logo

logo

logo

logo

logo

الأمويون(في المشرق)

امويون(في مشرق)

Omayyad - Omeyyades / Umayyades

الأمويون

 

ينتسب الأمويون بفرعيهم السفياني والمرواني إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وهو أحد بطون قريش المشهورة، وكانت لأولاد عبد مناف: عبد شمس ونوفل والمطلب وهاشم رئاسة قوافل قريش إلى بلاد الشام واليمن والحبشة وفارس، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في سورة قريش: )لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف( (1 و2) وإلى هذا النشاط التجاري يعزو المؤرخون غنى أولاد عبد مناف.

وفي الحقبة القريبة من مبعث الرسولr كان يتولى تجارة قريش أبو سفيان بن حرب، سيد بني عبد شمس، وكان من أشد المشركين مناوأة للإسلام والمسلمين وكان يقود قافلة قريش يوم بدر، ولما قتل أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي في تلك الغزوة، غدا أبو سفيان أهم شخصية في مكة، وقاد قريشاً وحلفاءها في غزوتي أحد والخندق، ويوم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة أعلن أبو سفيان إسلامه، وأسلم معه ولداه معاوية ويزيد، وحفظ الرسول لأبي سفيان مكانته فأعلن يوم فتح مكة أن من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، وشارك أبو سفيان بعد ذلك في طائفة من الغزوات فشهد غزوتي حُنين والطائف (8هـ) وفقئت عينه يوم الطائف. وتألفاً لبني أمية أصهر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أبي سفيان فتزوج ابنته رملة (أم حبيبة) واستعمل بعض بني أمية على الصدقات وجعل معاوية من كُتّاب الوحي. وفي خلافة أبي بكر الصديق حين قامت حروب الردة ولّى أبو بكر أبا سفيان على نجران، كما ولَّى ابنه يزيد بن أبي سفيان قيادة أحد الجيوش المتوجهة لفتح الشام، ولما توفي يزيد في طاعون عمواس سنة 18هـ جعل عمر بن الخطاب[ر] أخاه معاوية والياً على جُندي دمشق والأُردن.

الدولة الأموية في المشرق

علت مكانة الأمويين في خلافة عثمان بن عفان فهو أموي من بني عبد شمس بن عبد مناف، وقد اعتمد على بني أمية وجعلهم ولاة على الولايات المهمة في الدولة أو مستشارين له، وكان معاوية بن أبي سفيان أعظم الولاة حظاً في خلافته، فقد جمع له عثمان الشام والجزيرة وثغورهما، وجعل له الولاية على الصلاة والحرب والخراج، أي منحه سلطة واسعة جداً وجعله مطلق التصرف في ولايته، وعندما بدأت الفتنة في زمن عثمان وقدم معاوية إلى المدينة مع من قدم من الولاة للاجتماع بالخليفة والمشاورة في أسباب السخط، وضَّح معاوية للمجتمعين التزام البيت الأموي في الدفاع عن الخليفة وعن حقوق البيت الأموي في الخلافة نفسها ونصح عثمان أن ينطلق معه إلى الشام. كان اقتراح معاوية بالانتقال إلى الشام يُظهر مدى اعتماد البيت الأموي على هذا الإقليم، ويمثل منحى جديداً في التطور السياسي الذي شهدته الدولة الإسلامية إذ ذاك، فقد أثبتت الحوادث أن بلاد الحجاز لم تعد المركز الذي تدار منه شؤون الدولة الإسلامية بعد أن اتسعت رقعتها وهاجر القسم الأعظم من القبائل منها وأقام في معسكرات في الأقاليم المفتوحة تحولت في العصر الأموي إلى مدن زاهرة، في حين تضاءلت أهمية الحجاز، ولذلك خرج علي بن أبي طالب بعد توليه الخلافة ومقتل عثمان غيلة إلى العراق واتخذ الكوفة مقرّاً له، وقد أيقن أن الخلاف بينه وبين معاوية لن ينتهي إلاّ بالحرب، ذلك أن معاوية ادَّعى أن الخليفة علياً تهاون في الاقتصاص من قتلة عثمان، وأنه، أي معاوية، وَليُّ عثمان ويعمل بقوله تعالى: )ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لِوَليّه سلطاناً فلا يُسرِف في القتل( (الإسراء 33) وأنه ينفّذ رغبة قومه من بني أمية الذين أغضبهم مقتل الخليفة عثمان.

جَرَت بين الخليفة علي بن أبي طالب ومعاوية مراسلات طويلة دار فيها نقاش بين الرجلين واحتجاج كل منهما لحقه في قيادة الجماعة الإسلامية، وبعد معركة صفين وقبول التحكيم، صار موقف علي ضعيفاً إذ اختلف الناس على علي بالعراق، وخرج عليه فئة من أتباعه وهم الذين عرفوا بالخوارج [ر. الشراة] في وقت ازداد فيه سلطان معاوية قوة، وبايعه أهل الشام بالخلافة، ثم وجَّه معاوية أنظاره إلى مصر لأهمية موقعها وعظم ثروتها، وفي صفر سنة 38هـ سيطر معاوية على مصر بفضل عمرو بن العاص وفي سنة 40هـ استولى بسر بن أرطاة قائد معاوية على الحجاز واليمن، وجرَت في السنة نفسها المهادنة بين علي ومعاوية على أن تضع الحرب أوزارها بينهما فيكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، وهذا يعني إقرار علي بحق معاوية، ووجود خليفتين في آن واحد، ولكن هذا الأمر لم يطل إذ قُتل علي بن أبي طالب في 17 رمضان سنة 40هـ ولم يستطع ابنه الحسن الذي بايعه أهل العراق خليفة بعد أبيه أن يتابع قتال الأمويين بسبب ضعف أهل العراق وعدم اطمئنانه إليهم ومن ثم دخل في مفاوضات انتهت بنزوله عن الخلافة لمعاوية.

بانتقال الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان في عام 41هـ /661م الذي اتفق المؤرخون على تسميته بعام الجماعة لاتفاق كلمة المسلمين، بدأ عصر جديد من عصور الحكم في الدولة العربية الإسلامية هو العصر الأموي وغدت الشام الولاية المركزية، واتخذ معاوية من دمشق عاصمة له، بسبب موقعها المتوسط وعراقتها في الحضارة، وبقيت العاصمة الرسمية للدولة حتى خلافة مروان بن محمد[ر] (127 - 132هـ/744 - 750م )  آخر خلفاء بني أمية الذي نقل بيوت الأموال والخزائن إلى حرَّان في الجزيرة.

انتقال الخلافة من الفرع السفياني إلى المرواني

استمرت الخلافة في الأسرة السفيانية حتى وفاة يزيد بن معاوية في ربيع الأول من عام 64هـ/683م وموت ابنه معاوية بن يزيد بعد أربعين يوماً من ولايته، وكان من نتيجة شغور منصب الخلافة، انتشار الفوضى وظهور الفتن واستشراء أمر العصبية في الأقاليم العربية والعجمية على حد سواء، بما في ذلك الشام التي اضطربت فيها الأمور لعدم وجود شخصية قرشية بارزة يمكنها أن تستميل ولاء أهلها، لذلك اتجهت الأنظار كلها في بادئ الأمر إلى عبد الله بن الزبير في الحجاز لأنه «شخص كامل السن وابن حواري رسول اللهr وابن بنت أبي بكر أسماء ذات النطاقين» وانقاد لابن الزبير جل الأقطار التي كانت تحت سلطان بني أمية، حتى إن مروان بن الحكم نفسه رأى في بادئ الأمر أن ينطلق إلى ابن الزبير فيبايعه، ولكن عبيد الله بن زياد حال بينه وبين ذلك وأقنعه بتولي الخلافة لأنه كبير قريش وسيدها. وكان نفر من أهل الشام من رؤوس قريش من بني أمية ومن أشراف الشام راضين بمبايعة عبد الله بن الزبير، ولكنهم يجدون صعوبة في تقبل فكرة انتقال مركز الخلافة من الشام إلى الحجاز التي أبى عبد الله بن الزبير مغادرتها، وهذا ما رجّح كفة مروان بن الحكم، وكانت القبائل اليمنية في الشام تميل إلى البيت السفياني وكذلك حسان بن مالك بن بحدل أمير الأردن وسيد بني كلب، ولكن أهل الأردن رفضوا أن يكون الأمر لابني يزيد بن معاوية عبد الله وخالد لحداثة سنهما وكرهوا أن يأتيهم الناس بشيخ ويأتوهم بصبي، ولذلك قرر الأمويون عقد مؤتمر لهم في الجابية (جنوبي غرب دمشق) حيث أجمع رأيهم على مبايعة مروان بن الحكم على أن يخلفه خالد بن يزيد بن معاوية، وأن تكون الخلافة من بعدهما لعمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق، ولكن الضحاك بن قيس الفهري والي دمشق لم يقبل بهذا الرأي ومال بمن معه من الناس إلى ابن الزبير ونزل مرج راهط (بنواحي دمشق) حيث لقيه مروان بن الحكم بعد مبايعته في الجابية وجرَت معركة بينهما استمرت نحو عشرين يوماً، وكان النصر فيها لمروان بن الحكم وقُتل الضحاك بن قيس وكثير ممن كان معه من أهل الشام من قيسية ويمنية.

كانت النتيجة البارزة لمعركة مرج راهط اجتماع كلمة أهل الشام على مروان الذي جَرَت له في دمشق في أوائل سنة 65هـ بيعة ثانية أوسع وأضخم من الأولى، أما النتيجة الثانية فقد كانت انتقال الخلافة إلى فرع جديد في الأسرة الأموية هو الفرع المرواني، إذ إن مروان عمل جاهداً إثر وصوله إلى منصب الخلافة للإبقاء على سلطانه وتوريث هذا السلطان لأولاده فأخذ البيعة من بعده لابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز، ويعد عبد الملك بن مروان (65ـ86هـ/685ـ705م) المؤسس الثاني للدولة الأموية، تولى الخلافة والدولة العربية الإسلامية منقسمة على نفسها، فابن الزبير أعلن نفسه خليفة للمسلمين، والشيعة ثائرون، والخوارج متمردون، ولكنَّ عبد الملك استطاع أن يمسك بزمام الأمور في البلاد ويخضعها لسلطانه، وفي سنة 85هـ وبعد وفاة أخيه عبد العزيز بن مروان، عهد عبد الملك بالخلافة إلى الوليد بن عبد الملك (86 - 96هـ/705 - 714م) وإلى سليمان من بعده، واستخلف سليمان (96 - 99هـ/714 - 717م) عمر بن عبد العزيز (99 - 101هـ/717 - 719م) على أن تكون الخلافة  من بعده لأخيه يزيد بن عبد الملك وكان يزيد (101 - 105هـ/719 - 723م )  يريد جعل ابنه الوليد ولياً للعهد ولكنه كان صغير السن ولا يستطيع تحمل أعباء الخلافة، ولذلك عهد بالخلافة إلى أخيه هشام بن عبد الملك على أن تكون الخلافة من بعده إلى ابنه الوليد. وقد طالت مدة هشام (105 - 125هـ/723 - 742م) فكانت نحو عشرين عاماً وبوفاته انطوت مرحلة من مراحل التاريخ الأموي، مرحلة ظلت الخلافة فيها وطيدة الأركان والدولة سليمة مصونة، لكن ما إن بويع للوليد بن يزيد على الخلافة حتى دخلت الدولة في مرحلة الاحتضار، وكان لسلوك الخليفة الوليد (125 - 126هـ/742 - 743م) ولسياسته أكبر الأثر في التدهور الذي أصاب الدولة إذ انصرف إلى اللهو والعبث وانغمس في حمأة الصراع القبلي فتعصب للقيسية على اليمانية مما أتاح الفرصة أمام خصومه من البيت الأموي للتحالف مع اليمانية والتشهير به، وتزعَّم يزيد بن الوليد بن عبد الملك حركة المعارضة اليمنية مع الناقمين على الخليفة فاستولى على دمشق ثم هاجم مقرَّ الخليفة في البخراء (في أطراف بلاد الشام) حيث قتل الوليد سنة 126هـ.

