logo

logo

logo

logo

logo

الإيمان

ايمان

Faith - Foi

الإيمان

 

الإيمانfaith  قبول مبدأ أو قيمة أو كائن قبول ثقة حرّة مطلقة من دون إكراه. وهو في اللغة التصديق، وضده التكذيب. والكفر نقيض الإيمان في شؤون الدين خاصة، وهو تغطية النعم بالجحود.

والإيمان عقد نفسي ـ اجتماعي يربط التصور بالسلوك لإنجاز هدف مأمول، قوامه إرادة منبثقة عن فهم قيمة وإقرارها والتقيد بتعاليمها النظرية والعملية. ويتسم التصديق الإيماني بوثوق الذهن بما يبدو له صحيحاً أو حقيقياً، وذلك حين تتساوى عوامل التأييد وعوامل الشك، فيضطلع الإيمان بترجيح جانب القبول على جانب الرفض، ويُعرف هذا النشاط باسم الاعتقاد.

ميّز الجرجاني العقائد من الاعتقاد، ووجد أنها: «ما يقصد فيه نفس الاعتقاد دون عمل». فالعقائد في نظره معرفة لا توجب عملاً يجاريها. ولكن الإيمان بوجه عام اعتقاد يشمل النظر والعمل معاً. وعندما لا يلقى تأييدُ التصور في الذهن ما يخالفه، فإن التصديق يكون تاماً، والإيمان يبلغ مرتبة اليقين.

أمارة الإيمان أن يصحبه سكون النفس، وثلج الصدر وانشراحه، وطمأنينة القلب، وهذه المشاعر تغذّي الثقة بصحة الإيمان من حيث الاستجابة للمعتقَد. وعلى ما هو هذا المعتقَد في ذاته، وإقرار مضمونه الذي يستحوذ على الانتباه، وينفي ما لا يتسق معه، ويغدو نيةَ تقيدٍ وامتثالٍ تتجهُ من حالة القصور إلى حال قرار إرادي بإطاعة المقتضى.

بين الإيمان والعلم، والمعرفة واليقين، وشائج مهمة. فالمعرفة تختص بما يحصل من الأسباب الموضوعية لإفادة العلم، واليقين حالة ذهن تقرّ معرفةً يمتنع معها الشك والعناد واحتمال الزوال فتغدو بداهةً يتعذر الارتياب فيها لدى فهم العبارة الدالة عليها. واليقين في الإيمان يمثله الاعتقاد الجازم الثابت المستقر بثبوته في القلب مشفوعاً بطمأنينة لا يعتريها جحود.

ويدلي علماء النفس برأيهم في نشأة الإيمان مؤكدين الانتقال من حالة أولى يكون التصديق فيها ضمنياً، لأن الميل إلى الاعتقاد والقبول معطى إنساني فطري يسبق الإفادة من العقل التأملي. ويضربون على ذلك مثلاً إيمان الطفل، وإيمان الراشد الغرّير الغُفْل، وإيمان الشعوب الابتدائية، وكلهم يتصف بسرعة التصديق، وتصديق كل ما يجول في الخاطر من تصور وتخيل، أو يرد إلى الروع بالسماع أو بالإيحاء. وتلي تلك الحالة حالة ثانية هي التصديق الواعي الناجم عن نشاط الفكر الانتقادي في تقويم المعرفة واستشفاف مبلغ العلم بمعيار اليقين. وبذا يتخطى التصديق الحقيقي التام مرتبتي التشكك والقدرة على النفي، كما يجاوز موقف التقليد واقتباس القيم اتباعاً، لا إبداعاً.

وللإيمان، من حيث مضمونه، أنواع تتبع تعلق الثقة بفكرة أو بشخص، مع إضفاء قيمة اليقين أو المطلق عليها أو عليه، وقد تتقدم قيمة الفكرة قيمة الشخص تارة، وبالعكس تارة أخرى، أو إنهما تمتزجان فينتج من ذلك صنوف من الإيمان تتمايز بموضوعاتها. وكل نوع من أنواع الإيمان ينمّ على نظريته الخاصة، وأركانها الثابتة.

من ذلك أولاً الإيمان الديني. وليس بخافٍ أن دلالة هذا الإيمان هي الأكثر شيوعاً عند استعمال كلمة الإيمان بوجه الإطلاق.

