logo

logo

logo

logo

logo

لسينغ (غوتهولد إفرايم-)

لسينغ (غوتهولد افرايم)

Lessing (Gotthold Ephraim-) - Lessing (Gotthold Ephraim-)

لِسينغ (غوتهولد إفرايم ـ)

(1729 ـ 1781)

 

غوتهولد إفرايم لسينغ Gotthold Ephraim Lessing أديب ومفكر ومترجم ألماني، قاد حركة التنوير Aufklärung الألمانية إلى ذروتها بتحريره الأدب والمسرح والفكر الديني والفلسفي من الروابط والالتزامات الكنسية والبلاطية الإقطاعية، وبخروجه على أعراف وتقاليد الكلاسية (الاتباعية) الفرنسية الصارمة والمهيمنة، وبالتأسيس لفكرٍ وفنٍ جديدين يعبران عن روح البرجوازية الصاعدة ومتطلباتها وطموحاتها. فهو كاتب مسرحي وقصصي ومنظِّر أدبي مسرحي وناقد فني ـ جمالي ومحاور متنور واسع وعميق الاطلاع في قضايا الأديان والفلسفة.

ولد لسينغ في بلدة كامِنْتْس Kamenz، وتلقى دروسه الأولى على يدي والده الفقير، على الرغم من كونه كبير واعظي الكنيسة، ثم تابع تعليمه في المدرسة اللاتينية هناك بين عامي 1737 ـ 1741 حين حصل بسبب تفوقه على منحة من «المدرسة الأميرية - سانت أفرا St. Afra» في مدينة مايسن Meissen امتدت حتى عام 1746 حين بدأ بدراسة اللاهوت في لايبزيغ Leipzig، ثم الطب منذ عام 1748 نزولاً عند رغبة أهله. إلا أن اهتمامه في واقع الأمر انصب على الفلسفة وعلم اللغة، وتعرف في تلك المرحلة عدداً من الأدباء والنقاد المعروفين، ومنهم غوتشِد[ر] Gotsched، واتصل بفرقة كارولينا نويبر Karolina Neuber المسرحية الشهيرة آنذاك التي عرضت له في مطلع عام 1748 مسرحيته الأولى «العالِم الشاب» Der junge Gelehrte،  التي حفزَّه نجاحها على تأليف كوميديات أخرى مثل «كاره النساء» Der Misogyn (1748) و«العانس العجوز» Die alte Jungfer (1749)  و«اليهود» Die Juden  (1749) و«ذو العقل المتحرر» Der Freigeist (1749) التي تدل جميعها على تفكيره الإنساني المنفتح بمعالجته أخطاء البشر ومثالبهم من منظور ساخر بوضعها وجهاً لوجه أمام نقائضها. كما نظم في تلك الآونة عدداً من قصائد الغزل والخمريات مقتدياً أسلوب أناكريون [ر]، وعدداً من الحكايات الشعبية والخرافية [ر] والحِكَم التي أصدرها من ثم عام 1759 مع دراسة تأسيسية مهمة بعنوان «بحوث في الحكاية» Abhandlungen über die Fabel مهدت لإنجازات هردر [ر] Herder والأخوين غريم [ر] Grimm.

كان لسينغ حينذاك قد كفل مالياً بعض ممثلي فرقة نويبر، وخوفاً من المساءلة القضائية والسجن لعدم قدرته على تسديد الديون هرب في منتصف عام 1748 إلى مدينة غوتّنغن Göttingen وتابع دراسته في جامعتها. وبسبب الضغوط المالية انتقل بعد سنة إلى برلين ليعمل بمساعدة قريبه الناشر والصحفي المعروف موليوس Mylius في الصحافة، وقد عاهد نفسه على أن يصير كاتباً يعيش من إنتاج قلمه. فبدأ محرراً في جريدة «فوسِّيشِه تْسايتونغ» Vossische Zeitung، وسرعان ما أشرف على تحرير ملحقها الرائج «الجديد في عالم النكتة» Das Neueste aus dem Reiche des Witzes وحلّ مكان قريبه في تحرير «مقالات في تاريخ المسرح وتطوره» Beiträge zur Historie und Aufnahme des Theaters التي جمعت ونشرت في أربعة مجلدات عام 1750. وصار في عام 1749 يكتب مراجعات نقدية للكتب الصادرة حديثاً، وذلك في «جريدة برلين الممتازة» Die berlinische priviligierte Zeitung. ثم أقام في ڤيتنبرغ Wittenberg حتى أنهى دراسة الطب وتخرج عام 1752، لكنه عاد إلى برلين ليعمل مترجماً عن اللاتينية والإنكليزية والفرنسية لكتب أدبية وفلسفية، إضافة إلى عمله الصحفي. وفي عام 1755 صدرت له «الأعمال الكاملة» Gesamte Schriften في ستة مجلدات. وعلى سبيل الاستثناء ضمَّن الطبعة مسرحيته المهمة ولكن غير الكاملة «صموئيل هِنزي» Samuel Henzi (1749) التي حاول فيها معالجة حدث سياسي راهن وبالغ الأهمية في أجواء حكم دستوري. وهي محاولة ذات مكانة خاصة على صعيد تاريخ الأدب ولاسيما أن بطل المسرحية هو الشاعر والسياسي السويسري هِنزي الذي أُعدم 1749 بتهمة تآمره لإسقاط الحكم الملكي  وإقامة جمهورية دستورية.