لم يهنأ يزيد بن الوليد بالخلافة سوى ستة أشهر، وأوصى بالخلافة من بعده لأخيه إبراهيم، ويبدو أن أمر الخلافة لم يتم له فقد «كان يسلَّم عليه جمعة بالخلافة وجمعة بالإمرة، وجمعة لا  يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمرة». في هذا الاضطراب ظهر مروان بن محمد والي أرمينية وأذربيجان منذ سنة 114هـ، فاتخذ من مقتل الخليفة الوليد بن يزيد ذريعة للثورة والمطالبة بالخلافة تحت شعار المطالبة بدم الخليفة المسفوك، واعتمد في ثورته على تأييد القبائل القيسية التي كانت قد شقت عصا الطاعة على يزيد بن الوليد وأخيه إبراهيم وتمكن مروان من دحر القوات التي أرسلها إبراهيم لمحاربته ودخل دمشق وأعلن نفسه خليفة، فبايعه الناس سنة 127هـ/744م .

كان مروان شجاعاً ذا دهاء ومكر، وله خبرة واسعة بالحروب ولكن أيامه كلها كانت فتناً وحروباً، ولم تكن فتن الشام والعراق والخوارج هموم مروان بن محمد بل لعلها كانت أقل همومه خطورة إذا ما قورنت بالخطر العبّاسي، فقد تقدم أبو مسلم الخراساني باسم الدين وباسم آل البيت ليدك آخر آمال مروان وانتصر على نصر بن سيار والي مروان على خراسان ودخل مرو ونزل قصر الإمارة الذي كان ينزله عمال خراسان في التاسع من جمادى الأولى سنة 130هـ وفي رجب سنة 131هـ/748م سيطر العباسيون على كل الجناح الشرقي للخلافة الإسلامية، وأخذ قائد العباسيين العسكري قحطبة بن شبيب يتقدم بسرعة في أراضي العراق وفي 11محرم سنة 132هـ 31 آب 749م دخل العباسيون الكوفة وبويع أبو العباس خليفة في ربيع الأول سنة 132هـ، ثم انتدب عمه عبد الله بن علي لمحاربة الخليفة مروان بن محمد الذي كان يعمل على تجميع قواه في شمالي العراق، فكانت موقعة الزَّاب (قرب الموصل) في جمادى الآخرة سنة 132هـ التي هزم فيها مروان وفرَّ لاجئاً إلى مصر حيث قتل في قرية بوصير من قرى الصعيد سنة 132هـ/750م وبمقتله سقطت الدولة الأموية.

الثورات التي نشبت في العصر الأموي

كان للأسلوب الذي اتبعه معاوية بن أبي سفيان في الوصول إلى منصب الخلافة واتخاذ دمشق عاصمة للدولة العربية الإسلامية بدلاً من المدينة المنورة، وتحوُّل الخلافة إلى منصب وراثي أثر في النقمة على بني أمية في الحجاز والعراق، وتجلَّت هذه النقمة في ثورة أهل المدينة الذين هزموا في موقعة الحرَّة سنة 63هـ، كما تجلَّت في التأييد الكبير الذي حصل عليه عبد الله بن الزبير بعد مقتل الحسين بن علي في كربلاء في العاشر من المحرَّم سنة 61هـ/680م واتسعت الحركة الزبيرية بعد وفاة يزيد بن معاوية ومبايعة عبد الله بن الزبير خليفة في الحجاز، ووصل سلطانه إلى العراق والأقاليم الشرقية واستمرت سيطرته على هذه المناطق حتى نجح عبد الملك بن مروان في هزيمة مصعب بن الزبير والي العراق في معركة مَسكِن أو دير الجاثليق سنة 72هـ، ثم وجه عبد الملك جيشاً بقيادة الحجَّاج بن يوسف الثقفي إلى عبد الله بن الزبير الذي أصبح سلطانه بعد موت أخيه مصعب لا يجاوز الحجاز، فتمكَّن الحجَّاج من الاستيلاء على مكة بعد حصارها ما يقارب ستة أشهر، وقُتل عبد الله بن الزبير سنة 73هـ/694م وبذلك دخلت الحجاز مجدداً في طاعة الأمويين.

أما في العراق فقد اجتمعت عوامل متعددة جعلت منه أكثر الأقاليم معارضة للحكم الأموي، فقد شعر سادة القبائل في العراق بضياع مركزهم بعد انتصار معاوية، وانتقال الخلافة إلى الشام بعد أن كانت الكوفة مقرَّاً للخليفة علي بن أبي طالب إبَّان صراعه مع معاوية، ورأوا أن خلافة معاوية قد حرمتهم السيادة والخيرات ووضعتهم في مرتبة أدنى لا تقارن بما كانوا يحلمون به لو أن الأمر تَمَّ لهم أو ظلَّ على أرضهم، يضاف إلى ذلك أن الكوفة كانت معقلاً لشيعة علي بن أبي طالب الذين كانوا يرون أن البيت الأموي اغتصب حق آل علي في الخلافة، أما الخوارج فقد كانوا متفقين مع الشيعة في عدائهم للأمويين ولكنهم في الوقت نفسه كانوا أعداء للفريقين وأخذت ثورتا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ويزيد بن المهلب طابع العصبية القبلية والإقليمية، وكانتا مظهراً من مظاهر النزاع بين العراق والشام، وإن كان طابع العصبية الإقليمية قد تجلَّى في ثورة ابن الأشعث بوضوح أكثر مما تجلَّى في ثورة يزيد بن المهلب.

حركات الشيعة وثوراتهم: كان من أهم حركات الشيعة حركة التوابين التي كانت ردَّ فعلٍ مباشراً لما حدث في كَربُلاء، فبعد مقتل الحسين شعر زعماء الشيعة أنهم خذلوه «لأنهم دَعوا إلى نُصرته فلم ينصروه بعد أن كانوا كاتبوه وأنه لا يغسل عنهم الإثم والخطأ إلا أن يخرجوا فيقتلوا من قتله» وتجمع بعضهم عند قبر الحسين طالبين التوبة والغفران من الله وتسمّوا بالتوّابين، وبدأ التوابون بجمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعوة الناس من الشيعة وغيرهم في السِّر للمطالبة بدم الحسين، فلما مات يزيد بن معاوية واضطربت الأمور، زادت استجابة الناس لدعوة التوابين بقيادة سليمان بن صُرَد الخزاعي زعيم الشيعة، ووجد عبد الله بن الزبير في حركة التوابين فرصة لتقوية نفوذه بعد أن دانت العراق له، وقام عامله على الكوفة عبد الله بن يزيد بتشجيع التوابين على الظهور والتوجه إلى قتال عبيد الله بن زياد الذي كان قد أُرسل لإعادة العراق إلى السيطرة الأموية، وفي معركة عين الوردة سنة 65هـ/684م، انتصر عبيد الله بن زياد، وقتل سليمان بن صُرَد وجمع كبير من رجاله، فكان هذا أول انتصار لعبد الملك بعد أن غدا خليفة.

ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي: استغل المختار إخفاق الشيعة في معركة عين الوردة ليجمعهم حوله وأوهمهم أنه مبعوث محمد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب. ونجح المختار في السيطرة على الكوفة واستخلاصها من عامل عبد الله بن الزبير، كما استطاع جيشه بقيادة إبراهيم بن الأشتر قتل عبيد الله بن زياد وخلق كثير من أهل الشام في معركة خازَر سنة 67هـ/686م وانتقم المختار من جميع الذين اشتركوا في مقتل الحسين بن علي. ولكن نهاية المختار لم تكن على يد الأمويين وإنما على يد مصعب بن الزبير، فقد وجد عبد الله بن الزبير أن استفحال أمر المختار في الكوفة خطر كبير على مركزه في العراق، فعهد بولاية البصرة والكوفة إلى أخيه مصعب الذي استعان بالمهلب بن أبي صفرة في محاربته للمختار، وقد جرت بين المختار ومصعب معارك طويلة انتهت بمقتل المختار سنة 67هـ.

ثورة زيد بن علي (121 - 122هـ/738 - 739م): كانت ثورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من أهم الأحداث التي وقعت في العراق بعد عزل خالد بن عبد الله القسري والي العراقين سنة 120هـ وولاية يوسف بن عمر الثقفي، ومع أن هذه الثورة انتهت بالهزيمة ولم تحقق كسابقاتها لآل البيت ما كانوا يرجونه من خلع الأمويين والقضاء على سلطانهم، فإنها كانت على جانب كبير من الأهمية، لأنها كانت حلقة في سلسلة من ثورات شيعية متلاحقة أعقبتها، وتضافرت جهود الشيعة والدعاة العباسيين وعلى رأسهم أبو مسلم الخراساني الذي اتخذ من قتل يحيى بن زيد بن علي في الجُوزَجان سنة 125هـ منطلقاً للثأر من الأمويين، ونجح العباسيون في الاستيلاء على خراسان وانتصروا بعد ذلك في موقعة الزَّاب التي كتبت الصفحة الأخيرة في حياة الدولة الأموية.

حركات الخوارج (الشراة): أثار الخوارج في وجه الخلافة الأموية اضطرابات وقلاقل طوال العصر الأموي تقريباً، وكانت غالبية الخوارج على غاية من التطرف والمثالية العقائدية، وقد عرَّضهم هذا التطرف إلى عدة أزمات أدَّت إلى تمزيق صفوفهم وتحولهم إلى عدد من الفرق كان من أهمها فرقة الأَزارقة[ر] التي قادت النشاط الخارجي منذ وفاة يزيد بن معاوية حتى سنة 77هـ/696م، وكان المهلب بن أبي صفرة هو القائد الذي اختاره ابن الزبير لقتالهم واعتمده الحجاج بن يوسف كذلك في حربهم، فاستطاع أن يكسر شوكتهم وأن ينتصر عليهم في معارك متعددة أهمها معركة رامَهُرْمُز (مدينة بنواحي خوزستان). واستفاد المهلب من الخلاف الذي وقع في صفوف الأَزارقة حين تمرد على قطري بن الفُجاءة أحد قواده الكبار عَبدُ رَبِّه الكبير فتركهم المهلب يقتتلون من غير أن يستعجل الهجوم عليهم حتى إذا نهكهم القتال حاربهم كلاً على حدة، وقضِيَ على الأزارقة جميعاً بعد مقتل قائديهم قطري بن الفجاءه وعبد ربه الكبير سنة 77هـ.

في الوقت الذي كان فيه المهلب يحارب الأزارقة، ثارت فرقة أخرى منهم هي فرقة الخوارج الصُّفْرِيَّة التي قوي أمرها سنة 76هـ بقيادة شبيب بن يزيد الشيباني الذي استولى على المدائن وهزم الكثير من الجيوش التي أرسلها الحجاج، ووصل به الأمر إلى تهديد الكوفة نفسها فاضطر الحجاج إلى الاعتماد على مقاتلة الشام بقيادة سفيان بن الأَبرد الكلبي الذي اضطرهم إلى التراجع، وانتهت حركة شبيب بمصرعه سنة 77هـ أو 78هـ.

