logo

logo

logo

logo

logo

البابلي (الفن)

بابلي (فن)

BABYLONIAN (ART-) - BABYLONIEN (ART-)

البابليون

 

تطلق تسمية البابليين The Babylonians (نسبة إلى مدينة بابل[ر]) على سكان بلاد ما بين النهرين الجنوبية[ر]. والبابليون شعب أصيل في المشرق العربي يعود في أصوله الإثنية إلى مجموعة من الشعوب اصطلح المؤرخون على تسميتها بالشعوب (السامية)، وهي تلك الشعوب التي تنحدر من أصل واحد، وتوزعت بمرور الزمن بين الجزيرة العربية، وبلاد ما بين النهرين، وسورية. وقد سكن جنباً إلى جنب السومريون[ر] والأكديون[ر] في منطقة ما بين النهرين، وتناوبوا على حكم هذه المنطقة حتى انتهوا إلى توحيدها في الألف الثالث ق.م وعُرفت فيما بعد باسم بلاد بابل مع اختلاف اللغة والمنشأ.

تاريخهم

يبدأ تاريخ البابليين بظهور مدينة بابل في بداية الألف الثاني ق.م، ويستمر حتى سقوط المدينة بيد الفرس الأخمينيين في عام 539ق.م. وينقسم هذا التاريخ إلى عدة عصور:

 1ـ عصر الدولة البابلية القديمة (أو الأولى):

يبدأ بوصول سَموآبو (سوموأبوم)، أحد زعماء القبائل البدوية الأمورية إلى حكم مدينة بابل. وقد تمكن هؤلاء الأموريون[ر] من إقامة عدد من الدول ودول المدن في بلاد ما بين النهرين وسورية، من بينها الدولة الآشورية القديمة، وماري، ويمحاض، وقطنة، والدولة البابلية القديمة. ونسبة إلى هذه الدولة سمي العصر بالعصر البابلي القديم الذي أمسى عنواناً لحضارة بلاد ما بين النهرين بكاملها، إذ وصلت فيه الحضارة إلى قمة إنجازاتها، ولاسيما في عهد أشهر ملوكها حمورابي[ر] صاحب التشريعات المعروفة باسمه. وسادت اللغة البابلية وكتابتها المسمارية في كل أنحاء الشرق الأدنى القديم، وأضحت لغة العالم القديم الدبلوماسية والسياسية، وانحسر تأثير اللغة السومرية، وشارف على الانقراض كما انصهرت الفروق بين السومريين والساميين الذين كوّنوا مجتمعاً بابلياً واحداً.

واستمرت الدولة البابلية في تقدمها الحضاري حتى سقطت على يد ملك الحثيين مورشيلي الأول في عام 1595ق.م.

عمل أول ملوك بابل على تحصين بابل بسور جديد، ثم قام بنشاط حربي مكّنه من التوسع على حساب جيرانه. ثم تابع خليفته سومولائيل سياسته التوسعية فأخضع مدينة كيش وعدداً من المدن القريبة جنوبي بابل حتى وصل نفوذه إلى جوار مدينة نيبور بحيث استولى على أرض أكد بكاملها. وشُيِّدَ في عهد خليفته سابيوم (حوالي 1844-1831ق.م) بناء معبد بابل المشهور «إيسا جيلا» الخاص بإله المدينة والدولة الرئيس مردوخ. وقام ابنه بزيادة تحصينات العاصمة وإقامة معبد للإلهة عشتار. ولمَّا وصل حمورابي إلى الحكم (1792-1750ق.م) وهو الملك السادس من ملوك الدولة البابلية كان عليه أن يحاول الاحتفاظ باستقلال بابل بين آشور القوية في الشمال ولارسا في الجنوب، فأقام عدداً من التحالفات المؤقتة مع جيرانه الواحد تلو الآخر حتى استطاع القضاء على أعدائه في الشرق والجنوب. وكان حظه كبيراً إذ مات شمشي أدد الأول بعد أن عاصره عشر سنوات، فخف الضغط الخطير الذي كان يمثله الملك الآشوري القوي على حمورابي في الشمال. كما اعتلى عرش ماري زمري ليم فعقد معه ومع ملك يمحاض (حلب) الأموري تحالفاً أفاد منه حمورابي في حروبه التوسعية حتى تمت له السيطرة على مناطق بلاد الرافدين جميعها، ولم يتبق أمامه سوى ضم مملكة ماري إليها، فهاجمها في عام 1759ق.م وقضى على عرش حليفه المخلص زمري ليم. ولمَّا ثار عليه أهل ماري بعد سنتين قمع تمردهم ودمر المدينة مثلما فعل بعدها بأشنونة حتى لا تقوم لهما قائمة. وبذلك استطاع حمورابي أن يوحد بلاد ما بين النهرين للمرة الثانية، إذ كان شروكين الأكَّدي (سرجون أو صرغون) (2340-2284ق.م) من قبل أول من وحد هذه المناطق وزاد عليها شمالي سورية وصولاً إلى البحر المتوسط. توالى بعد حمورابي عدد من الملوك الذين لم يكن لهم صيت ذائع أو أثر بارز في تاريخ المملكة حتى سقطت على يد الحثيين.

 2ـ عصر الكاشيين:

وفد الكاشيون[ر] من المناطق الجبلية الشمالية الشرقية وتسللوا سلمياً إلى المدن البابلية الرئيسة، وتسلموا مقاليد السلطة حين سقطت بابل بيد الحثيين الذين مالبثوا أن انسحبوا منها. واستمر الكاشيون في حكم البابليين نحو خمسة قرون، فعاصروا الآشوريين، حكام الشمال الرافدي، وفرضوا نفوذهم عليهم ردحاً من الزمن، كما عاصروا الحثيين والحوريين - الميتانيين، والدولة المصرية الحديثة، وأقاموا علاقات وثيقة مع ملوك الأسرة الثامنة عشرة. وعدوا أنفسهم ملوك بابل الشرعيين، واتخذوا ألقاب ملوكها. ولمَّا اختفت دولة الحوريين ـ الميتانيين التي كان مركزها في منطقة الجزيرة العليا (الجزيرة السورية، كما تسمى اليوم) وتزايدت قوة الآشوريين في الشمال، واستعادت عيلام عافيتها وبدأت تتحرش بدولة الكاشيين من جديد، غدت هذه الدولة محصورة بين عدوين قويين، وقد ساءت أحوالها الداخلية، وحلّ فيها الضعف. قام الملك الآشوري توكولتي نينورتا (1244-1208ق.م) باحتلال بابل والوصول إلى البحر الأسفل (الخليج العربي). ولمَّا مات استعاد البابليون استقلالهم، الذي لم يطل كثيراً إذ هاجمها ملك العيلاميين شوتروك ناخونته نحو عام 1160ق.م ودمرها مع عدد من المدن الأخرى، ونهب قصورها ومعابدها، وحمل معه جملة من الغنائم النفيسة ذات الدلالة التاريخية، مثل مسلة الملك الأكدي منيشتوشو، ومسلة النصر نارام سين ومسلة حمورابي التي دونت عليها شريعته.