بدأ لسينغ عام 1754 بإصدار سلسلة «المكتبة المسرحية» Die theatralische Bibliothek وانتقل عام 1755 إلى لايبزيغ حيث تعاون مع «فرقة كوخ المسرحية» وتعرَّف بعض الأدباء الشباب وخطط لمشروعات عدة أعاقتها «حرب السنوات السبع» (1756- 1763) في أوربا، فعاد عام 1758 إلى برلين وشارك الأديبين فريدريش نيكولاي F.Nicolai وموزِس مندِلسْزون M.Mendelssohn في إصدار «رسائل حول الأدب الحديث» Briefe, die neueste Literatur betreffend (1759). وبسبب الأوضاع المالية الرديئة نتيجة الحرب اضطر لسينغ عام 1760 إلى قبول وظيفة سكرتير للجنرال فون تاوينْتسين General von Tauenzien في مدينة برِسْلاو Breslau أشعرته بالأمان حتى عام 1765، فتعمق في أثناء هذه المدة في دراسة اللغتين اليونانية واللاتينية، كما كتب مقالات عدة بصدد مهام الأدب الألماني وهويته وتعبيره عن حقيقة العصر لكونه طرفاً في الجدل القائم في وجه غوتشد وغوتْسِه J.M.Goeze. وانتقل إلى مدينة هامبورغ ملبياً دعوة برجوازية المدينة ليشارك في تأسيس أول مسرح قومي في ألمانيا، فبذل جهوداً مكثفة على صعيد وضع خطة الموسم واختيار النصوص وإعدادها للعرض، والتنظير لفن التمثيل وسائر مكوِّنات العرض المسرحي، ونقد العروض بحِرَفية الخبير المؤسس. وعندما توقف المشروع بعد سنتين كانت النتيجة كتاب «فن المسرح في هامبورغ» Die hamburgische Dramaturgie الذي يُعدُّ الكتاب المؤسِّس أوربياً لفن المسرح الحديث على صعيد كيفية تحويل النص إلى عرض في سياق برمجة موسمٍ كامل موجه إلى جمهور محدد في مكان محدد، لتحقيق أهداف فكرية وجمالية تسهم في تطوير حركة التنوير لبناء الإنسان الجديد المنفتح عقلياً وإنسانياً. وفي عام 1770 اضطر لسينغ - وهو أهم أدباء ألمانيا آنئذ- مجدداً إلى قبول وظيفة أمين مكتبة ڤولفنبوتِّل Wolfenbüttl في ظل أميرٍ طاغية وحاشية فاسدة وراتب لايكاد يسد الرمق. وبعد ست سنوات من المعاناة المريرة سنحت له الفرصة للالتحاق بخدمة أمير براونشفايغ Braunschweig، ورافق ابنه في رحلة طويلة إلى إيطاليا، ثم حصل عام 1776 على لقب مستشار البلاط فاستقر وتزوج، لكن زوجته توفيت في أثناء الولادة عام 1778 مما أثر في نفسيته على نحو عميق أدى إلى نوع من العزلة، إذ إنه خصص جلّ وقته في السنوات اللاحقة للمساهمة كتابةً في الجدل الديني المتعدد الأطراف ولاسيما مع أسقف هامبورغ المتعصب غوتْسِه.

