logo

logo

logo

logo

logo

الحجرية (العصور-)

حجريه (عصور)

-

 ¢ الحجرية

الحجرية (العصور -)

العصر الحجري القديم (الباليوليت) Palaeolithic

العصر الحجري الوسيط (الميزوليت) Mesolithic

العصر الحجري الحديث النيوليت Neolithic

  العصر الحجري النحاسي الكالكوليت Chalcolithic

 

إن الحقبة الجيولوجية المعنية بدراسة عصور ما قبل التاريخ هي «الرباعي» Quaternary، إذ ظهر الإنسان خلاله، ووجدت آثاره ضمن الطبقات الجيولوجية العائدة إليه. ويعود تأريخ الرباعي إلى نحو ٣ ملايين سنة، ويقسم إلى قسمين: الأول هو البلستوسن Pleistocene، وأصل التسمية يوناني، وتعني العهد الحديث الكثير التقلبات المناخية، وهو حقبة باردة بدأت منذ نحو 3 ملايين سنة، وانتهت منذ نحو 10 آلاف سنة. أما الثاني فهو الهولوسن Holocene، ويعني في اليونانية الحديث جداً، وقد بدأ منذ نحو 10 آلاف سنة، ولا يزال مستمراً حتى اليوم، ويتميز بأنه أكثر دفئاً من سابقه، وقد تراجع الجليد خلاله كلياً إلى المناطق القطبية، واستقر الغطاء النباتي والحيواني كما هو عليه الآن.

عاصر القسم الأول البلستوسن العصر الحجري القديم Palaeolithic، وهو الأطول بين كل العصور، ويمتد تقريباً حتى نهاية البلستوسن. وعاصر الهولوسن تقريباً الفترة الانتقالية Epi-palaeolithic (ما بعد العصر الحجري القديم) والعصر الحجري الحديث Neolithic والعصر الحجري النحاسي Chalcolithic.

استخدم مصطلح «العصور الحجرية» أو «عصور ما قبل التاريخ « للدلالة على العصور التي سبقت العصور التاريخية[ر] التي جعل اختراع الكتابة الحد الفاصل بينهما. ويشير مصطلح «العصور الحجرية» إلى ارتباط حضارات عصور ما قبل التاريخ الموغلة في القدم باستخدام الأدوات الحجرية مادةً رئيسة في حياة الناس. وقد تطورت هذه الأدوات وتميزت وفقاً لتطور الحضارات التي عاصرتها.

تم تقسيم العصور الحجرية إلى مراحل وفق التقنيات والممارسات الاقتصادية، فالعصر الحجري القديم «الباليوليت» له ثلاثة أقسام رئيسة: هي الباليوليت الأدنى والباليوليت الوسيط، والباليوليت الأعلى، وذلك وفقاً لما تمت معرفته من خلال الصيد والتقاط النباتات، والأدوات الحجرية، وهي أهم ما في التراث الثقافي. أما العصر الحجري الوسيط فقد كان في المنطقة الشرقية مرحلة انتقالية إلى العصر الحجري الحديث، وشهد العصر الحجري الحديث «النيوليت» استقرار الإنسان ومزاولة الزراعة وقيامه بتصنيع الفخار. وشهد العصر الحجري النحاسي استخدام معدن النحاس، كما أصبح استخدام الفخار شائعاً.

أولاً- العصر الحجري القديم (الباليوليت) Palaeolithic:

وأصل التسمية يونانية من Palaios» قديم» و Lithos «حجر»، ويُعدّ هذا العصر الأقدم والأطول بين كل العصور الحجرية. ولا بد من الإشارة إلى أن التواريخ التي ترد لتأريخ العصور تختلف من منطقة لأخرى في العالم؛ نظراً لطبيعة الاستيطان وانتشاره، ولهذا سيتم ذكر التواريخ المعروفة عالمياً ، وتُقرن بذكر التواريخ المكافئة في المنطقة العربية المشرقية.

