logo

logo

logo

logo

logo

التعالي

تعالي

Transcendentalism - Transcendantalisme

التعالي

 

إن لمفهوم التعالي (الترانسندنتالية) transcendentalisme معانٍ متباينة في مختلف مجالات الفكر، ولاسيما المجال الديني والفلسفي والأدبي. ففي مجال الفكر الإسلامي، مثلاً، يدل التعالي على إحدى صفات الله وأسمائه الحسنى. وهو في اللغة العربية مشتق من علا بمعنى ارتفع، ومن تعالى بمعنى سما.

وفي مجال الفكر الفلسفي الغربي اشتهر مفهوم التعالي، بوجه خاص، في فلسفة كَنت[ر] Kant الانتقادية الموسومة بأنها ثورة كوبرنيكية ، نسبة إلى العالم الفلكي البولوني كُبرنيك[ر] Copernic، لأنها جعلت الفكر صانع العالم من حيث معرفتنا به. فالفكر هو الذي يملي قوانينه على الكون الحسي بعد أن كان الفكر يتبع الأشياء ويسايرها كما يرى التجريبيون. في هذا الإطار تتضح فلسفة كانت على أنها «تشريع العقل البشري» وأن وظيفتها تحديد المفهومات التركيبية القبْلية a priori في منظومة متماسكة، موضوع المنطق فيها هو الحقيقة، وموضوع الميتافيزيقا هو الواقع من حيث خضوعه لقوانين عقلية محضة. والعقل المحض هو العقل البريء من الاستعانة بالتجربة. والتعالي هو عمل العقل المحض السابق على التجربة سبقاً منطقياً، لا زمانياً. ووظيفة التعالي هي جعل التجربة ممكنة، أي تركيب موضوعات محسوسة وأحكام كلية، وأن يكون استعمال هذا التركيب على هذا الوجه مشروعاً. يقول كَنت: «إنني أدعو متعالياً المبدأ الذي يمثل الشرط القبْلي العام الذي به وحده تستطيع الأشياء أن تصبح موضوع معرفتنا بوجه عام».

إن الأحكام التجريبية هي على الدوام أحكام تركيبية، ومن شأن هذه الأحكام التركيبية أنها تستلزم مبدأً  غير مبدأ عدم التناقض، ويكون ذلك بجعلها أحكاماً تركيبية في الذهن والعقل المجرد، ومثالها الأحكام الرياضية كالبديهيات الهندسية التي يستدل على تركيبها تركيباً قبلياً بالعقل وحده. في حين أن غاية الميتافيزيقا الوحيدة هي الاهتمام بالقضايا التركيبية القبلية التي تحتاج إلى تحليلات وتصورات بالعقل المجرد لا تجيز للمرء التساؤل عن إمكانها لأنها موجودة، بل عن كيف تكون ممكنة.

أما عن كيفية إمكان وجود هذه الأحكام التركيبية القبلية فقد أرجع كانت الإجابة عنها إلى أسئلة أربعة عن إمكان الرياضيات المحضة، وعلم الطبيعة المحض، والميتافيزيقا المحضة، وإمكان أن تكون الميتافيزيقا علماً، وجميعها قوام الفلسفة المتعالية. ومن شأن فحص كل الأفكار المتعالية التي يؤلف مجموعها المشكلة الخاصة بالعقل المجرد الطبيعي العمل على تخليص الفكر من قيود التجربة، ومن حدود الملاحظة البسيطة للطبيعة بحيث لا يرى أمامه مجالاً إلا على موضوعات الذهن المجرد، لأن المبادئ العملية لا يمكن أن تتصف بالشمولية التي لا يستطيع العقل أن يتخلى على الإطلاق عنها، وذاك هو جوهر التعالي.