استطاع البابليون في مدينة إيسن التي قامت فيها أسرة بابلية حاكمة، أشهر ملوكها نبوخذ نصّر الأول (1124-1103ق.م)، طرد العيلاميين، ومد نفوذهم السياسي إلى الآشوريين في الشمال، ولكن ما إن استعاد هؤلاء قوتهم حتى انقلبت الآية، وخضع البابليون للآشوريين في الوقت الذي بدأت فيه القبائل الآرامية تتدفق على البلاد، وتنشئ الإمارات المحلية. وتفاقمت الأوضاع السياسية السيئة في البلاد حتى تدخل الملك الآشوري تغلات بيلاصر الثالث (745-727ق.م) وفرض سيادته على بلاد بابل، ولكن الأوضاع تردت بعد موته ثانية، وقامت فيها أسرة حاكمة بزعامة آرامية. ثم عادت للخضوع مرة أخرى للسيادة الآشورية في عهد الأسرة السرجونية: سرجون الثاني وخلفائه سنحريب، وأسرحدون، وآشور بانيبال.

 3ـ العصر البابلي الحديث (أو الكلداني)

أقام الكلدانيون ـ وهم إحدى القبائل الآرامية ـ في جنوبي العراق منذ أواخر العصر الكاشي، وكوّنوا إمارات عدة، كانت أكبرها إمارة بيت داكورين وبيت ياقين، وبيت نافو، في المنطقة الواقعة إلى الشمال من الخليج العربي. وسيطرت قبائل آرامية أخرى على المنطقة الممتدة بين مدينة بابل وبورسيبا.

أسس الحكم البابلي الجديد كلداني يدعى نابوبولاصَر (626-605ق.م). وكان هذا حاكماً عيّنه الملك الآشوري على منطقة القطر البحري المتاخمة للخليج العربي، ثم ما لبث أن وسع منطقة نفوذه بعد موت آشور بانيبال باتجاه الشمال حتى وصل إلى مدينة نيبور. ولمَّا لمس ضعف آشور تجرأ على دخول مدينة بابل وإعلان نفسه ملكاً عليها. وبعد عشر سنوات هاجم الآشوريين عند نهر الزاب الأسفل ودحرهم، ثم حاصر مدينة آشور في العام 616ق.م وارتد عنها. ولكن ظهور الميديين (الإيرانيين) ونمو قوتهم مكّنه وإياهم من القضاء على الآشوريين وإسقاط عاصمتهم نينوى في العام 612ق.م. ثم تمت السيطرة الكاملة على سورية على يد ولي العهد نبوخذ نصّر الذي قهر الجيش المصري الذي أرسله الفرعون نيكاو الثاني إلى كركميش (جرابلس اليوم) للوقوف في وجه التوسع البابلي في عام 605ق.م، وهو العام الذي مات فيه نابوبولاصر، وجلس فيه نبوخذ نصّر الثاني (605-562ق.م) على عرش بابل، ولكن المصريين وإن تكبدوا خسائر جسيمة في معركة كركميش لم يتوقفوا عن محاولة العودة إلى سورية. فكانوا يستعدون الحكام السوريين على البابليين، ومن بينهم أمير عسقلان في فلسطين الذي عاقبه نبوخذ نصّر ونهب مدينته عام 604ق.م، ثم قرر بعد ثلاث سنوات مهاجمة مصر نفسها. ثم عاد إلى فلسطين من جديد لمهاجمة القبائل البدوية التي كانت موالية لمصر التي زاد شكه في نواياها حين تيقن من تفاهم جرى بين فرعونها وبين ملك يهوذا. فحاصر نبوخذ نصّر أورشليم حتى سقطت بيده عام 597ق.م. واقتاد معه إلى بابل نحو 3000 يهودي أسرى، وعين عليها «صدقياً» والياً. وكان ذلك عند اليهود السبي البابلي الأول. ثم عاد نبوخذ نصر فغزا أورشليم واقتحمها بعد أن حاصرها 18 شهراً في عام 587/586ق.م، ودمر هيكل سليمان ونقل خزائنه، ونفى أربعين أو خمسين ألفاً من أهلها «لينوحوا عند مياه الفرات» بحسب قول كتاب العهد القديم. وأطلق اليهود على هذا اسم «السبي البابلي الثاني». وبعدها أعاد المدن الفينيقية التي استغلت الأوضاع وأعلنت العصيان إلى حظيرة الدولة البابلية، ولكن صور المنيعة استعصت عليه 13 عاماً حتى صالحته ورضيت شروطه.

كان الملك البابلي نبوخذ نصّر الثاني من الملوك القلائل الذين جمعوا بين الكفاءة الإدارية والبراعة في قيادة الجيش. كما كان يتمتع بحس فني ومعماري رفيع. ويشهد على ذلك إعادته مدينة بابل إلى مكانتها الرائدة في العالم القديم التي كانت قد وصلت إليها في عهد سلفه حمورابي. فأمست أشهر مدن العالم القديم نتيجة إنجازاته وما خلف فيها من المعالم الحضارية، ما خلد اسمها.

حكم نبوخذ نصّر الثاني نحو 43 عاماً، وهي مدة تعادل قرابة نصف حكم الأسرة الكلدانية، إذ خلفه على العرش ابن له، ثم توالى بعده اثنان من الملوك وخلفهما الملك نابونيد (555- 539ق.م) الذي وصل إلى الحكم عن طريق الانقلاب، وكان خاتمة المطاف للسيادة البابلية في تاريخ المشرق العربي القديم.