ضعف أمر الخوارج في العراق بعد أن قضى الحجاج على الأزارقة والصفرية إلا أنهم عادوا إلى الظهور ثانية في خلافة عمر بن عبد العزيز، واستفحل أمرهم في خلافة مروان بن محمد، وفي المغرب انطلقت ثورة الخوارج الصفرية سنة 122هـ/739م من طنجة لتشمل المغرب الأقصى والأوسط والأدنى (ولاية إفريقية)، ومع أن حنظلة بن صفوان الذي عينه هشام بن عبد الملك والياً على إفريقية هزم الخوارج هزيمة منكرة في معركتي الأصنام والقَرْن سنة 124هـ/741م فإن ما أسفر عنه الانتصار لم يتجاوز تخليص المغرب الأدنى من الخوارج، أما سائر المغرب فقد بقي بأيديهم، لأن هشام بن عبد الملك توفي بعد عام واحد من انتصار واليه، ولم يستطع أحد من خلفائه أن يفعل فعل هشام في الإصرار على إرسال الجيوش لإخضاعهم.

ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي: كانت ثورة عبد الرحمن بن محمد (81 - 85هـ/700 - 704م) من أقسى الأزمات التي واجهتها الدولة وتعرَّض فيها مركز الحجاج إلى امتحان عسير، وكان الحجاج قد أرسل ابن الأشعث للقضاء على ثورة رتبيل حاكم سجستان المحلي، وأمده بجيش عظيم من أهل البصرة والكوفة، ولما كان عبد الرحمن قد ابتعد عن أسلوب الغزوات السريعة وأراد أن يكون فتحه للمنطقة فتحاً مكيناً فإنه بعمله هذا أثار غضب الحجاج الذي أمره أن يسارع في قتال العدو، وهدده إن هو تقاعس ولم ينفِّذ أمره أنه سيعزله ويجعل مكانه أخاه إسحاق، وقد أغضبت لهجة الكتاب والتهديدات الواردة فيه ابن الأشعث فجمع رجاله وحدَّثهم بما ورد في الكتاب فأظهر الجند تأييدهم لعبد الرحمن وخلعوا الحجاج ثم عبد الملك وتوجهوا عائدين إلى العراق، وخاض الطرفان، ابن الأشعث والحجاج معارك كثيرة كان أقساها معركة دير الجماجم التي اعتمد فيها الحجاج اعتماداً تاماً على جيش أهل الشام، وهُزم ابن الأشعث بعد أن دامت الحرب مئة وثلاثة أيام.

ثورة يزيد بن المهلب: تعد ثورة يزيد بن المهلب بن أبي صفرة (101 - 102هـ/719 - 720م) من أهم الأحداث الداخلية زمن يزيد بن عبد الملك ولئن كان ابن الأشعث قد نجح في استمالة أهل الكوفة والبصرة وأشرافهما حوله، فإن يزيد بن المهلب قد أخفق في استمالتهم، ولم يلتف حوله سوى المهالبة وأبناء قبيلته أزد عُمان، أما رؤوس أهل البصرة من قيس وتميم فقد لحقوا بالكوفة ولحق بعضهم بالشام، وكان لموقف الحسن البصري من فتنة يزيد أثر كبير في تفرق الناس عنه، ولذلك استطاع مسلمة بن عبد الملك الذي أرسله الخليفة في جنود من أهل الشام والجزيرة أن ينتصر على يزيد في المعركة التي جرت في 14 صفر سنة 102هـ، وسقط يزيد بن المهلب قتيلاً في ميدان المعركة وقُتل معه أخواه حبيب ومحمد وطارد مسلمة آل المهلب الذين ركبوا السفن خلسة متوجهين إلى شاطئ كِرمان، وأبلى المهالبة بلاء حسناً في قتال مطارديهم حتى قُتلوا عن آخرهم باستثناء اثنين استطاعا النجاة هما أبو عُيينة بن المهلب وعثمان بن المفضل اللذان لحقا بخاقان ورتبيل.

الفتوح في عصر بني أمية

كان للأوضاع الداخلية في الدولة الإسلامية أثرها على سياستها الخارجية من جهة وعلى حركة الفتوح من جهة أخرى، ويتضح هذا بدءاً من سياسة معاوية الذي لم يول النشاط العسكري على الجبهة الشرقية الاهتمام نفسه الذي أولاه لحروبه البرية والبحرية مع الروم البيزنطيين، لأنه وجد الروم يتربصون بدولته على أكثر من جبهة، وأن قربهم من عاصمة دولته يجعل خطرهم خطراً مباشراً، كما أن منطلقه إلى الجبهة الشرقية هو من العراق، والعراق لا يمكن الاعتماد عليه وعلى مقاتِلته في فتح يقوده ولاته أو قواده لأن هؤلاء الولاة والقوّاد مشغولون بتوطيد الأمن فيه، ولم يتح لأولي الأمر في العراق أن يقوموا بأي فتح منظم حتى ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي (75 - 95هـ/694 - 714م) الذي جمعت له ولايتا البصرة والكوفة وما يتبع لهما، وأسكت كل الأصوات المعارضة فيها، وتمكن من توجيه القادة لاستئناف الفتح في المشرق، وشهدت خلافة الوليد بن عبد الملك الفتوح في مختلف الجبهات نتيجة للهدوء والأمن اللذين استتبا في الدولة الإسلامية، وبصرف النظر عن حروب الروم في آسيا الصغرى والغزوات التي كان يقودها كبار القادة وأمراء البيت الأموي صائفة وشاتية والمحاولات التي قام بها الخلفاء لفتح القسطنطينية والتي انتهت بالإخفاق، فقد نجح الأمويون في استخلاص أرمينية والشمال الإفريقي كله من أيدي البيزنطيين.

فتوح أرمينية والخزر: كان معاوية قد اضطر إلى سحب قواته المرابطة في أرمينية ليستخدمها في صراعه مع الخليفة علي بن أبي طالب، وأدى انسحاب الجيش الإسلامي من أرمينية إلى حدوث فراغ استغله البيزنطيون لاسترجاع سيادتهم على هذا الموقع الاستراتيجي، فلما آلت الخلافة إلى معاوية، قرر استعادة هذا الإقليم، وساعد معاوية في تحقيق هدفه سوء الإدارة البيزنطية التي أدَّت إلى ثورة قام بها سابور قائد الجيوش البيزنطية في أرمينية على الامبراطور البيزنطي قسطنطين الرابع سنة 48هـ/668م، وأرسل سابور إلى معاوية يطلب منه المساعدة، ويعده بالمقابل أن يمهد الطريق للمسلمين للاستيلاء على آسيا الصغرى، فاستغل معاوية هذه الفرصة وأرسل إلى أهل أرمينية يدعوهم إلى الاعتراف بسلطته والدخول في تبعية المسلمين، ودَفع الجزية مقابل حمايتهم وطرد البيزنطيين من أرضهم، وأرسل في الوقت نفسه جيشاً لطرد فلول البيزنطيين من أرمينية، وحقق جيشه النصر على البيزنطيين وخضعت أرمينية ثانية لسلطان الدولة العربية وظلَّت كذلك طوال مدة الحكم الأموي.

ومن أرمينية بدأ الأمويون بغزو الخزر وأشهر من غزاهم الجرَّاح بن عبد الله الحكمي والي أرمينية الذي قُتِل بمرج أردبيل سنة 111هـ/729م فولَّى هشام بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك أرمينية فاستطاع بجهد بالغ أن يفتح مدينة باب الأبواب (دَرْبَند) التي أسكنها أربعة وعشرين ألفاً من أهل الشام وبنى هُرْياً (بيت كبير لخزن الحبوب والمؤن) للطعام وخزانة للسلاح ورمّم المدينة، ثم ولَّى هشام بن عبد الملك مروان بن محمد ذلك الثغر (أرمينية) وكان له بلاء في قتال الخزر حتى إن عظيمهم عندما رأى كثرة ما وطئ به مروان بلاده من الرجال وما هم عليه في عدتهم وقوتهم أعلن إسلامه، فأقره مروان في مملكته، ويبدو أن مدينة باب الأبواب أصبحت المركز الذي تنطلق منه جيوش المسلمين. ويلاحظ أن المعاهدات التي عقدها مروان بن محمد مع ملوك تلك المناطق كانت تنص كلها على تقديم أعداد من الغلمان والجواري وكميات ضخمة من الأرزاق تصب كلها في مدينة باب الأبواب.

فتوح المغرب والأندلس: منذ خلافة عثمان وفي مدة تزيد على عشرين عاماً قام العرب بأعمال اقتصرت على ولاية إفريقية، ويمكن عدها غزوات لأن العرب لم يتخذوا فيها قاعدة أو مقراً، كما أنهم لم يقيموا إدارة ولم يتركوا حامية بل كان جيشهم بعد انتصارهم في معركة كبيرة يتخذ نقطة تمركز تنطلق منها القوات لتشن غاراتها في جميع أنحاء الولاية، ثم يعود هذا الجيش بعد أن يتعهد له أصحاب الولاية بدفع الجزية.

ويعود الفضل الأكبر في بسط النفوذ الإسلامي على المغرب إلى عقبة بن نافع وحسَّان بن النعمان الغساني، وموسى بن نصير، فعقبة بنى مدينة القيروان (50 - 55هـ) وكان من أكثر القادة اتصالاً بإفريقية وأشدهم تعلقاً بفتحها وأطولهم مقاماً في ربوعها، وكان أقربهم إلى فهم طبيعتها وطبيعة أهلها ومن ثم فطن إلى أهمية بناء بلدة للمسلمين تكون محطاً لرحالهم، واستتبع إنشاء القيروان نتائج على درجة كبيرة من الأهمية سواء في موقف المسلمين من المغرب أو موقف المغرب من المسلمين، إذ لم يكد يتم تخطيطها حتى ظهرت ولاية إفريقية، وبدأت أنظار العرب تتجه إليها لأنه أصبح لهم فيها عاصمة ومركز يتبعه الإقليم المحيط به.

وإلى حسَّان بن النعمان الغسَّاني يعود الفضل في الاستيلاء على قرطاجنة عاصمة إفريقية البيزنطية وفي القضاء على الكاهنة التي كان الروم يخشونها والبربر منقادين لها، وفي سنة 82هـ/701م «استقامت بلاد إفريقية لحسَّان فدون الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على الروم ومن أقام معهم على دين النصرانية» كما أن حسَّان أراد أن يأخذ الساحل على الروم البيزنطيين فاتجه إلى إنشاء قاعدة بحرية جديدة تحل محل قرطاجنة ويتوافر لها الحماية والابتعاد عن غارات البيزنطيين المفاجئة، وهذه القاعدة البحرية هي تونس التي تتميز بأنها غير مفتوحة على البحر مثل قرطاجنة، فهي تقع إلى الداخل غربي البحيرة التي تتصل بالبحر من جهة الشرق حيث يقع مرسى رادس، وبإنشاء هذا الميناء الجديد الذي ينعم ببحيرة واسعة محمية من أمواج البحر وبعيدة عن قوات البيزنطيين البحرية اضمحل شأن قرطاجنة وانصرف الناس والسكان عنها ولم تعد مدينة يرغب البيزنطيون في استردادها. إلى موسى بن نصير يعود فضل فتح ما تبقى من المغرب الأوسط والأقصى ما بين سنتي 87 و90هـ، ويبدو أن الفتوح كانت سهلة بدليل صمت الروايات عن ذكر معارك مهمة وأعمال حصار وإفاضتها في الحديث عن الغنائم وعظمتها. ومع اضطراب هذه الروايات حول خط سير موسى بن نصير فإن المراحل الرئيسة لخط سيره كانت عبوره المغرب الأوسط من الداخل ثم تجاوزه له والوصول إلى شمالي المغرب الأقصى حيث احتل طَنْجَة وانحداره أخيراً إلى الجنوب حتى سِجِلْماسة ودَرْعة، ويلاحظ تماثل خط سيره وخط سير عقبة في ولايته الثانية مما دفع البعض إلى القول إن الرواة خلطوا بين عمل الاثنين وربما أسندوا إلى عقبة بعض أعمال موسى.

