logo

logo

logo

logo

logo

استخراج النفط من البحر

استخراج نفط من بحر

Offshore oil extraction - Extraction du pétrole offshore

استخراج النفط من البحر

 

يعد استخراج النفط من البحر offshore جزءاً من صناعة النفط لا يقل أهمية عن استخراجه من البر، ولكنه يتطلب خبرات وتقنيات خاصة تختلف قليلاً عن تلك التي تستخدم على اليابسة، كما أن تكاليف استخراجه أكبر.

وثمة عوامل كثيرة تؤثر في اختيار موقع البئر التي سيستخرج منها النفط أهمها: العامل الجيولوجي، أي وجود مكامن الهدروكربونات المكونة للنفط أو الغاز الطبيعي في الصخور تحت سطح الأرض، والعوامل الاقتصادية والقانونية، وتوافر الإمكانات التقنية لاستخراج النفط التي لا يمكن إغفالها عند كل محاولة لاستكشاف مكامنه.

يمكن عملياً حفر آبار النفط والغاز واستخراجهما من أي بقعة في العالم سواء على اليابسة أو في البحر أو في المستنقعات، ومن خط الاستواء إلى المناطق القطبية المتجمدة. والمعروف أن احتياطي النفط والغاز على البر أصبح محدوداً، وصار من النادر العثور على مناطق جديدة تحوي النفط فوق سطح اليابسة. ومع أن معظم نشاطات صناعة النفط مازالت تعتمد على مايستخرج من النفط والغاز من مواقع برية إلا أنها أخذت في التضاؤل مع ازدياد الطلب العالمي على الزيت والغاز ازدياداً مطّرداً. ولما كانت ثلاثة أرباع سطح الأرض مغطاة بمياه البحار فليس من المستغرب أن يتجه البحث عن مكامن الهدروكربونات نحو قعر البحر واستخراجها منه. وقد واجه المستكشفون صعوبات كبيرة في تحري مكامن الزيت في المناطق الشاطئية والبحرية، إلا أن التقدم المذهل في تقنيات الاستكشاف والحفر في السنوات الأخيرة ساعد على تطوير عمليات استخراج النفط من البحر وتسريعها إلى درجة كبيرة بدءاً من التنقيب والحفر الاستكشافي وانتهاء بالإنتاج والتخزين في المناطق البحرية مهما كانت العقبات، وعلى الرغم من التيارات البحرية والعواصف.

 

الشكل (1)

 أول بئر في البحر تم حفرها في الولايات المتحدة الأمريكية

(سمرلند، كليفورنية) نحو عام 1900

لمحة تاريخية

بدأت أول عمليات استخراج النفط من البحر في مرحلة مبكرة من تاريخ صناعة النفط. ومن المعروف أن أول بئر منتجة تم حفرها في العالم كانت في بلدة تيتوسفيل Titusville من ولاية بنسلفانية في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1859م. وبعد ثمانية وثلاثين عاماً من ذلك التاريخ أي في سنة 1897م تم حفر أول بئر بحرية (شاطئية). فقد لاحظ المنقبون عن النفط أن الزيت والغاز الطبيعي يطلقان فقاعات من الينابيع الكثيرة التي تحيط ببلدة سمرلند الصغيرة Summerland بالقرب من سانتا بربارة Santa Barbara من ولاية كليفورنية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد جاءت الآبار التي تم حفرها هناك بنتائج طيبة وتبين أن الآبار الأقرب إلى ساحل المحيط أكثر غزارة وتنتج زيتاً أفضل، فأقام هنري وليامس L.H.Williams رصيفاً  بطول 90 متراً داخل البحر ونصب حفارة عليه وتمكن بها من حفر أول الآبار البحرية، ولم يمض وقت طويل حتى غص ذلك الساحل بالأرصفة والمراسي وبلغ أطولها نحو 400م في مياه المحيط (الشكل1). واتسعت منذئذ عمليات استخراج النفط من البحر حتى عمت مناطق كثيرة من العالم، وأكثرها ازدحاماً المناطق الضحلة في خليج المكسيك والخليج العربي. وبعد أن نمت خبرة المنقبين وإمكاناتهم التقنية، أصبح من الممكن إجراء المسح الجيولوجي في البحار المفتوحة، وصار من الممكن إقامة منصات الحفر على أعماق كبيرة مهما بلغ هياج البحر واشتدت تياراته، وراحت شركات النفط العالمية تتنافس على التنقيب عن النفط واستثماره في بحر الشمال والبحر المتوسط وبحر الصين وخليج تايلند والمحيطين الأطلسي والهادئ وفي المناطق القطبية. ولم يعد استخراج النفط من البحريعتمد أسلوب الأرصفة القديمة، فقد أمسى يعتمد على الفولاذ والأبنية الخرسانية والوسائل العائمة ونصف العائمة والغاطسة الثابتة منها والمتنقلة. وبلغ عمق فوهات بعض الآبار نحو 2000 متر تحت سطح الماء وعلى مسافات بعيدة جداً عن الساحل.

تشتمل أعمال الحفر في البحر اليوم على سلسلة تقنيات حديثة تشبه في كثير منها التقنيات البرية المستعملة في التنقيب والحفر والإنتاج والنقل. إلا أن لاستخراج النفط من البحر خصائصه التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبحر نفسه، وهذا مايدعو إلى تطبيق تقنيات إضافية كالرصد الجوي والهندسة البحرية والمسح البحري وتقنيات الاستقبال والربط والرسو والتعويم (الطفو) والثبات والتوازن (الاستقرار والاستواء) وغيرها. ومع أن عمليات الحفر واستثمار النفط والغاز مرحلتان مهمتان وأساسيتان فإن استخراج النفط من البحر يتطلب عمليات إضافية كالتنقيب، أي البحث عن الأماكن التي يحتمل وجود الزيت في تكويناتها الصخرية تحت قعر البحر، ونقل الزيت والغاز المستخرجين من أماكن إنتاجهما إلى المصافي والمعامل ومستودعات التخزين الموجودة غالباً على البر.

الاستكشاف والتنقيب

 

    الشكل (2ـ أ) يتسرب النفط في المصيدة المقببة إلى داخل المسام والطبقة النفوذة وينحصر هناك تحت الطبقة الكتيمة

تصنف آبار النفط والغاز في نوعين أساسيين هما الآبار الاستكشافية exploration wells والآبار المنتجة producing wells فالبئر الاستكشافية تحفر للتحقق من وجود الزيت أو الغاز في الصخور الباطنية والتأكد من جدواه الاقتصادية، وهذا مايدعو إلى تسميتها أحياناً «البئر الجزافية wildcat» أي التي تحفر جزافاً. أما الآبار الاستثمارية أو المنتجة فهي التي تحفر بعد أن تؤكد البئر الاستكشافية وجود النفط في المنطقة. وقد يحفر منها عدة آبار في الموقع نفسه لزيادة فاعلية الإنتاج.

كان المنقبون عن النفط في أيام نشوء هذه الصناعة، يفتشون عن الينابيع الطبيعية ويحفرون آبارهم حولها. وقد علمتهم الممارسة والخبرة تَبيُّن مؤشرات محددة تدل على وجود النفط في مكامنه تحت الأرض. ويظن الكثيرون خطأ أن النفط موجود في بحيرات أو أنهار تحت الأرض. والحقيقة أن النفط والغاز كليهما موجودان في ثقوب دقيقة تدعى المسام pores في بعض الصخور التي قد تبدو صماء. وقد يتصل بعض هذه المسام فيما بينها فيصبح الصخر نفوذا permeable يسمح للزيت بالحركة ويمكن استخراجه منه إذا وجد بكميات كافية في مساحة مقبولة من الصخر تغطي نفقات الحفر والاستكشاف والاستخراج ـ ولاسيما في البحر ـ وهي نفقات باهظة جداً.

 

       الشكل (2ـ ب) تتحرك الطبقة الكتيمة في المصيدة الصدعية عكساً مع الطبقة المسامية النفوذة فيحصر النفظ هناك

 

 الشكل (2 ـ جـ) في المصائد غير المتطابقة تستقر الطبقة النفوذة في ذروة الطبقة الحاوية للهدروكربون

يوجد الزيت والغاز غالباً في صخور رسوبية نفوذة تكونت من مواد سابقة لها. ويعد الصخر الرملي والصخر الكلسي أكثر هذه الصخور أهمية في نظر الجيولوجيين المهتمين بالنفط، كما أن للطين الصفحي، وهو من الصخور الرسوبية الكتيمة، وللصخور الكتيمة الأخرى أهميتها لأنها تمنع نفوذ السوائل الهدروكربونية المحصورة في الصخور حولها، فتؤلف مايعرف بالمصائد أو المحابس traps.

تتألف المصيدة على وجه العموم من طبقات من صخور نفوذة تحوي الهدروكربونات وطبقة صخرية كتيمة تؤلف حاجزاً يمنع السوائل والغازات من الخروج من مسامها في الطبقة النفوذة. وتنتج معظم المصائد عن حوادث جيولوجية تتسبب في تشوه طبقات الصخور كأن تكون طبقات أفقية تطويها حركات الأرض والزلازل فتصبح مقوسة أو مقعرة. والطراز الأساسي من المصائد هو الذي ينشأ عن التواء طيات folding الأرض أو تصدعها faulting (الشكل 2ـ أ، ب، جـ، د ، هـ).

وإن عدم تطابق طبقات الصخر أو تقببها أو حدوث السدادات فيها أو تبدل نفوذيتها داخل التكوين الصخري، أو بعض هذه الأسباب، يؤدي إلى نشوء المصائد. ولما كانت معظم المصائد السطحية التي لها مؤشرات ظاهرة قد نضبت أو في طريقها إلى النضوب، فقد أضحى من العسير التفتيش عن مكامن النفط اعتماداً على المؤشرات الظاهرة، ولاسيما في البحر حيث تغمر المياه العميقة قعره. ولا بد للمنقبين من اعتماد الطرائق العلمية غير المباشرة للكشف عن مكامن النفط ولاسيما في المراحل الأولى من البحث وتعتمد هذه الطرائق أساساً على خصائص معينة. فلكل نوع من الصخر خاصة مغنطيسية وكثافة تميزانه من غيره، وإذا ما استخدمت أدوات وأجهزة حساسة تمكن الباحث من قياس الفروق بين الصخور تحت الأرض، فإنه يستطيع تحديد التكوينات الصخرية التي قد تحتوي على الهدروكربونات. وكلمة «قد» هنا لازمة لأنه ليس من ضمانة لوجود الهدروكربونات في التكوينات الصخرية المعنية ولو توافرت كل الشروط الأخرى.

