logo

logo

logo

logo

logo

الوراثة والذكاء

وراثه ذكاء

Inheritance and intelligence - Hérédité et l’intelligence

الوراثة والذكاء

 

تعريف الذكاء intelligence أمر بالغ الصعوبة، وقد يتساءل بعضهم في هذا الصدد: هل الذكاء هو القدرة المؤهلة لحل جميع المشكلات والإجابة عن جميع الأسئلة مهما كانت طبيعتها، أم هل هو قدرة الفكر على التفكير المنطقي واكتساب المعرفة، أم هل هنالك أشكال عدة من الذكاء تساعد المرء على العثور على الحلول المختلفة؟ ولا يزال المجتمع العلمي منقسماً بشأن تعريف الذكاء، ومن ثم فإنه يصعب إيجاد تعريف محدد له.

منذ زمن بعيد دارت، وما تزال تدور مناقشات كثيرة وجدل علمي واسع حول العوامل التي تؤثر في نمو الكائن الحي وتطور صفاته، بما فيها صفة الذكاء، وتأثير عاملين مهمين هما المورثات (الجينات) genes التي تنتقل من جيل إلى آخر بوساطة الأعراس gametes، والعوامل البيئية التي تحيط بالأفراد طوال حياتهم، ولا يزال الجدل قائماً حول أي من العاملين (الوراثة genetics أو البيئة environment) أهم تأثيراً في صفة الذكاء.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، وصولاً إلى مطلع القرن العشرين تركزت الآراء على أهمية دور الوراثة في الذكاء، وكان ذلك متناسقاً مع الاكتشافات الحديثة الخاصة بالاصطفاء الطبيعي natural selection والوراثة كما أوضحهما داروين[ر] Darwin ومندل[ر] Mendel وغيرهما. وقد أسهم فرانسِس غالتون Francis Galton عام 1869 إسهاماً كبيراً في ذلك الجدل العلمي بكتابه «النبوغ الوراثي: قوانينه وعواقبه» Hereditary Genius: Its Laws and Consequences، إذ لاحظ أن الأشخاص الموهوبين يأتون من أسر فيها أشخاص موهوبون، ووصل إلى حد القول إنه سيكون بالإمكان إنتاج سلالة موهوبة من الرجال بالتزاوج الحكيم بين الأفراد عدة أجيال متتالية. وهذا ما يعرف اليوم بتحسين النسل eugenics. وأراد غالتون الإسراع بعملية الاصطفاء بقوله: «إن ما تفعله الطبيعة من دون تبصر وببطء وقسوة (أي الاصطفاء الطبيعي) يمكن للإنسان أن يفعله بعناية الله وبسرعة ورقة». وذهب إلى الاعتقاد بأن الذكاء يجب إنتاجه بالتربية وليس بالتمرين، وكانت لهذه الآراء آثار اجتماعية كبيرة، وقد استخدمت لدعم التفرقة العنصرية وبرامج تعقيم sterilization الأفراد وأعمال أخرى تهدف إلى منع حقوق الإنسان الأساسية عن الأقليات.

بعد الحرب العالمية الأولى أجريت تحاليل دقيقة لكميات كبيرة من البيانات الخاصة باختبارات الذكاء في الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت عدم صحة الآراء السائدة آنذاك، بأن الذكاء مرتبط مباشرة ووراثياً مع الاختلافات العنصرية، فمثلاً: امتلك السود في ولاية إلينوي Illinois معدلات ذكاء فاقت مثيلاتها في بيضٍ من تسع ولايات جنوبية، مما دحض القول إن البيض كانوا متفوقين بذكائهم على السود. وظهرت أدلة على وجود ارتباط أقوى بين الفئة الاجتماعية والذكاء، بدلاً من السلالة والذكاء، مما جعل التوجه نحو وجود علاقة قوية بين البيئة والذكاء. وفي الأربعينيات من القرن العشرين برز اتجاه أقوى يشير إلى أن كلاً من المورثات والبيئة له علاقة وثيقة بالذكاء ومعدلاته. ومن ثم فقد حصل اتجاه نحو إنقاص الحديث والجدل عن دور المورثات وحدها في إحداث الفروق الإفرادية في صفات الأفراد أو معدلات ذكائها، ولكن الحديث عن الفروق في معدلات الذكاء بين المجموعات الاقتصادية - الاجتماعية والسلالات (البيض والسود أساساً) ظل موجوداً ومستعراً.