أما فتح الأندلس فقد تمَّ معظمه على يد موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد ما بين سنتي 92 و95هـ/710 و713م ولكنهما لم يستطيعا إتمام الفتح لأن الخليفة الوليد بن عبد الملك استدعاهما ليقدِّما له الحساب عن نتائج حملاتهما، وتسكت الروايات عن مصيرهما وأصبحت الأندلس تابعة لوالي إفريقية، وكان الوليد بن عبد الملك قد جعل ولاية إفريقية مستقلة عن ولاية مصر سنة 86هـ/705م.

الفتوح في منطقة ماوراء النهر والسند: إن منطقة ما وراء النهر Transoxania تمتد بين نهري جيحون (أموداريا Amudarya) وسيحون (سرداريا Syrdaria) وفي الغرب كانت تحدها منطقة خُوارِزم، أما في الشرق فكانت حدودها غير واضحة تماماً وتدخل فيها أجزاء من الصين، وكان يسكن هذه المنطقة خليط من الشعوب الآسيوية وتكونت فيها ممالك مستقلة غير واضحة الحدود، وقد بدأ العرب منذ أن توطَّدت أقدامهم في خراسان، يقومون بغزوات إلى منطقة ما وراء النهر ثم يعودون إلى مراكزهم في خراسان شتاء، وكان الوالي سَلْم بن زياد (62 - 63هـ) أول من عبر نهر جيحون وأقام في الشتاء هناك، إلا أن أول من وطَّد السلطة في منطقة ما وراء النهر، هو قتيبة بن مسلم الباهلي الذي عينه الحجاج والياً على خراسان سنة 86هـ وكان لبراعته الحربية  واستغلاله الخلاف بين الأمراء المحليين ودعم الحجاج له، الأثر الكبير في توطيد هذه السلطة، فقد استولى على بِيكَنْد سنة 87هـ وعلى بُخارى سنة 90هـ وعلى سَمَرَقَنْد سنة 93هـ وغزا الشاش وفَرْغانَة سنة 95هـ ولكن الفتوح في هذه المنطقة لم تمتد بعد مقتل قتيبة إلى أبعد من هذا المدى الذي وصلت إليه على يديه، بل إن العرب فقدوا كل ولايات منطقة سيحون بعد سنة من وفاته، في حين اضطرت الحاميات العربية في سمرقند وبخارى إلى أن تبقى في حالة تأهب واستعداد لمواجهة الثورات التي زادها تدخل الترك تعقيداً.

ولئن كان لقتيبة بن مسلم الفضل في فرض السيطرة العربية الإسلامية على بلاد ما وراء النهر، فإن الفضل في مد الفتوحات إلى السند يعود إلى محمد بن القاسم الثقفي الذي كان مسيره سنة 89هـ، وقد أمدّه الحجاج بن يوسف الثقفي بقواتٍ برّاً وبحراً، وكانت أولى معاركه المهمة المعركة التي انتهت بفتح الدَّيبُل (كراتشي)، وكان الحجاج في أثناء حملات محمد على الدَّيبُل وثيق الصلة به ويرسل إليه بتوجيهاته كل ثلاثة أيام.

بعد فتح الدَّيبُل سار محمد بن القاسم باتجاه شمالي السند وفتح بعض المدن صلحاً وبعضها عنوةً، واستعد داهر ملك السند للقائه، وجمع جيشاً كبيراً زوّده بالفيلة ليرهب خيل العرب، وجرى بين داهر ومحمد بن القاسم قتال شديد لاقى فيه داهر حتفه بعد أن قُتِل الكثير من أصحابه، وبعد مقتل داهر، غدا محمد بن القاسم سيد بلاد السند، ودخل عاصمتها راوَر عنوة ثم قطع نهر بياس الذي يؤدي إلى المُلتان، المدينة المقدسة الغنية التي بلغ من غناها أن سماها العرب «بيت الذهب»، وتوغل محمد في فتوحه بعد ذلك حتى وصل كشمير، إلا أنه كان لوفاة الحجاج بن يوسف سنة 95هـ ووفاة الوليد بن عبد الملك سنة 96هـ والنهاية المؤلمة التي لقيها محمد بن القاسم في خلافة سليمان ابن عبد الملك كبير الأثر في توقف الفتوح في تلك المنطقة ورجوع ملوك الهند إلى ممالكهم. وقد استطاع عمر بن عبد العزيز بحسن سياسته أن يدخل هؤلاء الملوك في الإسلام فاحتفظوا بممالكهم وتسمّوا بأسماء عربية، وفي خلافة هشام بن عبد الملك خرج المسلمون من بلاد الهند واتخذوا مقراً لهم مدينة المحفوظة في السند التي بناها الحكم بن عوانة الكلبي عامل السند، ثم بنى المنصورة التي أصبحت المدينة التي ينزلها عمال السند في العصر العباسي.

فتح جُرجان وطَبَرِستان: ظلَّت جرجان بعيدة عن المخططات العسكرية العربية المنظمة حتى خلافة سليمان بن عبد الملك وولاية يزيد بن المهلب على خراسان سنة 97هـ، وقد سار يزيد بعد وصوله إلى خراسان بثلاثة أشهر أو أربعة بجيش قوامه مئة ألف مقاتل من أهل الكوفة والبصرة والشام ووجوه أهل خراسان والرَّي ومعهم مماليكهم ومواليهم وبعض المتطوعة حتى نزل دِهِستان (ناحية بجرجان قُرب خُوارِزم) فحاصرها وقطع المواد عنها، فأرسل الصول (لقب حكام المنطقة) إلى يزيد يسأله الصلح على أن يؤمنه على نفسه وماله وأهل بيته، ويدفع إليه المدينة وأهلها وما فيها فقبل يزيد ذلك وصالحه ووفى له، ثم توجه إلى جُرجان فتلقاه أهلها بالإتاوة التي كان سعيد ابن العاص قد صالحهم عليها عندما غَزا جُرجان سنة 30هـ فقبلها يزيد وتوجه منها إلى طَبَرستان، فاستنجد الأصبهبذ (لقب) بالديلم فأنجدوه، فقاتلهم يزيد قتالاً ضارياً، وعندما بلغ يزيد بن المهلب أمر مقتل عامله في دِهستان، وثورة أهل جرجان، أرسل حيَّان النبطي إلى الأصبهبذ، ولم يزل يخادعه حتى صالح يزيد على 700 ألف درهم وأربعمئة وقر (حمل بعير) زعفران أو قيمته من العَين، وعاد يزيد إلى جرجان ثانية فقتل عدداً كبيراً من أهلها لأنهم نكثوا العهد وغدروا بعامله عبد الله بن معمَر اليَشكُري فقتلوه وقتلوا الحامية التي كانت معه، وهذا ما يعرف عند المؤرخين بفتح جُرجان الثاني. أما أهل طبرستان فإنهم كانوا يؤدون ما صولحوا عليه مرة ويمتنعون عن أدائه أخرى، فيحاربون ويسالمون، فلما كانت خلافة مروان بن محمد غدروا ونقضوا ما كان بينهم وبين العرب من عهود، وقد اتجهت الدولة العباسية إلى معالجة تمردهم بعد أن استقرَّ لها الأمر.

سقوط الدولة الأموية وأسبابه

اجتمعت عوامل متعددة على سقوط خلافة بني أمية منها: انهيار القاعدة التي كان يعتمد عليها خلفاء بني أمية وهي وحدة البيت الأموي ووحدة عرب الشام إثر الثورة التي أطاحت الوليد الثاني سنة 126هـ نتيجة مؤامرة اشترك فيها بعض رجالات البيت الأموي أنفسهم كيزيد بن الوليد بن عبد الملك وسادات قبيلة كلب، العنصر البارز في التجمع الشامي المساند للبيت الأموي، وأدَّى مقتل الوليد إلى تصدُّع البناء الأموي لا في الشام فحسب، ولكن في الأطراف كذلك، إذ كان الخوف من الجبهة الشامية الموحدة التي تنطلق لنصرة الأمويين في كل قطر ومصر عائقاً في وجه ثورة الأطراف، ولكن حين تخلخلت هيبة هذه القاعدة للبيت الأموي في الشام كان طبيعياً أن تتخلخل هيبة هذا البيت في جميع المناطق، فأضعفت فتن الشام والعراق والخوارج قوى مروان بن محمد وأدَّى خذلان أهل الشام ولاسيما القبائل اليمانية والقضاعية خاصة إلى هزيمة مروان في معركة الزَّاب.

ـ استشراء روح العصبية القبلية بين القيسية واليمانية نتيجة للسياسة التي سار عليها بعض خلفاء بني أمية وولاتهم من تقريب أحد فرعي القبائل إليهم دون الآخر، مما أثار الأحقاد بين الطرفين وأدَّى إلى نشوب الحروب بينهما، وقد تجلَّى هذا التطاحن في خراسان فاستغله دعاة العباسيين واستفادوا منه خير فائدة، ولذلك لم يمض وقت طويل حتى سقطت خراسان في يد أبي مسلم الخراساني الذي كان مسؤولاً عن الحركة العباسية في خراسان.

ـ القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت نتيجة لاتساع رقعة الدولة وعجز الإدارة في المركز عن متابعة هذه القضايا ورصدها مع توفير الحلول لها، وتنفيذ خطط الإصلاح باستمرار، وهذا ما أدَّى إلى نشوء تذمر ليس فقط بين طبقة الموالي، وهم المسلمون من غير العرب وإنما بين العرب أنفسهم لظهور التفاوت بين صفوفهم، فالنقمة على الدولة بسبب خلل الأحوال الاقتصادية والاجتماعية كانت شائعة عند الكثيرين من رعاياها عرباً كانوا أم غير عرب في خراسان وغيرها من الأقطار.

ـ الأحزاب السياسية الدينية المعارضة التي أنكرت حق بني أمية في الخلافة، فالخوارج كانوا يرون أن الخلافة يجب أن تُعقد لأفضل المسلمين ديناً بقطع النظر عن أصله وشرفه ومحتده، واتسمت حركاتهم بالشدة والعنف والتفاني في سبيل العقيدة، وظلوا إبَّان الحكم الأموي شوكة في جنب هذا الحكم تؤرق مضجعه.

أما الحركة الشيعية التي كانت ترى الحق في الخلافة محصوراً في آل البيت فقد استطاعت أن تكسب ولاء الكثير من العرب والموالي وغيرهم وأن تكون مصدر قلق دائم للسلطة، ومن العوامل المهمة في انهيار الحكم الأموي، وقد استفاد العباسيون من كل ذلك، ولكنهم انقلبوا على الشيعة فيما بعد.