 

الشكل (2 ـ د) يمكن أن يحصر النفط حول قبة ملحية وفوقها

 والطريقة الوحيدة الممكنة للتحقق من وجود النفط هي حفر بئر في تلك التكوينات. ولكن المشكلة الرئيسة هنا هي اختيار البقعة التي يجب أن يتم الحفر فيها. فالمساحات التي يغطيها البحر شاسعة وعلى الباحث عن النفط أن يقصر همه في بقعة ضيقة. وهذا مايضطره أحياناً إلى القيام بأربع عمليات أساسية: المسح المغنطيسي والمسح الثقلي والمسح الزلزالي ثم حفر بئر استكشافية إذا كانت معطيات المسح إيجابية واعدة. وتتم هذه الخطوات بالتتابع عادة عندما يكون التنقيب عن النفط على سطح اليابسة. أما في البحر فتنفذ معظم الأعمال الاستكشافية من على ظهر مركب مجهز بمعدات متنوعة وتوفر له إمكانية تنفيذ المسح بأنواعه في آن واحد:

المسح المغنطيسي: يستخدم في المسح المغنطيسي جهاز خاص يدعى «مقياس المغنطيسية»  magnetometer تقطره السفينة أو يركب على جناح طائرة استكشاف مهيأة لهذا الغرض فيقيس الجهاز مغنطيسية الصخور تحت القشرة الأرضية ويسجل نتائجها. فإذا كانت الصخور متجانسة دلت مؤشرات الجهاز على وحدة الحقل المغنطيسي، أما إذا أشار الجهاز إلى وجود شذوذ (تباين) في الحقل فسوف يستدل على وجود صخور تحوي فلزات ذات خصائص مغنطيسية وهي إحدى علامات احتمال وجود النفط. فالصخر القاعدي، وهو صخر ناري، يقع في كثير من الحالات تحت طبقات رسوبية، وهو نادراً ما يحوي على مركبات النفط إلا أنه يبقيها فوقه في بعض الحالات، أو أنه يتخلل الصخر الرسوبي في اندفاعاته فيحدث فيه طيات (تحدبات) قد تكون مصائد للنفط أو الغاز، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المسح المغنطيسي غير مضمون النتائج ولاسيما في حال وجود القباب الملحية. ولكنه أثبت فاعليته في المناطق التي يتخللها صخر الغرانيت والصخور النارية المماثلة. وقد تقتصر فائدته على اختصار مساحات الاستكشاف وحصرها في مناطق محددة.

   الشكل (2 ـ هـ) إن تبدل الكتامة والنفوذية في طبقة صخرية قد يحصر النفط فيها

المسح الثقلي: أما المسح الثقلي ويطلق عليه كذلك قياس حقل الجاذبية فيعتمد على جهاز شديد الحساسية يدعى مقياس الجاذبية gravitometer أومقياس الثقالة، يثبت في مركب في وضع مستقر تماماً، لأن قوة الموج قد تتسبب في خطأ الجهاز. وعندما يتحرك المركب فوق الماء يحدد المقياس وزن ثقل موجود في داخله، فإذا مر المركب والمقياس فوق صخور كثيفة يزداد وزن الثقل وبالعكس، لأن كثافة الصخور تحت القشرة الأرضية تغير من قوة الجاذبية التي تؤثر في وزن الثقل داخل المقياس. وعلى هذا النحو يمكن لمجموعة التنقيب عن النفط أن تكوِّن فكرة عن كثافة الصخر تحت القعر وأن تتوقع وجود مصائد هناك. وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن إجراء المسح الثقلي إضافة إلى المسح المغنطيسي أو من دونه.

 

    الشكل (3 ـ أ) ينتج مدفع هوائي خاص صوتاً يرتد عن طبقات الصخور فتلتقطه الكواشف

المسح الزلزالي: وهو الأكثر شيوعاً واستخداماً في التنقيب عن النفط في البر والبحر. وهو يتمم عمليتي المسح السابقتين لأنه يمكِّن من الحصول على تفصيلات كثيرة عن التكوينات الصخرية تحت القعر، ويعد آخر خطوة استكشافية يقوم بها المنقبون قبل الحفر التجريبي.

يعتمد المسح الزلزالي مبدأ انعكاس الموجات الصوتية عن طبقات الصخر السطحية أو تكسّرها أو انحنائها. ولما كانت الصخور تحت القشرة الأرضية على طبقات الواحدة فوق الأخرى فإن إصدار صوت عال منخفض التواتر في داخل الماء من مولد صوت يتسبب في حدوث موجات صوتية تنتشر آلاف الأمتار إلى الأسفل داخل الطبقات الصخرية، وتعكس كل طبقة منها قسماً من هذه الموجات فيلتقطها كاشف حساس على متن المركب. وتصل الموجات المنعكسة عن الطبقات الضحلة إلى الكاشف قبل غيرها المنعكسة عن الطبقات العميقة (الشكل 3ـ أ) وبقياس زمن انعكاس كل منها يحصل المنقبون على صورة ما هو موجود تحت قعر البحر، ويمكنهم رسم مقطع جانبي لطبقات الصخر، استناداً إلى المعطيات التي يقدمها الكاشف، يسمئ «مقطعا زلزالياً» seismic section أو مقطعاً تسجيلياً record section (الشكل 3ـ ب، جـ). ومن دراسة هذا المقطع يستطيع الخبراء في التنقيب تخمين البنية الجيولوجية للمنطقة وتخمين احتمال وجود النفط فيها.

 

الشكل (3 ـ ب (مقطع زلزالي، اختلاف الألوان يدل على احتمال وجود مصائد

يقطر المركب خلفه مولد صوت sound generator تحت مائي على مسافة محددة، كما يقطر كبلاً طوله نحو 3كم (يدعى جدولاً انسيابياً streamer في لغة أهل النفط) تربط به كواشف للصوت تدعى مسماعات مائية (هيدروفونات) على أبعاد متساوية وله قوة طفو سالبة، وتعلق به أثقال تبقيه غائصاً تحت الماء على عمق كاف يجنبه تأثيرات الأمواج السطحية وتأثير الضغط الهدروستاتي.

ومولد الصوت المذكور هو مدفع يطلق هواء مضغوطاً على دفعات متتالية تحدث فرقعة عالية لا تلحق ضرراً بالأحياء البحرية ـ على نقيض المتفجرات التي كانت تستعمل في السابق ـ فتندفع الموجات الصوتية الصادرة عن المدفع نحو قعر البحر وتتوغل في التكوينات الصخرية تحته، ثم تنعكس عنها لتلتقطها المسماعات في الماء. ويختار موقع المدفع لكي لا يكون قريباً من سطح الماء فتضيع طاقته ولا عميقاً فيحدث فقاعة هوائية تُنتج عند صعودها إلى السطح وتفريغها قطاراً (سلسلة) من الموجات يؤثر في عمل الكواشف.

 

       الشكل (3 ـ جـ) تدل البقع المضيئة المبينة باللون الأحمر في هذا المقطع الزلزالي على احتمال تراكم غاز طبيعي في الداخل

تحول المسماعات تحت الماء طاقة الصوت إلى نبضات كهربائية ينقلها الكبل إلى أجهزة التسجيل الزلزالي المثبتة على  متن المركب، وهي أجهزة رقمية يمكنها تسجيل نحو 120 قناة أو أكثر ولها مضخمات ومرشحات ومازج يمسح الشارات الملتقطة بفاصل زمني منتظم (1ـ 4 ميلي ثانية) ويسجلها رقمياً على شريط ممغنط. وترسل الأشرطة إلى المختبر حيث تعالج معطياتها وتفسر بالاستعانة بالحاسوب ويرسم بالاستناد إليها مقطع زلزالي يستطيع الخبراء قراءته وتحديد مكان الحفر الاستكشافي إن دل المقطع على احتمال وجود مصائد النفط.

تحديد الموقع: بعد أن يتم جمع المعطيات اللازمة عن احتمال وجود النفط في منطقة ما، لا بد من توافر معلومات إضافية تحدد بدقة المكان الصحيح للموقع الذي ستجري فيه عمليات الحفر. ومثل هذا العمل على سطح اليابسة لا يتطلب جهداً كبيراً، إذ يستطيع المساح تحديد الموقع بسهولة استناداً إلى نقاط جيوديزية طبيعية وبمساعدة أجهزته الطبوغرافية. أما في البحر فالأمر مختلف تماماً، وثمة طرائق خاصة تتبع في تحديد الموقع يختار أنسبها بحسب الحال والإمكانات المتاحة، ففي بعض الحالات يتم العثور على النقطة المطلوبة وتحديد موقعها الدقيق بطريقة التثليث الراديوي وتتبع هذه الطريقة غالباً في المواقع البحرية القريبة من اليابسة، فتقام محطتان أو ثلاث محطات لاسلكية على اليابسة على مسافات محددة فيما بينها، وتعمل على تردد واحد مع المحطة اللاسلكية الموجودة على السفينة، والوقت الذي تستغرقه الإشارات المتبادلة بفواصل زمنية منتظمة بين المركب والمحطات الأرضية يدل دلالة صحيحة على المسافة التي تفصل المركب عن تلك المحطات، ويمكن بذلك تحديد موقع المركب في كل لحظة بدقة تامة. وعيب هذه الطريقة زيادة احتمال الخطأ كلما توغل المركب في البحر، فإذا تجاوز البعد عن الساحل 200كم أصبح الخطأ كبيراً جداً. وعندئذ تتبع الملاحة الفلكية مع الاستعانة بالسواتل.

ولتحديد عمق المياه في الموقع البحري البعيد يستخدم جهاز دبلر الصوتي Doppler sonar الذي يركب في أسفل السفينة ويولد نبضات فوق الصوتية تتجه إلى قعر البحر وتنعكس عنه فيلتقطها الجهاز ويقيس العمق الذي يفصل المركب عن القعر. ولدى قياس مقدار انزياح الموجات الصوتية المنعكسة عند جؤجؤ (مقدم) المركب وكوثله (مؤخره) يمكن معرفة سرعة حركة السفينة، ويتولى الحاسوب في هذه الحالة حساب السرعة الحقيقية مع مراعاة العوامل المؤثرة في حركة المركب كالميل وسرعة الريح واتجاهها وتأثير الأمواج وحركات المد والجزر وغير ذلك. ويتحدد موقع السفينة في كل لحظة على أساس سرعة المركب والمسافة التي قطعها واتجاه حركته. وفي حالات أخرى يمكن الإفادة من السواتل الفضائية في تعيين مكان المركب أو موقع الحفر، ولاسيما في المناطق البحرية النائية التي لا تغطيها شبكة التثليث الراديوي، فيمكن للمركب أن يستفيد من معطيات السواتل المختلفة الموجودة في الفضاء على ارتفاعات متباينة (مثل منظومة السواتل البحرية الأمريكية) لتحديد موقعه في البحر بدقة كبيرة استناداً إلى ثوابت دوران الساتل الذي يبث إشاراته دورياً، ويتولى جهاز الاستقبال على المركب تحليل رموز هذه الإشارات عندما يمر الساتل في مجال استقباله، ويحدد موضع الساتل في تلك اللحظة، وتدخل هذه المعطيات في الحاسوب الذي يقوم بحساب انزياح دبلر وموقع الساتل الفعلي نتيجة حركته وحركة المركب وسرعته واتجاهه ويوازن بين هذه المعطيات جميعها ليحدد موقع المركب في كل لحظة وبدقة كبيرة. وتسجل هذه المعطيات دورياً ثم ترسل إلى مركز المعالجة الرئيسي على اليابسة لرسم مسار المركب وتحديد موقعه وموقع النقاط التي تم مسحها من قعر البحر. وتجهز غرفة الملاحة في المركب عادة بوحدة تلفزة تبين مساره وموقعه.