كان نابونيد من كبار رجال الدولة في عهد نبوخذ نصر الثاني، وكان يتميز بمحاباته لإله القمر «سين» الذي كانت والدته كاهنة له، فغرست في نفسه تقديم عبادته على غيره من الآلهة، ولاسيما رئيس الآلهة البابلية مردوخ. فجرّ هذا عليه سخط الناس وكهنة مردوخ. بدأ نابونيد حياته السياسية بالسير على خطا نبوخذ نصّر في قيادة الجيش وتفقد أقاليم المملكة، ومطاردة القبائل العربية في شمال غربي الجزيرة العربية، وعين ابنه نائباً له. فأساء الابن التصرف ولاسيما بتدخله في شؤون المعابد وأملاكها، بينما فضَّل هو المكوث في مدينة تيماء في شمال غربي الجزيرة العربية، لأسباب مجهولة مدة تقارب العشر سنوات بعيداً عن العاصمة بابل. ولمَّا شعر نابونيد بالخطر الفارسي، عاد إلى العاصمة التي كان أهلها ساخطين عليه وعلى ابنه، وكانت تعاني أوضاعاً اقتصادية متردية واضطرابات سهَّلت على ملك الفرس قوروش الثاني دخول البلاد في العام 539ق.م من دون مقاومة، إذ استقبله الأهالي بالترحيب، وفي مقدمتهم كهنة مردوخ، فعين قوروش ابنه قمبيز ملكاً على بابل.

كانت الدولة البابلية الحديثة آخر دول بلاد ما بين النهرين الوطنية في تاريخ المشرق العربي القديم. وكان عصرها على قصره (626-539ق.م) من أزهى عصورها السياسية والحضارية. وإن انتهى أثر بابل في التاريخ القديم في عام 539ق.م دولة مستقلة، وانتهى دور آشور في عام 612ق.م، فإن زوال أثرهما السياسي لم يستتبعه زوال تأثيرهما الحضاري في الشرق والغرب معاً.

حضارتهم

بلغت الحضارة البابلية من الشهرة في التاريخ ما جعلها تغدو عنواناً للحضارة الشرقية القديمة، وممثلة لأرقى حضارات جنوب غربي آسيا.

النظام السياسي والإداري:

عرف البابليون نظام الحكم الملكي الوراثي، إذ كان يخلف الابن أباه في الحكم، ونادراً ما كان الملوك يمتلكون السيادة المطلقة. ومع ادعائهم أن الآلهة هي التي اختارتهم لحكم البلاد، وفوضت إليهم التصرف في شؤون الرعية، فلم يؤلهوا أنفسهم، كما فعل غيرهم.

وكان للملك أن يقرر للموظفين الكبار في القصر حدود المهام التي يوكلها إليهم. وأن يكلفهم العمل ضباطاً أيام الحرب. ولم يكن الملك يحمل ألقاباً فضفاضة مثل ملك الجهات الأربع التي كانت شائعة في المملكة الأكدية، بل كانوا يكتفون بلقب «الملك الكبير»، «الملك القوي»، كما أطلق حمورابي على نفسه لقب «الراعي الوالد». وكان القصر الملكي يكون المركز الإداري إلى جانب المعبد. وكان الوزير (سوكَلّو) يساعد الملك، والمحافظ (أو الحاكم/الوالي) (ربيانون) rabiianum، أي الكبير، يدير الأقاليم والمقاطعات باسم الملك. ثم شاعت تسمية (خَزْيانُم/خَزَنّمُ) له. وكان من الواجب على مختلف موظفي الإدارة أن يكونوا ضليعين في الكتابة، ولذلك كثيراً ما كان يشار إليهم بصفة «الكتّاب» (طبُشَروّ) Tubxharru أيضاً، مع مجالات عملهم ومن أهمها: إدارة شؤون الزراعة الخاصة بالقصر والمعبد. كما كان يجب عليهم قياس الأراضي لأصحاب الأملاك أو المزارعين المستأجرين، ومراقبة شؤون تربية الحيوان والصيد. وكان ثمة موظفون مسؤولون عن تنظيم القنوات المائية الرئيسة وصيانتها، وإقامة الحواجز والسدود على الأنهار، أما أمر تحصيل الضرائب والرسوم المختلفة من التجار وأصحاب المهن المختلفة فكانت تقع على مسؤولية الجباة makisu (ماكِسُ).

اقتصادهم

الزراعة:

كانت الزارعة في بلاد بابل تتطلب، مع توافر المياه من نهري دجلة والفرات، عملاً مضنياً وتنظيماً دقيقاً، ولكنها كانت تثمر غلالاً وفرة، فكان من الضروري شق القنوات لإيصال المياه إلى الحقول، وكانت مسؤولية القنوات الرئيسة تلقى على كاهل الدولة. أما المزارعون فهم الذين يتولون القنوات الصغيرة الثانوية والعناية بها. وكان المألوف أن تبذر المحاصيل في أواخر الخريف وتحصد في نهاية الربيع. وكانت الغلال تحصد بالمناجل. ويبدو أن البابليين كانوا يستخدمون النورج للدراس، ثم يقومون بعملية التذرية، وبعدها بتخزين المحصول في أهراء قريبة من الحقول.

أما المحاصيل فكانت من القمح والشعير، والعدس، والحمص، والكتان، والسمسم، والبازلياء والشوفان والدّخْن والجلّبان. وكان الشعير يحتل المقام الأول من حيث الاستخدام البشري. فكانوا يصنعون منه الخبز والطحين والجعة (البيرة). واستخرج البابليون الزيت من السمسم لفقر بلادهم بأشجار الزيتون، وصنعوا الأنسجة من الكتان. وكان تمر النخيل من أكثر المواد الغذائية أهمية، كما كان لخشب النخيل استخدامات مختلفة في مجال البناء مع سوء نوعيتها. ومن أشجار الفاكهة المعروفة التين والرمان والتفاح، ولم تكن الحمضيات معروفة في بابل. وكثيراً ما استخدم البابليون النباتات والأعشاب للتداوي.

كما كانت تربية الحيوان شائعة عند البابليين. فكان الكلب من أقدم الحيوانات المنزلية لكثرة فوائده في الحماية والصيد. كما اعتنى البابليون بتربية القطط المنزلية. واستعان البابليون بالحمار وورد ذكر البغل أيضاً في الكتابات البابلية، أما الحصان فقد تأخر ظهوره في بلاد بابل، ومثله الجمل. كما اعتنى البابليون بتربية البقر والغنم والماعز والخنزير. ونجد في المشاهد التصويرية رسوماً كثيرة للثيران، وكان الثور رمزاً لإله القمر، ونلاحظ أن الملوك كانوا يلقبون أنفسهم باللقب الإلهي «الثور» إشارة إلى القوة. كما كان راعي الأغنام النموذج الحقيقي للرعاة ولقب «الراعي» اتخذه كثير من الملوك لأنفسهم.

