logo

logo

logo

logo

logo

النقل البري

نقل بري

Land transportation - Transport par voie terrestre

النقل البري

 

النقل البريtransportation land هو حركة الأشخاص والبضائع على اليابسة، والوسائل التي تتم بها تلك الحركة. إن تنامي حاجة الناس إلى التنقل بأعداد كبيرة ونقل كميات كبيرة من البضائع على البر براحة وأمان و في زمن قصير في العصر الحاضر يتطلب وجود وسائل نقل فعالة وسريعة وطرق صالحة لحركة تلك الوسائل. ووسائل النقل البرية كثيرة ومتنوعة، ابتداء من حمل الأشياء والسير بها أو جرّها أو تحميلها على الدواب، وانتهاء باستخدام المركبات والآلات الميكانيكية الذاتية الحركة التي تتغذى بمختلف أنواع الطاقة، إضافة إلى الطرق وخطوط النقل المناسبة لحركتها.

لمحة تاريخية

بدأ الإنسان حياته على الأرض متنقلاً ساعياً وراء طعامه وباحثاً عن مكان آمن لسكنه. ووجد في قوى الطبيعة ما يساعده، فكان في أول الأمر يحمل أشياءه على ظهره أو رأسه أو كتفه، أو يسحبها مستعيناً بأغصان الشجر أو بجذع خشبي يجرّه على الأرض. ثم استعان بالحيوانات للركوب والحمل أو الجر. ومع ظهور أول التجمعات البشرية ومقايضة فائض ما يملكه التجمع بأشياء أخرى يملكها تجمع آخر بدأت أول تباشير التجارة، فكانت سبباً في نشوء الحضارات وطرق النقل.

مرّ زمن طويل على الإنسان لم يعرف فيه من التقانة غيرالزلاجة والمقلاع. وكانت الزلاجة تتألف من جذعين خشبيين مقرونين بعوارض توثق عليها الأحمال، وتجر مستندة نهايتها إلى الأرض. ولما كانت عيوب الزلاجة كثيرة؛ فقد جرى تحسينها باختراع الدولاب والاستعانة بالحصان، فأصبحت الزلاجة مستوية السطح، وتحسنت شروط تماسها مع الأرض، وتحولت إلى عربة[ر]. وكانت نشأة هذا الاختراع في بلاد الرافدين على يد السومريين نحو عام 3500 قبل الميلاد. وأقدم شاهد عليها نقش على رقيم من مدينة أوروك (الورقاء) Uruk (Erech) يمثل زلاجة من خُشُبٍ مؤلفةٍ تعلوها بنية تشبه الصندوق سقفها مثلثي الشكل ومحمولة على أربعة دواليب مصمتة. كما عثر في القبور الملكية من مدينة أور Ur على نقش لنعش ملكي على أربعة دواليب مصمتة تجره ثلاثة ثيران، ويعود إلى أوائل الألف الثالث قبل الميلاد. وليس من المستغرب أن يتم هذا الابتكار المذهل في هذه المنطقة الحضارية العريقة، فقد كان المزارعون يمدون سكان المدن بفائض منتجاتهم، ويحتاجون إلى وسائل لنقلها. غير أن هذا النوع من وسائل النقل لم يكن يصلح لمعظم الأغراض، ربما لأن الدروب المتوافرة آنذاك لم تكن تصلح لحركة المركبات المدولبة.

بعد ألف عام من ذلك التاريخ ظهر نوع آخر من العربات هي العربة الحربية الخفيفة المطاوعة الحركة بدواليب ذات برامق spoked wheel، ويجرها حيوان مدجن لم يكن الإنسان قد استخدمه من قبل، هو الأخدري onager، وهو نوع من حمار الوحش موطنه غربي الهند وبلوجستان. وقد تم هذا التطور بعد التوصل إلى معالجة المعادن وصنع المناشير ومحاور العجلات. إن استخدام العربة الخفيفة في القتال هو الذي هيأ النصر للهكسوس (الرعاة) على المصريين، وللكاشيين على البابليين، ومكن الآريين من غزو الهند، والآخيين من غزو اليونان على قول هوميروس. وكانت قدرة الدولة على خوض الحرب تقاس بما تملكه من عربات القتال.