معدات الحفر في البحر

عندما يقرر المنقبون حفر بئر استكشافية (تجريبية) للتحقق من وجود مركبات هدروكربونية (نفط أو غاز) في موقع بحري في ضوء معطيات المسح السابقة يجب اختيار مكان البئر بالضبط واختيار الحفارة المناسبة لأعمال الحفر، ويختار مكان البئر عادة في أعلى نقطة من منطقة الحفر المقترحة، أما الحفارة فيجب أن تكون وحدة حفر بحرية متنقلة mobile offshore drillng unit ليمكن نقلها إلى موقع آخر بعد انتهاء الحفر في الموقع الأول: وثمة طرازان  أساسيان من وحدات الحفر البحرية المتنقلة: أولهما وحدات الحفر التي ترتكز إلى قعر البحر bottom supported mobile units وتضم نوعين رئيسين هما الوحدات الغاطسة (المغمورة بالماء) submersible والوحدات ذات المرفاع jackups، ويختص هذا الطراز من وحدات الحفر باستناد جزء من بنيانه إلى قعر البحر، أما باقي الأجزاء فتبقى بارزة فوق سطح الماء على دعامات، ولكن الوحدة كلها قابلة للتحرك (قطراً بالمراكب) لدى تعويمها.

 

         الشكل (4 ـ أ) وحدة حفر طوفية مستقرة على القعر للحفر في المياه القليلة العمق

ومن الوحدات الغاطسة الحفارات الطوفية المستقرة على القعر post barge submersibles والحفارة ذات القوارير bottle types والحفارة القطبية arctics أما الوحدات ذات المرفاع فتميز من الغاطسة بتصميم دعاماتها (سوقها الحاملة) وطريقة تركيب الحفارة على جسم العوامة فيها.

أما الطراز الثاني من وحدات الحفر المتنقلة فيدعى وحدات الحفر العائمة floating units وهي لا ترتكز إلى القعر وليس لها دعامات تستند إليها ولو كانت تقوم بالحفر، ومن أنواعها الحفارات الطوفية في المياه الداخلية inland barge units وسفن الحفر drill ships والمواعين الشبيهة بالسفن ship shaped barges والوحدات نصف الغاطسة semisubmersibles.

وتعد الوحدات ذات المرفاع أكثر هذه الحفارات شيوعاً وتشغل المكانة الأولى من اهتمام المنقبين عن النفط ويوجد منها نحو 500 وحدة حفر في مختلف أنحاء العالم، وتأتي في المرتبة الثانية بعدها الوحدات نصف المغمورة (نحو 175 وحدة) ثم سفن الحفر وبقية الوحدات العائمة، وتقع الحفارات الغاطسة في آخر القائمة.

وحدات الحفر المتنقلة التي ترتكز إلى القعر: وهي على عدة أنواع.

 

     الشكل (4 ـ ب) وحدة حفر طوفية مستقرة على القعر تقوم بالحفر في خليج المكسيك

 

الحفارات الطوفية المستقرة على القعر: كانت أولى وحدات الحفر في البحر بعيداً عن الساحل من النوع الغاطس ذي العوامة. وقد تم بناؤها عام 1948 في الولايات المتحدة وحفرت أول بئر لها عند مصب نهر المسيسيبي سنة 1949 على عمق 5،5م تحت سطح الماء، وكانت تتألف من عوامة على شكل  صندوق فولاذي متوازي المستطيلات مسطح القعر والجوانب تبرز منه دعامات (سيقان) تحمل سطحاً آخر ركبت عليه معدات الحفر، وربط على جانبي الصندوق طَوْفان يوفران له التوازن. يقطر العوامة مركب إلى موقع الحفر ثم يملأ جسمها والطوفان بالماء، فتبدأ بالرسو تدريجياً حتى يستقر الصندوق على القعر ويبقى سطح الحفر فوق مستوى الماء (الشكل4 ـ أ،ب) وليس للأمواج السطحية تأثير في هذه الوحدة لثباتها، ولها قيمة كبيرة عند الحفر في المياه غير العميقة التي لا يزيد عمقها على 9 ـ 11م، وتشاهد غالباً في الخلجان الصغيرة قريباً من الشاطئ.

الحفارات الغاطسة ذات القوارير: ابتكر هذا النوع من وحدات الحفر سنة 1954 للعمل في مياه أكثر عمقاً من إمكانات الحفارات الطوفية المستقرة على القعر، فاستعيض عن جسم العوامة والطوفين باسطوانات فولاذية متعددة بعضها قائم وبعضها الآخر أفقي وتتصل فيما بينها لتؤلف معاً ما يشبه مكعباً مفتوحاً. وفي كل زاوية من زوايا هذا المكعب أسطوانة كبيرة جداً تدعى قارورة لشبهها بالقوارير الزجاجية. وتعلو المكعب منصة مع تجهيزات الحفر، فإذا ملئت القوارير بالماء تغطس الكتلة إلى القعر وتبقى المنصة فوق السطح، وعند تفريغ الماء من القوارير تطفو الوحدة كلها، ويمكن لوحدات الحفر هذه أن تعمل على عمق يراوح بين 20 و30 متراً أو أكثر (الشكل 5).

 

      الشكل (5) مخطط القسم السفلي من وحدة غاطسة ذات قوارير، عند ملء القوارير بالماء تغطس وحدة الحفر حتى تستقر قاعدتها على قعر البحر

الحفارات الغاطسة القطبية: هي حفارات مخصصة للعمل في المناطق القطبية من الكرة الأرضية حيث تتجمد المياه إلا مدة قصيرة في فصل الصيف، ويجب وصول الحفارة إلى موقع الحفر في هذه المدة، وأن تقاوم الحفارة قوى الضغط الهائلة التي يسببها الجليد الذي يحيط بها معظم أيام السنة. والوحدات من هذا الطراز ذات تصميم خاص فريد من نوعه لكي تكون جميع المعدات تحت خط الماء محمية بفولاذ قاس أو جدران خرسانية مقاومة تقيها التلف عند تحرك الجليد. أما منصة الحفر فمحدبة الزوايا تسمح بحرية الحركة للجليد الطافي حولها، ومعظمها من النوع المخروطي أو المستدير تماماً.

وحدات الحفر ذات المرفاع: أقيمت أول حفارة ذات مرفاع سنة 1954 ولم تلبث أن أصبحت الحفارة الأكثر شيوعاً في العالم، لأنها تستطيع العمل في أعماق كبيرة نسبياً (حتى 107م) وتوفر استقراراً تاماً لعمليات الحفر لأن جزءاً من بنيانها يرتكز على القعر مع إمكانية تحريكها بسهولة من موقع إلى آخر. ولها نوعان رئيسان أولهما مجهز بسوق على هيئة أنابيب فولاذية ضخمة، وثانيهما مجهز بسوق مفرغة مصنوعة من أنابيب فولاذية متقاطعة قريبة الشبه بالأعمدة البرجية لخطوط التوتر العالي (الشكل 6ـ أ، ب). والنوع الأول أقل تكلفة عند الصنع إلا أنه لا يتحمل الإجهادات العنيفة مثل النوع الثاني، ولا يمكن استعماله على أعماق تزيد على 75م. وكلا النوعين يرتكزان إلى القعر ولكل منهما ثلاث سوق أو أربع تبرز عن سطح الماء، وتخترق منصة طوفية عليها معدات الحفر ولوازمه. ويمكن رفع السوق من المنصة فتطفو المنصة على سطح الماء، وعندها يمكن تحريك الوحدة إلى موقع جديد تحريكاً ذاتياً بقوة دفع محركاتها أو قطراً بوساطة مركب آخر، وقد تستخدم لنقلها سفينة كبيرة ذات سطح مستو تحملها إلى الموقع الجديد إذا كان بعيداً. فإذا بلغت وحدة الحفر مكانها المطلوب تنزل سوقها لترتكز على القعر فترتفع المنصة عن سطح الماء، ولا تتأثر بحركة الموج.

 

            الشكل (6 ـ أ) وحدة حفر ذات مرفاع سوقها أنابيب فولاذية

يستعمل لرفع السوق وإنزالها من خلال فتحاتها في المنصة مرفاع ذو دواليب مسننة rack and pinion وهو جهاز خاص يتألف من جذع مسنن مستقيم مثبت على كل ساق ودولابين مسننين يتشابكان مع أسنان الجذع مثبتين على جسم المنصة ويديرهما محركان كهربائيان أو هدروليكيان. وتنتهي كل ساق بغوارز أسطوانية أو قاعدة حصيرية متنوعة الأشكال، ولاسيما إذا كان قعر البحر رخواً موحلاً، توزع ثقل الوحدة بالتساوي وتحول دون انغرازها في تربة القعر (الشكل 7ـ أ،ب ، جـ).

تركب آلة الحفر بارزة عن المنصة على ذراعين فولاذيتين متينتين، وتسمى الحفارة عندئذ حفارة ذات مرفاع كابولي cantilever jackup، أو تركب فوق تجويف (ثقب slot) يسمى ثقب المفتاح keyway بالقرب من حافة المنصة (الشكل 8) وهي أقل استعمالاً من الأولى لأنها تحد من حرية حركة معدات الحفر.

وحدات الحفر العائمة: تضم أسرة وحدات الحفر العائمة الحفارات الطوفية في المياه الداخلية وسفن الحفر والمواعين (الصنادل) الشبيهة بالسفن.

 

 

      الشكل (6 ـ ب) وحدة حفر ذات مرفاع سوقها مفرغة برجية

الحفارات الطوفية: وتستعمل في المياه الداخلية لحفر آبار النفط في المياه الضحلة في الخلجان الصغيرة والبحيرات والمستنقعات داخل البر، ومن هنا جاءت تسميتها، وقد يكون لبعضها دعامات ترتكز إلى قعر الحوض المائي أو يملأ جسم الطوف فيرسو على القعر كما هو شأن الحفارات الطوفية المستقرة على القعر.