والباليوليت هو أقدم العصور الحجرية وأطولها، بدأ في إفريقية منذ نحو 2,5مليون سنة خلت، وانتهى في حدود 15000 قبل الميلاد. وهو عصر عاش فيه الإنسان منتقلاً إلى الصيد والالتقاط، ونظراً لزمنه الطويل والخصائص المميزة لكل فترة فيه؛ فقد قسمه الباحثون إلى عدة عصور أصغر، هي:

أ- الباليوليت الأدنى Lower Palaeolithic والذي بدأ قبل 2,5 مليون سنة وانتهى قبل 200 ألف سنة ق.م، ويليه الباليوليت الأوسط Middle Palaeolithic الذي انتهى قبل 40 ألف سنة ق.م، ويليه الباليوليت الأعلى Upper Palaeolithic الذي انتهى نحو 15000 سنة قبل الميلاد.

وقد عرفت أقدم الأدوات الحجرية من موقع ألدوفاي[ر]، والتي قام إنسان الهومو هابيل Homo habilis بتصنيعها، وهي القواطع chopper، ولاحقاً في طبقات أحدث عثر على الأدوات القاطعة chopping tools، وتعود إلى نحو 1,9 مليون سنة.

مع ظهور إنسان الهوموإركتوس Homo erectus منذ نحو مليون ونصف سنة حققت البشرية تطوراً مهماً، إذ تم تصنيع أدوات جديدة تطورت عن الأدوات القاطعة، ولها حدان عاملان ورأس حاد وقبضة مستديرة، عرفت باسم الفؤوس اليدوية، وسمي عصرها بالآشولي[ر].

تُعدّ الحضارة الآشولية من أهم ثقافات هذه المرحلة، وقد انتقلت إلى المنطقة المشرقية منذ نحو مليون سنة، إذ كشف في موقع ست مرخو في حوض النهر الكبير الشمالي عن فؤوس حجرية تعود إلى مليون سنة أتت بعدها جماعات صنعت فؤوساً أكثر تطوراً في موقع الشيخ محمد في الحوض نفسه. كما وجدت في منطقة خطاب[ر] أدوات حجرية صغيرة كالشظايا والنوى والقواطع، ولكن لا وجود لفؤوس يدوية تشبه تلك التي وجدت في ست مرخو. كما تم الكشف في موقع الميرا في حوضة الكوم عن فؤوس حجرية ضخمة تعود إلى ثمانمئة ألف سنة. ويبقى موقع العبيدية[ر] على الضفة اليمنى لبحيرة طبريا في فلسطين من أشهر مواقع هذه الفترة في بلاد الشام. كما اشتهرت بعض المواقع الأخرى مثل أبو هابيل[ر] في الأردن.

وفي القسم الثاني من الباليوليت الأدنى (حضارة الآشولي الأوسط) والمؤرخ على ٧٠٠-٤٠٠ ألف سنة، تطورت تقنيات إنسان الهوموإركتوس، وقد دلت عليها مواقع سورية مثل اللطامنة[ر] في حوض العاصي حيث عثر على بقايا معسكر سليم يعود إلى نصف مليون سنة وفيه آلاف الفؤوس الحجرية المتطاولة والكبيرة دقيقة الصنع. أما في لبنان فيعاصره موقع جب جنين، وفي فلسطين موقعا جسر بنات يعقوب[ر] وأم قطافة[ر].