الشكل (1)

ظلت العربات التي تجرها الحيوانات والطرق التي تسير عليها وسيلة النقل الرئيسية في العالم حتى أواخر القرن التاسع عشر [ر: النقل]. ولأن طاقة الحصان وقوته لم تتبدل كثيراً على مر العصور؛ فقد انحصر التطور في تحسين مردود العربة وفاعليتها وتحسين عدة الحصان وتحسين سطح الطريق (الشكل 1). وكان من أصعب إشكالات استعمال العربة ربطها بحيوان الجر المناسب، فابتكر الإنسان النير والفدان yoke والعريش. واضطر إلى تمهيد الأرض وتقسية سطحها وإزالة العوائق أمام حركة العربة بين مكان التحميل والمكان المقصود لتفريغ الحمولة، فكانت الطرق.

وهكذا توجب على كل دولة ناشئة ـ ولاسيما الامبراطوريات ـ أن تشق الطرق وتصونها من أجل تحركاتها وبسط سيطرتها وإدارة ممتلكاتها. وكان أول تنظيم امبراطوري فاعل في التاريخ ذلك الذي ابتدعه داريوس الأول ملك فارس في القرن السادس ق.م. إذ قسم امبراطوريته من الهند إلى المتوسط إلى مقاطعات satrapies، وعيّن لها حكاماً (دهاقين) يبقون على اتصال به، وكان نتاج هذا التنظيم شبكة جيدة من الطرق الملكية امتدت 2600كم ما بين العاصمة سوسة وإفسوس على ساحل المتوسط. وكانت القافلة تحتاج إلى 90 يوماً لتجتاز تلك المسافة، في حين يجتازها السعاة على الخيل في تسعة أيام. وكانت لهم محطة في كل 16كم يستبدلون فيها خيولهم. وقد تبنى العرب المسلمون فيما بعد نظاماً بريدياً مماثلاً منذ بدايات الخلافة الأموية، واكتمل تنظيمه في عهد عبد الملك بن مروان، فكان ذلك نظاماً أصيلاً.

الشكل (2)

احتذى الرومان بشبكة طرق فارس، فأقاموا منظومة نقل مكنت امبراطوريتهم من الصمود والازدهار قروناً، وساعدت على نشر الحضارة الرومانية في معظم أرجاء العالم الغربي القديم. وتجاوز طول شبكة الطرق الرئيسية الرومانية 80000كم. وكانت الطريق تتألف من خمس طبقات من مواد مختارة بعناية مع سطح محدب وتصريف جيد للمياه بحيث يمكن للعربات الثقيلة السير عليها مهما كانت حالة الطقس. وكانت هذه الطرق متاحة للعموم، وتجتاز الأنهار والأودية على جسور جيدة البناء، وتخدمها خانات ومخافر للراحة، وتتم صيانتها على نفقة الدولة. وكان السعاة يسافرون من بريتاني إلى إسبانيا أو بلاد العرب بسرعة متوسطة تراوح بين 80 ـ160كم في اليوم بحسب الضرورة (الشكل 2).

العصور الوسطى

بعد سقوط الامبراطورية الرومانية لم تتمكن الدويلات الإقطاعية الصغيرة التي قامت في أوربا من المحافظة على مستوى جيد للنقل. فتداعت الطرق واندثر كثير منها، ولم تكن تستخدم إلا من المسافرين في جماعات. ومع أن جسوراً كثيرة ظلت سليمة، وشيِّدت أخرى جديدة، فقد سيطر عليها المتسلطون، وفرضوا إتاوات على المارة، واستغلها قطاع الطرق واللصوص. كما فرضت السلطات المحلية رسوم مرور على من يمر في أراضيها. فتقلصت التجارة أو توقفت، وتوصل كل مجتمع إلى نوع من الاكتفاء الذاتي.

غير أن حركة الناس والبضائع ظلت نشطة خارج حدود أوربا الإقطاعية. وتثبت المصادر التاريخية وكتب الرحالة والجغرافيين والحجاج العرب والأجانب سهولة التنقل على طرق القوافل بين الشرق والغرب وفي بلاد الإسلام، مع العلم أن تلك الطرق لم تكن في سوية الطرق الرومانية، وكثيراً ما كانت تتعرض لهجمات الصليبيين أو غزوات البدو. وكان ازدهار بلاد الإسلام وحركة القوافل التي لا تنقطع على طرقها الداخلية الآمنة مصدر إغراء للمغامرين والباحثين عن الثروة في أوربا المسيحية، ودفعهم التعصب الديني والطمع في ثروات الشرق إلى القيام بسلسلة حملات غزو، عرفت باسم الحروب الصليبية، بين عامي 1096ـ1270. كذلك نشط أفراد مغامرون، من أمثال جوڤاني دي بيانو كاربيني Giovanni de Piano Carpini وماركو بولو Marco Polo في رحلات إلى بلاد خانات التتار في الصين في القرن الثالث عشر، وبالغوا في وصف ثروات تلك البلاد، وجددوا صلات أوربا بآسيا. وكانت الصين قد طورت منظومة طرق جيدة في الحقبة ما بين القرن السابع والقرن العاشر شملت معظم أراضيها.