سفن  الحفر والمواعين الشبيهة بها: وهذان النوعان من الحفارات متماثلان تقريباً (الشكل 9) والفارق الرئيس بينهما أن السفينة تبحر ذاتياً بقوة محركاتها، أما الماعون فيقطر قطراً. وتشبه سفينة الحفر سفينة الشحن التقليدية وتميز منها ببرج الحفر derrick المرتفع فوق سطحها، ويكون موقعه منتصف السفينة أو الماعون لضرورات التوازن والملاحة، وتحته حوض مفتوح moon pool نافذ حتى الماء، تمر من خلاله أجهزة الحفر، ولمعظم السفن والمواعين مهبط للحوامات يكون في مؤخرتها غالباً. تطورت سفن الحفر والمواعين الشبيهة بها عن وحدات الحفر الطوفية المستقرة على القعر في أربعينيات القرن العشرين عندما واجه المنقبون عن النفط  عند سواحل كليفورنية صعوبات بالغة في استعمال تلك الوحدات في المياه العميقة بالقرب من «الحيد القاري» وأول مركب استخدم لهذا الغرض كان سفينة دورية قديمة من سفن البحرية الأمريكية ركب لها بريج حفر صغير على منصة ذات مرفاع كابولي بارز عن يسار السفينة، وكان نجاح هذه السفينة في تحقيق المطلوب منها ـ أي حفر بئر نفط ـ سبباً مباشراً في تطوير هذه السفن، ومن ثم بناء سفينة خاصة لهذه الغاية. وتستعمل سفن الحفر والمواعين المماثلة لها للحفر في المياه العميقة جداً وبعيداً عن الساحل، وعيبها الرئيسي ضعفها أمام حركة الموج، فهي لا تصلح للعمل في البحار الهائجة مثل بحر الشمال الذي تعد مياهه هادئة نسبياً إذا كان ارتفاع الموج نحو ستة أمتار.

 

 

 

الشكل (7 ـ أ) مخطط المرفاع ذي الدواليب المسننة ولكل ساق من وحدة الحفر مرفاع خاص

الشكل (7 ـ ب) وحدة حفر ذات مرفاع مزدوجة بقاعدة حصيرية كي تستقر على القعر

الشكل (7 ـ جـ) وحدة حفر ذات مرفاع تنتهي كل ساق من سوقها بغارز يغرز في قعر البحر مسافة قصيرة فيحافظ على استقرارها

 

 

      الشكل (8) برج الحفر مركب في وحدة الحفر هذه فوق ثقب المفتاح بالقرب من حافة المنصة

والمشكلة الرئيسة في عمل سفن الحفر محافظتها على موقعها المحدد بالضبط في أثناء الحفر. وقد حلت هذه المشكلة بإحدى طريقتين. تعتمد الطريقة الأولى على استعمال عدد كبير من المراسي تربطها بقعر البحر من كل الجهات. أما الطريقة الثانية فتقنية متطورة تعتمد على استخدام «دواسر» thruster أو مراوح دفع (محارات) propellers عند جؤجؤ السفينة وكوثلها وعلى الجانبين يتحكم فيها حاسوب يحدد الموقع بوساطة مجسات مربوطة بنقطة الحفر في قعر البحر، ويطلق على هذه المجموعة اسم المنظومة الدينامية للمحافظة على الموقع dynamic positioning system، ويكون استخدامها في المواقع العميقة جداً حيث لا يمكن استعمال المراسي (الشكل 10ـ أ،ب).

 

 

الشكل (9) وحدة حفر عائمة من نوع الماعون الشبيه بالسفينة

ومن ناحية أخرى تتبع في ربط المراسي نماذج مختلفة تحدد طريقة توزعها حول المركب ونوعية مرابطها وحبالها. ويكون عددها في الحالات الاعتيادية ثماني مراس أو عشراً موزعة بالتساوي على محيط السفينة، وسواء استعملت منظومة المراسي أو منظومة المحافظة على الموقع دينامياً أم كلاهما معاً فإن الدقة مطلوبة في إبقاء المركب فوق فتحة البئر المزمع حفرها. فالبئر مجرد ثقب صغير نسبياً موجود على مئات الأمتار أو آلافها أحياناً تحت سطح الماء، فقد يبلغ عمق الحفر آلاف الأمتار. وتصل بين المركب وفوهة البئر معدات أنبوبية، مرنة ومصممة لكي تسمح بحركة المركب ارتفاعاً وانخفاضاً ويمنة ويسرة وأماماً وخلفاً بفعل الموج والريح وتيارات المياه، وفي حدود ضيقة جداً.

وحدات الحفر نصف الغاطسة: إن الأصل في استعمال وحدات الحفر العائمة كونها متوائمة  مع حركة الموج، ولكنها شديدة الضعف في البحار الهائجة، وقد وجد مهندسو البحرية حلاً لهذه المشكلة بتصميم وحدات حفر نصف غاطسة تستطيع الصمود لمياه البحار الهائجة، وهي طرازان: وحدات الحفر نصف الغاطسة من نمط القارورة bottl type semisubmersibles والوحدات نصف الغاطسة ذات عمود التوازن column stabilized semisubmersibles ويمتلك الطراز الأول إمكانات كبيرة قابلة للتطوير، ومن ميزاته إمكان ملء خزانات الغوص الشبيهة بالقوارير بالماء لكي تغوص الوحدة حتى تستقر على القعر. أما إذا ملئ  حيز منها فتغوص الوحدة قليلاً وتبقى  معلقة بين قعر البحر وسطح الماء، فإذا ربطت بمراس في موقعها هذا تصبح أقل حساسية حيال حركة الموج منها على السطح، ويتوافر لها نصيب كبير من الاستقرار الضروري للعمل مهما كان البحر مائجاً. كذلك فإن الحفارات من نمط القارورة تميز من غيرها بإمكانية تصميمها وفق متطلبات الوسط الذي تعمل فيه، وهذا ما يفسر تنوع أشكالها. (الشكل 11ـ أ).

 

 

الشكل (10 ـ أ) المنظومة الدينامية للمحافظة على الموقع

الشكل (10 ـ ب) نماذج ربط مركب الحفر بالمراسي فوق الموقع

أما الطراز الثاني، أي الوحدات نصف الغاطسة ذات عمود التوازن، فتتألف من هيكلين طوليين انسيابيين في الأسفل وعدد من الأسطوانات أو العُمُد تحمل المنصة الرئيسة وتثبت على الهيكلين المذكورين، وثمة دعامات صغيرة متقاطعة تربط بين العمد الكبيرة والمنصة وتزيد في متانتها. وحين يملأ الهيكلان بالماء يتحولان إلى ثقلين متوازيين يتسببان في غوص وحدة الحفر جزئياً (الشكل 11 ـ ب) وتستعمل المراسي عند الضرورة لربط الوحدة في موقعها، كما أن بعض وحدات الحفر من هذا الطراز مزود بأجهزة استقرار دينامية، وعندما يراد تحريك الوحدة من مكان إلى آخر يضخ الماء من الهيكلين فتطفو الوحدة على السطح وتقطر إلى موقعها الجديد، وبعض هذه الوحدات ذاتي الحركة مزود بمحركات خاصة.

 

 

الشكل (11 ـ أ) وحدة حفر حديثة نصف غاطسة من نمط القارورة في المحيط الأطلسي عند ساحل كندا

          الشكل (11 ـ ب) وحدة حفر نصف غاطسة ذات عمود موازن في وضعية الحفر

 

أجزاء وحدة الحفر وعملها: يمكن تشبيه وحدة الحفر في البحر بمصنع متنقل متكامل الأجزاء أساس عمله إحداث ثقب في الأرض إلى عمق محدد وبأفضل الشروط الممكنة، أما أهم أجزائه فستة.

 

الشكل (12) رأس الحفر

المثقب أو «رأس الحفر» drill bit: وهو جهاز ثقب مزود بمدارج دوارة ذات مطارق وأسنان شديدة المقاومة (الشكل12) يضغط على الصخر بشدة وهو يدور فتفتت أسنانه الصخر وتطحنه، ويمر من خلال مدارجه المسننة سائل خاص يدعى «سائل الحفر» drilling fluid أو «الوحل» mud يتم حقنه بمضخات فيندفع من فوهات خاصة في رأس  الحفر على شكل تيار نفاث يدفع النحاتة بعيداً عن الرأس وعن الصخر الذي  يلامسه كي لا تعيق النحاتة عمل رأس الحفر، ثم يخرج الوحل مع النحاتة إلى السطح. ويتألف السائل في الغالب، من ماء وطَفَال خاص وبعض الفلزات والمواد الكيمياوية ويخضع قوامه وتركيبه لعناية خاصة تتناسب مع العمل المطلوب.

منظومة الجريان circulating system: وهي مخصصة لحقن وحل الحفر في ثقب البئر عن طريق أنبوب الحفر drill pipe وأطواق الحفر drill collars، ثم إخراج الوحل مع النحاتة إلى السطح من فوهة فيها أنبوب يدعى أنبوب عودة الوحل mud return line، فيصب في شبكة تصفية رجاجة أو منخل رجاج shale shaker يفصل النحاتة عن الوحل ويرسله إلى خزانات أو أحواض على المنصة ليعاد ضخه في البئر من جديد. وتستمر هذه العملية بلا انقطاع مادام الرأس دائراً ويقوم بالحفر (الشكل 13).

 

الشكل (13) مخطط الجريان ووحل الحفر

مضخات الوحل mud pumps: وهي مضخات مصممة للأعمال الثقيلة وأساس منظومة الجريان، فتمتص الوحل من خزاناته وتحقنه في أنبوب الحفر وأطواق الحفر ليخرج مندفعاً مع النحاتة في الفراغ بين جدار أنبوب الحفر الزجاجي وجدار ثقب البئر، ويدعى «الفراغ المحلّق» annulus.

منظومة التدوير rotating system: وهي مجموعة المعدات التي تدير رأس الحفر، وتعد «المنضدة الرحوية» rotary table الجزء الأساسي فيها (الشكل 14) ويكون موقعها عادة في منتصف أرضية الحفر على سطح المركب أو قريباً من منتصفها وفوق مستوى الماء بطبيعة الحال، ومهمة المنضدة الدوارة تدوير رأس الحفر الموجود في قعر البئر بوساطة «عمود مضلع» kelly طويل ملولب النهاية مربوط مع أنبوب الحفر، وينزلق في جذع دوار مضلع من الداخل  مثبت في المنضدة الرحوية وتتطابق سطوحه الداخلية مع سطوح العمود المضلع، فإذا دارت المنضدة الرحوية يدور الجذع معها. فيجبر العمود المضلع على الدوران وتدور معه مجموعة أنابيب الحفر وأطواق الحفر ورأس الحفر على استقامة واحدة. ولما كان العمود المضلع قابلاً للانزلاق في الجذع فإن المجموعة المرتبطة برأس الحفر تهبط تدريجياً كلما توغل الرأس في البئر، وعندما يبلغ العمود المضلع منتهاه يضاف إلى المجموعة وصلة جديدة من أنابيب الحفر وهكذا.