نهجت الفلسفات اللاحقة في النصف الأول من القرن التاسع عشر فلسفة كَنت، ولكنها فرضت على الترانسندنتالية تغيرات حاسمة كما بدت في مذاهب فيخته[ر] Fichte وشِلنغ[ر] Schelling وحتى هيغل[ر] Hegel وشوبنهاور[ر] Schopenhauer. وبات المتعالي ذاتاً قادرة على معرفة المطلق معرفة مطلقة. وتلاشى مفهوم «النومن» Noumène (معرفة المطلق) المتعذرة معرفته. ونظر إليه كاسيرر Cassirer على أنه ذات اختبارية حقيقية، ومقولة من المقولات الثقافية. وعزف هوسِرل Hosserl عن القول بوجود شروط قبلية داعياً «للمضي إلى الأشياء والمكث فيها»، مع تصوره ذاتاً ترانسندنتالية  لا زمنية مفصولة عن العالَم، وهي تُنال بحدس أو برؤية ذوات مثلما يُفترض وجود موضوعات منطقية ورياضية على الرغم من أنها لا توجد واقعياً في أي مكان. وهكذا لا يبقى العالَم موجوداً، بل هو ظاهرة وجود يلمسها الشعور.

ويفسر هايديغر[ر] Heidegger مطلب «المكث في الأشياء» على أنه مطلب التوصل إلى أساس جذري، و إدراك الكائن انطلاقاً من الكائن ذاته. فلا تكون الأنطولوجية ontology (مبحث الأمور العامة) ممكنة إلا بوصفها فنومنولوجية phénoménologie (الظاهراتية).

ويرى سارتر[ر] Sartre أن ليس للشعور أية سمة داخلية خاصة وأن عليه، كي يعي ذاته، أن يضفي ذاته خارج ذاته، فالشعور مفارق العالَم المتعالي ومنفصل عن الذات، ولذا يفسح المشروع العقلاني الهوسِرلي المجال أمام الفلسفة الوجودية.

أما مِرلو ـ بونتي Merleau-Ponty فإنه يلحف على فكرة البنية، ويقر مفهوم «الأنا المتعالية» الهوسرلي ويصفه بالسمة التاريخية مظهِراً تعذر انفصاله عن جسد ظاهري يمثله المتعالي، ويرى أن الوجود يظهر عبر ذاك الجسد على أنه يواكب العالم ويعايشه.

وينتقد فوكو[ر] M.Foucault نظرية المُعاش الظاهري، ويرى أن لمفهوم الإبستيمة épistéme وظيفة متعالية إذا أتاح بلوغ جملة دلالات تظل دونه مشتتة في الاختبارية. ولا مناص من أن تحل المضامين محل الأشكال الكانتية، وأن تُنحى عبارة «أفكر» فيتلاشى المتعالي ضمن اختبارية تعجز عن إيضاح ذاتها.

اقترح جان فال J.Wahl أن يدل التعالي على الاتجاه إلى متعالٍ إلهي أسمى، ثم بدا له أن هذه الكلمة غامضة إذ تشير إلى نهاية الفكر التي قد يتعذر بلوغها، وبذا تقتصر قيمتها على أنها تبعث في المرء الإحساس بما لا يستطيع الحصول عليه كاملاً، وبما ينبغي أن يسعى لتحقيقه. ومن هنا يغدو التعالي مسألة إن لم تكن زائفة فهي معضلة.

امتدت العناية بمفهوم التعالي الكانتي في مجال الأدب بالمعنى الواسع إلى الولايات المتحدة عبر إنكلترة بفضل كتابات وترجمات كارلايل[ر]  Carlyle وكولريدج[ر] Coleridge. ولم تلبث الترانسندنتالية الألمانية أن امتزجت بعناصر دينية من التراث الشرقي الهندوسي والكونفشيوسي وأخرى من آثار مدام دي ستال[ر] De Stal وفكتور كوزان  V.Cousin وفورييه Fourier وإيمانويل سويدنبورغ E.Swedenborg وكتّاب القرن السابع عشر الميتافيزيقيين الإنكليز. وقد اجتمع عام 1836 أصدقاء من طبقة إمرسون[ر] Emerson وريبلي Ripley وهيدج Hedge وأسسوا «منتدى هيدج» الذي تفرع عنه ملتقى «مزرعة بروك» Brook Farm حيث حاول ريبلي جمع صنوف الكتّاب والفنانين لخلق مناخ فكري وأدبي متميز، غير أن اندلاع الحرب الأهلية في عام 1861، وعوز التمويل، أسهما في تلاشي الحركة وزوال منتدياتها الذي كان قد بدأ منذ عام 1847. وقد دلت الترانسندنتالية بعدئذ على حركة أمريكية فلسفية صوفية وأخلاقية تنزع إلى تأليف الفردي، إن لم نقل العقلي القبلي، مع الجمعي الذي ازدادت العناية به باطراد.