الشكل (3)

الشكل (4)

وفي جبال الآنديز في جنوبي القارة الأمريكية ـ التي لم تكن معروفة للأوربيين ولا للآسيويين ـ نهضت امبراطورية للهنود الحمر حكامها من الإنكا Inca، كان من أهم ملامح حضارتها طريق جبلي بطول 4800كم وعلى ارتفاع يزيد على 4000م عن سطح البحر (الشكل 3)، ويجتاز ما لا يحصى من الخوانق والأودية على جسور من حبال. وكان هذا الطريق مرتبطاً بتفرعات مع طريق آخر ساحلي معبد مواز له طوله نحو 4000كم. ومع أنه لم يكن لدى الهنود مركبات مدولبة أو خيول؛ فقد كان العداؤون والسعاة والجنود مع حيوانات اللاما المحملة بالبضائع يتنقلون بين أرجاء الامبراطورية على هذه الطرق في خدمة حكامهم الإنكا. وكان السعاة يتسابقون من محطة بريد إلى أخرى حاملين الرسائل ومجتازين مسافة 400كم في اليوم، فكانت تلك أسرع وسيلة اتصال عرفها العالم قبل اختراع البرق.

بدءاً من القرن الخامس عشر حفز النشاط التجاري المتزايد في أوربا إعادة ترميم الطرق القديمة وبناء أخرى جديدة وتحسين أداء العربات التي تجرها الخيول، فظهرت عربة الحمولة wain و«الطنبر» tumbrel (الشكل 4) وحافلة الركاب «الكوتش»coach [ر: العربات]، ومن ثم عربة الحمولة والركاب المغطاة wagon ذات الدواليب الأربعة. ومنحت إنكلترا عقود بناء الطرق إلى متعهدين خاصين، وسددت نفقاتها من مكوس المرور. وهكذا بدأ العمل منذ القرن السابع عشر ببوابات المكوس turnpikes أو tollgates عند مفاصل الطرق. وفي القرن 18 طور أساطين بناء الطرق تقنيات جديدة كاستخدام كسر الحجارة لسطح الطريق، مما سمح للعربات الثقيلة بالسير عليها من دون أن تتلفها. وأصبحت عربات الركاب تسير بانتظام على هذه الطرق فتقطعها على مراحل، وتحمل البريد معها. وكان نقل البريد من قبل مقصوراً على السعاة الراكبين. وفي عام 1784 بدأت خدمة عربات الركاب الخاصة.

وفي أمريكا كان السعاة يتنقلون على طرق سيئة. وكان الطريق بين نيويورك وبوسطن عام 1672 مخصصاً للبريد. ولم تعرف الولايات المتحدة الأمريكية خدمات عربات الركاب والنقل حتى عام 1775 أي بعد الاستقلال، إذ غدت خدمة البريد وطرقه من مسؤولية وزارة الخزانة. واضطرت الولايات المتحدة نتيجة التوسع غرباً إلى تمهيد الطرق ـ إلى جانب النقل النهري[ر] ـ لتسهيل حركة المهاجرين وللعمليات العسكرية وللتجارة بين الشرق المستقر والسواحل الغربية للقارة. ونشأ خلاف في وقت مبكر بين الولايات والحكومة الفدرالية على مسؤولية إنشاء الطرق وصيانتها.