       الشكل (15 ـ أ) أطواق الحفر وهي أنابيب ثقيلة تضغط على رأس الحفر

مجموعة أطواق الحفر وأنابيب الحفر: وتعرف باسم «ساق الحفر» drill stem. وهي التي تصل بين رأس الحفر والعمود المضلع. فلكي يقوم رأس الحفر بعمله وتتمكن أسنانه من الصخر فتنحته لا بد من وجود ثقل فوقه يضغطه بقدر معين، وتوفر هذا الثقل أنابيب سميكة الجدران ثقيلة الوزن تدعى الأطواق (الشكل 15ـ أ) طول الواحد منها تسعة أمتار، ملولبة النهايات، يُجمع أحدها بالآخر لتؤلف عموداً طويلاً drill collar string، وعدد الأطواق في العمود الواحد مرهون بالثقل المطلوب على رأس الحفر الذي يركب لولبياً في نهاية الطوق الأول. ويلي عمود الأطواق هذا أنبوب الحفر (الشكل 15 ـ ب) ويتألف من وصلات ملولبة، طول كل وصلة منها تسعة أمتار أيضاً. وتجهز كل ثلاث وصلات معاً في بادئ الأمر وتترك على هذا النحو جاهزة للاستعمال، ويتم فعل ذلك بأطواق الحفر توفيراً للوقت. وأنبوب الحفر ليس ثقيلاً كالأطواق وليست الغاية منه زيادة الثقل على رأس الحفر. ولكنه مهيأ لمرور سائل الحفر (الوحل) ونقل الحركة الدورانية إلى الأطواق فرأس الحفر. ولهذا تجب المحافظة على الأنبوب معلقاً فوق الأطواق من غير ضغط وهذا ماتوفره منظومة الروافع في برج الحفر، التي تتألف من جذع مدير يركب لولبياً في ذروة العمود المضلع (الشكل 16) ويعلق بخطاف بكرةِ رفعٍ رحّالة travelling block تُرفع وتُخفض بوساطة كبل فولاذي خاص يدخل في حزوزها وحزوز البكرة العليا المثبتة في أعلى صاري (برج) الحفر الذي يمنح وحدة الحفر شكلها المعروف، ولا يقل ارتفاعه عن 60 متراً.

 

الشكل (15 ـ ب) أنابيب الحفر جاهزة للاستعمال

المحركات: تزود وحدة الحفر بمحركات ديزل ضخمة لتوليد الطاقة الكهربائية لا يقل عددها عادة عن ثلاثة في الوحدة الواحدة، وهي تُغذي بالكهرباء المكنات والمحركات الكهربائية الضرورية لتدوير معدات الحفر ولتشغيل المحطات والرافعات وكل القطع المتحركة.

الحفر الاستكشافي

إن أول مايجب على المنقب عن النفط في البحر عمله هو اختيار الحفارة المناسبة من الأنواع السابقة الذكر على أساس عمق الماء والحمولة والطقس وغير ذلك. ولعمق المياه والطقس أهمية كبيرة في هذا الاختيار، فإن زاد العمق على تسعين متراً وجب أن تكون الحفارة من النوع العائم، وإذا كان الطقس السائد قاسياً قد يكون من الأفضل اختيار حفارة نصف غاطسة، أما إذا كان الطقس حسناً في معظم الأوقات والموقع بعيداً عن الشاطئ فقد يحسن اختيار مركب حفر، مع العلم بأن مركب الحفر قادر على تحمل أوزان أكبر من الحفارة النصف الغاطسة وحمل معدات أكثر ولا يحتاج إلى خدمات تموين متكررة، ويمكنه بالتالي العمل في أعالي البحار مستقلاً.

الحفر بوحدات ترتكز إلى القعر: بعد قطر وحدة الحفر إلى المكان المختار أو انتقالها إلى هناك بمحركاتها الخاصة يجري تثبيتها فوق نقطة الحفر بملء جسم وحدة الحفر أو القوارير بالماء، أو بإنزال سيقانها حتى ترتكز إلى القعر تماماً، ومن ثم تنزل ساق الحفر مع رأس الحفر في النقطة المحددة تماماً ويبدأ الحفر. والجدير بالذكر أن الحفر إلى العمق المطلوب يتم على خطوات تصاحبها عمليات معينة. فعندما يحفر الرأس الدوار فتحة إلى عمق محدد ترفع ساق الحفر مع الرأس ويدلج أنبوب فولاذي (قميص) كبير القطر في الفتحة يدعى أنبوب «التكسية» (التغليف) casing pipe. ويجري تثبيت أنبوب التكسية بجدران الثقب بوساطة الإسمنت في معظم الأحيان. وبعد الانتهاء من التكسية يتابع الحفر إلى عمق تال ثم ينزل أنبوب تكسية جديد ويثبت، وهكذا حتى يبلغ الحفر العمق المطلوب.

 

الشكل (16) برج الحفر والتجهيزات الخاصة بالرفع

والتكسية ضرورية لكل الآبار سواء في البر أو في البحر، والغاية منها تسوية جدران البئر والمحافظة على استقامتها في تكوينات الصخر المختلفة، ومنعها من الانهيار أو الغور ومنع السوائل والغازات المحبوسة في الصخر من الانطلاق. كما توفر أنابيب التكسية صلة وصل بين قعر البحر ووحدة الحفر فوق سطح الماء. وتصنع أنابيب التكسية، مثلها مثل أنابيب الحفر وأطواق الحفر، بطول 9ـ 12م لكي يمكن وصل أحدها بالآخر لولبياً أو يلحم بعضها ببعض عند إنزالها في الثقب لتؤلف فيما بعد عموداً كاملاً.

يتم إنزال أنابيب التكسية في الحفرة من وحدة ترتكز إلى قعر البحر بطريقتين يتوقف اختيار أي منهما على تركيب قعر البحر. فإن كان القعر رخواً لا يحتاج إلى رأس حفر دوار تنزل الأنابيب إما بنفث تيار قوي من ماء البحر بوساطة مضخات إزاحة وحفر هدروليكي أو تدق دقاً. ويكون قطر أنابيب التكسية في هذه الحالة كبيراً (66ـ 76سم)، وتدعى أنابيب التكسية الموصلة، وسبب تسميتها هذه أنها ستكوِّن القسم العلوي من البئر وسوف يتحرك وحل الحفر في داخلها صاعداً إلى السطح. ويتم نفث الماء لإنزال الأنابيب بوساطة مضخات قوية تضخ الماء داخلها وهي في طريقها إلى قعر البحر، ويتسبب ضغط الماء الشديد في اقتلاع المواد الرخوة من طمي ورمل وغيرها من أرض البحر محدثاً حفرة في مكان نزول الأنبوب. أما الأنابيب التي تدق دقاً فتغرس  في موضعها بوساطة مدق قوي من فوق منصة الحفر ولا يزيد طول خط الأنابيب الذي يغرس على هذا النحو على بضع مئات من الأمتار في الأرض الرخوة. ويكون ثباته مضموناً، أما إذا كانت أرض قعر البحر صلبة كالطمي القاسي أو المرجان فلا بد من حفر الثقب أولاً ثم إنزال أنابيب التكسية وتثبيتها بالإسمنت. وفي هذه الحالة ينزل رأس حفر كبير القطر ضمن أنبوب الحفر حتى يلامس أرض القعر، ثم يشرع بالحفر مع ضخ سائل الحفر لطرد النواتج، وعند بلوغ العمق المحدد يرفع الرأس وعمود الحفر من الثقب ويغرس فيه أنبوب تكسية ويثبت بالإسمنت. وفي جميع الحالات يجب أن تكون فتحة أنبوب التكسية العليا غير مغمورة بالماء. أي تبرز فوق سطح الماء أسفل منصة الحفر مباشرة (الشكل 17ـ أ).

 

 

الشكل (17 ـ أ) خط تكسية موصل حتى القسم العلوي من الحفرة

الشكل (17 ـ ب) أنابيب تكسية متناقصة الأقطار تكسو البئر حتى حوض النفط

 

الشكل (18) مجموعة موانع انفجار عند قعر البحر تركب فوق القاعدة الدائمة

وبعد الانتهاء من التكسية إلى عمق معين ينزل رأس حفر أصغر قليلاً من قطر أنبوب التكسية، ويتم إخراج كل الوحل والتراب من داخل الأنبوب ثم يتابع الحفر إلى عمق آخر محدد قد يبلغ بضع مئات أخرى من الأمتار، ثم توضع تكسية جديدة بقطر أصغر، وهكذا حتى العمق الذي يتوقع المنقبون وجود النفط أو مركباته عنده والذي قد يبلغ آلاف الأمتار (الشكل 17 ـ ب). وعلى هذا تكون أقطار أنابيب التكسية في تناقص متتال كلما أمعنت في العمق، فإذا كان قطر الأنابيب الأولى 76سم، فقد لايجاوز قطر آخر الأنابيب 15سم.

 

     الشكل (19) القوى الست المؤثرة في وضع المركب عند الحفر

يعار سائل الحفر اهتماماً خاصاً في أثناء الحفر والتكسية، ويتم اختيار تركيبه بكل عناية، يعدل قوامه ويعير ضغطه في كل مرحلة من مراحل الحفر طبقاً لطبيعة التكوينات الصخرية في حفرة البئر ونواتجها. فقد تحتوي التكوينات الصخرية على غازات أو سوائل تحت ضغط كبير، ولا يمكن حفر هذه التكوينات إلا إذا كان ضغط سائل الحفر وكثافته أكبر من ضغط الغازات والسوائل الموجودة في تلك التكوينات ليمنعها من الخروج، أما إذا حدث العكس فإن الغازات والسوائل الموجودة في التكوينات تتمدد وتدخل الحفرة، وقد تحدث انفجاراً هائلاً يلحق أضراراً كبيرة بوحدة الحفر إن لم يدمرها تماماً. وسائل الحفر الذي يصلح للأعماق الكبيرة قد يكون صالحاً للأعماق القليلة نسبياً، كما أن زيادة ضغط السائل في الحفرة قد تتسبب في ضياعه وتسربه في شقوق الطبقات الصخرية إذا كانت من النوع الهش المتفتت.

