logo

logo

logo

logo

logo

المحاكاة التهكمية

محاكاه تهكميه

Parody - Parodie

المحاكاة التهكمية

 

المحاكاة التهكمية Parody مصطلح يستخدم في الأدب والفن للدلالة على تقليد عملٍ عملاً آخر بقصد نقده. يعود تاريخ المصطلح إلى الأصل اليوناني paroidía؛ بمعنى الأغنية المرافقة، ثم صار يعني الأغنية أو القصيدة الجديدة التي نُظمت بغرض تقليد الأصل تهكمياً، بالحفاظ على المبنى وتحريف المعنى بهدف النقد. وعلى صعيد الأجناس الأدبية كافة صار المصطلح يدل على شكل من أشكال النقد التهكمي أو الهزء الساخر، بتقليد أسلوب  كاتب محدد وسلوكه أو تيار أدبي معين، بهدف إبراز جوانب الضعف في أسلوب الكاتب أو الكشف عن مدى تهافت مقومات هذا التيار الأدبي أو ذاك. ولابد هنا من التمييز بين المحاكاة التهكمية وبين التحقير الفكاهي burlesque من حيث عمق معالجة معاني الأصل في المحاكاة التهكمية، وكذلك بينها وبين المحاكاة المضحكة travesty التي لا يُقصد بها تهكماً نقدياً، بل مجرد الإضحاك.

وقد بُعث المصطلح مجدداً على صعيد الموسيقى بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر في أوربا، ولكن مع حصر المعنى بإعادة توزيع لحن معين من آلة الكمان إلى آلة البيانو مثلاً. وعلى صعيد الفن التشكيلي يُعد الرسم الساخر (الكاريكاتير) ضرباً من المحاكاة التهكمية. وهناك عبر العصور على صعيد النحت والتصوير أمثلة لا تحصى عن نماذج من المحاكاة التهكمية في جميع الحضارات تبرز الجانب النقدي المقصود بجلاء.

إن أقدم مثال عن المحاكاة التهكمية هو «معركة الضفادع والفئران» Batrachomyomachia لشاعر إغريقي مجهول حاكى فيها أسلوب هوميروس [ر] تهكمياً. وهناك من تلك الحقبة ملهاة «الضفادع» لأريستوفانيس [ر] الذي انتقد فيها أسلوب كل من أسخيلوس [ر] وأوربيديس [ر] متجنباً سوفوكليس [ر]، إذ كان يبجّل أسلوبه وأفكاره في مجتمع أثينا. ويعدّ الأديبان السوريان مِنيبوس [ر] ولوقيانوس [ر] من أشهر من استخدم المحاكاة التهكمية أداة للنقد اللاذع في أعمالهما، ولاسيما على صعيد الفكر الفلسفي والديني والمعتقدات الشعبية، وقد تأثر بهما كثير من أدباء الرومان وفلاسفتهم.

انتقد تشوسر [ر] في إنكلترا القرن الرابع عشر الشاعرية الفروسية في قصيدته التهكمية «حكاية السير توباس» مثلما فعل ثربانتس [ر] في «دون كيخوته»، ورابليه [ر]  في «غارغانتوا وبانتاغرويل»، الذي انتقد الفلاسفة المدرسيين (السكولائيين) [ر. السكولائية]. وينطوي مشهد الفرقة المسرحية الجوّالة في «هملت» لشكسبير [ر] على محاكاة تهكمية لاذعة للمبالغة في فخامة أسلوب جون مارستُن John Marston في «تحولات صورة بيغماليون» The Metamorphosis of Pigmalion’s Image (1598). أما أسلوب الدراما البطولية لدى درايدن [ر] في «غزو غرناطة» فقد حاكاه تهكمياً وعلى نحو لاذع كل من دوق بكنغهام الثاني Duke of Buckingham II في مسرحيته «البروڤة» The Rehearsal (1671) ، وشريدان [ر] في مسرحيته  «الناقد». أما في  «القرش الرائع» The Splendid Shilling (1705) فقد التقط جون فيليبس John Phillips  تكلفيَّة Mannerism الأسلوب الملحمي عند مِلتون [ر] في «الفردوس الضائع»؛ كما حاكى راسين [ر] في مسرحيته «المتقاضون» الأسلوب الدرامي عند معاصره كورني [ر]. كذلك تهكم فيلدِنغ [ر] في روايته «شامِلا» على عاطفية رتشاردسون [ر] المفرطة في «بامِلا»، وسخر من المسرحية البطولية في «توم ثامب».