إن للقيمة الدينية في التاريخ تجليات إيمانية تبلغ حداً كبيراً من غنى التنوع وخصب الفحوى. وكلها تُعزى إلى مبادئ وأفكار يلتقي في الإيمان بها أناس متفاوتو العدد، متباينو الأمزجة والمآرب، بل الانتماء الزماني والجغرافي، ولكنهم يتفقون في سمات ثقافية مشتركة تجعل إيمانهم اعتقاداً في القلب، وإقراراً باللسان، وعملاً بمقتضى ذلك الاعتقاد وذلك الإقرار. وهذا الإيمان الكامل قد ينقص فلا يجاوز فعل القلب وحده، أو اللسان وحده، أو فعلهما معاً، أو مع سائر الجوارح. وقد بات مرجّحاً في المرحلة التاريخية الراهنة أن يقصر معنى الإيمان الديني على العقائد المقِرّة بوجود إله متعال أو محايث، خالق فعّال لما يشاء.

يتجلى ذلك في الديانة المسيحية مثلاً من تعريف المجمع الفاتيكاني الأول سنة 1870 الإيمان بأنه «فضيلة خارقة للطبيعة، يترتب علينا، بإرشاد العناية الإلهية ومددها، أن نقرّ بحقيقة وحي الله. ولا يرجع ذلك إلى إدراكنا الحقيقة الذاتية بعقلنا، بل إلى أن سلطة الله هي التي لا تضل ولا تخدعنا».

أما في الإسلام، فالإيمان تصديق بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره تصديقاً بالقلب وإقراراً باللسان وعملاً بالجوارح. وللإيمان والإسلام دلالتان متراتبتان، إذ الإسلام هو الخضوع والانقياد وتسليم المرء إرادته لإرادة الله سبحانه في أمره ونهيه. وقد حدد الزمخشري هذا التراتب بقوله: «كل ما يكون الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام. وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان». ورأى الغزالي أن «الإسلام تسليم ترجمانه اللسان، الإيمان تصديق محله القلب». وقال ابن حزم: «الإيمان عقد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح»، فمن أظهر الخضوع وقبول الشريعة وما أتى به النبيe مع اعتقاده وتصديقه بالقلب فهو مؤمن مسلم غير مرتاب ولا شاك. وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه لا يدخله في ذلك ريب. قال تعالى: )قَالَت اْلأَعْرابُ آَمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُوْلُوا أسْلَمْنَا ولَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكم، وإِنْ تُطِيُعوا الَله ورَسُولَه لاَ يلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكم  شَيئاً إن الَله غفورٌ رحيم( (الحجرات 14).

وقد أولى الجُبَّائي من المعتزلة وابنه أبو هاشم فكرة الطاعة عناية خاصة في الحديث عن الإيمان. وإذا كان الإيمان لدى أبي هاشم «نعمة من الله»، فإن الوصول إلى الله لا يتم إلا بالطاعات. وقد أُثيرت مشكلة زيادة الإيمان ونقصه في إطار الطاعة القائمة على أداء الفرائض والنوافل. أما الذين رفضوا الزيادة والنقصان في الإيمان فحجتهم أن «العمل ليس من الإيمان» وقالوا: «الإيمان المطلق عبارة عن التصديق. والتصديق لا يقبل الزيادة والنقصان».

أما الصوفية المسلمون فقد فرّقوا بين مستويات ثلاثة للإيمان: المستوى العيني (أو الموضوعي) والمستوى القلبي (أو الذهني) والمستوى اللفظي، وأعلاها هو المستوى الأول أو «الوجود العيني للإيمان» وهو حصول المعارف الإلهية في القلب. وتغدو حقيقة الإيمان نوراً مستقراً ووجداناً لليقين لا يداخله الشك. ويرى الصوفية أن الوجود الذهني أو اللفظي (شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله) للإيمان من غير حصول عين الإيمان لا يفيد، كما لا يفيد العطشان تصور الماء ذهنياً ولا التلفظ به. أما من لم يرزق الإيمان الذوقي على الطريقة الصوفية فيُطلب منه أن يحوز «الإيمان عن علم». ورفضت الفرق الكلامية في الإسلام التقليد في الإيمان، سوى بعض الحنابلة الذين رأوا صحة تقليد النبي والصحابة. كذلك أُثيرت الشكوك حول «إيمان اليأس» واعتبره المتكلمون مرفوضاً لأنه غير مبني على اختيار ودراية، وهم بذلك ينظرون إلى إيمان فرعون قبل الغرق.