ولأنبوب التكسية وظيفة أخرى غير المحافظة على استقامة البئر وعزل التكوينات الصخرية. فهو مربط إحدى المعدات المهمة في عمليات الحفر التي تدعى «مجموعة موانع الانفجار» blowout preventer stack Bop وهي ضرورية لدرء حدوث الدفق المفاجئ والانفجار في كل الحالات، ولاسيما عند الحفر في عرض البحر. ومع أن طين الحفر يكون ثقيلاً وكثيفاً لكي يولد ضغطاً كافياً يحول دون انصباب السوائل من التكوينات الصخرية في الحفرة، فقد يحدث ضغط مفاجئ معاكس يؤدي إلى تسرب غازات أو مياه أو نفط إلى الحفرة ويتسبب في إتلافها، كما قد يتسبب في تخريب معدات الحفر وإلحاق الأذى بالعاملين عليها. ولحسن الحظ فإن لهذه الظاهرة علامات واضحة تنذر بالخطر. فإن تبين طاقم الحفر قرب حدوث الخطر يمكن اتخاذ الإجراءات المناسبة للحيلولة دون انفجار البئر أو حدوث دفق مفاجئ فيها. ومن هذه الإجراءات إغلاق صمامات سريعة في «مجموعة موانع الانفجار» المذكورة. وتركب هذه المجموعة في وحدات الحفر التي ترتكز إلى القعر على ذروة أنبوب التكسية تحت أرضية منصة الحفر (الشكل 18). وبعد إغلاق الصمامات تتم إزالة السوائل المتسربة إلى البئر وتزاد كثافة طين الحفر لمنع تسربها من جديد، ثم يتابع الحفر.

 

     الشكل (20) أنبوب التصريف الصاعد ووصلاته المرنة والمنزلقة

الحفر من وحدات عائمة: إن الحفر من الوحدات العائمة يماثل الحفر من وحدات ترتكز إلى القعر فيما عدا اختلافات بسيطة، فالوحدات العائمة معرضة لتأثير الرياح وللتيارات البحرية فهي تعلو وتهبط heave وتترجح pitch وتتمايل حول محورها roll وتنعرج يمنة ويسرة yaw وتمور أماماً وخلفاً surge وتترنح على الجانبين sway (الشكل 19) وكل هذه الحركات يجب إخمادها والتخفيف من آثارها حتى لا تتأثر عملية الحفر ولاسيما في العلو والهبوط اللذين يؤثران في ضغط رأس الحفر. كذلك فإن مجموعة موانع الانفجار عند الحفر من الوحدات العائمة تركب على فتحة أنبوب التكسية عند قعر البحر على عكس وحدات الحفر المرتكزة إلى القعر. لأن الوحدات العائمة تحفر على أعماق كبيرة ولا يمكن بالتالي تركيب موانع الانفجار في ذروة أنبوب التكسية تحت المنصة لطول المسافة وعدم إمكانية توفير الدعم اللازم للأنبوب لمنع انهياره. وقد طورت مجموعة خاصة من موانع الانفجار لمثل هذه الحالات، تضم أنبوب تصريف بحري صاعد marinriser وهو صلة الوصل بين مجموعة الانفجار عند القعر وسفينة الحفر. ويتألف هذا الأنبوب من أجزاء عدة تتكون من وصلة قوسية مرنة (كروية) قابلة للانحناء والاستطالة ووصلة منزلقة قابلة للإطالة والتقصير (الشكل 20) لكي تتجاوب مع حركات السفينة.

وبعد أن يتخذ مركب الحفر العائم مركزه فوق موقع الحفر ويرسو باستخدام المراسي أو بوساطة المنظومة الديناميكية للمحافظة على الموقع الصحيح يجري تركيب هيكل فولاذي ثقيل في النهاية السفلية لأنبوب الحفر يستخدم قاعدة توجيه مؤقتة temporary guide base وهو هيكل دائري من الفولاذ له غوارز منشارية وتتوسطه فتحة نافذة يمر فيها أنبوب الحفر ويربط في زوايا الهيكل الأربعة الخارجية أربعة كبلات تدعى خطوط التوجيه تصل بينه وبين وحدة الحفر (الشكل 21ـ أ) وعندما يستقر أنبوب الحفر مع قاعدة التوجيه المؤقتة على القعر تنغرز غوارزها في أرض القعر فتثبت، ثم يرفع أنبوب الحفر إلى أعلى فلا يبقى من رابط بينهما وبين وحدة الحفر سوى الكبلات الأربعة. وهنا تبدأ الخطوة الأولى من عمليات الحفر بحفر ثقب لخط التكسية الأول الذي يدعى في هذه الحالة عمود الأساس foundation pile وهو نفسه أنبوب التكسية الموصل في الحالة السابقة. ولأن قطر عمود التكسية الأساس هذا يساوي 76 أو 91سم فإن رأس الحفر الذي لا يزيد قطره على 44سم يُعزز هنا بموسع للثقب hole opener يركب على عمود الحفر على مسافة من الرأس ليمكن حفر ثقب أكبر قطراً من أنبوب التكسية (الشكل 22). وللمحافظة على استقامة عمود الحفر يوجد ما يسمى «إطار التوجيه» على وصلات أطواق الحفر قرب القعر، ولهذا الإطار ذراعان أو أربع أذرع تمر بها كبلات التوجيه المربوطة بالقاعدة (الشكل 21ـ ب) أما بقية خطوات الحفر فتكون على غرار ماسبق وصفه حتى يبلغ الحفر العمق اللازم لتثبيت «عمود التكسية الأساس» (نحو 30 متراً بحسب رخاوة التربة أو صلابتها). وبعد إنزال عمود التكسية من قطعة واحدة (من وصلات ملحومة أو ملولبة أو مثبتة بسوار تثبيت) مع إطار توجيه على إحدى الوصلات السفلية في فتحة قاعدة التوجيه إلى داخل الثقب، وعند بلوغ الإطار القاعدة، يترك الأنبوب الذي يتابع نزوله في البئر ثم يثبت بالإسمنت المحقون وتركب على ذروة الوصلة العليا منه مجموعة توجيه خاصة في أثناء نزوله تستخدم قاعدة لتوجيه عمود التكسية التالي. وترسو هذه المجموعة على القاعدة المؤقتة لتؤلف معها بنية قاعدية واحدة لأنابيب التكسية والمعدات الإضافية ومجموعة موانع الانفجار التي تأتي فوقها، والتي يتم إنزالها بوساطة الوصلة الأولى من أنبوب الحفر، ثم يركب بعدها أنبوب التصريف الصاعد.

 

     الشكل (21 ـ أ) قاعدة التوجيه المؤقتة على قعر البحر

يتابع الحفر بعد التكسية الأولى بالأسلوب نفسه ولكن برأس حفر أصغر قطراً من عمود الأساس وأنبوب التصريف الصاعد، ثم تنزل تكسية جديدة، ويكون إطار التوجيه هو الموجه لأطواق الحفر حتى العمق المطلوب وهكذا.

ولأنبوب التصريف الصاعد في هذه المراحل وظائف متعددة فهو يصل بين قعر البحر والمركب، ويوجه عمود الحفر، ويستعمل منفذاً لإعادة «طين الحفر» إلى المنصة. وهو يتألف من عدة أجزاء تضم الوصلة المرنة (الكروية) في الأسفل والأنبوب نفسه والوصلات الفردية في الأعلى ثم الوصلة المنزلقة القابلة للتمدد (تلسكوبية). وتحت الوصلة المرنة مرابط وأجهزة لربط الأنبوب الصاعد مع مجموعة موانع الانفجار، وعلى جانبي الأنبوب الصاعد يمتد أنبوبان دقيقان نسبياً يربطان بصمامات موانع الانفجار. وتسمح الوصلة المرنة بحركة دائرية محدودة للأنبوب تمكنه من التجاوب مع حركة المركب في الأعلى. وأما الأنبوبان الدقيقان فيتيحان دخول «وحل الحفر» وخروجه من دون عائق إذا ما جرى إغلاق صمامات موانع الانفجار عند الخطر. وأما الوصلة المنزلقة فهي تسمح بحرية الحركة الشاقولية في حال صعود المركب وهبوطه بسبب الموج. وثمة كبلات تربط أنبوب التصريف الصاعد هذا بأطراف منصة الحفر، وينتهي كل كبل منها بأجهزة شد نابضية ـ هدروليكية قابلة للعيار توفر الشد المناسب للعمود وتبقيه قائماً محكم الربط بالمركب وتحمل جزءاً من ثقله الذي يصبح كبيراً جداً عند الحفر في الأعماق السحيقة. وفي حال عدم كفاية مجموعة الشد هذه تربط عوامات خاصة بوصلات عمود التصريف الصاعد لتساعد مجموعة الشد في تخفيف ثقل الأنبوب. وقد يلجأ أحياناً في الأعماق الكبيرة جداً إلى الاستغناء عن خطوط كبلات التوجيه المربوطة بالقاعدة باستخدام دارة تلفزيونية مغلقة يستطيع العمال بوساطتها توجيه الأجهزة والأنابيب إلى أماكن تثبيتها بالرؤية المباشرة عن طريق شاشة تلفزيونية. ومن الأجهزة الأخرى المساعدة رافعة تعويض في أعلى البرج وهي جهاز هدروليكي من أسطوانتين ومكبسين يحافظ على ثبات خطاف حمل عمود الحفر بالنسبة لسطح البحر في حال تحرك المركب صعوداً وهبوطاً أو ترنحه يمنة ويسرة (الشكل 23). وفي أثناء الحفر يجري أخذ عينات من طبقات الصخر بين حين وآخر لمعرفة طبيعتها والتحقق من وجود الزيت أو الغاز فيها بكميات استثمارية وقياس حجم الحوض وكمية السائل فيه. وسواء أوجد النفط بالكميات المطلوبة أم لم يوجد في البئر الاستكشافية فإن هذه البئر تغلق وتهمل عادة ـ وليس دائماً ـ بعد رفع كل المعدات الموجودة على سطح قعر البحر. وسبب ذلك أنه لا بد من اتخاذ إجراءات تكميلية وحفر آبار أخرى في المنطقة المحيطة بالبئر التجريبية وإقامة منصة إنتاج ثابتة إذا كانت البئر واعدة. وفي الأعماق السحيقة وإذا كانت البئر واعدة قد يتابع استكمال الحفر وتجهيز البئر للاستثمار في مرحلة واحدة.

 

     الشكل (21 ـ ب) إطار توجيه رأس الحفر نحو مركز فوهة قاعدة التوجيه المؤقتة

إكمال البئر: بعد التحقق من وجود النفط في البئر الاستكشافية واستكمال إكسائها، لا بد من القيام بعمليات تكميلية لتوفير مجرى للسوائل الهدروكربونية كي تخرج إلى السطح.