الأحوال الاجتماعية في العصر الأموي

انقسم المجتمع في العصر الأموي إلى أربع طبقات، طبقة العرب المسلمين وعلى رأسها الخليفة وأمراء البيت الأموي وسائر قبائل العرب، ويلي طبقة العرب المسلمين طبقة الموالي وقد انقسم هؤلاء إلى الموالي من الأعاجم الأحرار، والموالي الذين يعرفون بموالي العتاقة (ومولى العتاقة هو العبد الذي أعتقه سيده فأصبح حراً ولكنه يبقى مرتبطاً بسيده القديم برابطة الولاء) وقد رأى الكثير من المستشرقين وتبعهم في ذلك عدد من الباحثين العرب، أن بني أمية كانوا متعصبين على الموالي وأنهم استغلوهم واضطهدوهم واحتقروهم وأنه كان من نتائج ذلك شيوع السخط بين الموالي الذي كان من أسباب سقوط الدولة الأموية، ومع أن الموالي قد دخلوا بأعداد متزايدة بمرور الزمن في الأحزاب السياسية فقد كان طابع هذه الأحزاب عربياً، كما أن قيادة الأحزاب كانت وبقيت عربية طوال هذه الحقبة، والثورات التي قامت في العصر الأموي كانت ثورات عربية وشارك فيها الموالي حلفاءهم، ولم يسجل التاريخ ثورة للموالي تستحق الذكر في الشرق، أما ثورة البربر في المغرب سنة 122هـ فلم تكن لمناهضة الخلافة وإنما على عامل طَنجة وما والاها، عمر بن عبد الله المرادي الذي أساء السيرة وأراد فرض أداء الخمس على البربر وزعم أنه فيء للمسلمين، وقد استغل الخوارج هذه الثورة فنشروا دعوتهم بينهم.

وإذا كان العرب، والمراد بهم الجند، متميزين عن الموالي في العطاء فقد كان هذا من مظاهر التطور الطبيعي لمجتمع كان العرب عنصره الأساسي، فمنهم تألف الجيش وهم الذين حملوا الرسالة، وعلى أكتافهم قام بناء الدولة، ولكن ليس معنى ذلك أن الموالي المسجلين في الديوان لم يكونوا يأخذون العطاء، ومن الأرجح أن الموالي الذين كانوا يحاربون بلا عطاء هم موالي العتاقة المرتبطين بأسيادهم.

وتشير الروايات في المصادر التاريخية إلى أن الأمويين اعتمدوا على الموالي وأشركوهم في كثير من المناصب ولاسيما في الإدارة المالية. وكان رؤساء الدواوين في الحقبة المروانية كلهم من الموالي ولم يكن من منصب إلا وكان للموالي فيه نصيب.

أما الطبقة الثالثة فكانت تتألف من أهل الذمة، وهم الذين شملهم الإسلام بعهده وأمانه من أهل الكتاب من النصارى واليهود والسامرة، وكان الرسولr أول من طبَّق قواعد نظام أهل الذمة إذ فرض الجزية على أهل الكتاب ثم قرَّرها أيضاً على المجوس في البحرين قائلاً «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب». وقد كانت الجزية مقابل المنعة وتعهد المسلمين بالمحافظة على أرواح السكان وأموالهم ودياناتهم وإعفائهم من الخدمة العسكرية.

وارتبطت قضايا أهل الذمة في الأمور المدنية والجنائية والقضائية برؤسائهم الروحيين، إلا إذا كانت القضية تمس المسلمين، كما كان يسمح للذمي أن يوصي للكنيسة، أو يوقف لها وقفاً، وكانت دية الذمي كدية المسلم إلا أن دية الذمي كان يدخل نصفها بيت المال ويأخذ الخليفة النصف الآخر فلم يزل ذلك يجري في دية الذمي حتى ولي عمر بن عبد العزيز فأبطل الذي يأخذه الخليفة لنفسه وأثبت الذي يدخل بيت المال. وقد استعان الأمويون في مجال الإدارة بأهل الذمة فلما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز أوجب استخدام المسلمين في كل وظائف الدولة، إلا أن الاستعانة بأهل الذمة استمرت بعد وفاته إلى نهاية العصر الأموي. وكان آخر طبقات المجتمع الرقيق الذي كثرت أعداده نتيجة للفتوحات في الشرق والغرب، وكانت الدولة تملك رقيقاً يسمى رقيق الخمس أو رقيق الإمارة، وكان رقيق الخمس يستخدم في شؤون شتى، فقد استخدم خالد بن يزيد في أثناء ولايته على حمص 400 عبد في بناء مسجدها، كما أن عبد الملك أقام من خمس الأسرى خدماً لمسجد قبة الصخرة، وكان عمر بن عبد العزيز إذا كثر عنده رقيق الخمس خصَّ كل مقعدين وكل زَمِنين (ذوي عاهة) بغلام يخدمهما وبكل أعمى غلاماً يقوده، وكان الرقيق يستخدم كذلك لأداء الأعمال البيتية والحرف اليدوية والعمل الزراعي، وكان من عادة أمراء بني أمية وولاتهم أن يعتقوا الكثير من رقيقهم.

كان من نتيجة الفتوح وما تبع ذلك من ثراء، وما دخل المجتمع من عناصر أجنبية أن انتشر الترف واللهو وظهر ذلك بأوضح أشكاله في مدينتي الحجاز، المدينة ومكة، مع كونهما مركزين أساسيين من مراكز دراسة علم الحديث، فقد عاشت المدينة في العصر الأموي عيشة دعة إلا حقبة قصيرة حينما ثارت على يزيد بن معاوية، ثم لم تلبث أن خلدت إلى صفو الحياة ونعيمها. فقد تجنبت السياسة ووفد إليها، وهي العاصمة المهجورة، كثيرون من معتزلي السياسة وطالبي الراحة ليكونوا بعيدين عن الضوضاء والاضطراب ولينعموا بما أغدقته عليهم الفتوحات من فيء وما حظوا به من ثروة وجاه، وطبيعي أن يكثر في هذا المجتمع المترف الشباب العاطل الذي يريد أن يمضي أوقات فراغه في لهو بريء وسرعان ما قدَّم له الرقيق الأجنبي ما يريد من هذا اللهو، فأقبل أهلها على الغناء إقبالاً شديداً، وشاركتها مكة في ذلك، وكان من أشرافهم من جعل داره أشبه بفندق للمغنين والمغنيات، ومن كبار المغنين الذين اشتهروا بالمدينة في هذا العصر طُوَيس وسائب خاثر وهو ممن نقلوا ألحان الفرس إلى الغناء العربي، ومعبد وهو إمامهم في الغناء غير منازع. ومن أشهر المغنيات عَزَّة الميلاء وجميلة وسلاَّمة القس وحبَابة، وقد شغف يزيد بن عبد الملك بهما (سلاَّمة وحبابة)، واستهوى الغناء والموسيقى خلفاء بني أمية، فإذا كان الخليفة واحداً ممن لا يريدون أن يُشهَر عنهم ذلك، جعل ستارة بينه وبين الندماء.

ومن أنواع اللهو البريء الذي أخذ به الخلفاء والأمراء وأهل بطانتهم الصيد وسباق الخيل، وقد عني الأمويون بسباق الخيل كل العناية، ومن الخلفاء الذين أولعوا بالخيل وأقاموا الحلبات للسباق، الوليد بن عبد الملك، وجاء أخوه سليمان بعده فلم يهمل أمرها وقد ذُكر عنه أنه أعدَّ العدة لسباق عظيم تشترك فيه خيول الناس ولكنه تُوفي قبل أن تُجرى الحلبة، وفي إحدى الحلبات التي أجراها هشام بن عبد الملك كانت الجياد التي اجتمعت من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس «ولم يعرَف ذلك في جاهلية ولا إسلام لأحد من الناس».

وتمتعت سيدات البلاط بقسط وافر من الحرية نسبياً، كما لمع في مجتمع الحجاز كثيرات من النساء قُدن المرح فيه والظرف وعملن على تهذيب الأذواق، من بينهن السيدة سُكَينة بنت الحسين التي كانت تفسح في مجالسها للرجال والمغنين والمغنيات وللشعراء وكثيراً ما كانت تفاضل بينهم، وكان لسُكينة في الطائف منافِسة هي عائشة بنت طلحة التي اجتمع لها من مزايا الكرم وبارع الجمال وسمو النفس وخفة الروح ما جعلها تفوق حتى مناظرتها سُكَينة.

احتدم صراع العصبيات القبلية في الدولة الأموية نتيجة لمعركة مرج راهط التي كانت الشرارة الأولى لوقائع عنيفة بين قبيلتي قيس وتغلب من ناحية وبين قيس وكلب من ناحية أخرى، إذ إن قبيلتي كلب وتغلب كانتا أمويتي الهوى وكانت قيس زبيرية، وقد جرى معظم هذه الوقائع على أطراف البادية فقد كانت منازل كلب في البادية تتاخم بطون قيس التي نزلت الجزيرة وجلها من بني سُلَيم وبني عامر بن صعصعة، أما الوقائع بين قيس وتغلب فقد جرى معظمها في الجزيرة، وقد استطاع عبد الملك بالحزم تارة، والمداراة تارة أخرى، أن يوطد الأمن في المنطقة كلها بعد القضاء على الحركة الزبيرية، كما استطاع بعد أن استتب له الأمر أن يسلك طريقاً وسطاً في مجال العصبيات فأدَّت سياسته إلى التخفيف من غلواء السيطرة اليمانية وأدَّى هذا الموقف إلى ترك القيسية سياسة المقاومة لعبد الملك الذي قرَّب رجالها ووسَّدهم من الأمور ما وسَّد خصومهم من اليمانية، فكان زفر بن الحارث الكلابي وأبناؤه هُذيل وكوثر من بعده من أعظم الشخصيات وأعلاها جاهاً في بلاط دمشق، كما أشعر اليمانيين والكلبيين خاصة أنهم لا يزالون موضع اهتمامه وأنهم لا يقلُّون أهمية عنده من القيسيين كابن بحدل الكلبي وروح بن زنباع الجُذامي وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي من الأزد وقد احتدمت العصبية القبلية كذلك في العراق بعد موت يزيد بن معاوية بين القبائل المضرية من جانب واليمانية والربعية من جانب آخر ونجم عنها فتن قبلية كثيرة. أما في مجال الشعر والشعراء فلم يكن عبد الملك يأذن في بادئ الأمر لشعراء مضر ولا يستمع لشعرهم لأنهم كانوا زبيرية، ولم يأذن لجرير إلا بعد تدخل من الحجاج الذي أعلم عبد الملك أنه لم يكن ممن والى ابن الزبير وأنه لم ينصره بيده ولا بلسانه، ومع ذلك بقي عبد الملك مفضلاً الأخطل التغلبي وعدي ابن الرقاع العاملي.

عادت العصبية القبلية إلى الظهور في خلافة يزيد بن عبد الملك (101 - 105هـ) لتستفحل بعد مقتل الوليد بن يزيد سنة 126هـ في كل الأقاليم ولا سيما في خراسان حيث استغل أبو مسلم هذه الصراعات للقضاء على السلطة الأموية في خراسان.