وإلى جانب الدواب كان البابليون يعنون بتربية الطيور مثل الإوز والبط، وكذلك الدجاج والنعام والحمام.

المهن والحرف:

أطلق البابليون، ومعهم الآشوريون والأكديون من قبلهم لفظة ummanutu (أومّانوتو) على الحرف اليدوية، ولفظة أومّيا/أومّانو على معلم الحرفة. وكان الغزل والنسيج، والخياطة والتطريز من أهم الحرف التي اختصت بها النساء. وثمة شواهد تشير إلى صنع أثواب ثمينة للملوك وكبار الكهنة وغيرهم. وكانت مادة الخياطة والنسيج الصوف والكتان. وقد عرف البابليون، مثل خلفائهم، الأقمشة الملونة وصباغتها بوساطة الشب والقرمز. وقد شاع استخدام الأنوال في النسيج. وكان ثمة حِرَف أخرى متميزة كحرفة صانعي الأكياس والسجاد. وتعد نصوص ماري البابلية القديمة ونصوص نوزي أغنى النصوص من حيث المعلومات المتصلة بصناعة السجاد. ويبدو أن صناعة المنسوجات كانت مجال عمل لكثير من الناس في كل العصور، ومن ثم مجالاً اقتصادياً ذا أهمية متميزة. ولا شك أن فراء الحيوانات المختلفة كان يوفر أقدم الثياب للإنسان، وقد استخدم بعضها في صنع الأحذية. ومن أكثر الحيوانات التي استفاد الناس من جلودها البقر، والماعز. وكان للجلد استخدام قليل للكتابة عليه. وكان القصب يستخدم في صناعة السلال وأعواد السهام والرماح، وفي بناء القوارب والمراكب النهرية، وصناعة الأبواب البسيطة والأثاث المنزلي، وفي بناء الأكواخ وتغطية أرضيات المنازل والحظائر في الريف، وكانت طبقات من الحصر القصبية تستخدم في بناء الأبنية الضخمة كالمعابد البرجية (الزقورة).

كانت الأخشاب قليلة في بلاد بابل، لذلك نجد البابليين كالمصريين يحاولون الوصول إلى الجبال المحاذية لشرقي البحر المتوسط لجلب الأخشاب الجيدة منها. وتذكر المعجمات البابلية عدداً كبيراً من الأدوات الخشبية التي كان البابليون يستخدمونها في الأعمال المختلفة، وفي صنع الأثاث المنزلي، وكان للنجار أثر كبير في بناء البيوت والمعابد والقصور، والمراكب النهرية والعربات ذات العجلات الخشبية.

وكانت حرفة الفخّار شائعة لدى البابليين، لأهمية صناعة اللِبْن في البناء، وفي عمل الألواح الطينية (الرُّقم) للكتابة عليها، وفي صناعة الأواني والدّمى والأعمال الفنية الأخرى. وكذلك الحجّار الذي كان بحاجة إلى الأحجار والصخور التي كانت تجلب من المناطق الجبلية الآسيوية من زاغروس وإيران وآسيا الصغرى، وسورية، للبناء وصنع الأدوات الحجرية، وفي النحت الفني.

أما الحرف المعدنية فكان العامل فيها يذكر في النصوص بلفظة نباخو nappakhu أي الحداد، نَفّاخ الكور الخاص بصهر المعادن. وكان النحاس والبرونز من أكثر المعادن استخداماً في صناعة الأسلحة والأدوات. وكان هناك صائغ الذهب والأدوات الثمينة من الفضة والمعادن الأخرى.

التجارة:

وتعني بمعناها الواسع مبادلة البضائع بشتى أنواعها، ومن بينها البشر (العبيد) والعقارات، سواء على المستوى المحلي، أو الخارجي. وثمة نصوص اتفاقات تجارية، وقوائم جرد للبضائع، ومراسلات تجارية وصلت إلينا منها آلاف من بلاد بابل.

وكانت معظم النصوص التجارية تُوَثّق. وقد شاع في بلاد بابل الفقيرة بالمعادن اعتماد الحبوب خاصة مادةً للمقايضة، كما شاع استخدام الأغنام وسيلة لتقدير ثمن البضائع أيضاً. ثم حلت المعادن، ولاسيما النحاس والفضة محل المقايضة. وكانت الدولة تعقد الاتفاقيات التجارية مع جيرانها، وتحرص على فتح الطرق وحمايتها والسيطرة عليها، وتسيير القوافل التجارية التي تعتمد على الحمير وسيلة للانتقال. وكان التاجر (تمكارو) Tamkaru يقوم بوظيفة رئيسة في المجتمع البابلي: مشترياً وبائعاً بالجملة والمفرق، ممولاً ومستثمراً وبديلاً عن المصارف. أما البضائع التي كانت تصدر من بلاد بابل فهي الحبوب بأنواعها، والتمور والأدوات المصنعة والمنسوجات. وكانت تستورد المواد المعدنية الخام من إيران وسورية وآسيا الصغرى، وزيت الزيتون والنبيذ والأخشاب من سورية. كما كانت تجارة العبيد رائجة عند البابليين، وكان معظمهم من إيران، في عصر حمورابي.

حياتهم الاجتماعية:

كانت الأسرة في كل أرجاء المشرق العربي القديم مبنية على سلطة الأب، ولكن حقوق الأب لم تكن مطلقة. ولم يكن تعدد الزوجات مقبولاً ولا مسموحاً به إلا في الحالات النادرة، ولاسيما إذا كانت المرأة عاقراً، أو تعاني مرضاً عضالاً. وعلى الزوج أن ينفق عليها إذا أرادت البقاء عنده، وإلا فعليه أن يدفع بائنتها كاملة، وإذا كانت ذات ولد كان على الزوج أن يدفع لها كذلك نصف أملاكه. وكانت الزوجة تتمتع بمكانة اجتماعية مساوية للرجل، وتحظى بحق العمل، ولكن بعد أخذ موافقته. وكان الأولاد الذكور مفضلين على الإناث، وللبكر مزايا خاصة، وكان نظام التبني واسع النطاق عند البابليين.

أما طبقات المجتمع البابلي فكانت ثلاثاً:

 1ـ الأحرار، وهم مواطنو المدن والفلاحون والرعاة.

