ر] على كامل منطقة المشرق العربي أصبح هناك تجانس ثقافي تجلت مظاهره في العمارة وفي فن النحت الذي وصف بالحيوية والواقعية والبراعة، ومن أجمل التماثيل الحجرية خلال هذه المرحلة تمثال ربة الينبوع في ماري الذي يبلغ طوله ١٤٢سم وينسب إلى فترة حكم زمري- لِم ملك ماري (١٧٨٢-١٧٥٩ق.م)، وهناك تمثال إدريمي[ر] المكتشف في قصر نيقميبا في ألالاخ (تل عطشانة) [ر]، ارتفاعه نحو١.١٠م ويظهر فيه جالساً على عرش له مسندان، عليهما زخارف، وتم نقش السيرة الذاتية للملك إدريمي على التمثال وتألفت من ١٠٤ أسطر. ومن قطنة[ر] جاء تمثالان بازلتيان متماثلان وضعا على مدخل المدفن الملكي المكتشف عام ٢٠٠٢، وهما يرتكزان على قاعدة حجرية، يُمثّلُ كل واحد منهما ملكاً في وضعية الجلوس على العرش، وهما من إنتاج محلي، يعود تاريخهما إلى النصف الثاني من الألف الثاني ق.م، ويشابهان تمثال إدريمي. وتعد اللقى التي عثر عليها في مدفن قطنة نموذجاً لكثير من اللقى التي وجدت في الموقع، ومنها عدد من التوابيت البازلتية وبعض المقاعد، علاوة على أثاث جنائزي يزيد على ثلاثة آلاف قطعة صنع الكثير منها من الحجارة العادية كالأواني المرمرية، أو من الحجارة الكريمة التي تم تطعيمها مع مواد أخرى مثل الذهب والفضة لتصنع منها الجواهر التي كان بعضها مصري المصدر.

معبد عين دارة

أما العمارة فقد تطورت هندسة بناء الأسوار والحصون والبوابات لتصبح أكثر متانة ومنعة، فأخذ السور شكل المنحدر وتم بناؤه من الطين والحجارة، وتتخلله البوابات الضخمة من نموذج الكماشة التي بنيت من الحجارة وكسيت بألواح حجرية منحوتة، وهذا ما يشاهد في إيبلا وقطنة وأوغاريت[ر] وألالاخ وحاصور [ر] ومجدو[ر] ومعظم المدن الأمورية، أما المعابد والقصور فقد بنيت على أساسات من الحجارة، واستخدم في بنائها خلال هذه المرحلة ألواح حجرية منحوتة، فيما استندت بعض الأبنية إلى أعمدة كانت ترتكز على قواعد حجرية منحوتة كما في قطنة وألالاخ.

نصب حجري من رأس شمرا

تميزت أوغاريت في استخدام الحجارة الكلسية في معظم أبنيتها نظراً لمناخها الماطر، وتظهر براعة المعماريين في بناء بوابة المدينة ذات الواجهة المنحدرة والشكل المقوس، وبناء القصور والمعابد والمدافن والتوابيت، وفي رصف الشوارع وفي شبكة تصريف المياه، وكذلك في استخدام الحجارة الكلسية والبازلتية لصناعة أعمال فنية ترتبط بالمباني الدينية كالأنصاب والأجران والأحواض ومراسي المراكب البحرية والتماثيل وشواهد القبور، والأدوات الحجرية المنزلية كالرحى والمدقات والوزنات وغير ذلك. كما اشتهرت أوغاريت بالأدوات الحجرية الصغيرة المصنعة من المرمر والكوريت والسيتاتيت والتي ترتبط غالباً بالأنشطة النسائية كرؤوس المغازل والمدقات وأدوات الزينة. في حين عثر في القصر الملكي على العديد من اللقى الحجرية المصنعة من الترافرتينtravertine ، وهو حجر كلسي أبيض موشح وشبه شفاف، وهي كلها مستوردة من مصر.

أوغاريت

في مطلع الألف الأول قبل الميلاد ازداد الاعتماد على الحجارة في كل المجالات، فظهرت أنماط جديدة من الأبنية المدنية والدينية من أسوار وقصور ومعابد فاخرة بني أغلبها بالحجارة الكلسية والبازلتية المنحوتة، لكن أهم ما يميز هذه المرحلة هو شيوع بناء المعبد القصر- الذي يدعى بيت خيلاني[ر]- في كل بلاد الشام، وظهر أفضل نموذج له في تل حلف[ر]، وهو يتألف من قاعتين كبيرتين مستطيلتي الشكل وحولهما غرف أخرى صغيرة، ويتميز بمدخله المرتفع والواسع، ويحيط به برجان بارزان نحو الخارج، وقد قسم إلى أربعة ممرات بوساطة ثلاثة أعمدة من الحجر البازلتي لها شكل حيوانات ضخمة هي ثور وأسد ولبوة، تنتصب فوقها ثلاثة تماثيل ضخمة لإلهين (فوق الأسد والثور)، وإلهة (فوق اللبوة)، وهي أيضاً من الحجر البازلتي، فيما انتصب على الجانبين تمثالان لأبي الهول، وكسيت بعض واجهات البناء بعدد من اللوحات البازلتية المنحوتة. وقد تميزت معظم أبنية هذه الفترة بواجهاتها المزدانة باللوحات الحجرية المنقوشة والمزخرفة، وكذلك باستخدام التماثيل التي أصبحت جزءاً عضوياً من البناء، أو بوضع تماثيل الحيوانات وخاصة الأسود منها في مداخل الأبنية، وهذا ما يرى- علاوة على تل حلف- في أبنية كركميش [ر] وعين دارة [ر] وتل طعينات[ر]، وأرسلان طاش[ر]، وزنجرلي[ر.شمأل]، ومعبد قلعة حلب.. إلخ. كما اشتهرت هذه المرحلة بالتماثيل الحجرية الواقعية كبيرة الحجم التي نقشت عليها بعض النصوص، وأهمها تمثال هدد- يسعي [ر] الذي اكتشف في تل الفخيرية، والتماثيل التي تم وضعها على أبواب المدافن ومنها تماثيل تل حلف، في حين تعد شواهد القبور التي تحمل مشاهد مصورة ونقوشاً باللغة الآرامية أهم ما يميز هذه المرحلة على الإطلاق نظراً لكثرتها وتشابهها، والمعلومات التاريخية التي تم الحصول عليها من خلال ما تحمله من مادة تاريخية، وقد كشف الكثير منها في معظم المواقع الآرامية أهمها في النيرب والسفيرة قرب حلب و شمأل (زنجرلي).

غياث كلسلي

 

التصنيف : عصور ما قبل التاريخ
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 10
الكل : 9031338
اليوم : 964