وفي القسم الثالث من الباليوليت الأدنى (الآشولي الأعلى) المؤرخ على ٤٠٠ -٢٥٠ ألف سنة ظهرت ملامح حضارية جديدة. وسادت في المشرق ثقافة واحدة متشابهة، فمع ازدياد عدد السكان في سورية قاموا بتصنيع نوع واحد من الفؤوس التي تشبه شكل القلب؛ مما يدل على اتصال واسع بين سكان مختلف المناطق. وأفضل نموذج لهذه الفترة موقع القرماشي[ر] في وادي العاصي، حيث كشف عن بقايا معسكر أرضية سكن سليمة تشبه أرضية سكن من موقع اللطامنة، قام سكانه ببناء الأكواخ، واستخدموا النار. كما احتل موقع الندوية في حوضة الكوم مكانة متميزة، فقد كشف في أقدم طبقاته (المرحلة D) عظم جداري لجمجمة إنسان الهوموإركتوس، وهو الأكمل من نوعه في الشرق الأدنى، كما كشفت فؤوس حجرية لوزية. وعثر على بقايا حيوانية مختلفة، أهمها الحصان والجمل والثور وحمار الوحش والغزال والكلب والذئب، فضلاً عن بقايا نباتية، ومنها اللوز والسنديان.

كهف الديدرية - البعثة السورية اليابانية

يجدر الذكر أنه تم الكشف في حوض نهر الأبرش في منطقة طرطوس عن مواقع غنية معاصرة للقرماشي، بينها موقع أرض حمد، كما أتت مواقع معاصرة للقرماشي من مغارة الطابون الطبقة F ومغارة أم قحطانة الطبقة D ومنطقة الأزرق في الأردن.

الانتقال من الباليوليت الأدنى إلى الأوسط:

يعود تاريخها من 250 ألف حتى 200ألف قبل الميلاد، وخلالها تمايزت جماعات بشرية على نحو أوضح من السابق، وأصبح لكل منها صفاتها المحلية. ولم تعد الحضارة الآشولية هي المسيطرة، بل ظهرت أنماط حضارية عديدة تعايشت في الزمان والمكان نفسيهما، وقد أطلق عليها الباحثون تسميات مختلفة، في أوربا الميكوكي Micoquien الذي تميز بفؤوسه الرائعة، وفي إفريقيا الستلنبوشي Stellenbosch وفاورسميث Fauresmith.

أما في المشرق فقد ظهرت الحضارة اليبرودية، وهي متميزة بصناعة حجرية تخلت عن الفؤوس اليدوية مقابل استخدام المقحف الذي كان قصيراً وعريضاً وله تشذيب متدرج مثل حراشف السمك، وقد استخدم لصنع الجلود. واصطادوا الحصان البري ووحيد القرن والوعل والدب والغزال. كما ينتمي إلى هذه الفترة مجموعة مواقع في حوضة الكوم، وأهمها موقع الهمل[ر] في حوضة الكوم، وقد استخدموا حراباً طويلة للصيد (الحراب الهملية). وعرفت هذه الصناعة الحجرية في مواقع كثيرة مثل عريضة وهمّل وجوال A وأم التليل والندوية (عين عسكر). كما عرفتها الحضارة العامودية في فلسطين.

حلي من الصدف من كهف بازجبعدين

ب - الباليوليت الأوسط:

ظهر إنسان النياندرتال Neanderthal بعد انتهاء العصر الانتقالي في الفترة الواقعة بين ٢٠٠ ألف و٤٠ألف قبل الميلاد، وساد التشابه والانسجام متمثلاً بما يُسمى الحضارة الموستيرية Mousterian culture، واتبعت في تقنية تصنيع الأدوات الحجرية التقنية اللفلوازية، إذ أصبح الإنسان يختار نوى حجرية نوعها واضح في ذهنه سلفاً، فقد انتقى أحجاراً رقيقة دائرية أو بيضوية الشكل يسميها المختصون النوى السلحفائية Tortoise core، لأنها تشبه السلحفاة.