 2ـ طبقة (الموشكينو) mushkenu وهؤلاء يمثلون الطبقة الوسطى، وهم أقرب إلى طبقة الأحرار من الناحية الاجتماعية، وأشبه بوضع الموالي في العصر الجاهلي وفي صدر الإسلام عند العرب.

 3ـ طبقة العبيد، وهؤلاء يخصون دائماً أفراداً معينين أو المعابد. كان يمكن للعبد أن يمارس التجارة بموافقة سيده وله علامة وهي حلاقة نصف الرأس حتى لا يهرب، وإذا هرب توجب على الموظفين القبض عليه وإعادته إلى مالكه. ويعود أصل الكثيرين من العبيد إلى أسرى الحروب وسباياها. وكان بإمكان العبد أن يعتق نفسه، وقد يتبناه أحدهم، وكانت معاملتهم مقبولة، ويعدون أفراداً تابعين للتجمع المنزلي.

ولم يكن المجتمع الشرقي القديم بعامة حتى في المدن الكبيرة مستقراً تماماً، فمع وجود الأسرة، كان ثمة الأسرة الكبيرة، أو العشيرة التي كانت تعيش في المدينة والقرية، وتجاور البدو والرعاة. وقد نجح عدد كبير من هؤلاء في تطوير أنفسهم وصاروا جنوداً وضباطاً، وتمكنوا من الارتقاء إلى منصب الحاكم أو الملك، وتأسيس أسر حاكمة، كما كانت حال مؤسسي السلالتين البابلية الأولى والبابلية الحديثة.

الديانة:

كان البابليون كغيرهم من شعوب المشرق العربي القديم وثنيين، لهم آلهتهم الخاصة، ويرأسها إله مدينة بابل مردوخ الذي كان الإله الخالق، الحامي للأفراد، وإله الحرب كذلك، وهو ـ باعتقادهم ـ ابن الإله إيا (إله الحكمة). وله ابن يدعى نَبُو الذي عدّوه حامي الكَتَبَة والمتعلمين. وكانت الإلهة عشتار (إلهة كوكب الزهرة) إلهة الخصب والحرب معاً.

وإله القمر عندهم كان يدعى سين، أما إله الشمس فكان اسمه شمش، وهو إله الحق والعدالة. ونستدل من ذلك أن آلهتهم في معظمها كانت ذات علاقة بالكواكب والنجوم. وكان البابليون يحتفظون كغيرهم من شعوب بلاد ما بين النهرين بعبادة الآلهة السومرية، ويوجدون لها أسماء بلغتهم البابلية، أو ما يماثلها من آلهتهم، وكان ذلك نتيجة اختلاط الساميين بالسومريين في جنوبي بلاد ما بين النهرين. وكان لكثير من الآلهة مدينة رئيسة يقوم فيها المعبد الرئيس لعبادة الإله، ولكن عبادته تنتشر في كل المدن وأرجاء الدولة، فرئيس مجمع الآلهة السومرية ـ البابلية آنُ كان مركز عبادته في مدينة أوروك (الوركاء اليوم)، أما مقره فكان السماء. والإله السومري إنليل كان معبده الرئيس في مدينة إريدو. ولعشتار معبد رئيس في مدينة أوروك أيضاً. والإله نبو في مدينة بورسيبا.

أسهمت المماثلة بين آلهة البابليين وآلهة السومريين عامةً في تناقص أعداد الآلهة، وأدت إلى تحول آلهة كثيرة إلى أشكال افتراضية مجردة، ولكنها حافظت في الوقت نفسه على التقاليد الشائعة مع إضفاء تصورات جديدة عليها. ومن أهم الحقائق الراسخة في أذهان البابليين أن الإله حر في معاقبة الإنسان أو الصفح عنه. أما تحديد الإثم فكان يتم باتباع السلوك الصحيح تجاه الآلهة والتمسك بالمثل الخلقية البشرية الأساسية.

كان عيد رأس السنة (أكيتو akitu) أهم الأعياد البابلية، وتمتد الاحتفالات به عدة أيام، ويتم في الأصل في الخريف، ثم تحول إلى الربيع. وكانت تنقل فيه تماثيل الآلهة في موكب مهيب إلى بيت خاص بالاحتفال يقع عادة خارج نطاق سور المدينة. وجرت العادة أن تتلى صلوات وأناشيد على شرف الإله مردوخ الذي كان معبده البرجي (زقورته) في مدينة بابل أضخم نماذج تلك المعابد.

القوانين والشرائع:

كانت كلمة دين في الأكدية (البابلية) تعني «مسألة قانونية، حكم قانوني» والقاضي يدعى ديّان، والمسؤول عن حماية القانون والعدالة جميع الآلهة، وفي مقدمتها إله الشمس الذي يوصف بأنه يرى كل شيء. أما الذي يتولى مسؤولية تطبيق القانون على الأرض فكان الملك، وهو القاضي الأكبر.

عرفت بلاد بابل تشريعات سومرية تعود أقدمها إلى الملك أورنامو (2111-1994ق.م)، ثم تبعتها تشريعات الملك «لبيت عشتار»، ملك إيسن (1934-1924ق.م). ثم أصدر ملك أشنونة بعدها تشريعاً كُتِب باللغة البابلية. أما أبرز تلك الشرائع فكان قانون حمورابي[ر] الذي يشتمل على نحو 200 مادة قانونية تعالج أموراً كثيرة تتعلق بشؤون الأسرة والعبيد والأراضي والتجارة.

لغاتهم وآدابهم:

تنتمي لغة البابليين إلى مجموعة اللغات (السامية)، كما اصطلح المستشرقون على تسمية  لغات شعوب منطقة جنوب غربي آسيا (العرب والآراميون والكنعانيون والأكديون). واللغة البابلية ومعها اللغة الآشورية فرعان من اللغة الأكدية التي سادت في بلاد ما بين النهرين قبل ظهور المملكة البابلية القديمة والمملكة الآشورية القديمة. واستطاعت اللغة البابلية التي وصلت في عهد الملك حمورابي إلى مرحلة النضج والكمال الذي يتجلى في قانون حمورابي، أن تسود عالم الشرق القديم، وتغدو لغة الوثائق السياسية والاقتصادية في تلك المناطق نحو ألف عام، إلى أن حلت محلها اللغة الآرامية الشقيقة. أما كتابتها فكانت بالخط المسماري المقطعي الذي طورته ليخدم أغراضها المختلفة.