وثمة طرائق مختلفة للقيام بذلك سواء على البر أو في البحر، إلا أن أكثرها شيوعاً هو تثقيب أنبوب التكسية وطبقة الإسمنت المحيطة به للسماح للنفط بالتسرب من مكامنه إلى داخل البئر. ويتم فتح الثقوب بإنزال مدفع تثقيب خاص إلى النقطة المقابلة لحوض النفط في جوف البئر، ثم إطلاق حشوات جوفاء صغيرة مكثفة تنفذ من الأنبوب والإسمنت وتخترق تكوينات الحوض إلى مسافات قصيرة (الحشوة الجوفاء نوع من المتفجرات التي تطلق طاقة كبيرة من الغازات والجزيئات العالية الحرارة والمركزة في نقطة واحدة، الشكل 24ـ أ ـ ب). وبعد أن تبدأ السوائل الهدروكربونية بالتسرب إلى داخل البئر يدخل عمود جديد من الأنابيب في داخلها يدعى أنبوب الضخ، ولا يضخ النفط من أنبوب التكسية مباشرة. لأن السوائل التي تدخل البئر قد تتسبب في تآكل أنبوب التكسية ويجب حينئذ العمل على إخراجه وإصلاحه أو غرس أنبوب جديد بدلاً منه، وهي عملية صعبة ومكلفة. أما أنبوب الضخ فلا يتطلب مثل هذه الجهود لإخراجه وإصلاحه. ويكون في رأس أنبوب الضخ بالقرب من قعر البئر قطعة تدعى «بطانة كتيمة مانعة للتسرب» packer، عملها إحكام سد الفراغ بين أنبوب الضخ وأنبوب التكسية ومنع النفط والشوائب من التسرب بينهما.

 

 

الشكل (22) رأس الحفر مع موسع للثقب

      الشكل (23)  رافعة التعويض في برج الحفر للمحافظة على ثبات خطاف الحمل

 الشكل (24- أ)  مدفع التثقيب مع حشوات جوفاء في داخل حفرة البئر

الشكل (24- ب) عمود الضخ مع السدادة مانعة التسرب داخل البئر

 

ومن العمليات التكميلية الأخرى تركيب جهاز يتحكم في النفط الخارج من فوهة البئر يعرف باسم «شجرة الميلاد» ويكون موضع هذه الشجرة على سطح الماء فوق المنصة أو على قعر البحر مباشرة. تتألف شجرة الميلاد من مجموعة صمامات ومثبتات خاصة (الشكل 25ـ أ، ب، ج) وهي نوعان: مغمورة أو جافة. فالمغمورة تبقى معرضة لتأثير مياه البحر، وتحتاج إلى غواصين ومعدات غوص خاصة لصيانتها. أما الجافة فيكون لها وقاء على هيئة غرفة مقببة محكمة الإغلاق ومهواة تحت ضغط جوي طبيعي تعزل  شجرة الميلاد عن الماء وتحميها، ويمكن لعمال الصيانة الدخول إليها وإصلاحها باستعمال غواصة صغيرة من دون الحاجة إلى ارتداء ألبسة الغوص أو حمل أجهزة تنفس تحت الماء.

 

 

 

الشكل (25-أ) شجرة الميلاد مع صماماتها للتحكم بسيلان النفط والغاز من البئر

الشكل (25- ب)  شجرة الميلاد المغمورة

    الشكل (25- جـ) شجرة الميلاد الجافة تعزلها قبة واقية تحت ضغط طبيعي

 

إنتاج النفط والأعمال المتممة

يتطلب إنتاج النفط في المناطق البحرية استخدام تقنيات ومعدات كثيرة ومتنوعة، الهدف الأول منها استخراج النفط من حوضه وضخه في منظومة النقل. والسائل الذي يخرج من البئر يتألف عادة من نفط وغاز وماء، ولا بد من فصل هذه العناصر بعضها عن بعض والتعامل معها بالأسلوب المناسب. وبالتالي فإن منصة الإنتاج تتضمن معدات كثيرة جداً وعدداً كبيراً من العاملين عليها. فقد يسيل النفط والغاز من الحوض إلى البئر فالسطح بتأثير الضغط الطبيعي. ومصادر هذا الضغط الطبيعي هي الغاز أو المياه الجوفية أو كلاهما معاً. وثمة أربعة أنواع من آليات دفع النفط والغاز هي الدفع بتمدد الغاز المنحل dissolved gas drive، والدفع بالغطاء الغازي gas- cap drive والدفع بالماء والدفع المختلط.

 

 

الشكل (26- أ)  الدفع بتمدد الغاز المنحل

الشكل (26- ب) الدفع بالغطاء الغازي

فالدفع بتمدد الغاز المنحل ممكن إذا كانت كل العناصر الهدروكربونية أو معظمها سائلة، فعندما تحفر البئر في حوض كهذا ينخفض الضغط في المنطقة المتاخمة للبئر ويتحول قسم من السوائل الخفيفة إلى الحالة الغازية وينطلق الغاز منها دافعاً السوائل المتبقية إلى البئر فالسطح (الشكل 26ـ أ).

أما الدفع بالغطاء الغازي فيحدث حين تكون في البئر كميات كبيرة من الغازات لا يمكن أن تنحل كلها في السائل، ويتجمع الغاز المتبقي فوق السائل ويضغط عليه. وعندما يكتمل حفر البئر يتمدد الغاز فيندفع السائل إلى السطح (الشكل 26ـ ب).

 

 

الشكل (26- جـ) الدفع بالماء

الشكل (26- د) الدفع المختلط (ماء مع غاز)

أما الدفع بالماء فيحدث عندما تكون هناك كميات كبيرة من المياه ـ المَلِحة غالباًـ موجودة تحت السوائل الهدروكربونية في الحوض، وعندما يسيل الماء نحو البئر يدفع النفط أمامه (الشكل 26ـ ج).

أما الآلية المختلطة فتحدث عندما يكون هناك غاز وماء يمارسان الضغط على السائل الهدروكربوني فيدفعانه إلى السطح (الشكل 26ـ د) وهذه هي الآلية الأكثر شيوعاً.

فصل الزيت عن الشوائب: نادراً مايكون الزيت أو الغاز وحدهما في الحوض، وكثيراً مايخالطهما الماء وشوائب أخرى، وعندما يبدأ استخراج النفط من البئر تخرج معه هذه الشوائب، ولا بد من اتخاذ إجراءات مناسبة لفصل الزيت عن الغاز وفصل الماء والشوائب عنهما قبل ضخهما في وسائل النقل. فالماء والشوائب، ولا سيما الرواسب، تحتل حيزاً كبيراً من حجم الزيت المستخرج وتؤثر في وسائل النقل فتسبب تآكلها. أما الزيت والغاز فالفصل بينهما واجب لأن أسلوب نقل كل منهما يختلف عن الآخر. إذ يحتاج الغاز إلى ضغط إضافي لتمييعه وضخه في الأنابيب أو نقله في صهاريج خاصة، أما الزيت فسائل لا يمكن ضغطه ويتطلب ضخه استعمال مضخات خاصة لإسالته إلى الصهاريج أو دفعه في الأنابيب.

 

الشكل (27)  

           مخطط منظومة إنتاج نفط تحت البحر. يخرج النفط من البئر إلى رصيف تنحت الماء ثم إلى أنبوب تصريف صاعد فعوامة رسو خاصة ومنها إلى ناقلة النفط

وتحتاج عملية فصل الزيت والغاز والماء والشوائب إلى معدات متنوعة تركب على منصة الإنتاج التي هي منصة الحفر نفسها. أما إذا استعمل رصيف الإنتاج في قعر البحر فتساق السوائل والغازات الخارجة من الآبار في أنابيب الإنتاج إلى أنبوب تصريف صاعد مربوط بعوامة، ويضخ السائل من الأنبوب إلى سفينة ناقلة تلقي مراسيها عند العوامة، وتقوم بنقل السائل إلى الساحل للقيام بعمليات الفصل على البر (الشكل 27) وقد يتم الفصل على السفينة الراسية عند العوامة، وعندما تمتلئ خزاناتها بالنفط الصافي تنقله إلى الشاطئ ليعالج في المصافي هناك، ويتبع هذا النظام عادة في المياه العميقة جداً والبعيدة عن الشاطئ.

يترافق الماء مع الزيت والغاز في حالات ثلاث مختلفات. فقد يكون ماء طليقاً أو مختلطاً بالزيت على هيئة مستحلب أو مختلطاً بالغاز على هيئة بخار. فالماء الحر يرسب وحده إن ترك السائل ساكناً مدة قصيرة ويكون ذلك في جهاز خاص يدعى حوض الترسيب (الترقيد) free water knockout وهو وعاء أسطواني شاقولي أو أفقي يضخ فيه السائل المحتوي على كميات كبيرة من الماء بعد خروجه من شجرة الميلاد فيرسب فيه، ويخرج من فتحة سفلية. كما يمكن التخلص هنا من بعض الغازات المرافقة التي تصعد إلى ذروة الوعاء ثم تزال، ويستفاد منها في الأعمال اللاحقة على المنصة. أما الزيت فيمر من أنابيب في الوسط إلى جهاز آخر لمتابعة معالجته.

أما إذا كان الماء مستحلباً مع النفط فيكون على شكل قطرات صغيرة ويصعب إزالته بالترسيب، ويحتاج إلى معالجة في جهاز خاص يدعى وحدة المعالجة treater أو جهاز التكرير. وتكون المعالجة هنا بالكيمياويات والكهرباء والتسخين. أما إذا كان الماء مترافقاً مع الغاز الطبيعي على هيئة بخار فيجب التخلص منه قبل ضخ الغاز في أنابيب النقل لأنه يتسبب في مشكلات كثيرة لعل أهمها تكوين مادة صلبة جليدية تسد الأنابيب أو تعيق حركة الغاز فيها. ويتم عزل الماء عن الغاز بإمرار الغاز الرطب في سائل «الغليكول» glycol ضمن جهاز خاص، فيمتص الغليكول الماء ويحرر الغاز منه، ثم يمر الغليكول الرطب في سخان خاص يغلي فيه فيتبخر الماء ويعاد الغليكول الجاف إلى الجهاز من جديد، أما الماء المستخرج في هذه العمليات جميعها فيتم التخلص منه بإلقائه في البحر بعد تنقيته من كل الشوائب منعاً للتلوث، وقد يعاد ضخه في آبار خاصة محفورة لهذه الغاية أو يستفاد منه بضخه في إحدى الآبار الجانبية من الحوض فيساعد في دفع كميات إضافية من النفط في البئر المنتجة.