يمكن أن تؤثر بيئة رحم الأم في الجنين النامي فيه، فمثلاً العقاقير الدوائية أو سوء تغذية الأم يمكن أن تضر بذكاء المولود، وإن نقص الذكاء ملحوظ بكثرة في المواليد التي كانت أوزان ولادتهم صغيرة.

ومن جهة أخرى فقد تبين أن للوضع الاجتماعي ـ الاقتصادي socio-economic status (SES) دوراً مهماً في نمو الفرد وتطوره، وقد أوضحت إحدى الدراسات تحسناً ملحوظاً بلغ 16 نقطة في نتائج معدلات ذكاء أطفال نُقلوا من وضع اجتماعي ـ اقتصادي رديء إلى آخر أفضل، وأكدت ذلك نتائج دراسات مماثلة أخرى.

قياس الذكاء:

عرف الإنسان منذ القدم أن هنالك اختلافات فردية كثيرة في الذكاء البشري، وقاس الناس ذكاء أناس آخرين مستخدمين معايير وضعوها، فمثلاً: هنالك مدرسون شاردو الذهن في حين بعض طلبتهم حاديُ الملاحظة والانتباه، وبينما يبرع بعض الطلاب في الموضوعات الأدبية أو النظرية فإن آخرين يبرعون في العلوم الرياضية أو الفيزيائية، وقد يتمكن أناس من إيجاد طريقهم بسهولة في بلدة غريبة في حين يتيه آخرون في ممرات «سوبر ماركت» محلي، وقد يمتلك بعض الناس ذاكرة جيدة في حين يتصف غيرهم بالنسيان، وهكذا…

يكتفي بعض علماء النفس بمحاولة تعريف الذكاء بأنه ما يُقاس بالاختبار المعروف حالياً باسم «حاصل الذكاء» intelligence quotient (IQ)، وهو مقياس شائع الاستعمال، له نماذج عدة، انطلقت فكرته من ابتكار «اختبارات الذكاء» في فرنسا في مطلع القرن العشرين حين كانت المدارس مكتظة جداً بالتلاميذ، وذلك بعد أن جعلت الحكومة الفرنسية التعليم إلزامياً لجميع التلاميذ عام 1905، فأدى ذلك إلى اكتظاظ المدارس بهم، ووجد المدرسون أنفسهم أمام طلاب لا يستطيعون استيعاب المناهج الدراسية المقررة، فرغبت الحكومة بفتح صفوف خاصة لهم، إلا أن المشكلة تمثلت بعدم إمكان تحديدهم تحديداً موضوعياً ودقيقاً.

اقترح العالم النفسي ألفرد بينيه Alfred Binet وكان الأشهر آنذاك وزميله تيوفيل سيمون Théophile Simon اختباراً لفرز الأطفال ذوي الذكاء المتوسط من زملائهم الأقل من ذلك. وكان هذا الاختبار أساس الاختبار المعروف اليوم باسم حاصل الذكاء. وقد كان مؤلفاً من 30 سؤالاً تتزايد صعوبتها من السهل إلى المتوسط إلى الأصعب. ومن ثم يقوم المختبرون بمقارنة نتائج الطلاب في هذا الاختبار بأعمارهم الزمنية ويصنِّفون الطلاب على أساسها إلى مجموعة تستطيع الإفادة من المناهج الدراسية الاعتيادية وأخرى تحتاج إلى تعليم خاص.

بعد مرور بضع سنين طوَّر العالم النفسي الألماني فيلهلم شتيرن Wilhelm Stern مفهوم بينيه عن العمر العقلي إلى «حاصل الذكاء» فوضع معادلة بسيطة تشير إلى أن IQ هو نسبة العمر العقلي إلى العمر الزمني مضروباً بـ 100. وقد صمم الاختبار ليعطي قيمة متوسطة لحاصل ذكاء في المجموع العام قدرها 100، وانحرافاً قياسياً (معيارياً) standard deviation قدره 15. وعلى هذا فإنه يتوقع أن يكون نحو 67% من قيم حاصل الذكاء واقعاً بين 85 ـ 115، وأن يقع نحو 95% من القيم بين 70 ـ130، ومن ثم فإن:

ـ قيمة واقعة بين 85 ـ 115 تعدُّ قيمة طبيعية.