إضافة إلى هذه الاعتبارات النظرية الكلامية في الإيمان، فقد ظلت قيمة الإيمان الأساسية مرتبطة بالجانب العملي. وتسود فكرة عامة عن تدرج معاني الإيمان بالرجوع إلى الحديث النبوي الشريف «الإيمانُ بِضْعٌ وسبعونَ أو بضعٌ وستونَ شعبة فأفضلها قولُ لا إلهَ إلا اللهُ... وأدناها إماطةُ الأذى عنِ الطريقِ والحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ».

وهناك أيضاً الإيمان بالقيم الإنسانية المتجلية في شتى أغراض الحياة الاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والأدبية حتى التقنية وأضرابها. فثمة مثلٌ في مجال السلوك الفردي، وهو الإيمان بالقيم الأخلاقية العملية وما واكبها من مشاغل الحضارة والتثقيف، ومطلب الاستزادة من المعرفة والخير والجمال. وثمة إيمان قومي يترجمه شعور الأفراد بالانتماء إلى أمةٍ ذات تطلع إلى أهداف مرموقة يُرجى من تنظيمها بالقانون إنجاز قيم رفيعة كالعدالة والحرية والتكامل والتعاون الإنساني بين الأمم والأقوام.

للإيمان، وهو حادث نفسي وحادث اجتماعي معاً، أثر بالغ في حياة الأفراد والجماعات ولاسيما في مسعى فهم سلوك الناس في حياتهم الدنيوية والأخروية. وقد انصرف المفكرون والفلاسفة إلى تفسير الإيمان بنظريات كثيرة ومذاهب متنافرة من أشهرها:

ما يراه الرواقيون أن الإيمان فعل إرادي لأن التصور لا ينقلب تصديقاً إلا بالاختيار. ويمضي ديكارت على دربهم مع إلحاف (الإلحاف: شدة الإلحاح في المسألة) على أثر العقل الذي يقبل تصور المعاني ويأخذ بتقليب الأدلة المناسبة للرأي، والمخالفة له. ويظل الذهن متردداً حتى تقطع الإرادة دابر الشك وتحكم بالموافقة والتأييد، أو بالردّ والرفض. ولا يتسع إمكان الخطأ إلا إذا افتقد الذهن مرحلة الشك، واكتفى بما يجول في التصور نتيجة النقل عن الآخرين، أو لضحالة التجربة، وعندئذ يكون التصديق تسليماً لغلبة التقليد والاتباع.

وعلى نقيض هذا المنحى العقلي يذهب أمثال القديس توما الأكويني إلى أن لكلٍ من العقل والإيمان حقيقته الخاصة. ولكن حقيقة الإيمان فوق حقيقة العقل من جراء دعم الفضل الإلهي. ويذهب مارتن لوثر إلى أن الإيمان يقوم على الثقة الكلية بالحب الإلهي والنعمة الإلهية، وكلاهما نتيجة اتصاف الله بالخيرية. أما جان كلفن فإنه يعزو تفوق الإيمان إلى كرم الله وعطفه في سياق العهد المقطوع للمسيح والموحى به للعقول من خلال الروح القدس.

ويقف باسكال موقفاً وسطاً بين مذهبي العقل والإيمان وعنده أن ثمة هوة سحيقة بين عقل الإنسان، وهو محدود ومتناه، وطبيعة الإله غير المحدودة وغير المجزأة. فلا يملك أحد أن يؤمن بطريق العقل أو لا يؤمن. ومن هنا جاء بنظرية الرهان الشبيهة بما ذهب إليه (الغزالي) من حيث التريث في القطع بالحكم، واللجوء إلى أنّ من راهن في هذه الحياة الدنيا على وجود الله فأيَّدت الحياة الآجلة صواب رأيه كان رابحاً، ومن ذهب إلى غير ذلك كانت خسارته فادحة تامة في الحياتين.