وغابت الأدوات الثقيلة، وتراجعت، ثم اختفت الفؤوس اليدوية التي سادت في العصر السابق، وظهرت أدوات مصنعة من الرقائق الصغيرة، أهمها المقاحف متعددة الأشكال والأنواع Side scrapers. كانت المقاحف أسلحة النياندرتال الأساسية مثل الفؤوس بالنسبة إلى الهوموإركتوس، وقد استخدمت في وظائف عديدة كتقطيع اللحوم وتحضير الجلود والخضار والثمار وغير ذلك. وإلى جانب المقاحف اشتهر النياندرتاليون بتصنيع رؤوس الحراب القصيرة Point ذات الشكل المثلثي غالباً، وهي أداة فعالة للصيد، إذ ثبتوا هذه الحراب على قبضات من العظم أو الخشب، وهاجموا فيها بمهارة فرائسهم.

ومقابل الحضارات الموستيرية المتعددة التي عرفتها أوربا سادت المشرق العربي القديم حضارة واحدة «اللفلوازية الموستيرية المشرقية» Levantine Levalloise- Mousterian، ووجدت آثارها بغزارة في المناطق كلها من فلسطين وسورية ولبنان والعراق. ويمكن عدّ نهر الخابور الحد الشرقي الأقصى لانتشار الحضارات اللفلوازية الموستيرية.

انتشرت خلال هذه الفترة مواقع كثيرة في سورية ، ومنها موقع جرف العجلة[ر] وكهف الدوارة[ر] على الفرات الأوسط، ويبرود ومواقع حوضة الكوم أم التليل وبئر الهمل استخدمت كلّها التقنية اللفلوازية – الموستيرية[ر]، كما يُعدّ موقع الديدرية[ر] من المواقع الرائدة في هذا المجال حيث كشف عن خمسة هياكل عظمية لأطفال إنسان النياندرتال، ومن الأدوات التي استخدمها الحراب القصيرة ذات القاعدة العريضة، وهي شبيهة بأدوات موقع الطابون المرحلة C ، وعرف من هذه المواقع شانيدار[ر] في العراق والمسلوخة في لبنان.

تنقيبات كهوف معلولا

جـ- الباليوليت الأعلى

ظهر الإنسان العاقل Homo sapiens، ولكنه لم يزدهر في منطقة ظهوره الأولى في المشرق العربي القديم وفي فلسطين تحديداً، بل هاجر شمالاً إلى أوربا مدفوعاً بأسباب لم تعرف حقيقتها. ولذلك تبدلت في هذا العصر الأدوار، فبعد أن كانت آسيا وإفريقيا تشكلان مركز النشاط الإنساني الرئيس؛ انتقل هذا الدور إلى أوربا التي حصلت فيها الإنجازات الكبيرة للإنسان الجديد وفي الميادين كلها.

وقد صنع الإنسان العاقل أسلحة حجرية جديدة ذات نصال طويلة طولها أكثر من ضعفي عرضها، واستطاع استخراج هذه النصال من نوى موشورية الأشكال، وصنع منها -بعد أن شذبها وجعل لها رأساً حاداً -حراب صيد قوية قذفها بالقوس، وليس باليد كما كان في العصر السابق. وكذلك اختفت الأدوات اللفلوازية- الموستيرية، وحلت مكانها أخرى على رأسها المكاشط والسكاكين والمخارز، كما أتقن تصنيع الأدوات والأسلحة العظمية من قرون الرنة خاصة.

وصنعت من العظم الرماح والسنانير والخطاطيف. وأصبحت الثروات السمكية والطيور على أنواعها تشكل قسماً كبيراً ومهماً في الوجبة الغذائية. كما بدأ تطور نوعي وكمي في مجال البناء، فقد أقيمت المساكن الكبيرة ذات الأشكال البيضوية والدائرية التي رصفت أرضياتها بالحجارة، وقسمت من داخلها إلى مناطق للسكن والنوم وأخرى لإلقاء الفضلات وثالثة لتصنيع الأدوات.