وفي عام 1794 تبنت الحكومة الفدرالية نظام مكوس الطرق الإنكليزي على طريق فيلادلفيا ـ لانكاستر (بنسلفانيا) Philadelphia - Lancaster. وأقرت بناء طريق قومي ممول فدرالياً عام 1806، وتم مده من كمبرلند Cumberland (مريلند) إلى كولومبوس Columbus (أوهايو)، ثم توبع العمل فيه عبر سلسلة من الطرق التي تديرها الولايات حتى وسط لويزيانا في عام 1839. ونشط كذلك بناء الطرق الخاصة الخاضعة لرسوم أصحابها، وكانت تستعملها عربات الركاب والحمولة. وفي أثناء ذلك طُوِّر نوع مقاوم من العربات القادر على نقل الحمولات الثقيلة في ظروف الطرق القاسية في الغرب، مثل عربة النقل الثقيلة كونستوغا Conestoga وعربة المروج المقفلة prairie schooner [ر: العربات]. ومع اتساع رقعة البلاد سبقت منظومة البريد منظومة الطرق وشبكة السكك الحديدية الآخذة في التوسع. فكانت الأخبار تنتقل من المسيسيبي إلى كاليفورنيا عن طريق خدمة «الخيل السريعة» pony express أسبوعياً في عامي 1860-1861، وهي آخر خدمة بريد على الخيل، وكانت تغطي مسافة 3200كم في ثمانية أيام.

ظلت الطرق في الولايات المتحدة سيئة النوعية حتى أواخر القرن الثامن عشر. وكان النصف الثاني من الرحلة بالعربات غرباً يتم على دروب مرعبة وخطرة، في حين كانت الطرق الجيدة الصالحة للمرور في مختلف أحوال الطقس إلى الشرق من المسيسيبي نادرة. وكانت الأرض صعبة المسالك وجبال الأبالاش تقف حائلاً يصعب تجاوزه. والبديل الوحيد الطرق المائية الصالحة للملاحة عبر الأنهار الطبيعية والقنوات الصنعية التي تربط بينها [ر: النقل البحري والنهري].

شهدت الفترة ما بين عامي 1800ـ 1836 ولادة الطرق الحديثة التي تشبه ما نعرفه اليوم. ووضع جون لودن John Loudon قواعد عامة لتصميم الطرق، و نصح باستعمال مواد رصف قليلة التكلفة، تتكون من تراب وحصويات مرصوصة مع تعديل سطح الطريق بحيث يكون محدباً وأعلى من مستوى الأرض المجاورة له لتصريف المياه. وفي خطوة لاحقة أضيف الحُمر (القطران) [ر] إلى شوصة (غطاء) الطريق لتقويتها وزيادة مقاومتها. وكانت مدينة باريس الأولى التي شهدت تطبيق هذه الفكرة.

وفي بدايات القرن العشرين تم اعتماد تقنيات الحصى والإسمنت والقطران أو الإسفلت في بناء الطرق والتوسع فيها لتشمل المناطق الريفية. كما تم تطوير كثير من النظريات والتصاميم فيما يتعلق بالجسور والأنفاق ومواد بنائها. ومعظم الطرق اليوم مبنية وفق تقنيتين اثنتين، تعتمد أولاهما على استخدام الحصويات مع رابط مثل الإسفلت، وتعتمد الثانية على رابط الإسمنت. وتتميز الطرق الإسفلتية بليونة تمنح المركبات التي تسير عليها راحة وسلاسة في الحركة. أما مادة الإسمنت فتتميز بصلابتها ومقاومتها مما يجعل الطرق الإسمنتية قادرة على تحمل أحمال أكبر ولكن بتكاليف أعلى، وتتطلب حرصاً ومهارةً في عمليات تنفيذ سرير الطريق وطبقاته. وتغطى هذه الطرق عادة بطبقة إسفلتية رقيقة لحماية الإسمنت من التآكل.

الطاقة المحركة في النقل البري

الشكل (5)

أحدث استخدام الطاقة المحركة ثورة في وسائل النقل، وأولها طاقة البخار. غير أن استخدام هذه الطاقة بدأ في النقل المائي. أما على البر فقد كان التحول إلى استخدام البخار تدريجيا، وتركز بنجاح على المركبات المدولبة التي تسير على سكتين (الشكل 5).

تعود البدايات الأولى لاستخدام السكك الخشبية في النقل إلى ما يعرف بطريق ديولكوس Diolkos railway في اليونان في القرن السادس قبل الميلاد، وكان طوله ستة كيلومترات، وكان العبيد يجرون عليه العربات المحملة، ثم حلت الحيوانات محلهم، واستمر العمل به حتى القرن التاسع الميلادي. وبدءاً من القرن السادس عشر استخدمت عربات السكك التي تجرها الخيول في أوربا لنقل الفحم في المناجم. بيد أن النقل على السكك الحديدية لم يأخذ شكله المعهود حتى عام 1804، حين جرب مهندس إنكليزي يدعى ريتشارد تريفثيك Richard Trevithick تركيب محرك بخاري على عربة سكة لقطر العربات المملوءة بالفحم بدلاً من الخيول، ونجح في جر حمولة من الحديد تزن 10 أطنان مع 70 رجلاً على خمس عربات شحن في أحد المناجم. وقد تسببت هذه الآلة التي سميت «قاطرة» locomotive في تلف السكتين. وفي عام 1825 افتتح جورج ستيفنسون George Stephenson في إنكلترا خط سكة حديدية لتسيير قاطرة خدمة في مقاطعة دورهام Durham county، كانت قادرة على جر 38 عربة حمولتها 90 طناً بركابها.