ـ قيمة واقعة بين المتوسط ±2 انحراف قياسي هي منخفضة (70ـ 85) أو مرتفعة (115ـ130).

ـ قيمة تقع خارج قيمة المتوسط ±2 انحراف قياسي هي منخفضة جداً (أقل من 70) أو مرتفعة جداً (أكبر من 130).

وللمقارنة فإن قيمة حاصل الذكاء لألبرت آينشتاين Albert Einstein كانت 160.

السلالة والذكاء

استُغِلت اختبارات الذكاء في الترويج لحالات تحسين النسل eugenics، اعتماداً على الفكرة القائلة إنه يمكن التحكم بالسلالة البشرية بوساطة التربية الاصطفائية selective breeding. وقد كان فرانسِس غالتون واحداً من مؤسسي جمعية تحسين النسل Eugenic Society البريطانية. إن الاعتقاد بأن الذكاء محكوم في تكوين الدماغ بيولوجياً، ومن ثم فإنه محدَّد جزئياً بالوراثة هو اعتقاد مقبول على نطاق واسع. ولكن عدداً من الباحثين استغلوا ذلك على مدى سنوات عديدة لهدم الأفكار المتعلقة بالتغيير الاجتماعي في المجتمعات. وكان من أخطر ما صدر بهذا الصدد كتاب بعنوان «المخطط الناقوسي» The Bell Curve لريتشارد هيرنِشتاين Herrnstein Richard وتشارلز موري Charles Murray في عام 1994، وادعيا فيه أن دراسات التوائم هي الأفضل في تحديد المكافئات الوراثية heritabilities [ر: التحسين الوراثي] وأن الذكاء موروث بقوة وله مكافئ وراثي قدره 0.60 ± 0.2 ضمن الأناس البيض، وأن التدخل الاجتماعي محدود التأثير في تحسين حاصل الذكاء وزيادته، كما أشار الكتاب إلى أن الفروق في معدلات الذكاء بين المجموعات العرقية إنما تدل على فروق بيولوجية موروثة. وقد كان هذا الكتاب في أعماقه يشير إلى أنه حينما ينمو المجتمع الأمريكي فإن الثروة وغيرها من الفوائد المجتمعية ستوزع على أساس الذكاء بدلاً من القواعد الاجتماعية. وفي هذا إشارة إلى أن البيض سيحظون منها بالنصيب الأوفر لأن حاصل ذكائهم أعلى، وعدَّه الكاتبان وراثياً إلى حد كبير. وقد نشأت عن هذا الكتاب اضطرابات اجتماعية شديدة وعدَّه كثير من العلماء والباحثين كتاباً «عنصرياً» racist. وقد نُشر ما لا يقل عن خمسة كتب لدحضه، ولاسيما أن الفروق في حاصل الذكاء بين البيض والسود يمكن إنقاصها إلى حد كبير، أو إلغاؤها نهائياً بإحداث تغييرات اجتماعية واقتصادية ضمن مجتمعات السود، وهذا ثبت من دراسات عديدة بهذا الصدد. فمثلاً: اختبر الجيش الأمريكي مجموعة من الشباب المتقدمين إليه، فوجد أن المتقدمين السود سجلوا حاصل ذكاء أدنى من البيض. ولكن تحليلاً لسجلات المتقدمين أوضح أن الفروق كانت عائدة لفروق تعليمية بين البيض والسود. وقد سجل السود معدلات أدنى حتى خمسينيات القرن العشرين، ومن ثم حدث تقدم ملحوظ لديهم ترافق مع تحسين أوضاعهم التعليمية.