وفي المشرق العربي القديم تم تحديد ثلاث مراحل لتطور الباليوليت الأعلى اعتماداً على تصنيف الأدوات الحجرية. ففي المرحلة الأولى كشف في مواقع مغارة الأمير في فلسطين وكسار عقيل في لبنان مجموعة أدوات تميزت ببقاء الملامح اللفلوازية- الموستيرية بمقاحفها الكبيرة، واستخدام أدوات جديدة مثل المكاشط والمخارز والحراب الصغيرة.

أما المرحلة الثانية فقد اختفت فيها الأدوات اللفلوازية – الموستيرية، وسادت المكاشط والمخارز ذات الجبهة الغليظة والنصال الطويلة التي تشبه الأدوات الأورينياسية[ر]، ويطلق على هذه المرحلة الأورينياسي المشرقي ومحلياً الانطلياسي أو الأحمري. وبدأت المرحلة الثالثة مع ظهور ثقافات محلية مختلفة، وأهمها السكفتية (وادي اسكفتا في يبرود) التي صنعت نصيلات صغيرة ذات ظهر مشذب، والعتيلية (نسبة إلى موقع عتليت[ر] في فلسطين) والتي تميزت بنصيلات صغيرة جداً ومكاشط ذات الجبهة السميكة والأدوات الدقيقة التي مهدت لظهور الكبارية بعد فترة قصيرة.

ثانياً- العصر الحجري الوسيط (الميزوليت) Mesolithic

بدأ قبل نحو ١٥ ألف سنة، وانتهى قبل عشرة آلاف سنة، وهو ذو صفات انتقالية بين العصر الذي سبقه والعصر الذي تلاه، ونظراً لعدم وضوح ملامح هذا العصر في منطقة المشرق العربي القديم؛ فقد وصف بأنه نهاية العصر الحجري القديم الأعلى وبداية العصر الحجري الحديث، وأطلق عليه الإيبيباليوليت Epipalaeolithic ، ويمتد بين 20000 سنة و10000 سنة ق.م.

وضم هذا العصر فترتين رئيستين، هما: الكبارية (نسبة إلى موقع كبارا[ر] في فلسطين) والنطوفية (نسبة إلى وادي النطوف[ر] في فلسطين أيضاً)، ويعود تأريخ الفترة الأولى منه إلى 17 ألف سنة ق.م، وتمتد حتى 12 ألف سنة ق.م، أما الثانية فتمتد من 12 ألف سنة ق.م وحتى 10 آلاف سنة ق.م.

وظهرت في الفترة الكبارية قرى الصيادين الأولى، وكانوا يعيشون ضمن مجموعات صغيرة تتجمع وتتفرق وفقاً لاحتياجاتهم الموسمية من منابع الغذاء، وكانت هذه المجموعات تتفاعل مع بعضها اجتماعياً، وعدد المجموعة يبدأ من عدة أشخاص إلى مجموعات تتألف من فرق تضم كل منها العشرات، وهذا ما دلت عليه المواقع الأثرية في الكهوف وفي الهواء المفتوح التي تراوح مساحتها بين عشرات الأمتار المربعة حتى مئاتها، وعادة ما يضم الموقع مجموعة واحدة، وقد يصل عددها إلى سبع. وهناك مواقع كبيرة استثنائياً، ولها بنى كبيرة كما في موقع أوهالو 2 الذي يضم ثلاث بنى بيضوية مع أرضيات وجدران. كما عثر على مواقع أخرى في فلسطين مثل عين جيف I، وفي الأردن مواقع مهمة مثل وادي الحمر ووادي الحسا ومنطقة الحسمى.

تميزت هذه الفترة بأدوات صغيرة تم تصنيعها من نصال صغيرة أطلق عليها اسم النصيلات bladelets، والأدوات النموذجية، وهي إما نصيلات معدلة وإمّا كسر من النصيلات تم تشذيبها، وعرفت بالأدوات الدقيقة «المكروليتية».