حفزت الإنجازات التي تمت في إنكلترا نشاطات مماثلة في الولايات المتحدة. فشُرع في عام 1827 في بناء خط حديد بالتيمور - أوهايو. وتم افتتاح 21كم الأولى منه انطلاقاً من بالتيمور بعد ثلاث سنين. ومع حلول عام 1852 كانت إنكلترا تملك 11200كم من الخطوط الحديدية، وتملك الولايات المتحدة 16000كم، وكان ثمة خط قيد البناء بين موسكو ومدينة سان بطرسبرغ في روسيا.

في بادئ الأمر كانت عربات «الحصان الحديدي» - وهو الاسم الذي أطلق على القطار في أول الأمر - مجرد تحوير لعربة الخيل، غير أنها سرعان ما تخلت عن طرازها لتغدو أكثر ملاءمة لوظيفتها، وظلت على حالها الجديد حتى أدخل عليها جورج بولمان George Pullman في أواخر الخمسينيات من القرن 19 بعض التحسينات مع لوازم النوم والأكل. ووضعت الخطط لإيصال القطار إلى المناطق الشمالية وإلى الغرب الأمريكي بعد أن تم استيطانه، لتوفير ربطها بالمناطق الاقتصادية المتممة لها.

الشكل (6)

ظهرت العربات البخارية أول الأمر على طرق إنكلترا في ثلاثينيات القرن 19، غير أنها لم تلق إقبالاً، ربما بسبب رداءة طرق المكوس. وفي عام 1865 حدد البرلمان سرعتها، فلم تعد مناسبة للنقل. أما في الولايات المتحدة فلم يبذل مجهود ذو شأن لصنع العربات البخارية حتى نهاية ذلك القرن. في حين أصبح بالإمكان مد السكك حيثما كان بفضل مهندسي الجسور والأنفاق وتوافر اليد العاملة بكثرة. حتى إنها مدت في شوارع المدن لتسير عليها عربات الركاب التي تجرها الخيول، ويسمونها «أومنيباص» omnibus. وتبين أن العربات البخارية البرية لا تناسب شوارع المدينة ولو كانت على السكة. لكن محركاً بخارياً ثابتاً يمكنه جرّ كبل في مجرى بين السكتين، ويمكنه من ثمّ جر عربة بعد ربطها بالكبل وفصلها عنه لتتوقف. وقد استخدمت أول عربة تجرها الكبول في مدينة سان فرانسيسكو عام 1873، ومازالت تعمل إلى اليوم (الشكل 6). كذلك أقيمت سكك مرفوعة على دعائم فوق شوارع مدينة نيويورك سنة 1867 تتحرك عليها عربات بخارية. وسيرت عربات مثلها في أنفاق تحت شوارع لندن بين عامي 1863ـ1891.

بدأ الجر بالكهرباء يأخذ أشكاله المختلفة في النقل البري ليحل محل طاقة البخار. وذلك بعد أن تم التغلب على مشكلة ادخار الطاقة الكهربائية في مدخرات. وأكثر التطبيقات الأولى نجاحاً باستخدام الطاقة الجديدة كان تغذية عربات «الترولّي» من سلك علوي يمر فيه تيار كهربائي عن طريق عمود نابضي متمفصل على سقفها.

كان ابتداء عربات الترولي عام 1888 في ريتشموند Richmond من ولاية فرجينيا. ولم تمض بضع سنوات حتى كانت أكثر المدن في كل من الولايات المتحدة وأوربا تعتمد في النقل الجماعي على مثل هذه العربات أو على «الترام». وفي بعض المنظومات كان السلك يمدد في شق تحت الأرض بين قضيبي السكة وعلى تماس مع حدوة تحت قاع العربة بدلاً من السلك العلوي. وفي المنظومات التي تسير تحت الأرض أو مرتفعة فوق الشوارع كانت تمدد سكة ثالثة مكهربة محاذية لقضيبي السكة الأصلية. وفي عام 1895 لجأت بلتيمور وأوهايو إلى كهربة قطاعات من سكة الحديد الرئيسية بسبب المعارضة الشديدة لدخان القاطرات البخارية. ولهذا السبب أيضاً تمت في لندن عام 1891 كهربة خطوط قطارات الأنفاق (المترو). غير أن القاطرات البخارية لم تتوقف عن العمل إلى ما بعد منتصف القرن العشرين في أكثر أنحاء العالم.