كان الأدب في العصر البابلي القديم استمراراً للأعمال الأدبية السومرية ذات التأثير الكبير في أدب ما بين النهرين عامة، ثم مالبث أن تحرر من التقليد إلى الإبداع إذ ظهرت أعمال أدبية عكست التطورات المعيشية، ونضج اللغة التي باتت تهتم بالأسلوب الفني والجمالي. وكانت الأسطورة مجالاً لاستيحاء إجابات عن تساؤلات كانت تراود مخيلة البابليين عن العالم الذي يعيشونه، وعن مسائل مثل الخلق، والموت، والخلود، والخطيئة والعقاب. وكان من أبرز الأساطير أسطورة أترخسيس التي كان من أبرز موضوعاتها خلق الإنسان وصراع الآلهة، والطوفان، والعقاب الإلهي. وملحمة غلغامش[ر] التي تدور حول فكرة الحصول على الخلود والشباب الدائم. وأسطورة أدابا الذي يضيع على نفسه فرصة الخلود. وأسطورة إتانا، أول ملوك مدينة كيش بعد الطوفان، الذي يشغله الحصول على من يرثه. وأسطورة نزول عشتار إلى العالم السفلي الذي لا رجعة منه، ولكنها تعود بمساعدة الإله غيا الذي يعيد إليها الحياة، ويُقَدّم الإله دموزي (تموز) فدية لها، فيُرْسَل بدلاً منها، ويتناوب الإقامة في العالم السفلي كل ستة أشهر، ويغيب معه الخصب والخضرة مؤقتاً رمزاً لتبدل فصول السنة. ثم تظهر أسطورة بابلية إبداعية في القرن الثامن قبل الميلاد هي أسطورة «إرّا» إله الطاعون والدمار الذي يتخلى له الإله الوطني مرودخ عن العرش مؤقتاً ليقود حرباً لإخضاع البشر الذين ما عادوا يتركون للآلهة فرصة للراحة، لكنه ينجح في النهاية في تحقيق الاستقرار للبلاد وتصحيح الأوضاع ويندم على فعله الدموي، ويقنعه وزيره بتوجيه ضرباته إلى أعداء البابليين كالآشوريين والعيلاميين.

ومن الأعمال المهمة أسطورة الخلق البابلية التي تعرف بمطلعها «إنوما إيليش» أي «عندما هناك في الأعالي»، وتتناول الموضوع القديم برؤية جديدة لتكريس مكانة الإله مردوخ رئيساً لمجمع الآلهة الرافدي. وظهرت كذلك قصيدة «لأمجدن سيد الحكمة» التي تعبر عن يأس الإنسان البابلي في العصر الكاشي وتشككه في العدالة الإلهية، وتشاؤمه لكثرة المصائب التي حلت به. وتقرن هذه بسفر أيوب في كتاب العهد القديم.

وعرف البابليون أدب الحكمة الذي يضع في أولوياته أهدافاً أخلاقية ـ تربوية كالأمثال المنظومة شعراً، والمواعظ، والقصص الديني، وحكايات الحيوان، والمناظرات أو المحاورات التي تجري على ألسنة الحيوانات، وبين النبات وبين الناس حول موضوعات متنوعة كالعدالة الإلهية، والحب. وألف الكتاب تراتيل دينية وابتهالات إلى الآلهة، وحكايات فكاهية ساخرة، ومنها حكاية الفقير الذي أهدى الحاكم نعجته وهي رمز لحلم الفقراء بالانتقام من الأغنياء المتسلطين على قدرهم.

الحساب والتنجيم والطب:

تطلَّب العمل في الزراعة وقياس الأراضي وبناء قنوات الري والقصور والمعابد وسواها ومزاولة التجارة معرفة الحساب والهندسة والجبر. وكان النظام السائد في بلاد الرافدين كلها هو النظام الستيني سواء في الحساب أو في أنظمة قياس الزمن أو المكاييل والموازين. فقسمت السنة إلى اثني عشر شهراً واليوم إلى أربع وعشرين ساعة، وهو النظام المعمول به حتى اليوم. وعرف البابليون فكرة المربع والمكعب وتمكنوا من حساب مساحة الدائرة ومحيطها. واهتموا بمراقبة الكواكب لاعتقادهم بتأثيرها في حياة الناس بوصفها آلهة، وربطوا بين حركاتها ومظاهر الطبيعة المختلفة، وهذا ما أدى إلى نشأة علم التنجيم عندهم، فقسموا دائرة فلك البروج إلى اثني عشر برجاً. وكان هناك أشخاص يراقبون النجوم في الليل والنهار ويتتبعون مساراتها ويقومون بتدوين مراقباتهم وأرصادهم، وقد مكنهم هذا من التنبؤ بحدوث الخسوف والكسوف، وهكذا صار لهم شهرة كبيرة في هذا المجال استفاد منها الإغريق كثيراً فيما بعد.

أما الطب فقد ارتبط عندهم بالسحر، وكان المريض يعالج على أساس أن روحاً شريرة دخلت جسمه، ولذلك كان يقوم العلاج على الرُّقَى السحرية والأدوية النباتية والحيوانية وغيرها. وهناك رقم تصف تشخيص بعض الأمراض وأعراضها وطرق معالجتها. وعرف البابليون أنواعاً كثيرة من العقاقير الطبية والمراهم، وكان يسمح للطبيب بممارسة الجراحة حسب ما جاء في قانون حمورابي على أن يتحمل النتائج المترتبة عليها.

أحمد ارحيم هبو

 

الفن البابلي

عرفت بلاد بابل عهوداً من الازدهار أدت إلى تألق الفنون فيها ومنها: فنون العمارة المدنية والدينية، والنحت والتصوير، وصناعة الحلي والخزف، والموسيقى. وتظهر آثار هذه الفنون في خرائب المدن القديمة.

والأحوال التي تتالت على بلاد بابل وعلى المدينة العاصمة بابل، في المراحل المتعاقبة من التاريخ هي على درجة من التعقيد يصعب معها تحري العلاقات الفنية في هذه البلاد.

العمارة المدنية: إن العوامل الطبيعية والحروب التي تعرضت لها بلاد بابل لم تبق من آثار تلك الفنون إلا النزر اليسير، لأن الدمار الذي أصابها قضى على ما شيده حمورابي في مدينته بابل من المباني الضخمة والقصور البديعة: كالقصر الجنوبي، والقصر الرئيسي، والقصر الصيفي.

