logo

logo

logo

logo

logo

التحضر

تحضر

Urbanization - Urbanisation

التحضر

 

يُقصد بمفهوم التحضر Urbanisation انتقال مكان الإقامة من الريف إلى المدينة والاستقرار فيها، وما يترتب على ذلك من تغير في خصائص السكان الريفيين على مستوى عاداتهم الاجتماعية وتقاليدهم. وبذلك ينطوي مفهوم التحضر على أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية ترافق عملية الانتقال أو تليها بعد حين.

فالتحضر بالمعنى السكاني (الديمغرافي) هو انتقال مكان الإقامة من الأرياف إلى المدن، ولكنه بالمعنى الاجتماعي اكتساب عادات وتقاليد اجتماعية جديدة تظهر في السلوك والممارسات اليومية كاختيار الفرد لشروط السكن الذي يقيم فيه، ونماذج الألبسة التي يرتديها، وحتى المهن التي يمارسها. وهو بالمعنى الثقافي يعني اكتساب الفرد مجموعة من القيم والمعايير التي يلجأ إليها في الحكم على أنماط السلوك والأشياء المحيطة به.

أما التحضر بوصفه عملية اجتماعية سكانية، فيقصد به اتساع المدن على حساب الأرياف المحيطة بها، فنمو الوظائف الاقتصادية والاجتماعية للمدينة يجعلها قادرة على استيعاب أعداد إضافية من السكان، ومن قوة عمل إضافية، فتتسع دائرتها وتنمو وظائفها الاقتصادية والاجتماعية من جديد وتنمو قدراتها على الاستيعاب. فتنمو الفعاليات الصناعية والتجارية والحكومية حتى تتجاوز وظائف المدينة حدودها المكانية، لتغطي المناطق الريفية المحيطة بها، فتصبح مظاهر النمو السكاني مركزة في المدن، برغم أن معدلات النمو الطبيعية قد تكون في الأرياف بنسب أعلى.

غير أن عمليات التواصل بين الريف والمدينة وتطورها في الوقت الراهن تدل على أن مظاهر التغير المشار إليها في العادات والتقاليد والقيم، يمكن أن تحدث دون انتقال مكان الإقامة بالضرورة من الريف إلى المدينة، ذلك أن التقانات الحديثة أصبحت تصل الأرياف وتربطها بالمدن ارتباطات وثيقة. كما أن الانتقال إلى المدن لا يؤدي بالضرورة إلى تغير حتمي في العادات والتقاليد والقيم، فمن الملاحظ أن أبناء الأرياف يحتفظون بقدر كبير من عاداتهم وتقاليدهم الريفية، وتظهر في سلوكهم ضمن المدن التي استقروا فيها، كما يحدث ذلك عندما تبدو مظاهر الصراعات العشائرية والقبلية بين سكان الارياف المقيمين في المدينة، حتى ضمن مؤسسات عملهم، وغالباً ما يطلق على هذه الظاهرة تعبير «ترييف المدن» أي انتقال خصائص الريف إلى المدينة.

وبالنظر إلى صعوبة التمييز بين السكان المتحضرين اجتماعياً وثقافياً وغير المتحضرين حتى في المدينة الواحدة، فقد أخذ علماء السكان بالاعتماد على معيار الإقامة في المدن لتمييز السكان الحضر عن سكان الأرياف. أما التمييز بين المدينة والريف فغالباً ما يتم بالعودة إلى معايير عديدة أهمها حجم السكان المقيمين في التجمع، والوظائف التي يؤديها التجمع في علاقاته مع التجمعات السكانية الأخرى، وكثافة السكان في التجمع. وقد يتم اللجوء إلى الدمج بين بعض هذه المعايير بوقت واحد.