في القرن العشرين

الشكل (7)

شهدت الطرق البرية قفزة كبيرة في العقد الأخير من القرن 19 نتيجة تطور المركبات ذوات العجلتين؛ أي الدراجة الهوائية bicycle (الشكل 7). ومع أنها ظلت لعبة تستهوي الملايين من أجل المتعة. فقد شاع استعمالها في أوربا من أجل التنقل محلياً. وبدأ الدراجون يحضون على تحسين الطرق لأجلها. ولاقت نداءاتهم بعض النجاح في الوقت الذي انهمك فيه صانعو الدراجات في البحث عن وسائل لتحسينها، وأدت محاولاتهم إلى تزويد الدراجة بالطاقة وولادة الدراجة النارية.

تركزت المنافسة على تحويل العربات التي تجرها الخيول إلى عربات بلا خيول. وكانت المشكلة تتلخص في كيفية استبدال طاقة البخار أو الكهرباء أو طاقة البترول المكتشفة حديثاً بطاقة الحصان. وتوصل الألماني غوتليب دايملر Gottlieb Daimler في كانشتات Cannstatt سنة 1885 إلى تركيب محرك بنزين على دراجة. وبعد عام من ذلك التاريخ استخدم محرك احتراق داخلي على عربة بأربعة دواليب سار بها بسرعة 29كم في الساعة.

وفي الولايات المتحدة ساق صانع دراجات يدعى دورِيا Duryea عربة مزودة بمحرك سنة 1893 في شوارع سبرينغفيلد Springfield من ولاية مساشوشتس. واضطر صانعو المركبات المزودة بمحركات احتراق تعمل على البنزين إلى الدخول في منافسة مع صانعي المحركات البخارية ونماذجهم المطورة عن العربات البخارية القديمة. كما ظهرت العربات ذات الجر الكهربائي، وكسبت كثيراً من السباقات. وتمكنت عربة ستانلي البخارية Stanley Steamer من تسلق جبل واشنطن. وأسس رانسوم أولدز Ransom Olds مصنعاً ناجحاً لمركبات ذاتية الحركة سميت «أوتوموبيل» automobiles في ديترويت Detroit عام 1899. وأسس دايملر و بنز Benz شركة لإنتاج السيارة مرسيدس في أوربا، في حين ألغت إنكلترا قوانينها التي تمنع استخدام العربات التي تسير بمحرك. وهكذا اختصت السيارة بمحركات الاحتراق الداخلي، وبدأ عصر السيارة والطرق المعبدة الصالحة لها.

الشكل (8)

الشكل (9)

أحدثت السيارة (الشكل 8) تبدلاً جوهرياً في المجتمعات أكثر مما حققته السكك الحديدية. فكان من نتائج انتشارها تطور ضواحي المدن وظهور مراكز التسوق وتغير طابع المدينة. وتطورت معها الصناعات المساعدة التي وفرت فرص عمل لقسم كبير من السكان، وكان لها أثرها في الازدهار أو التخلف. ونتيجة رواج السيارات اتسعت منظومات الطرق الداخلية المعبدة، وانتشرت على جوانبها النُّزُل والفنادق والبيوت المتنقلة، وظهرت الحافلات العامة والسيارات الخاصة وسيارات «التكسي» التي اجتذبت الركاب من القطارات، وتطورت الشاحنات التي اختصت بنقل الحمولات (الشكل 9)، كما تطورت وسائل تحميلها بحسب نوع الحمولة. وفي المقابل أسهم محرك الاحتراق الداخلي في نشوء أزمة الطاقة والتلوث.

وكان رودولف ديزل Rudolf Diesel في فرنسا قد توصل عام 1892 إلى صنع نسخة عن محرك احتراق داخلي أكثر فاعلية من محرك البنزين، و يعطي سرعة أكبر بكلفة وقود أقل؛ غير أن حجمه الكبير وكلفته الأولية العالية جعلت استعماله محدوداً. وتبين أن أفضل استعمال له هو تسيير القاطرات والشاحنات الكبيرة والسفن. وشهد عام 1934 أول قاطرة ديزل استخدمت تجارياً في الولايات المتحدة، ثم بدأت بعدها محركات الديزل تحل محل المحركات البخارية في القطارات. كما تحولت كل السفن الضخمة ـ وفيها ناقلات النفط التي تزيد حمولتها على 500000 طن ـ وكذلك الغواصات إلى استخدام طاقة الديزل.