 نشد الترانسندنتاليون الأصالة الفردية قائلين: «إننا أشبه بالعقلانيين، لأن أي اثنين منا لا يفكران تفكيراً متماثلاً». ولكن جلّهم يقرون مبادئ مشتركة تعرّف الترانسندنتالية بإيمانها أن لدى الإنسان أفكاراً لا تصدر عن الحواس الخمس، ولا عن قدرة التفكير، بل إنها «تصدر عن كشف إلهي، عن وحي الله المباشر أو عن حضوره المحايث في عالم الأرواح»، وبذا يتقررأن لدى الإنسان إلى جانب الجسد المادي جسداً روحياً وهو ما يسمى بالروح العليا oversoul، ذا «حواس تدرك الحقيقي والخيِّر والجميل»، وبالعقل الجريء، والحدس الروحي تتلاشى الخطيئة، ويضمحل الشر.

لقد بلغ ازدهار الترانسندنتالية الأمريكية شأواً كبيراً وتنوع نشاط ممثليها بين التأليف الغزير وكتابة المذكرات وإلقاء المحاضرات وتتبع المناقشات، كما أسهم كثيرون منهم في حركات الإصلاح الاجتماعي، ولاسيما في مكافحة العبودية والرق. ومما نشره المفكر المصلح إمرسون، بوجه خاص، «خطب ومحاضرات» و«المجتمع والعزلة» و«التاريخ الطبيعي للعقل» و«خطابات وأهداف اجتماعية».

لم تكن كتابات الأديب والمصلح ثورو[ر] Thoreau أقل أهمية لحركة التعالي من أعمال إمرسون، وخاصة تلك التي تطرق فيها لموضوع الرق في الولايات المتحدة. وعُنيت المؤلفة والناقدة مرغريت فوللر Margaret Fuller بتحرير المرأة ولها «المرأة في القرن التاسع عشر» Woman in the Nineteenth Century. كما ظهرت آثار حركة التعالي في أعمال الكثير من الأدباء والمفكرين في الولايات المتحدة مثل وولت ويتمان[ر] وإميلي ديكنسون[ر] وهرمان ملفيل[ر] ونثانيال هوثورن[ر] ولويزا ماي ألكوت[ر] وجون ديوي[ر] ومارتن لوثر كينغ[ر].

عادل العوا

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ إمانويل كانت، مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علماً، ترجمة: د. نازلي إسماعيل حسين، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي (القاهرة 1968).

ـ جان فال، طريق الفيلسوف، ترجمة أحمد حمدي محمود، مراجعة د. أبو العلا العفيفي (القاهرة 1967).

- PERRY MILLER,ed. The American Transcendentalism (1960; reprint, R. West, 1968).

- ROGER ASSELINEAU, The Transcendentalist Constant in American Literature (N.Y.Univ. Press 1981).

 




التصنيف : الأدب
المجلد: المجلد السادس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 581
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 8061107
اليوم : 300

التلفزة والتلفاز (من الناحية الاجتماعية)

التلفزة والتلفاز (من الناحية الاجتماعية)   يعدُّ ظهور التلفاز وتطوّره في القرن العشرين واحداً من أبرز المنجزات المحققة للثورة العلمية والتقانية في هذا القرن، وهو نتاج لتطور مجموعة كبيرة من العلوم التي تأتي في مقدمتها علوم الاتصال والتقانات المرتبطة به، بالإضافة إلى العلوم النفسية والاجتماعية التي تسهم في تعزيز الوظيفة الاجتماعية للتلفاز، وفي تأكيد الدور الذي يؤديه في الحياة الاجتماعية.

المزيد »