أما القصر الجنوبي فهو من أهمها، وقد دلت الحفريات على أنه يتألف من خمس ساحات يحيط بكل منها حجرات ومرافق كثيرة، ولعل أهم تلك الساحات هي الثالثة وتُعرف بساحة الاستقبال، ويوجد في ضلعها الجنوبي قاعة العرش التي زينت واجهتها المقابلة للساحة بصور جدارية بألوان زاهية، وفي الجدار المقابل لمدخل القاعة محراب كان يوضع فيه العرش. وقد عثر في الزاوية الشمالية الشرقية من القصر المذكور على بقايا بناء غريب، يتألف من أربع عشرة حجرة متشابهة في شكلها وحجمها، كل سبع منها على جانب من الممر، ويحيط بها جدار ثخين وقوي، وفي إحدى الحجرات وجد المنقبون بئراً لها ثلاث حفر متجاورة، ورأى علماء الآثار أن هذا البناء وما فيه من ممرات وكذلك البئر، كان موضع الحدائق المعلقة التي عدت إحدى عجائب الدنيا، والتي جاء على وصفها المؤرخون اليونانيون والرومان.

الأسوار: يرى بعض المؤرخين أن لا شيء يفوق من حيث العظمة أسوار بابل الخارجية التي شيدها نبوخذ نصر الثاني (605-562ق.م) وهي تمتد ثمانية عشر كيلومتراً، مع جدران مزدوجة معززة بالأبراج، يضاف إلى ذلك أن المدينة كان يحدها سور آخر. يلج المرء إلى المدينة من أبواب ضخمة مزينة ومتينة كباب عشتار الذي يعد من أشهرها. وشُيدت ضمن السور في كل ناحية من المدينة الهياكل والقصور المتينة لتصبح عند الحاجة معاقل للدفاع.

دور السكن: تقع هذه الدور في شرقي المدينة والشمال الشرقي من منطقة برج بابل (الذي سيأتي وصفه)، وهذه الدور بنيت في شوارع منظمة ومستقيمة وتتقاطع بزوايا قائمة كما ذكر هيرودوت في حديثه عنها، وهي تشبه إلى حد بعيد بيوت الطراز الشرقي القائم في العراق الذي قوامه فناء أو عدة أفنية تحيط بها الحجرات والمرافق الأخرى، وفي أكثرها عنصر أساسي هو حجرة رئيسية تقع في الجانب الجنوبي لإحدى أفنية الدار.

وقد أشارت نتائج الحفريات الأثرية إلى أن بيوت العاملين كانت تُبنى من الطين أو من الآجر ولم يكن لها نوافذ إلا نادراً. أما أبوابها فكانت تنفتح على فناء داخلي مظلل من الشمس. وذكرت الأخبار أن بيوت الأغنياء كانت مكونة من ثلاث طبقات أو أربع.

العمارة الدينية

أما المعابد فكانت غالباً أبنية ضخمة من الآجر مشيدة حول فناء تقام فيه الاحتفالات الدينية ويقوم إلى جانب المعبد البرج المعروف بالزقورة، وهي المعبد البرجي الذي أخذه البابليون عن السومريين، ويعد برج بابل خير نموذج عنه.

وجاء في سفر التكوين أن نفراً من ذرية نوح حاولوا بناء برج مرتفع في بابل يرقون به إلى السماء، فعاقبهم الله على عجرفتهم. وقد شاهد بعض المؤرخين الإغريق البرج المذكور بعد أن صار خرابة. وذكر هيرودوت أن هذا البرج كان مؤلفاً من سبع طبقات يمكن الوصول إليها عن طريق درج ملتف خارجي، كما ذكر الجغرافي اليوناني Strabon سترابون أن برج بابل كان على شكل هرم مربع القاعدة، ويحتمل أن يكون قد انطوى على قبر رمزي للإله مردوخ، الأمر الذي حمل المؤرخين على اعتبار هذا البرج جزءاً من معبد «مردوخ»، وقد ورد اسمه في النصوص المسمارية على الشكل الآتي: «إيتمنأ نكي» أي المعبد الذي أساسه الأرض والسماء. وجاء في أحد الرقم المسمارية أن مقاييس هذا البرج وُضعت استناداً إلى الأرقام المقدسة، وأن طول ضلع قاعدته المربعة تسعون متراً، وارتفاعه مماثل لضلع قاعدته، وكان معبد القمة فوق الطبقة السابعة من البرج، وقد ذكره هيرودوت، ووصف الطاولة الذهبية والسرير الذي تنام عليه امرأة يختارها الكهنة لإجراء طقوس الزواج المقدس في ختام احتفالات رأس السنة، وقد هُدم هذا البرج على يد الملك احشويرش عام 479ق.م، والبرج المذكور كانت كل طبقة من طبقاته مخصصة لكوكب من الكواكب السبعة المعروفة عند البابليين وملونة بلون يرمز إلى واحد منها، كما كانت هذه الكواكب تشير إلى أيام الأسبوع. ويرى بعض المؤرخين أن الزقورة استخدمت كذلك لرصد الكواكب.

فن النحت: مارس النحات البابلي النحت على الحجر، والمعدن، والعاج. ولعل أروع الأمثلة على هذا الفن «نصب تشريع حمورابي» الذي نُقش بالخط المسماري نحو سنة 1760ق.م، على مسلة من حجر البازلت بارتفاع مترين وربع، وحملت نحتاً بارزاً يمثل حمورابي واقفاً أمام إله الشمس الجالس على عرشه يملي القوانين على الملك الكاهن المتأله.

وقد نقلت المسلة إلى سوزا عاصمة العيلاميين في نهاية الألف الثاني ق.م وهي اليوم موجودة في متحف اللوفر في باريس، وكذلك نصب «نبو ـ آبال ـ ادّين» الذي عثر عليه في سيبار، وفيه يبدو الإله شمش جالساً على عرش وقد ارتدى ثوباً طويلاً (كوناكس) من جلود الخراف وعلى رأسه تاج تزينه ثلاثة أزواج من القرون، وفوق رأسه رموز الكواكب الثلاثة القمر والشمس والزهرة، وأمام قرص الشمس المحمول على المذبح ثلاثة أشخاص هم: الكاهن الأكبر الذي يمسك بإحدى يديه يد الملك «نبو ـ آبال ـ ادّين»، وأما الشخص الثالث فهو آلهة ترتدي الكوناكس رافعة يديها طلباً للشفاعة من الإله، وهنا يظهر اهتمام النحات البابلي بالتفاصيل بدقة متناهية شكلاً ومضموناً، وهذه هي إحدى ميزات الفن البابلي القديم، لأنه يعتمد على الواقعية في التعبير. ومن أمثلة النحت عندهم تمثال أسد بابل، في مدخل المدينة، وهو ينقض على أحد أعداء المدينة.