تصنيف النقل البري

يصنف النقل البري في صنفين أساسيين هما: النقل بالسيارات والنقل بالسكك الحديدية، وهناك مجموعة أخرى من وسائل النقل البري لها خصوصيتها مثل السيور الناقلة وأنابيب النقل يرجع إليها في أبوابها من الموسوعة.

ـ النقل بالسيارات

يقسم النقل بالسيارات إلى ثلاثة أنواع أساسية هي: الشحن ونقل الركاب والنقل المختلط. وتختلف مواصفات الطرق وتصميمها في كثير من بلدان العالم وفقاً للتقسيم السابق؛ إذ تختلف مواصفات الطرق المعدّة لنقل البضائع بحسب نوعية البضائع المنقولة عليها من حيث الحجم و الوزن. وقد اتسعت عمليات النقل البري حتى صار لبعض شركات النقل أساطيل ضخمة تجوب أرجاء البلدان المختلفة بتوقيتات محددة وعلى مسالك مرسومة، ووضعت لها التشريعات المتعلقة بطبيعة المواد المنقولة وسلامة البيئة و الأشخاص، فمثلاً تحدد القوانين طبيعة الحاويات المستخدمة لنقل الموائع الخطرة وصهاريج الوقود و الغاز المميع ومواصفاتها، وتحدد سرعة سير قوافلها ومساراتها.

الشكل (10)

تتميز الطرق الحديثة بقدرتها على تحمل حمولات كبيرة وسرعات أكبر لمتانة الردم تحتها وعمق سررها وشوصتها الإسمنتية السميكة، الأمر الذي يضمن توزيع الأحمال المطبقة على البلاطات الإسمنتية على نحو متوازن، ويمنع انحباس الماء فيها لأن انحباس المياه يضر بنوعية الطريق. وتعدّ أكتاف الطريق من العناصر الأساسية في التصميم الحديث، والغاية منها توفير حارة للطوارئ ولحركة السيارات عند الازدحام الشديد، وإيجاد فسحات لتوقف السيارات عند اللزوم ومساحات إضافية تساعد في عمليات الصيانة. وتجدر الإشارة إلى أن الأكتاف لا تنفذ بنوعية ترقى إلى نوعية الجزء الرئيسي من الطريق، ويجب أن تكون حركة المرور عليها محدودة. وقد تقام على مفاصل الطرق السريعة الحديثة بوابات مكوس لتقاضي الرسوم على السيارات العابرة (الشكل 10).

أنظمة المرور ومنظومات التحكم

تفرض أنظمة المرور في أكثر بلاد العالم سير المركبات على يمين الطريق، وتستثنى من ذلك المملكة المتحدة وبعض دول الكومنولث. وتنص جميعها على تطبيق قواعد سلامة المركبات و مكابحها وحمولاتها والتحقق من تثبيتها ووضع العلامات الدالة عليها. وكذلك التقيد بإرشادات الطريق وقواعد التجاوز. ويجهز معظم الطرق بمنظومات تحكم بالمرور road control systems بدءاً من إشارات المرور البسيطة والإشارات الضوئية ولوحات الإرشاد الكهربائية وأميال المسافات وشاخصات تحديد السرعة ومخاطر الطريق وأولوية المرور والتجاوز، وانتهاء بمنظومات المعلومات الطرقية الإلكترونية لمراقبة الطرق وتوجيه المرور ومنع الاختناقات وإحصاء المركبات العابرة. ويضاف إلى ذلك علامات الإرشاد الطرقية التي تدهن أو تركب على أرضية الطريق مباشرة،ً مثل الأسهم ومسامير المسارب وغيرها.

ـ النقل بالسكك الحديدية

الشكل (11)

وهو نقل البضائع و الركاب على عربات تتحرك على سكك حديدية محددة لحركة عجلاتها. وهذا النوع من أهم أنواع النقل ولاسيما في مجالي الصناعة والتجارة. تتألف السكة الحديدية من قضيبين متوازيين من الفولاذ على قاعدة مناسبة من الحصى أو أساس خرساني. تربط بين القضيبين عوارض، يسمونها مثبتات ties، تبعد الواحدة منها عن التي تليها بخطوة منتظمة لتحافظ على مسافة ثابتة بين قضيبي السكة.