ثمة فضيحة علمية كبيرة زلزلت الأوساط العلمية في جميع أنحاء العالم حدثت في 14 تشرين الأول/أكتوبر 2007، وكان بطلها العالم الشهير جيمس واتسون James Watson؛ أحد مكتشفي التركيب الجزيئي للحمض الريبي النووي المنقوص الأكسجين (الدنا) DNA، وحائز جائزة نوبل، ومدير مشروع الجينوم البشري[ر] سنين عدة، والعضو في عدد من الأكاديميات والمجالس العلمية الشهيرة، إذ أدلى بتصريح لصحيفة الساندي تايمز Sunday Times اللندنية جاء فيه قوله: «إنه يشعر بالأسى بشأن مستقبل إفريقيا لأن جميع سياساتنا الاجتماعية مبنية على أن ذكاءهم مساوٍ لذكائنا، في حين تقول جميع الاختبارات عكس ذلك في الحقيقة». وادعى أيضاً أنه يأمل أن جميع الناس متساوون، ولكنه يلاحظ أن: «الأناس الذين يتعاملون مع الموظفين السود يجدون ذلك غير صحيح».

أصيب المجتمع العلمي بصدمة هائلة لهذا التصريح الذي لم يكن يتوقعه أحد من شخصية علمية مرموقة ومتميزة مثل واتسون، وعدَّه كثير من العلماء شخصاً «عنصرياً»، وألغى المتحف البريطاني وجامعة إدنبرة محاضرتين كانا دعياه لإلقائهما، وألغيت جولة له في بريطانيا، فاضطر إلى العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث وجد أن مجلس أمناء مختبر كولد سبرنغ هاربر Cold Spring Harbor Laboratory قرر تعليق مهامه الإدارية فيه، والتي كان يتولاها عشرات السنين.

وقد اعتذر واتسون بعد ذلك عن تصريحه، وبعد عدة أيام قدم استقالته من منصبه.

أسامة عارف العوا

الموضوعات ذات الصلة:

 

التحسين الوراثي ـ داروين ـ الذكاء ـ مشروع الجينوم البشري ـ مندل ـ الوراثة (علم ـ).

 

مراجع للاستزادة:

 

- R. E. FANCHER, The Intelligence Men: Makers of the IQ Controversy, (W. Norton & Co., New York 1985).

- J. HAWKINS, On Intelligence (Holt Paperbacks, New York 2005).

- R. J. HERNSTEIN and C. MURRAY, The Bell Curve: Intelligence and Class Structure in American Life, (Free Press, New York 1994).

- J. C. LOEHLIN, G. LINDZAY, and J.N. SPUHLER, Race Differences in Intelligence. (W.H. Freeman, San Francisco 1975).




التصنيف : الزراعة و البيطرة
النوع : صحة
المجلد: المجلد الثاني والعشرون
رقم الصفحة ضمن المجلد : 195
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 73
الكل : 5138409
اليوم : 3900