التيارات الدينية

كانت الخلافة أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين وتشعبت فيها آراؤهم وتكون حولها أهم الفرق الإسلامية وهي الشيعة والخوارج والمرجئة. أما المعتزلة فهم الذين أوجدوا علم الكلام في الإسلام، وأول من تسلح من المسلمين بسلاح خصومهم في الدين فجادلوهم جدلاً علمياً وردوا على هجمات القائلين بالجبر والمنكرين لوجود الله وما أثار اليهود والنصارى والمجوس من شكوك في الدين.

الشيعة: كانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة الرسولr أن علياً وآل بيته أحق الناس بالخلافة، ثم تطوَّرت هذه الفكرة في عصر بني أمية فقالت شيعة علي إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوَّض إلى نظر الأمة بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام والاعتراف بالإمام والطاعة له جزء من الإيمان، والإمام في نظرهم ليس كما ينظر إليه أهل الجماعة (السنَّة)، فالخليفة أو الإمام عند أهل السنة نائب عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، فهو يحمل الناس على العمل بما أمر الله، وهو رئيس السلطة القضائية والإدارية والحربية، ولكن ليس لديه سلطة تشريعية إلا تفسيراً لأمر أو اجتهاداً فيما ليس فيه نص، أما عند الشيعة فللإمام معنى آخر هو أنه أكبر معلم، والإمام ليس شخصاً عادياً بل هو فوق الناس لأنه معصوم عن الخطأ. والشيعة يختلفون اختلافاً كبيراً في الأئمة وتسلسلها. وأهم فرق الشيعة الزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، وكان زيد يرى جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، والإمامية، وقد سمُّوا كذلك لأن أهم عقائدهم أسست حول الإمام، وهي فرقتان الاثنا عشرية نسبة إلى موسى الكاظم والإسماعيلية (السبعية) نسبة إلى الإمام السابع إسماعيل بن جعفر الصادق.

الخوارج: هم الذين خرجوا على علي إثر التحكيم وقد ابتدأ كلامهم في أمور تتعلق بالخلافة فقالوا بصحة خلافة أبي بكر وعمر وبصحة خلافة عثمان في سنيه الست الأولى فلما غيَّر وبدَّل وجب عزله، وأقروا بصحة خلافة علي ثم حكموا بكفره لقبوله التحكيم، لأن حكم الله في الأمر واضح جلي، والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين في أيهما المحق، وطعن الخوارج في معاوية وأصحاب الجمل (طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين) وكانوا يرون أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير فليس يصح أن يتنازل أو يُحَكِّم، وليس بضروري أن يكون الخليفة قرشياً بل يصح أن يكون من قريش وغيرها ولو كان عبداً حبشياً، وإذا تم الاختيار كان رئيس المسلمين، ويجب أن يخضع خضوعاً تاماً لما أمر الله وإلا وجب عزله، وفي عهد عبد الملك مزج الخوارج تعاليمهم السياسية بأبحاث دينية، وأشهر من كان له أثر في ذلك الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق والنجدات أتباع نجدة بن عامر، والإباضية، أتباع عبد الله بن إباض التميمي، والصُّفْرِية أتباع زياد بن الأصفر.

المرجئة: كانت المرجئة في أول أمرها حزباً سياسياً محايداً والسبب المباشر في تكوينه هو اختلاف الأحزاب في الرأي والسبب البعيد هو الخلافة فلولا الخلافة ما كانت خوارج ولا شيعة ولا مرجئة. وكلمة المرجئة مأخوذة من أرجأ بمعنى أمهل وأخَّر، وقد نشأت المرجئة لمَّا رأت الخوارج يكفِّرون علياً وعثمان قائلين بالتحكيم ورأت من الشيعة من يُكفِّر أبا بكر وعمر وعثمان ومن ناصروهم وكلاهما يكفِّر الأمويين، والأمويون يقاتلونهم ويَرَون أنهم مبطلون، وكل طائفة تدعي أنها وحدها على الحق وأن من عداها كافر وفي ضلال مبين، فظهرت المرجئة تسالم الجميع ولا تكفِّر طائفة منهم وترجئ أمر الحكم بينهم إلى الله، ولهذا سمُّوا المرجئة. وبعد أن كان الإرجاء مذهباً سياسياً أصبح يبحث في أمور دينية وكانت نتيجة بحثهم تتفق ورأيهم السياسي فأهم ما بحثوا فيه تحديد الإيمان والكفر.

القدرية والمعتزلة: كثيراً ما يسمَّى المعتزلة بالقدَرية لأنهم وافقوا القدرية في قولهم «إن للإنسان قدرة توجد الفِعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى» ونفوا أن تكون الأشياء بقدَر الله تعالى وقضائه. وهم ينفون الصفات عن الله ويقولون بخلق القرآن، وقد سميت هذه الفرقة بالمعتزلة لاعتزالهم حلقة الحسن البصري ومخالفتهم أقوال الفرق الأخرى. ومن أهم تعاليم المعتزلة العدل والتوحيد والقول بالمنزلة بين المنزلتين، أي إن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ولا مؤمن ولكنه فاسق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن القدر خيره وشره من الله.

الإدارة في العصر الأموي

أصبحت الخلافة في عهد بني أمية وراثية، ورافق ذلك شارات وعلامات حلّت محل البساطة التي كانت شعار الخلفاء الراشدين. فقد اتخذ معاوية المقصورة، وأقام الحرس والشُّرَط والبوابين، ومُشي بين يديه بالحراب، وجلس على السرير والناس تحته، ومع أن معاوية وخلفاء بني أمية كانوا يُتهمون باهتمامهم بالمصالح السياسية وتقديمها على الاعتبارات الدينية، فقد كانوا كالخلفاء الراشدين يولون إمامة الصلاة اهتماماً كبيراً، ويؤمون المسلمين في المساجد الجامعة في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والخسوفين والاستسقاء ولا يقلدونها غيرهم من الناس استئثاراً بها واستعظاماً لرتبتها.

وللخليفة بصفته رئيساً للدولة حق اختيار من يشاء لتصريف شؤون الإدارة والحكم وهو المسؤول عن أعمال من يختارهم من الولاة لأنهم خاضعون له ويعملون باسمه. وقد انقسمت الدولة في العصر الأموي إلى ولايات كبرى أساسية هي الشام التي كانت تحت الإشراف المباشر للخليفة، والعراق والجزيرة ومصر وإفريقية إضافة إلى ولايتي الحجاز واليمن. وجعل خلفاء بني أمية ولاية العراق مركزاً للقسم الشرقي من الدولة العربية لذلك كان أمير العراق في الغالب يشرف على العراق والأقسام الشرقية والشمالية الشرقية المتاخمة والبعيدة (الجبال، الأهواز، فارس، سجستان، كرمان، مكران، أرض الديلم، قزوين، جرجان، طبرستان) ومع أن خراسان أصبحت قاعدة عسكرية للفتوح في منطقة ما وراء النهر فإن والي خراسان كان في معظم الأحيان تابعاً إدارياً لوالي العراقين. وكان أول من جُمع له العراقان (البصرة والكوفة) زياد بن أبيه سنة 50هـ وسار على هذا النظام أكثر خلفاء بني أمية حتى بلغ عدد الأمراء الذين تولوا العراقين اثني عشر أميراً حكموا مدة 64 سنة من أصل تسعين سنة هي مدة بقاء الدولة الأموية، أما الست والعشرون الباقية فقد اتبع الخلفاء فيها التقسيم الذي كان سائداً في عهد الراشدين، فكان لكل من البصرة والكوفة ولاتها الذين يشرفون عليها وعلى ما يليها.

أما الجزيرة فقد أصبحت منذ خلافة عبد الملك بن مروان قاعدة لحماية الثغور الجزرية ومنطلقاً للفتوح في مناطق اللاَّن والخزر وارتبطت أذربيجان وأرمينية والموصل إدارياً بوالي الجزيرة أحياناً، ولما عادت مصر قاعدة للفتوح في إفريقية في العصر الأموي فإن مسلمة بن مُخَلَّد (47 - 62هـ) كان أول من جُمعت له مصر والمغرب من طرابلس إلى طنجة، وكذلك كانت بلاد مصر كلها وبلاد المغرب لعبد العزيز بن مروان (65 - 86هـ). فلما كانت خلافة الوليد بن عبد الملك أصبحت ولاية إفريقية سنة 86هـ مستقلة عن مصر إدارياً وأصبحت ولاية إفريقية تمتد من طرابلس إلى المغرب الأقصى وقاعدتها القيروان، ولأن فتح الأندلس تمَّ على يدي ولاة إفريقية فقد أصبحت تابعة إدارياً لها.

خوَّل معاوية والخلفاء الأمويون من بعده ولاتهم سلطات واسعة وقسطاً كبيراً من الحرية، وأطلق الفقهاء في وقت متأخر على هذا اللون من الإدارة اسم إمارة استكفاء، وهي التي يعقدها الخليفة لمن يختاره من رجاله الأكفياء مفوِّضاً إليه إمارة الإقليم على جميع أهله، ويجعله عام النظر في كل أموره، فيصبح مسؤولاً عن تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم والنظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام وجباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال وإقامة الحدود وإمامة المسلمين وتسيير الحجيج.

وإذا كان الإقليم ثغراً متاخماً للعدو أضيفت إلى الوالي مهمة جهاد من يليه من الأعداء، وتقسيم غنائمهم في المقاتِلة وأخذ خمسها لأهل الخمس، أي إن الأمير كان يتمتع إبان توليه منصبه بشبه استقلال ذاتي، ويتمتع بكل الصلاحيات التي يتمتع بها الخليفة، إلا أنه لم يكن له السلطة في أن يسير إلى الخليفة ويترك أمر ولايته إلا بإذنه، كما أنه كان مسؤولاً تجاه الخليفة ويعمل باسمه، هذه السلطات الواسعة التي كان يتمتع بها الولاة كانت تُقيد أحياناً تبعاً للأسلوب الإداري الذي يعتقد الخليفة أنه الأنسب لتحقيق مصلحة الدولة، فنجد الخليفة عمر بن عبد العزيز مثلاً يحاول العودة إلى النظام الذي كان مطبقاً في خلافة عمر بن الخطاب من ربط أكبر عدد ممكن من الولاة به وتولية القضاة أو ترشيح أسماء من يجدهم أهلاً لهذا المنصب وتعيين عمال الخراج وجعلهم مسؤولين تجاهه وليس أمام الولاة.

المؤسسات الإدارية: أُتيح للأمويين من الاتصال بالفرس والبيزنطيين أكثر مما أتيح للراشدين واتسعت في عصرهم مرافق الدولة واحتاجت إلى مؤسسات جديدة تنظم إدارتها، سميت الدواوين وهي تشبه الدوائر الرسمية أو الوزارات في المفهوم الحديث. ومع أن المؤرخين العرب يذكرون «الديوان» عامة في خلافة عمر وعثمان وعلي كذكرهم دواوين المدينة والكوفة والبصرة فإنما يعنون بها الإدارة عامة وابتداء من خلافة معاوية بن أبي سفيان جرى تأسيس الدواوين بحسب الاختصاصات وأهم هذه الدواوين: ديوان الجند أو المقاتلة، وديوان الخراج وديوان الرسائل وديوان الخاتم وديوان البريد. ثم ظهرت بعد ذلك دواوين أخرى بحسب مقتضيات الحاجة والتنظيم فظهر ديوان المستغلات وديوان النفقات وديوان الأحباس (الأوقاف). وقد وجد في الدولة نوعان من الدواوين دواوين مركزية ومقرُّها العاصمة دمشق ودواوين إقليمية مقرها حواضر الولايات الكبرى.