كان لسينغ مفكراً برجوازياً كبير الثقة بنفسه وإمكاناته، وعالماً وأديباً ذا شخصية قوية ونزيهة في بحثها عن الحقيقة. كما كان خارق الذكاء وذا لسان لوذعي، وظّفهما في نضاله التنويري على جبهات متعددة، أدبياً ومسرحياً وفلسفياً ودينياً في كتاباته كافة. وطوَّر في مقالاته السجالية أسلوباً قوي الحجة ساخر اللغة وجدلياً بإيجاز، استخدمه سلاحاً تنويرياً في خدمة البرجوازية الصاعدة. ثم أخذ هذا الأسلوب يتبلور على نحو مختلف في مسرحياته الكبرى التي حافظت على تأثيرها عبر الزمن بسبب نجاح الكاتب في تصوير الوعي القومي فنياً على مستوى متجدد من عمل إلى آخر. فهو أول من ابتدع الدراما البرجوازية في مأساة «الآنسة سارة سمبسون» Miss Sara Sampson (1755) التي تجاوز فيها قواعد الكاتب غوتشد الجامدة والمستعارة من الكلاسية (الاتباعية) الفرنسية، وجعل فيها أبطال المأساة من الطبقة البرجوازية، متخلياً أيضاً عن الشكل الشعري لمصلحة نثر حيوي واضح يعبر عن دخيلة الشخصيات فيمنحها حضوراً مقنعاً على الخشبة. ثم قلب الحالة رأساً على عقب، مواجهاً عقبة التقاليد عندما جعل أبطال ملهاته «مينّا فون بارنْهلم» Minna von Barnhelm  (1767) بالعنوان الثانوي الساخر «سعادة الجندي» Das Soldatenglück من الأرستقراطيين، ولاسيما أن حكاية الملهاة مبنية على خلفية ما سببته «حرب السنوات السبع» من مآسٍ على جميع الصعد. أما الشخصيات والشخوص الثانوية فهي من العامَّة، إلا أن تصوير لسينغ لها كان من العمق بحيث رفعها من حيث القيمة الإنسانية والمسرحية إلى مصاف الأبطال. وبما أن المسرحية قد انتقدت سلوك ملك بروسيا فريدريش الثاني حيال رعيته فقد منعها حتى جاء العرض الأول في هامبورغ. ويمكن النظر إلى مأساة «إميليا غالوتّي» Emilia Galotti (1772) بعدّها تتويجاً وخاتمة لجهوده المسرحية التنويرية، إذ عالج فيها القضية السياسية الأكثر راهنية في ألمانيا وأوربا حينذاك: النضال ضد استبداد الأرستقراطية الحاكمة وطغيانها ضد المصالح الوطنية القومية، وذلك بتصوير الشخصيات فنياً بمستوى من الحياتية التي تمتلك مصداقيتها، بحيث عدّها أدباء مثل غوته [ر] ونقاد مثل مِرينغ F.Mehring نقطة التحول نحو المعارضة الصريحة للنظام القائم وضرورة العمل على تغييره. أما مسرحيته «ناتان الحكيم» Nathan der Weise (1779) فهي إحدى ذرى الجدل اللاهوتي الذي شغل السنوات الأخيرة من حياة لسينغ، وموضوعها الإنساني التنويري هو التأكيد على أن جوهر الديانات السماوية الثلاث هو حبّ الله والتآخي الإنساني بين البشر من خلال تسامح الأطراف الثلاثة وتفهمها بعضها بعضاً بعيداً عن التعصب الأعمى.

وعلى صعيد النقد الأدبي والفني، أبدع لسينغ بمؤلفه «لاوكون (لاؤكوؤن) أو حول حدود التصوير والأدب» Laokoon oder Über die Grenzen der Malerei und   Poesie  (1766) الأساس لعلم جمال واقعي في مجالي الفنون التشكيلية والأجناس الأدبية. وفي مؤلفه الأخير «تربية الجنس البشري»Die Erziehung des   Menschengeschlechtes  (1780) مهَّد لسينغ لأفكار المرحلة الكلاسية العقلانية التي تمثلت في أعمال كل من هردر وغوته وشيلر [ر] الذين أثروا بعمق في تطوير الفكر والأدب عالمياً. ترجمت أعمال لسينغ إلى معظم اللغات- بما فيها العربية- منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وعندما توفي في براونشڤايغ فقيراً معدماً دفن على نفقة بلدية المدينة.

نبيـل الحفـار

الموضوعات ذات الصلة:

ألمانيا ـ التنوير (عصرـ) ـ المسرحية.

مراجع للاستزادة:

- HENRY B. GARLAND, Lessing: The Founder of Modern German Literature, 2nd ed. (1962).

- KARL S. GUTHKE, Gotthold Ephraim Lessing, 3rd ed. (1979).

- FRANCIS J. LAMPORT, Lessing and the Drama (1981).




التصنيف : الآداب الجرمانية
النوع : أعلام ومشاهير
المجلد: المجلد السابع عشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 45
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 88
الكل : 5390875
اليوم : 5691

التحليل الدالي

التحليل الدالي   التحليل الدالي functional analysis يُستعمل هذا التعبير للدلالة على فرع من فروع الرياضيّات، وهو توسيع وتعميم للتحليل الرياضيّ التقليدي، وذلك عن طريق تحويل المفاهيم، التي تبدو أساسيّة في مختلف أوجه هذا الأخير، إلى مفاهيم مجرّدة. فيضع المرء منظومة من المسلّمات، ثم يُثبتُ انطلاقاً منها مبرهنات تشمل المبرهنات التقليديّة حالاتٍ خاصّةً. وكثيراً ما يَظْهَرُ العديد من النتائج التقليديّة، وغيرها من النتائج التي لم تكن قد صيغت من قبلُ، حالاتٍ خاصّةً من مبرهنة مجرّدة واحدة. لعمليّة الانتقال إلى الصيغة المجرّدة هذه مفعولٌ توضيحي، ويتجلى في حذف العناصر الزائدة وإظهار العلاقات المستترة غير المتوقّعة، وهذا ما يؤدي عموماً إلى تعميق فهم النتائج السابقة وإلى تمهيد الطريق للتوصل إلى نتائج جديدة.

المزيد »