السفينة التجارية

السفينة التجارية   السفينة la navire هي المنشأة التي تخصص للملاحة البحرية على وجه الاعتياد، ويُعدّ جزءاً منها جميع التفرعات اللازمة لاستثمارها، وهذا يعني أن وصف السفينة لا يقتصر على جسمها أو هيكلها فقط وإنما يشمل أيضاً ما اتصل به أو انفصل عنه وكان مفيداً وضرورياً لاستغلال السفينة كالآلات والصواري وقوارب النجاة والرافعات وغيرها. والسفينة تعد مالاً منقولاً، ولهذا فإذا ما أوصى شخص لآخر بأمواله المنقولة فإن السفينة التي يمتلكها تقع ضمن الأموال الموصى بها، لكن السفينة تخرج في بعض الأحيان، ولاعتبارات خاصة، عن أحكام المنقول لتخضع لأحكام العقار. فالقانون يعامل السفينة معاملة العقار من حيث الحقوق العينية التي تتحمل بها، وضرورة شهر التصرفات القانونية التي ترد عليها بقيدها في سجل السفينة الخاص. وترتيباً على ذلك، فإن السفينة ولو كانت مالاً منقولاً، لا تخضع لقاعدة «الحيازة في المنقول سند للملكية» لأن نقل ملكية السفينة لا يتم بمجرد التراضي بل لابد من اتباع إجراءات التسجيل المنصوص عليها قانوناً. ذاتية السفينة للسفينة كثير من الصفات التي تقربها من الأشخاص. فللسفينة اسم معين، ومربط تعود إليه، وحمولة خاصة بها، وجنسية تربطها بدولة معينة. 1ـ اسم السفينة: يجب أن تحمل كل سفينة اسماً يميزها من غيرها من السفن. ولصاحب السفينة الحرية التامة في اختيار الاسم الذي يراه لسفينته، ويُفضل ألا يختار اسماً سبق تسجيله لسفينة أخرى دفعاً لكل خلط والتباس، ويجب كتابة اسم السفينة في مكان ظاهر من هيكلها بحيث يستطيع كل شخص معين أن يطلع عليه بسهولة. 2ـ مربط السفينة: يجب على كل صاحب سفينة سورية أن يسجل سفينته في أحد المرافئ السورية الذي يكون له فيه موطن حقيقي أو مختار. ويسمى هذا المرفأ الذي يتم به التسجيل: مربط السفينة أو مرفأ التسجيل، وهو الذي يكون الموطن القانوني لها. وتظهر أهمية تحديد موطن السفينة في أنه يمكن عن طريق سجل السفن الموجود في مرفأ التسجيل معرفة جميع البيانات المتعلقة بالسفينة، والاطلاع على جميع التصرفات التي وردت عليها من بيع أو حجز أو رهن. وقد أوجب القانون على جميع السفن السورية كتابة الأحرف المميزة لمرفأ التسجيل على مؤخرها. 3ـ حمولة السفينة: يقصد بحمولة السفينة سعتها الحجمية، وهي تقدر بوحدة معروفة تسمى البرميل الذي يساوي 2.83م3. وتتجلى أهمية تحديد حمولة السفينة بأن الرسوم التي تستوفيها سلطات المرافئ كرسوم الإرشاد ورسوم الموانئ والأرصفة تقدر على أساس حمولة السفينة. كما تتخذ الحمولة أساساً لتحديد أجرة السفينة في حال تأجيرها للغير، وأساساً لتحديد مسؤولية مالك السفينة وفقاً للمعاهدة الخاصة بذلك. هذا وأوجب القانون أن ينقش بالعربي واللاتيني محمول السفينة الصافي على الجهة الخلفية من كبرى عوارض ظهر السفينة أو من الجنب الأمامي للكوة الكبرى. 4ـ جنسية السفينة: تمنح الجنسية[ر] عادة للأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين.أما الأموال فليس لها جنسية. ومع ذلك فإن تشريعات الدول جميعاً أدخلت على هذه القاعدة استثناء بالنسبة لبعض الأشياء التي لها أهمية كبيرة في حياتها الاقتصادية كالسفن والطائرات[ر] فقد تقرر أن تكون لكل سفينة جنسية، وفي سورية نصت المادة الثانية من قانون التجارة البحرية على أن تعتبر السفينة سورية إذا كان مربطها مرفأً سورياً وكان نصفها على الأقل يملكه أشخاص سوريون أو شركات سورية أكثرية أعضاء مجلس إدارتها مع رئيسه من التابعية السورية. وقد أنزل القانون منزلة السفن السورية السفن السائبة في البحر التي تلتقطها سفن ترفع العلم السوري، والسفن المصادرة لمخالفتها القوانين السورية. هذا ويترتب على اكتساب السفينة جنسية معينة آثار سياسية واقتصادية وقانونية:  فسياسياً: إن السفن الوطنية تتمتع بحماية دولتها في المياه الإقليمية وبحماية سلطاتها الدبلوماسية