النقش على الأختام الأسطوانية: تكون موضوعاتها عادة ذات طابع سياسي، أو ديني، أو اجتماعي، وتتميز عادة بدقة التفاصيل وعمق التعبير وروعة الزخرفة، ويرى الباحث فيها مصدراً غنياً لكثير من العادات والتقاليد. وقد عثر على عدد من الأختام منها ختم أسطواني يعود إلى ديوان أختام ملوك بابل ويقسم إلى عشرة أقسام، وفي وسطه ما يشبه غزالين متعانقين تحيط بهما كتابات وزخارف غاية في الدقة إلى جانب رمزيّ الإله مردوخ والإله نابو القائمين على قاعدتين ظاهرتين في الجانب الأيمن من الأسطوانة.

التصوير: لم يعر البابليون التصوير الأهمية التي أعاروها للفنون الأخرى، إذ كان التصوير عندهم من الفنون الثانوية، وقد استخدموه في بعض الأحيان في تزيين الجدران، كما في قاعة العرش في القصر الجنوبي. ولم يعثر المنقبون في خرائب المدن البابلية على الرسوم الملونة كالتي عُثر عليها في مقابر المصريين والكريتيين، وقد رأوا فيه فناً متمماً لفنون العمارة. في حين عدّ السومريون فن التصوير من الفنون المهمة، وكدليل على ذلك، الصورة الجدارية التي عثر عليها اندره بارو في قصر مدينة ماري التي تمثل تتويج ملك ماري وهي اليوم في متحف اللوفر.

الخزف: عثر علماء الآثار في المدن البابلية القديمة على أنواع من الخزف منها:

الخزف الصرف: هو ما صنع من الطين المشوي، وقد عثر على نماذج كثيرة منه، وكان أكثرها يمثل الشياطين كالشيطان «بازوزو»، وهي تماثيل صغيرة الحجم لا يزيد طولها على 9سم، وليس لها قيمة فنية عالية، كما عثر على تماثيل أخرى من الغضار في أساسات بعض المباني لحمايتها من الكوارث، وأبرز مثال عليها ما كان على هيئة غلغامش.

الخزف المطلي بالمينا: هو غاية في الجمال، وقد كثر استعماله في العصر البابلي الحديث، ولم يستعمل الفنان فيه إلا ألواناً محددة على جدران المباني، وما زالت بقايا بعض المباني في بابل تحتفظ بجانب من هذا الخزف وخاصة ما كان منها على باب عشتار وعلى جدران المباني على طريق المواكب، وقد زينت هذه الجدران بصور بعض الحيوانات بأوضاع مختلفة، إضافة إلى زخارف أخرى تثير اهتمام المشاهد، وكلها في الواقع تنم على ذوق رفيع وإحكام في الصنعة.

الحلي: لم تكن المرأة البابلية أقل من أخواتها في بلاد الرافدين من حيث حبها وولعها بالحلي. وقد عثر على نماذج منها تشبه إلى حد بعيد النماذج الممثلة في زخارف النقوش الجدارية الآشورية. وهي على شكل أساور ينتهي طرفاها بانتفاخ ملحوظ، وأقراط على شكل هلال القمر أو مضلعة في أكثر الأحيان، وتضم عدداً كبيراً من الحبيبات الذهبية الدقيقة جداً، وهناك أقراط أخرى على شكل مسلة تتدلى منها قطع متحركة من الذهب الخالص، كما عثر على مشابك ونماذج من الصدف أو من الأحجار الكريمة التي تعرف «بعين الهر» يحيط بها إطار من ذهب ترتبط به أزرار من الذهب أو اللازورد، وكل هذه القطع توحي بذوق متميز كانت تتمتع به المرأة البابلية ومهارة فائقة كان يمتاز بها صناع تلك الحلي.

الموسيقى: يبدو أن البابليين تذوقوا حلاوة الموسيقى وأحسوا بأثرها في النفس البشرية. لذا بادروا إلى تأسيس فرق موسيقية اختصت بالغناء والعزف على مختلف الآلات التي عُرفت لديهم، وهذه الفرق كانت تقيم الحفلات الموسيقية وتشترك في الاحتفالات الملكية والدينية، وكانوا يغنون تارة بشكل جماعي وأخرى بشكل فردي، وذلك في المعابد والقصور وكذلك في حفلات الموسرين، أما الآلات التي اكتشفت فهي: المزامير ومزامير القرب والناي والقرون والصُّناجات والدفوف والطبول والقيثارة والبوق.

 

حسن كمال

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

الآشوريون ـ الأكديون ـ بابل ـ حمورابي ـ الكاشيون ـ نبوخذ نصر الثاني.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ أحمد ارحيم هبو، تاريخ الشرق القديم (3) بلاد ما بين النهرين (العراق)، (صنعاء وبيروت 1996).

ـ طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول: الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين (بغداد وبيروت 1973).

- H.Klengel, Kultur geschichte des Alten Vorderasien, Akademie Verlag (Berlin 1989).

- A.Moortgat, The Art of Ancien Mesopotamia (London 1969).

- P.Garelli, Le Proche Orient Asiatiqne (nouvelle  Clio 1969).

- G.Contenau, Archéologie orientale T. l a III


التصنيف : العمارة و الفنون التشكيلية والزخرفية
النوع : عمارة وفنون تشكيلية
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 521
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 669
الكل : 30772279
اليوم : 57452

بن (غوتفريد-)

بن (غوتفريد ـ) (1886 - 1956)   غوتفريد بن Gottfried Benn شاعر وقاص وكاتب مقال ومسرحي ألماني. ولد في مانسْفِلد التابعة لمنطقة بريغنيتس الغربية، وتوفي في برلين. وكان والده قساً بروتستنتياً. انتقلت أسرة بن إلى سيلين التابعة لمنطقة نويمارك، حيث انتسب إلى مدرسة مدينة فرانكفورت/أودر، وتعرف فيها إلى الكاتب كلابوند Klabund. تلبية لرغبة والده درس بن اللاهوت والآداب في برلين، وتحول عام 1905 إلى دراسة الطب العسكري في أكاديمية القيصر فيلهلم، التي تخرج فيها عام 1912 ليفتتح عام 1914 عيادة خاصة في برلين،
المزيد »