 

     الشكل (28)

            الدفع الصنعي للنفط بحقن الغاز في البئر لتخفيف الصغط فيها.

             أـ إذا توقفت البئر عن الإنتاج لا يخرج منها أي سائل.

            ب ـ يحقن الغاز ليجبر السائل على الخروج من الأنبوب.

            جـ ـ يدخل الغاز الأنبوب العلوي فيزيد من خفة السائل وهبوط مستواه حتى الصمام التالي.

            د ـ تغدو البئر منتجة ويخرج السائل من الحوض.

ولفصل الزيت عن الغاز ثمة جهاز آخر يدعى «الفارز» separater يتولى هذه المهمة وهو أسطوانة أفقية، أو شاقولية أو على شكل كرة ويتوقف فيه السائل مدة قصيرة فينفصل الغاز عن الزيت وينطلق كل منهما من مخرج خاص.

الضخ الصنعي: بعد أن تخرج كمية من النفط من البئر بفعل الضغط الذاتي داخل الحوض، يبدأ الضغط في البئر بالانخفاض إلى أن يصبح غير قادر على رفع السائل من البئر إلى السطح. وهنا يلجأ إلى إجراء إضافي يساعد في إخراج بعض النفط المتبقي وهو مايعرف بالضخ (الدفع) الصنعي، وهو تقنيات خاصة ذات طرائق مختلفة تهدف إلى إحداث ضغط إضافي في الحوض يكفي لرفع النفط. وأكثر هذه التقنيات شيوعاً هو الدفع بالغاز. وتتلخص هذه الطريقة بحقن الغاز داخل البئر لتخفيف الضغط عند القعر والسماح للزيت بالتسرب إليه من الحوض ومن ثم الخروج من البئر (الشكل 28). ويتطلب حقن الغاز المضغوط في البئر جهوداً كبيرة وتجهيزات خاصة بسبب عمق البئر الكبير. وتستخدم لهذه الغاية صمامات عدة يتم إدخالها في البئر على ارتفاعات مختلفة، ويتم حقن الغاز فيها على مراحل. فعند امتصاص السائل من فتحة البئر يخف الضغط فيها إلى درجة تسمح بهبوط الغاز حتى الصمام التالي فينفذ فيه، ويتسبب في تفريغ السائل من هذا القسم، ويستمر العمل على هذا النحو حتى يبلغ الغاز آخر صمام عند القعر، ويصبح الضغط أخفض ما يكون لكي يخرج السائل إلى السطح تلقائياً.

 

الشكل (29- أ)

حقن ماء البحر في إحدى الآبار الجانبية من الحوض لإخراج ما فيه من نفط عن طريق بئر أخرى

إن الضخ الصنعي لا يمكِّن من إخراج كل النفط الموجود في الحوض ولا بد من اللجوء إلى وسائل أخرى تساعد في استخراج أكبر كمية ممكنة مما تبقى. والواقع إن مايخرج تلقائياً أو بالضخ الصنعي لا يتجاوز 33% من محتويات الحوض. وقد جرت بحوث كثيرة لإيجاد الوسائل الناجعة لاستخلاص كميات إضافية من البئر، وتم التوصل إلى بعض الأساليب الواعدة، ومنها الدفع بالغاز أوبالماء أو بالغمر المختلط، فقد وجد أن حقن الماء في الآبار التي جفت أو في آبار جديدة تتخلل الحوض يمكِّن من استخلاص كميات إضافية من الزيت من الآبار الأخرى في الحقل نفسه. كذلك يمكن الإفادة من الغاز الطبيعي الخارج من إحدى الآبار، ولا توجد أنابيب أو وسائل لنقله إلى الشاطئ، فيعاد حقن هذا الغاز في داخل الحوض لإحداث ضغط صنعي يدفع ببقايا النفط إلى الخارج، أو للاحتفاظ به هناك حتى تتوافر الوسائل اللازمة لنقله. وقد عثر في السنوات الأخيرة على وسيلة أكثر نجوعاً لاستخلاص ما يتبقى من النفط في الحوض، هي الغمر المختلط. وفحوى هذه الوسيلة حقن مواد قابلة للمزج بالزيت المتبقي في الحوض فتخرج معه من البئر المنتجة، ومن هذه المواد مذيب ذو فاعلية سطحية surfactant  يشبه في تركيبه الكيميائي المنظفات المستعملة في غسل الملابس، فإذا حقن هذا المذيب في الحوض عن طريق إحدى الآبار فإنه يمتزج ببقايا الزيت الموجودة في مسام الصخور فيحلها ويميعها ويساعد على خروجها من البئر (الشكل 29ـ أ ـ ب ـ ج)، ومن تلك المواد كذلك غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يختلط بالزيت في مسام الصخور فيسهل خروجه منها إلى البئر المنتجة. وغالباً مايتواتر حقن ثاني أكسيد الكربون مع الماء منعاً لضياعه في بعض أجزاء الحوض.

 

الشكل (29- ب)

حقن مذيب لضخ كميات إضافية من النفط

 

وأخيراً لا بد من أعمال صيانة وخدمة مستمرة للإبقاء على البئر منتجة، فالتقادم في عملية الإنتاج قد يؤدي إلى حوادث كثيرة. فقد تهترئ المعدات بالاستعمال، وقد يتسرب الرمل من الحوض إلى البئر فيسدها، وقد تتآكل الصمامات والأنابيب. وقد يحدث غير ذلك. ويتطلب ذلك كله رعاية وتنبهاً من المستثمرين والعمال، واتخاذ إجراءات عاجلة لتلافي الحوادث قبل وقوعها وإجراء الإصلاحات وأعمال الصيانة في حينها.

كلفة استخراج النفط من البحر: تختلف اقتصاديات النفط عن تقنيات استخراجه، ولأن الممول يهتم بالربح والخسارة بالدرجة الأولى يجب أن يدخل في الحساب أوليات تكاليف التنقيب والحفر والإنتاج. وثمة طرائق مختلفة يستطيع بها الجيولوجي ومهندس البترول حل المشكلة وحساب المردود النفطي للطبقة المتوقع أن تكون منتجة من حقل النفط. وتكون الحسابات أدق عندما تتوافر الشروط اللازمة لذلك من عدد الآبار المنتجة، والاحتياطي المقدر والمسامية الفعالة وعامل الإشباع بالماء أو بالنفط والعمق الإجمالي، أي ما يسمى الخواص الخزنية لحوض النفط ولاسيما عندما يكون في المنطقة حقل آخر له شروط مشابهة. إذ يمكن أن يعمم التطور التاريخي لهذا الحقل على الحقول المجاورة. ويحرص المهندسون عادة على أن تكون حساباتهم عن الاحتياطي القابل للإنتاج أقل من الحقيقة من أجل تجنب خيبة الأمل في عمليات الإنتاج المستقبلية للحقل. ومن الواضح أنه يبقى في المكمن دائماً بعد توقف الإنتاج قسم كبير من النفط لا يستخرج لعدم قدرة الوسائل المتوافرة اليوم على استخراجه، وقد تصل هذه النسبة المتبقية من النفط أحياناً إلى 90% من المخزون.

 

الشكل (29-جـ(

حقن ثاني أكسيد الكربون بالتبادل مع الماء للحصول على كميات إضافية من النفط

كذلك فإن عمق البحر في منطقة الحقل له تأثير كبير في اقتصادية المشروع، إذ تختلف تكلفة البئر الواحدة في المياه العميقة عنها في المياه الضحلة، وقد تمكن الباحثون مؤخراً من صنع بعض الأجهزة التي تستطيع الحفر حتى عمق كبير جداً عن سطح البحر ومعظمها يعمل في خليج المكسيك.

ولكي تتكامل المعلومات عن الحقل المراد تطويره، يجب معرفة الضغوط في الطبقة المنتجة لأنها العامل الرئيس في استخراج النفط من مكمنه. فإن كانت الطبقة تمتد في مكان ما وتصل إلى السطح يكون الضغط الهدروستاتي هو الأساس في الطبقة ويكون استخراج النفط منها أقل تكلفة، وكذلك يمكن أن تنخفض التكلفة إن كان الغاز قبعة غازية فوق المكمن النفطي ويكوِّن عامل ضغط في الطبقة. أما إذا كان الغاز منحلاً في النفط فإنه ينطلق متحرراً منه ويدفع النفط نحو البئر عندما يتم رفع الضغط عنه.

وتعد الحالة الأولى أعلاه أفضل الحلول إذ يتم بالدفع المائي استخراج أكبر كمية من النفط، في حين تتطلب الحالة الثانية تكلفة أكثر أما الحالة الأخيرة فتعد أسوأها وإن كانت هي الشائعة، إذ يحتمل بقاء كمية من النفط لايستفاد منها قد تصل إلى أكثر من نصف كمية الاحتياطي.

وإن العامل الأساسي أيضاً في حركة النفط هو خفته أو ما يسمى بالكثافة النفطية بحسب المعايير الأمريكية (Api Gravity) فكلما ازدادت قيمة الكثافة كان النفظ أسهل تحركاً، وكلما قلت هذه الكثافة كان النفط أكثر احتواء على الزفت. كما أن حركية النفط أيضاً تتعلق بلزوجته، فبازدياد اللزوجة تصبح حركته بطيئة، وهناك عوامل أخرى تؤدي إلى رفع عامل المردود الطبقي. وتؤثر جميع هذه العوامل تأثيراً كبيراً في اقتصاديات استخراج النفط.

 

محمد وليد الجلاد

 

الموضوعات ذات الصلة

 

النفط ـ النفط (تحسين تركيب ـ) ـ النفط (التنقيب عن ـ) ـ النفط (ناقلة ـ) ـ النفط والغاز (خزن ـ).

 

مراجع للاستزادة

 

WHITEHEAD, An A-Z of Offshore Oil & Gas-

-R.R.WHEELER & M.WHITED, From Prospect to Pipeline

RON BAKER, A Primer of Offshors Operations (University of Texas, Austin 1985).




التصنيف : التقنيات (التكنولوجية)
النوع : تقانة
المجلد: المجلد الثاني
رقم الصفحة ضمن المجلد : 96
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 95
الكل : 4174310
اليوم : 18381

بورجيه (بول-)

بورجيه (بول ـ) (1852 ـ 1935)   ولد الكاتب الفرنسي بول بورجيه Paul Bourget بمدينة أميان Amiens الفرنسية وتوفي في باريس. كان والده جوستان معلماً للرياضيات، وقد أبدى بول منذ نعومة أظافره ميلاً مُتَّقِداً للمطالعة، وقدم إلى باريس إثر نيله الشهادة الثانوية، ليتابع دراستَه في معهد الدراسات العليا حيث حصل على الإجازة في الآداب.

المزيد »