وفي النصف الثاني من القرن العشرين في ألمانيا، اشتهر الكاتب غونتر غراس Günter Grass بمحاكاته التهكمية المتعددة المستويات في روايتيه «السمكة المفلطحة» Der Butt (1977) و«الجرذة» Die Rättin (1986) ، وكذلك الكاتب باتريك زوسكيند Patrick Süskind في روايته «العطر- قصة قاتل» Das Parfüm- Die Geschichte eines Mörders (1985) ، التي حاكى فيها على نحو تهكمي أساليب عدد من الكتّاب الألمان المعروفين. ويرى النقد الأدبي الحديث أن هذه الروايات الألمانية تنتمي إلى تيار ما بعد الحداثةPostmodernism [ر: الحداثة] الذي عُرف عنه اهتمام كتّابه باللجوء إلى أسلوب المحاكاة التهكمية. ومما ساعد على الانتشار الواسع لهذا الأسلوب في القرن العشرين مجلات دورية أدبية مثل «پانش» Punch و«ذا نيويوركر» The New Yorker اللتين نشرتا نماذج حديثة من المحاكاة التهكمية على صعيد النثر، وليس الشعر وحسب. وتعد «مختارات الميلاد» Christmas Garland (1912) للسير ماكس بيربوم Sir Max Beerbohm من النماذج الأكثر نجاحاً وانتشاراً؛ وهي مجموعة قصص مستوحاة  من موضوع ميلاد السيد المسيح مكتوبة بأسلوب عدد مختلف من الأدباء المعاصرين، وخاصة هنري جيمس [ر]. وقد ابتكر السير جون سكواير Sir John Squire في مرحلة ما بين الحربين العالميتين ما سمي بـ«المحاكاة التهكمية المزدوجة» double parody اعتمد فيها نقل أفكار شاعر معين وأحاسيسه بأسلوب شاعر آخر.

وفي القرن العشرين أيضاً، دخلت المحاكاة التهكمية ميدان الأفلام السينمائية والأفلام والمسلسلات التلفزيونية، وقد برزت منها مثلاً الأفلام التي حاكت قصص رعاة البقر الأمريكية، والأفلام التي حاكت بعض الأعمال الأوبرالية ذات الصبغة العاطفية المفرطة.

نبيل الحفار

مراجع للاستزادة:

- GÜNTHER LEHMANN, Phantasie und künstlerische Arbeit (Berlin-Weimar 1966).

- MARGARET A. ROSE, Parody, Ancient, Modern and Postmodern (London 1993).

- ROBERT WEIMANN, Phantasie und Nachahmung (Halle 1970).


التصنيف : الأدب
المجلد: المجلد السابع عشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 872
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1094
الكل : 44624681
اليوم : 98314

بوبو (مسعود-)

بوبو (مسعود) (1938 ـ 1999م)   مسعود بوبو أديب ولغوي وباحث، وأستاذ جامعي. ولد في قرية «المزرعة» منطقة «البسيط» لأبوين فقيرين يتدبران رزق أسرتهما يوماً بيوم، وبعد عام من ولادته انتقلت الأسرة إلى قرية «بيت الشيخ ويلي»، ولما توفي والده عام 1940م، مخلفاً وراءه أرملة وستة أطفال، طلب «الآغا» من الأم أن ترحل بأطفالها عن أرضه، فتوجّهت بهم إلى قرية «وادي الرميم»، ودفعت بهم إلى العمل في أملاك الموسرين. وبعد ثلاثة أعوام استقرت الأسرة في قرية «ماخوس» قرابة عشر سنوات، قضى طرفاً يسيراً منها في بيت خاله في قرية «حبشكه».
المزيد »