جباية الأموال: كانت أهم الأموال التي تُجبى في العصر الأموي هي التي أطلق عليها الفقهاء اسم الفيء والخُمس والصدقة، وقد طبق الأمويون في جبايتها إلى حد بعيد القواعد الأساسية التي أوجدها الخليفة عمر بن الخطاب. والفيء هو ما يُجبى من أموال أهل الذمَّة مما صولحوا عليه من جزية رؤوسهم ومن خراج الأرض التي افتتحت عنوة، ومن وظيفة أرض الصلح التي منعها أهلها حتى صولحوا على خراج مسمَّى، ومنه ما يأخذه العاشر من أموال أهل الذمة التي يمرون بها عليه لتجارتهم، وما يؤخذ من تجار دار الحرب إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة، ومع أن ما فُرِض على نصارى بني تغلب هو ضِعفا الصدقة التي تؤخذ من أرض المسلمين (لأنهم أنفوا من أداء الجزية) فإن سبيل ما يؤخذ من أموال بني تغلب سبيل مال الخراج لأنه بدل الجزية.

والخمس هو خُمس الغنيمة وهو ما غلب عليه المسلمون بالقتال، والواجب في المغنم تخميسه، إذ يقول الله تعالى: )واعلموا أنَّما غَنِمْتُم من شيءٍ فأنَّ لله خُمسَه وللرسول ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل( (الأنفال 41) أما الباقي من الغنيمة فيقسم بين الجند من أهل الديوان وغيرهم وقد قال عمر بن الخطاب «الغنيمة لمن شهد الوقعة» واختلف الناس بعد وفاة الرسول r في سهم الرسول وذوي القربى ثم أجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكُراع (الدواب) والسلاح.

أما الصدقات فهي زكاة أموال المسلمين من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والحب والثمار يضاف إلى ذلك ربع العشر الذي يؤخذ من التجار المسلمين. ولا يدخل مال الصدقة في مال الخراج ولا يجوز أن يتولاها عمّال الخراج، بل إن للصدقة عمالها ولهم رزقهم من مال الصدقة على أن لا يستغرق أكثر الصدقة. ومن نصوص وردت في كتاب الخراج لأبي يوسف وكتاب الأموال لأبي عبيد وتاريخ اليعقوبي يستنتج أن الأمويين لم يكتفوا بالجزية والخراج وعشور التجارة بل فرضوا أنواعاً من الضرائب الإضافية على أهل الذمة، منها فرض ضرائب موحدة على الأراضي المزروعة وغير المزروعة، وتحصيل ضرائب إضافية كان بعضها إحياء لرسوم تقليدية ساسانية كهدايا النيروز والمهرجان، وتحصيل ثمن الصحف المستخدمة في الطلبات الرسمية، والأجور التي تدفع للعمال المشتغلين في دور الضرب، واشتراط العمال تحصيل الضرائب بعملات ذات وزن معين بدلاً من العملات المتوافرة لدى الأهالي، والاستيلاء على فروق النقد بينهم وقد ألغاها الخليفة عمر بن عبد العزيز، كما أصدر سنة 100هـ قراراً بمنع المسلمين من شراء أرض الخراج حتى لا تتحول إلى أرض عشرية وأعلن أن من يشتري أرض خراج بعد سنة 100هـ فإن بيعه مردود. وقد أمضى هذا الأمر من بعده يزيد وهشام ابنا عبد الملك، وأسند إلى الأمويين وولاتهم عدم رفع الجزية عن الذين أسلموا من أهل الذمة ويذكر ابن عبد الحكم أن أول من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمة هو الحجاج بن يوسف الثقفي. أما الطبري فيذكر أن عمال الخراج كتبوا إلى الحجاج أن الخراج قد انكسر، وأن أهل الذمة قد أسلموا. فكتب الحجاج إلى البصرة وغيرها «من كان له أصل في قرية فليخرج إليها". أي إن إرجاع الفلاحين إلى قراهم جاء بطلب من جباة الخراج الذين شكوا إلى الحجاج هجرة الفلاحين لأرضهم بعد إسلامهم مما أدَّى إلى انكسار الخراج، والغاية من هذا الإجراء هي تعمير الريف واستيفاء خراجه.

وحينما أُخبر عمر بن عبد العزيز أن عشرين ألفاً من أهل الذمة قد أسلموا ويؤخذون بالجزية، كتب إلى واليه على خراسان يأمره بأن يضع الجزية عن كل من صلّى إلى القِبْلة، والسبب في هذا أن القادة العرب كانوا قد عقدوا عهود صلح مع معظم المدن الإيرانية في العهد الراشدي، وكان الذي يفاوض في هذه الاتفاقات إما أولو الأمر في الحكومة المحلية في المدينة أو أميرها الحاكم أو صاحب الإقليم، وهكذا كانت مدن خراسان كلها تؤدي جزية محددة أي مبلغاً معيناً من المال يقومون بجمعه بأنفسهم بالطريقة التي يرونها ويحتفظون بما يشاؤون ولا يعطون العرب إلا المبالغ التي صولحوا عليها، في حين كان العرب في سواد العراق والشام ومصر والجزيرة يحتفظون بسجلاّت للأرض والناس ويجمعون الضرائب التي قدَّروها، وإذا كانت الرواية التي يوردها الطبري تشير إلى أن أعداداً كبيرة قد دخلت في الإسلام نتيجة لأمر عمر بن عبد العزيز بإسقاط الجزية عمّن أسلم، فإن إصلاحات نصر بن سيار والي خراسان سنة 121هـ/738م تبرهن على أن الدَّهاقين لم يكونوا يعفون من أسلم من الجزية، فقد عيَّن نصر موظفاً للإشراف على جمع الجزية والخراج وأعلن «أنه أيَّما رجل من المسلمين كان يؤخذ منه جزية رأسه وثقّل عليه في خراجه وخفف مثل ذلك عن المشركين فليرفع ذلك إلى المنصور بن عمر يحوله من المسلم إلى المشرك» فكان من نتيجة ذلك أن رفع عن ثلاثين ألف رجل من المسلمين ضريبة رؤوسهم ووضعت ضريبة الرأس على 80 ألفاً من المشركين، كما نظر نصر في الشكوى الخاصة بثقل ضريبة الأرض وتقديرها بغير عدل على المسلمين فقوَّم هذا الحيف وصنف الخراج حتى وضعه مواضعه، ثم وظَّف الوظيفة التي جرى عليها الصلح.

الجيش

تألف الجيش في العصر الأموي من أفراد القبائل العربية التي استقرت في المعسكرات التي كانت تنطلق منها جيوش الفتح كالبصرة والكوفة وأجناد الشام والفسطاط والقيروان ومرو في خراسان، وكان دور الموالي في الجيش في الحقبة السفيانية محدوداً جداً ثم ازداد تدريجياً في الحقبة المروانية وكان هؤلاء من أصول مختلفة فارسية ورومية وبربرية وتركية وصقلية، وظهرت أسماء فرق من الموالي كالوضّاحية والذكوانية والراشدية، ومع إسهام الموالي في القتال فإن دورهم بقي متواضعاً بالموازنة بينهم وبين المقاتلة من أبناء القبائل العربية، إذ لم يزد عدد الموالي في جيش قتيبة بن مسلم الباهلي على سبعة آلاف في حين كان عدد المقاتلة من العرب 47 ألفاً. أما اشتراك قبائل المغرب من غير العرب فكان على نطاق أوسع، فحينما ولَّى موسى بن نصير مولاه طارق بن زياد على طنجة وما والاها كان معه سبعة عشر ألفاً من المقاتلة العرب واثنا عشر ألفاً من البربر. وقد استعان العرب منذ العهد الراشدي في مناطق الثغور بالمعاهدين مقابل إعفائهم من الجزية وبقيت قاعدة الاستعانة بالمعاهدين مقصورة على مناطق الثغور في خلافة بني أمية.

اهتم خلفاء بني أمية وولاتهم بتجهيز المقاتلة بكل ما يحتاجون إليه من الأسلحة ووسائل الدفاع من ترس ودرع ومغفر وبيضة، وطوَّر العرب في العصر الأموي الأسلحة الثقيلة التي يشترك في استخدامها أكثر من جندي كالمنجنيق الذي ازدادت فعاليته وبرز دوره في موجة الفتوحات العربية، خاصة في بلاد ما وراء النهر.

واهتم الأمويون كذلك بتطوير دور صناعة السفن في الشام إلى جانب دور الصناعة في مصر لمواجهة الأساطيل البيزنطية التي كانت ما تزال مسيطرة على مياه البحر المتوسط، فحينما شنَّ الروم سنة 49هـ غارة عنيفة على سواحل الشام، عمد معاوية إلى إنشاء دار صناعة في عكا من جند الأردن، وبقيت دور الصناعة في عكا حتى خلافة هشام بن عبد الملك الذي نقلها إلى صور، وظل التعاون بين مصر والشام مستمراً في استخدام المصريين ملاَّحين في سفن الشام واستيراد الأخشاب التي تصلح لبناء السفن من الشام، وحينما أنشأ حسَّان بن النعمان قاعدة بحرية في تونس طلب من عبد الملك بن مروان أن يرسل إليه من يعمر دار الصناعة فيها ويعلم المسلمين صناعة السفن، فكتب الخليفة عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز وهو والٍ على مصر أن يوجه إلى تونس ألفي قبطي بأهله وولده ويحسن عونهم حتى يصلوا إليها. وفي ولاية موسى بن نصير على إفريقية عمد إلى توسيع دار الصناعة وأمر بصناعة مئة مركب. واهتمام ولاة بني أمية بدار الصناعة في تونس هو الذي مهَّد لغزو صقلية سنة 212هـ/827م أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم الأغلب.

كان المقاتلة المسجلون في ديوان الجند ينالون العطاء السنوي الذي كان يراوح بين مئتين إلى ثلاثمئة درهم وألف إلى ألف وخمسمئة درهم، أما شرف العطاء فقد بلغ في العصر الأموي ألفي درهم في حين كان شرف العطاء محدداً بألفين وخمسمئة درهم في عهد عمر بن الخطاب ومن تبعه من الخلفاء الراشدين.

إضافة إلى العطاء، كان المقاتلون ينالون رزقاً شهرياً وأموالاً إضافية تسمّى المعاون، وجدت منذ أيام عمر بن الخطاب، وقد ارتفع مقدار المعونة في الشام حين دعوة المقاتلين إلى حملة مهمة أو للقضاء على ثورة، فقد أعطى يزيد بن معاوية الجند الذين انتدبهم لمقاتلة ابن الزبير مئة دينار معونة فوق أعطياتهم.

التعبئة والقيادة: اضطر القواد العرب حينما واجهوا جيوش الفرس والروم البيزنطيين التي كانت لاتقاتل إلا على نظام وتعبئة، أن يتبعوا الأسلوب نفسه من تقسيم الجند إلى ميمنة وميسرة وقلب ومقدمة وساقة، واستمر الأمويون في اتباع هذا النظام مع اتباع نظام الصفوف في هذه الأقسام.