وفي الجمهورية العربية السورية يسمى التجمع السكاني حضرياً إذا بلغ عدد سكانه 20ألف نسمة وأكثر، أو إذا كان مركزاً للمحافظة، أو مركزاً للمنطقة (وهي التنظيم الإداري التالي للمحافظة مباشرة). وقد بلغ عدد التجمعات السكانية التي تعد في عداد المدن في سورية 84 تجمعاً سكانياً لعام 1999.

ويستخدم الباحثون في العلوم الاجتماعية مفهوم التحضر للدلالة على معنيين متقاربين في كثير من الأحيان، ومترابطين في الآن ذاته، فيأتي المفهوم بمعنى وصفي أحياناً، وبمعنى تحليلي أحياناً أخرى. فمن الجهة الأولى، يستخدم التعبير لمعرفة نسبة السكان الحضر قياساً إلى إجمالي السكان في المجتمع، فيقال حينئذ نسبة التحضر. فنسبة السكان الحضر في سورية لعام 2000 مثلاً تساوي 52٪ من إجمالي السكان، بينما كانت بحدود 35٪ في بداية عقد الستينات. وبهذا المفهوم يدل تعبير التحضر على مجموعة السكان المقيمين في المدن أو في التجمعات السكانية التي تصنف في عداد المدن. وتستخلص هذه النسبة  باستخدام المعادلة التالية:

 

 

ومن جهة أخرى، يستخدم هذا التعبير أيضاً، لوصف عملية النمو السكاني في المناطق الحضرية خلال فترة محددة من الزمن، ويستخدم عندئذ تعبير «معدل النمو الحضري» الذي يدل على نسبة تزايد السكان الحضر خلال فترة زمنية محددة، ففي حين بلغ معدل النمو الحضري في مدينة دمشق خلال  الفترة (1960-1970)  نحو 46.7 بالألف سنوياً، فإنه لم يتجاوز 26.3 بالألف خلال الفترة التالية (1970-1981)، ثم انخفض مرة أخرى إلى 17.7 بالألف سنوياً خلال الفترة (1981-1994)، الأمر الذي يدل على أن معدل النمو الحضري تناقص كثيراً في مدينة دمشق، وهو يختلف مع اختلاف العوامل المؤدية إليه، وبالأخص عامل الهجرة. ويحسب هذا المعدل عادة باستخدام القاعدة الإحصائية التالية:

 

المظاهر التاريخية للتحضر

تعود أولى مظاهر التحضر في العالم إلى أكثر من ستة آلاف عام، وقد ظهرت في منطقة المشرق العربي، ففي الألف الرابعة قبل الميلاد برزت في مصر وبلاد الشام، وما بين النهرين حضارة مزدهرة، وكان ظهورها مرتبطاً بتقدم مجموعة المعارف الإنسانية والأساليب الفنية المستخدمة في تلبية الحاجات، كاستخدام المعادن واختراع الشراع واستعمال العجلة في النقل، وصنع الفخار واختراع المحراث واستخدام الحيوان في الجر. وقد ظهر ذلك جلياً في مناطق السهول الفيضية بوادي النيل الأدنى، وفي القطاع الأدنى من نهري دجلة والفرات.

وبعد الفتح العربي الإسلامي وانتشار الإسلام ازدادت حركة التحضر، إذ استفاد المسلمون من تجارب الآخرين، وأخذوا يطورون المدن والقلاع والحصون، ويعززون المواقع العسكرية للجيوش، وكانت تنمو إلى جانب ذلك عوامل الاستقرار المرتبطة بتوفير وسائل العيش، من إنتاج زراعي وصناعي، وتجاري وخلافه، وقد اتسعت مدن كثيرة بسرعة كبيرة، ونشأت مدن حديثة كمدن النجف وكربلاء في العراق، وفاس والرباط في المغرب، وأصبحت مكة تستحوذ على مشاعر المسلمين قاطبة، كذلك نمت مدن عسكرية كثيرة مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان وغيرها..