والقنصلية عندما تكون في المياه الأجنبية. كما أنه في زمن الحرب لا يجوز التعرض لسفن الدول المحايدة ولا لمحمولها ما دام لا يعدّ من مهربات الحرب. واقتصادياً: تمنح الدول عادة سفنها الوطنية ميزات تحجبها عن السفن الأجنبية وذلك في سبيل حماية أسطولها التجاري البحري من المزاحمة الأجنبية والعمل على إنمائه وتشجيعه لأن في قوة هذا الأسطول قوة الدولة ذاتها. ولهذا الغرض قضى القانون السوري مثلاً بأن للسفن السورية وحدها حق الصيد على السواحل وحق الملاحة التجارية الساحلية بين المرافئ السورية، وقطر السفن في دخولها إلى هذه المرافئ وخروجها منها.  وقانونياً: إن الرأي السائد يتجه إلى أن قانون علم السفينة هو الذي يطبق على جميع التصرفات والأفعال التي تقع على ظهر السفينة وهي في عرض البحر، وذلك استناداً إلى أن السفينة تعدّ امتداداً للإقليم الذي تحمل جنسيته. أما إذا كانت السفينة في المياه الإقليمية لدولة أجنبية أو في ميناء أجنبي، فهنا يجب التفريق بين المواد المدنية والمواد الجزائية. فإذا تعلق الأمر بالمواد المدنية فإن قانون جنسية السفينة هو الذي يحكم جميع الوقائع والتصرفات القانونية التي لاتتعدى آثارها السفينة أو الرجال الذين يعملون على متنها. أما إذا تعلق الأمر بالمواد الجزائية فيجب التفريق بين ما إذا كانت السفينة حربية أم غير حربية. فلو كانت السفينة حربية فإن جميع الجرائم التي ترتكب على متنها تخضع لقانون الدولة التي ترفع علمها. أما إذا كانت السفينة غير حربية فالأصل تطبيق قانون علم السفينة على الجرائم التي تقع على ظهرها باستثناء الحالات الآتية: 1ـ إذا طلب ربان السفينة أو قنصل دولتها تدخل السلطات الأجنبية لحفظ النظام على ظهر السفينة. 2ـ إذا ترتب على الجرائم المرتكبة في السفينة إخلال بأمن المرفأ الراسية فيه. 3ـ إذا ارتكبت على ظهر السفينة جريمة تجاوزت آثارها شفير السفينة. أوراق السفينة يوجب القانون على كل سفينة أن تحمل على ظهرها عدداً معيناً من الأوراق والمستندات وذلك حتى يسهل تحديد ذاتية السفينة وتتمكن السلطات المختصة من الرقابة والإشراف على حسن سيرها، فقد ألزمت المادة 41 من قانون التجارة البحرية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 86 لعام 1950م، السفن المعدة للملاحة في عرض البحر والسفن الساحلية أن تحوز المستندات والأوراق الآتية: 1ـ سند التمليك البحري الذي يثبت ملكية صاحب السفينة، ويحصل عليه من مكتب مرفأ التسجيل. 2ـ دفتر البحّارة: ويتضمن أسماء البحارة العاملين على ظهر السفينة وشروط عقود استخدامهم. 3ـ إجازة الملاحة للسنة الجارية التي تثبت صلاحية السفينة للملاحة، ولسفن نقل الركاب شهادة الأمان. 4ـ إجازة ملاح للسنة الجارية لكل عضو من البحارة والربان. 5ـ إجازة السفر من رئيس الميناء. 6ـ بيان بحمولة السفينة (المانيفست) Le manifeste. 7ـ شهادة صحية بتوقيع مكتب الحجر الصحي في آخر مرسى للسفينة. 8ـ إشعار من الدوائر المختصة يثبت دفع رسوم الميناء والمنائر في آخر مرسى للسفينة. 9ـ شهادة معاينة السفينة السنوية. 10ـ دفتر اليومية: يجب على ربان كل سفينة أن يمسك دفتر يومية مرقم الصفحات وموقع عليه من قبل رئيس دوائر المرفأ. ويذكر في هذا الدفتر كل الحوادث الطارئة، وكل القرارات المتخذة في أثناء السفر، وقائمة بالواردات والنفقات المتعلقة بالسفينة، والملاحظات اليومية فيما يختص بحالة الجو والبحر، وبيان بالولادات والوفيات التي قد تحدث على متن السفينة. وقد أوجب القانون إبراز هذه الأوراق عند كل طلب من السلطات المكلفة بمراقبة الملاحة، كما رتب مسؤولية الربان الجزائية في حال إبحار السفينة دون اصطحابها الأوراق المذكورة. الياس حداد مراجع للاستزادة:   ـ الياس حداد، القانون التجاري، بري، بحري، جوي (جامعة دمشق 1981م). ـ رزق الله أنطاكي، الحقوق التجارية البحرية (دمشق 1955م).  

المزيد »