يعدّ النقل على السكك الحديدية فاعلاً جداً من حيث استهلاك الطاقة، ومن حيث التكلفة؛ إذ توفر قضبان السكة سطحاً أملس لتدرج عليه دواليب القطار بأقل احتكاك. ويتوزع ثقل العربات على عجلاتها وعلى قضيبي السكة بالتساوي، مما يتيح تحقيق نسب تحميل على محور كل عجلة أعلى من تلك المسموح بها على الطرق العادية. وإن قلة الاحتكاك بين الدواليب و قضيبي السكة تخفف من معدلات الاهتراء والاهتلاك. ولأن محاور عجلات عربات السكك الحديدية منخفضة وقريبة إلى الأرض؛ فإنها تستوعب حمولات أكبر وأعلى مما تحمله الشاحنات، وهي أقل مقاومة للهواء منها.

تتألف شبكة السكك الحديدية من قسمين أساسيين هما: البنية الثابتة، وتشمل المباني الخدمية كالمحطات والمرائب والمخازن وورش الصيانة وغرف التحكم بالحركة، والبنية المتحركة وتشمل مجموعة القاطرات والمقطورات، كعربات الركاب وعربات الشحن، والأجزاء المتحركة من السكة نفسها والمعدّة لتوجيه مسار القاطرات، وكذلك منظومات الاتصال والتحكم بسير القطارات وإشارات المرور الخاصة بالسكك الحديدية [ر].

وقد تطورت منظومات إدارة شبكة السكك الحديدية في الوقت الحاضر لتغدو مركزية تتحكم بكامل الشبكة مما أدى إلى خفض عدد الحوادث التي تتعرض لها القطارات، ولاسيما تلك التي تسير بسرعات كبيرة جداً قد تتجاوز 300كم/سا في بعض الحالات. كذلك تعددت أشكال القطارات وتصاميمها، فهناك القطارات ذوات الطابقين والقطارات عالية السرعة والقطارات التي تتحرك على مخدة مغنطيسية أو الوحيدة السكة [ر: القطار].

محمد وليد الجلاد

 الموضوعات ذات الصلة:

 

الإشارة على السكك الحديدية ـ الأمان والحماية (منظومات ـ) ـ السيارة ـ السيور الناقلة ـ الشؤون الإدارية (اللوجستية ـ) ـ الطرق ـ العربات ـ النقل ـ النقل بالأنابيب.

 

 مراجع للاستزادة:

 

- MICHAEL B. STROH, A Practical Guide to Transportation and Logistics (Logistics Network Inc. 2006).

- C.S. PAPACOSTAS & P.D. PREVEDOUROS, Transportation Engineering and Planning (Prentice Hall 2000).




التصنيف : الصناعة
المجلد: المجلد العشرون
رقم الصفحة ضمن المجلد : 870
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 63
الكل : 5139067
اليوم : 4558

المعيار والمقاييس في الفن

المعيار والمقياس في الفن   بدأ الفن والعمارة منذ ما قبل التاريخ تلبية لحاجات معاشية أو اجتماعية متصلة بثقافة الإنسان البدائية وبتقاليده وإحساساته الفطرية، وكان هذا الهدف هو المعيار الأساسي critère الذي يكشف عن سمات ذلك الفن وتلك العمارة، وتمثَّل هذا المقياس échelle بالتناسب الذي ولّد مفهوم الجميل والرائع. منذ بداية التاريخ ابتدأ العقل في التدخل على حساب الإحساس الفطري، لكن هذا التدخل استمر وئيداً حتى عهد الأسرات في مصر، حينما أصبح للفن والعمارة قواعد ثابتة استمرت على امتداد الحضارة المصرية. على أن هذا التدخل كان يستند إلى عقائد مصرية قديمة أهمها بعث الحياة بعد الموت، وأبدية الحياة لمن هم في قمة المجتمع. وهذه العقيدة كانت سبب أبدية العمارة. فجميع الروائع المعمارية؛ الأهرامات والقبور والمعابد وما فيها من أعمدة وصروح ومسلات ترمز إلى هذه الأبدية. وفي مجال التصوير فإن جميع الآثار المكتشفة على جدران هذه الأوابد تشير إلى تأكيد الحياة بعد الموت.

المزيد »