أما في الغرب فقد أخذت المدن بالتزايد الفعلي، إذ برزت مظاهر التحضر منذ الألف الأولى قبل الميلاد. ففي غضون القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد أخذت تنتشر ظاهر (المدينة - الدولة)، وتعد المدن اليونانية أوضح نموذج لذلك، فأخذت بالتوسع، كما كان الحال في مدينة سيراكيوز، والتي تعد واحدة من المستعمرات في إيطالية وصقلية خلال الفترة اليونانية المبكرة (750-700) ق م. واستطاعت دولة - المدينة اليونانية، أن تمد نفوذها على امتداد البحر المتوسط، وفي سنة 500ق. م  كانت الحياة الحضرية ظاهرة سائدة في ساحل المحيط الأطلسي، من إسبانية غرباً حتى سهول الغانج في الهند شرقاً.

التحضر في العصور الحديثة

تختلف ظاهرة التحضر في العصور الحديثة عما كانت عليه في الماضي، ففي حين كانت هذه الظاهرة مبنية على الوظائف التجارية والعسكرية والدينية بالإضافة إلى تركز الحرف والصناعات البسيطة، أصبحت اليوم قائمة على التطور الصناعي الهائل، والذي أخذت ملامحه بالانتشار والاتساع مع بدايات الثورة الصناعية في أوربة، حيث أدى التطور الصناعي الكبير في مجال تطوير وسائل الإنتاج إلى استخدام التقانات الزراعية وزيادة الإنتاج، وانخفاض الحاجة إلى قوة العمل، مما أدى إلى ظهور الفائض في قوة العمل الزراعية، وقد دفعت هذه الظروف آلاف المزارعين إلى الانتقال إلى المدن والمراكز الحضرية للاستقرار والعمل.

وتدل الإحصاءات المتاحة على مقدار السرعة في نمو المدن، خلال القرنين التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقد تضاعف عدد سكان المدن في بريطانية وارتفع خلال الفترة (1871- 1911)، من حوالي 14مليون نسمة إلى نحو 28مليون، وفي فرنسة من 11مليون إلى 17.5مليون، وبينما كان عدد سكان باريس نحو مليون نسمة عام 1860، ارتفع إلى أكثر من 6.6مليون عام 1950، و7.8مليون عام 1960.

الآثار الاجتماعية والاقتصادية للتحضر السريع

منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين أخذت ظاهرة التحضر السريع تنتشر بسرعة كبيرة أيضاً في معظم دول العالم الثالث، برغم أنها لم تصل إلى المستوى الذي بلغته في الدول الصناعية،  وبالنظر إلى أن العوامل المؤدية إليها كانت مختلفة فقد جاءت النتائج المترتبة عليها متباينة كل التباين. ويلاحظ أن الظاهر الحضرية في البلدان النامية اليوم تتميز بأنها:

1ـ تصاحب علميات التطوير الاقتصادي والاجتماعي الذي تعرفه أوربة، والذي ينمو باستمرار، لذلك جاءت نتاجاً للتطور الصناعي في أوربة، وليست نتاج للتطور الذاتي في البلدان النامية.

2ـ إن الظاهرة الحضرية في البلدان النامية لم ترتبط بالتطور الصناعي والنمو الاقتصادي المحلي، الأمر الذي جعل النمو الحضري عبئاً على التنمية الاقتصادية في هذه البلدان، وليس عاملاً من عوامل التطور فيها.

3ـ تقترن عملية التحضر في البلدان النامية عموماً بزيادة التوسع الاقتصادي الغربي، وبزيادة السيطرة الغربية على مقدرات الشعوب، الأمر الذي جعل للنمو الحضري في هذه البلدان أبعاداً سياسة واقتصادية وعسكرية لم تكن الدول مستعدة لها، ولم تكن في دائرة تقديراتها.