ومن الفلاسفة الأعلام الشديدي العناية بمسألة الإيمان إمانويل كَنت[ر] Kant القائل إن من المحال إثبات وجود الله بالعقل المحض العاجز عن تجربة المطلق أو الأشياء في ذاتها. ولا مناص من تمييز الرأي من الإيمان من جهة، ومن العلم من جهة أخرى. وهي جميعاً أوجه الاعتقاد، فالرأي اعتقاد يعي نقصه من الناحيتين الذاتية والموضوعية، والعلم اعتقاد تكتمل فيه شروط المعرفة الذاتية والموضوعية. أما الإيمان فإنه اعتقاد كافٍ من الناحية الذاتية، وناقص من الناحية الموضوعية. وإنما يعوّض العقل العملي نقص الموضوعية بيقين منطقي معنوي ينبثق عنه ويسوق إلى التسليم بالحرية، وبوجود الله، وبخلود الروح، ويكون القانون الأخلاقي سبيلاً لبلوغ الخير الأسمى، وهو كنه الدين. «ولا أمل بتحصيل السعادة إلا بهذا الإيمان».

إن المسألة الرئيسة في جدل العقل والإرادة والإيمان ترجع إلى التساؤل عن أي من العواطف أو الأفكار يبعث الآخر في الذهن، وأكد ما في الإجابة يمثل في الرجوع إلى الإيمان من حيث توخيه في أقصى مداه، رتبة اليقين. وهذه الرتبة لا يبلغها، من جهة أولى، إلا الأسوياء الراسخون في ممارسة شؤون التصور والتصديق وتقليب الأدلة والبراهين. أو يبلغها، من جهة أخرى، أولئك الذين يؤمنون تسليماً، ولكنهم يسعون لتسويغ موقفهم بحجج من طراز الوحي أو الإلهام، أو النفحة الإلهية يقذفها الله في الصدر كما يرى المتصوفة الحدسيون.

أما الذين يهملون في إيمانهم أسباب العقل، أو يرون أن العواطف مصدر الأفكار والصور الذهنية، فإنهم يمتحون مضمون معتقداتهم من أناسي عصرهم، أو من أسلافهم، وبعضهم تتمثل له القيم الاجتماعية أو سواها في أشخاص من بني جلدتهم، ولاسيما في أشخاص المبرّزين في مضمار السياسة أو العلم أو الثقافة أو الفن، وتكون ثقتهم المطلقة، أو شبه المطلقة، حافزاً يدعو إلى الاقتداء بسننهم، أو إطاعة تعليمهم، ويكون اتباعهم حصيلة أفكار مبيّتة، ومذاهب شائعة، لم تخضع لأي تمحيص منهجي سليم.

وقد يشتد إهمال الفكر الانتقادي والتقويمي بما يتخطى المستوى السوي فيصاب الإيمان بخلل يراه المفكرون والأطباء وعلماء التحليل النفسي مرضاً متجلياً إما في سرعة التصديق الطفولية، وإما في وساوس الشك والارتياب وهواجسها المضنية. وهنا يفترق مطلب اليقين عن مطلب العلم. الأول نزوع فطري لا يلبث أن يفسد حين العناية بالعقل والمعقول، والآخر كسبي يقوى بالمران وبالجهد الحثيث لبلوغ المعرفة الأتم والأقرب إلى الموضوعية العلمية والصواب المتين.

 

عادل العوا

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

الإسلام ـ الدين ـ العقيدة  ـ كَنت.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ ابن حزم، المحلّى (القاهرة(.

ـ الجرجاني، التعريفات (استنبول 1327هـ(.

ـ الزمخشري، الكشّاف عن غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (القاهرة 1354هـ(.

ـ الغزالي، المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال ط5 (دمشق 1956(.

Eugène Joly: Qu'- est ce que croire (Paris 1986).


التصنيف : الفلسفة و علم الاجتماع و العقائد
النوع : دين
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 489
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1100
الكل : 44636511
اليوم : 110144

سمولت (توبايس جورج-)

سمولِت (توبايَس جورج ـ) (1721ـ1771)   توبايَس جورج سمولِت Tobias George Smollett أديب ومؤرخ وصحفي ومترجم اسكتلندي، ولد في بلدة كاردرُس Cardross في منطقة دمبارتونشير Dumbartonshire وتوفي بالقرب من مدينة ليفورنو Livorno في إيطاليا. ينحدر سمولِت من عائلة برجوازية متوسطة كثر فيها المحامون والجنود، وتنتمي إلى الكنيسة المشيخية Presbyterian، وإلى الحركة الإصلاحية سياسياً.
المزيد »