ومع بداية 14 ألف سنة ق.م ومع تحسن المناخ على نحو ملحوظ انتشر الكباريون من ميناء العقبة في الجنوب حتى البادية السورية في الشمال، وبنوا في معظم المناطق قرى نصف مستقرة، بيوتها كما في السابق صغيرة دائرية أو بيضوية الأشكال، ولكنهم لم يتركوا المغاور كلياً، بل كثيراً ما أقاموا في مداخلها وفي الساحات الخارجية المحيطة بها. ففي مغارة الكبارا بلغت المنطقة المسكونة أمام المغارة نحو 500 متر مربع، ووصلت هذه المساحة إلى 1000 متر مربع في مغاور شقبة وكهف الحمام (هايونيم) في فلسطين. وقد استوطنت بعض المواقع في سورية مثل جيرود ويبرود (الملجأ الثالث) والكوم وكهف خزنة [ر] II.

وقام الإنسان بصنع الأدوات الدقيقة «المكروليتية» الهندسية، وكانت مثلثية ومتوازية الأضلاع ومربعة وهلالية، وهي صغيرة تصل أبعادها 2×3مم، ومن الواضح أنها كانت جزءاً من أداة مركّبة، كما أضافوا إليها أدوات زراعية بازلتية. واستفادت هذه المجتمعات من الشعير البري والسمك والأيائل والغزلان، وهم من أوائل من عرف الفنون والمعتقدات الدينية، فصنعوا أدوات الزينة كالخرز والقلادات، ودفنوا موتاهم داخل بيوت سكنهم، وكان لهم فضل التمهيد للزراعة والاستقرار.

أدوات حجرية من كهوف معلولا - البعثة السورية الألمانية

- الفترة النطوفية

حقق سكان المنطقة المشرقية نقلة نوعية على الصعيد الحضاري نحو 12000ق.م، وأطلق عليهم النطوفيون، وقد بدت ملامحهم واضحة إلى حد أمكن تحديد بقعة توسعهم التي امتدت من وادي النيل حتى الفرات. وقد تميزوا بصناعة الأدوات الدقيقة (المكروليتية) الصوانية، وهي هلالية الشكل، ولهذا أطلق عليها اسم الهلاليات lunates، وقد عرفت أول مرّة في موقع حلوان[ر] في مصر.

ولاحقاً بعد التغير المناخي في المنطقة والجفاف وارتفاع الحرارة ترك النطوفيون المغاور نهائياً وأقاموا قرى الصيادين الحقيقية، وبنوا فيها بيوتاً أكثر كثافة، ولكن موادها مشابهة للفترات السابقة، وقد بلغت مساحتها 2000 متر مربع في عين الملاحة.

وقد بنوا بيوتاً دائرية حفروا قسماً منها في الأرض، وكانت أكبر في النطوفي المبكر منها في المتأخر، فقد تراوح نصف قطرها في المبكر بين 7-9 م، وفي المتأخر بين 3-7م، وكان هناك أقسام مخصصة خارج البناء لتخزين الحبوب. وقد دلت الأدوات الحجرية البازلتية من مجارش وهواوين على تحضير الحبوب. ويلاحظ من هذه البنى أن استيطان النطوفي كان لمجموعات أكبر من الفترة السابقة استقرت لفترات أطول خلال المواسم التي يقضونها وعلى نحو منظم ومكرر.

وعثر في الملجأ الثالث في يبرود على أدوات حجرية هلالية، وكذلك في الكوم ونهر الحمر[ر] على نهر الفرات قرب دير الزور، والطيبة في درعا وجيرود. وتبقى أهم المكتشفات من النطوفي المتأخر من موقعي «أبو هريرة»[ر] والمريبط[ر] على الفرات، فقد عثر في المريبط على بيوت وصل قطرها إلى 6م، وتغرس في الأرض بعمق 50سم.

واستفاد النطوفيون من


التصنيف : عصور ما قبل التاريخ
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 10
الكل : 9031494
اليوم : 1120