وقد نجمت عن عمليات التحضر السريع في معظم بلدان العالم الثالث مجموعة من النتائج التي تركت آثارها السلبية في عملية التنمية، فالنمو الحضري اقترن بارتفاع معدلات النمو السكاني بشكل عام، إذ أدى تطور الخدمات الصحية إلى انخفاض معدل الوفيات، في الوقت الذي لم تنخفض فيه معدلات الولادة، فشهدت بلدان العالم معدلات نمو سكاني عالية وصلت في بعض الدول إلى أكثر من  3.33 بالألف خلال الفترة الممتدة (1950-1970). وأدى هذا الاقتران إلى ارتفاع عدد سكان المدن بنسب تزيد كثيراً على سكان الأرياف.

ويضاف إلى ذلك، أن سرعة التحضر ونمو المدن أثر في بنية العلاقات الاجتماعية بين السكان، ففي حين ينتظم السكان في المرحلة التقليدية، وخاصة في مناطق الأرياف، بعلاقات اجتماعية وثقافية وحضارية، تتضح فيها المعايير والضوابط الاجتماعية للسلوك، حيث يتبادلون المنافع وفق قواعد يقرها العرف الاجتماعي، ومعايير متفق بشأنها، وتشدهم إلى بعضهم بعضاً مصالح الجماعة الواحدة، فإنه يلاحظ الانحلال الكبير في منظومة العلاقات التي يقيمها الناس في المدن إثر انتشار التحضر، فتصبح العلاقات الاجتماعية أكثر ضعفاً، والاهتمام بالصالح العام أقل انتشاراً، الأمر الذي يجعل الأفراد أكثر ميلاً إلى البحث عن مصالحهم الخاصة بالطرق الفردية، بصرف النظر عن موافقة المجموع لذلك أو عدم موافقته، ويصبح الأفراد أقرب إلى البعثرة منهم إلى التآلف والارتباط، والتفاعل المشترك والبناء.

 

أحمد الأصفر الشهير باللحام

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

التخطيط ـ الحضارة ـ السكان ـ المدينة.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ فتحي أبو عيانة، التحضر في العالم: نظرة في النشأة والتطور، اللجنة الاقتصادية لغربي آسيا، ندوة السكان والتنمية في منطقة غربي آسيا (1978).

ـ إسحاق القطب، مشروع بحث إقليمي عن أنماط التحضر ومشاكله في الشرق الأوسط، جامعة الكويت، منظمة تطوير العلوم الاجتماعية في الشرق الأوسط (الكويت 1977).

- United Nations, Population Division, "Urban and Rural Population: Individual Countries, 1950-85 and Region and Major Areas 1950-2000 Esa/WP/ REV. 1, (1970).

- Hall, P, The World cities (London 1972).

 




التصنيف : الفلسفة و علم الاجتماع و العقائد
المجلد: المجلد السادس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 112
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 21
الكل : 4890616
اليوم : 5853

الدفاع النفسي (آليات-)

الدفاع النفسي (آليات -)   آليات الدفاع النفسي defence mechanisms آلية سيكولوجية لا شعورية، يستخدمها الفرد لإضعاف الحصر (القلق) الناجم عن نزاعات داخلية بين المقتضيات الغريزية والقوانين الأخلاقية والاجتماعية، وهو مفهوم تحليلي نفسي يستخدم في وصف البنى النفسية الثابتة نسبياً والارتكاسات الدفاعية المنفردة اللاشعورية التي يحول الأنا بمساعدتها حماية نفسه من الصراعات النفسية التي يمكن أن تنشأ عن التباعد بين رغبات الهُو ومطالب الأنا الأعلى أو حتى من مطالب الأنا نفسه، وهي جزء من المنظومة النفسية التي تهدف إلى تحديد طاقة الدوافع المهددة والمثيرة للقلق وتلعب دوراً في توازن الشخصية، غير أنها يمكن أن تتحول إلى آليات مرضيات ومعيقة إذا أصبحت هي الشكل الغالب من الدفاع.

المزيد »