ويبدو أن الزحف بالصف استمر طوال العصر الأموي حتى خلافة مروان بن محمد الذي أبطل الصف وصار إلى التعبئة كراديس في قتال الخوارج، وأُبطِل الصف منذ يومئذ، أما القيادات فقد تولاها أشخاص لأسباب مختلفة منها القرابة والكفاية والإخلاص، كما تولى القيادة موالي الأمراء كأبي المهاجر دينار مولى مسلمة بن مُخلَّد والي مصر وطارق بن زياد مولى موسى بن نصير. وإذا كان معاوية ابن أبي سفيان قد جعل القيادة للصحابة وأبنائهم المشهود لهم بالكفاية والإخلاص إضافة إلى اعتماده على سادات القبائل، فإنه يُلاحظ ازدياد كبير في الاعتماد على رجالات البيت الأموي من آل مروان ولا سيما في قيادة الصوائف والشواتي التي كانت موجهة إلى بلاد الروم.

الإنجازات الحضارية

كان انتشار الإسلام واللغة العربية من أعظم الإسهامات الحضارية التي تحققت في العصر الأموي، وكان ذلك نتيجة من نتائج الفتوح، إذ دخل الدين الإسلامي إلى البلاد التي تمَّ فتحها مع دخول العرب المسلمين إليها، ومع الزمن كانت له الغلبة على الأديان التي وجدت قبله، وأصبح المسلمون أغلبية في تلك البلاد، وكان لإسكان العرب المسلمين في المناطق المختلفة التي فُتِحت في عهد الخلفاء الراشدين أثر كبير في انتشار الإسلام لاختلاطهم بالسكان الأصليين، وقد شجع الأمويون كذلك القبائل العربية على الاستيطان في الأقاليم المختلفة التي كانت نسبة العرب فيها قليلة، فقد حمل زياد بن أبيه خمسين ألف أسرة من البصرة والكوفة إلى خراسان سنة 51هـ.

وأسكن قتيبة العرب في سمرقند وبخارى، ويذكر النَرْشَخي أن قتيبة حين استولى على بخارى رأى أن أفضل وسيلة لنشر الإسلام بين أهلها هو أن يُسكِنَ العرب في بيوتهم ومن ثمَّ أمر أهلها أن يعطوا للعرب نصف بيوتهم ليقيموا معهم ويطَّلعوا على أحوالهم فيظلوا مسلمين بالضرورة. وباستقرار العرب في بخارى وسمرقند وخُوارزم استطاع قتيبة أن يوجهها لتصبح مراكز للثقافة العربية ولغرس الإسلام في آسيا الوسطى، وبدأ الإسلام بعد ذلك ينتشر بسرعة في منطقة ما وراء النهر. ويشير بارتولد Barthold إلى أن الذي ساعد على انتشار الإسلام بسرعة في مناطق ما وراء النهر هو أن التقاليد الدينية فيها لم تكن من العمق والتأصل بالقدر الذي كانت عليه في صميم الامبراطورية الساسانية، إذ لم يكن فيها دين دولة بالمفهوم الدقيق لهذه الكلمة، مع أن ديانة الطبقة الحاكمة في هذه المناطق كما في فارس كانت الديانة الزرادشتية، ولكن أتباع الطوائف التي كانت مضطهدة في إيران كانت تجد الملجأ لنفسها في منطقة ما وراء النهر، ولذلك فعندما امتد الفتح العربي إليها لم يكن هناك مقاومة من الناحية الدينية.

أما في المغرب فقد أدرك عقبة بن نافع كذلك أن الإسلام لا يمكن أن ينتشر في ربوع المغرب إلا باستقرار المسلمين فيه، ولذلك قرر بناء مدينة القيروان ليتخذها المسلمون معسكراً لهم وتكون «عزاً للإسلام إلى آخر الدهر». وهناك روايات وأخبار متعددة عن انتشار الإسلام على يدي عقبة في ولايتيه الأولى والثانية وعلى يدي موسى بن نصير الذي ترك في طنجة سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام. ويورد ابن خلدون أسماء بيوت وجماعات من العرب استقرَّت في نواحي المغرب، كما أن هناك إشارات في جمهرة أنساب العرب لابن حزم تؤيد ما ذكره ابن خلدون من أن بيوتاً عربية ممن اشترك في الفتح أو لَحِق بالفاتحين نزلت في منازل بعض القبائل واتخذوها مواطن ورأسوا فيها وتسلسل عقبهم فيها والأغلب أن الذي حدث هو أن هذه البيوت كانت تستقر بين القبائل لتعليم أهلها شرائع الإسلام، أي إن رجالها كانوا يقيمون بين البربر معلمين لهم ومع الزمن يتحول التعليم إلى رياسة، وصار ذلك تقليداً في المغرب.

أما الأقاليم الأخرى التي كان الإسلام قد بدأ بالانتشار فيها في صدر الإسلام فقد حذا الخلفاء الأمويون وولاتهم حذو الخلفاء الراشدين في إسناد المناصب المهمة ولا سيما القضاء إلى أفاضل الصحابة وإلى الفقهاء من الصحابة أو التابعين حتى يستطيع هؤلاء توجيه الناس وتعليمهم، وكان الخليفة الوليد بن عبد الملك أعظَمهم نفقة في سبيل الله، وكان يفرض على الناس جميعاً أن يقرأوا القرآن ويعرفوه، وكان يجعل ذلك شرطاً في قضاء حوائجهم، أما الخليفة عمر بن عبد العزيز فكانت سياسته إسلامية خالصة تنحو إلى نشر الإسلام، وإدخال رعايا الدولة كلهم في رحابه. وكان لرسالته التي وجهها إلى عماله جميعاً بأن «لا يولّوا أمور المسلمين أحداً من أهل ذمتهم وخراجهم» وأَمْرِه برفع الجزية عمن أسلم، تأثير كبير في ميل الكثير منهم إلى الدخول في الإسلام.

نشر اللغة العربية: كان انتشار الإسلام يساعد على انتشار العربية، لأنه كان يسبقها ويمهد لها، إلا أنَّ انتشار الإسلام واللغة العربية لم يسيرا في خطين متوازيين إبان العصر الأموي، فقد كان انتشار العربية في الولايات الشرقية أبطأ من انتشار الإسلام، في حين كان انتشار اللغة أسرع من انتشار الإسلام في الشام مثلاً حيث بقي قسم كبير من سكان الشام على مسيحيتهم إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي). ويرجع فضل نشر العربية في الأقطار جميعها إلى سياسة الأمويين ولا سيما سياسة عبد الملك وولاته وحفظة القرآن ممن رافقوا جيوش الفتح. ففي سنة 81هـ أمر عبد الملك بنقل دواوين الخراج في الشام من الرومية إلى العربية، وقام بهذا العمل سليمان بن سعد، وأجبرت عملية التعريب هذه كل من يرغب في العمل في دواوين الدولة على أن يتعلم اللغة العربية ويتقنها، وفي العراق أشرف الحجاج بن يوسف الثقفي على تحويل ديوان خراج السواد وسائر العراق من الفارسية إلى العربية، وقلَّد ذلك صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم، وكان كاتباً عند زادان فرّوخ صاحب ديوان خراج العراق، فكان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد يقول «لله درُّ صالح ما أعظم مِنَّتَهُ على الكُتَّاب»، وكان من نتيجة ذلك أن اضطر الفرس والموالي من الفرس إلى تعلم اللغة العربية، مما عجَّل نشوء النحو العربي ليسهل لهم طريق تعلم العربية. وحققت العربية كذلك في مصر وثبة واسعة عندما عُرِّبت الدواوين، فاضطر الأقباط الذين استخدمتهم الحكومة العربية في دواوين الخراج إلى تعلّم اللغة العربية، إلا أن هناك دلائل تشير إلى بقاء القبطية لغة التخاطب بين المصريين حتى القرن الثالث الهجري، ولم يبدؤوا بترك لغتهم القبطية إلا في القرن الرابع الهجري وأصبحت اللغة العربية لغة الثقافة والعلم والإدارة والتخاطب.

أما في المغرب فقد استطاعت العربية أن تنتشر بسرعة منذ أن استصفى المسلمون إفريقية وغلبوا عليها في عهد عبد الملك وما بعده، وكان عبد الملك هو الذي أمر بنقل الدواوين إلى العربية ومن الواضح أن التعريب شمل «إفريقية» ابتداء من استقرار المسلمين فيها، وكان لهم مع حسَّان بن النعمان الغساني والي إفريقية نظام إداري وحياة حكومية منظمة. وقد طغت اللغة العربية بسرعة على لغة البربر ولا سيما في السواحل والبسائط، وعلى مقربة من المدن وفي طريق العرب إلى الأندلس، وفي منازل العرب المهاجرين، لأن العربية هي لغة الإسلام والقرآن، وكان إقبال البربر على العربية بمثل الحماسة التي أقبلوا بها على الدين الإسلامي، ولذلك يمكن القول إن الأسباب التي ساعدت على انتشار الإسلام توشك أن تكون الأسباب التي ساعدت على انتشار العربية.

التدوين: من الإنجازات الحضارية في العصر الأموي ابتداء حركة التدوين واتساعها وكان من أوائل ما عني به المسلمون تدوين كل ما يتصل بدينهم الحنيف، وإذا كان تدوين القرآن قد تمَّ في العصر الراشدي فإن الصحابة والجيل الأول من التابعين ترددوا في تدوين الحديث إلا أنه كان من بينهم قلة يسجلون الحديث وعُني بذلك ابن شهاب الزهري المتوفى سنة 124هـ، وعلى نحو ما أخذ العرب في تدوين الحديث والتفسير أخذوا في تدوين الفقه، وأخذوا منذ القرن الأول للهجرة بتدوين مغازي الرسولr مع إضافة مادة تاريخية إسلامية عن الفتوح وأخبار الخلفاء الراشدين والأمويين، ومن كل ذلك ألَّف المؤرخون المخضرمون الذين عاشوا في العصر الأموي والعباسي كتبهم التاريخية التي يفيض الفهرست للنديم في بيان أسمائها، كما تُلحظ في أوائل العصر الأموي عناية العرب بمعارفهم العربية الخالصة من أخبار آبائهم في الجاهلية وأنسابهم وأشعارهم، ومن ثمَّ كثر من بينهم علماء النسب وأصحاب الأخبار ومن أشهرهم دَغْفَل النسَّابة المتوفى سنة 70هـ، وأبو عمرو بن العلاء الذي كان «أعلم الناس بالغريب والعربية وبالقرآن والشعر وأيام العرب والناس». وقد اهتم معاوية بأخبار الأمم السابقة فاستقدم عَبيد بن شَرْيَة الجُرْهمي اليمني ليحدثه في مجالسه عن أخبار ملوك العرب الماضين، وأمر معاوية بتدوين أخباره فتألف من ذلك كتاب «أخبار الأمم الماضية» وكان متداولاً في عصر المسعودي أي في القرن الرابع الهجري.

إلى جانب المعارف العربية الخالصة والإسلامية، اندفع العرب لتمازجهم بالأمم الأجنبية، يطلبون كل ما لدى هذه الأمم من معارف تطبيقية، فتعرَّفوا تخطيط المدن وعمارة المباني وطريقة استغلال الأرض وشق الترع والقنوات، كما عرفوا طرق جباية الخراج وضبط الدواوين، ولم تقف إفادة العرب مما لدى الأعاجم عند المعارف التطبيقية النافعة وإنما تحولوا إلى المعارف النظرية البحتة يدرسونها، وأخذ العرب يهتمون بالترجمة، ومن ذلك ما يروى عن خالد بن يزيد بن معاوية أنه استعان براهب رومي يُدعى ماريانِس ليعلمه الصنعة (الكيمياء)، ويقول الجاحظ إن خالداً هو أول من تُرجمت له كتب النجوم والطب والكيمياء، وفي أخبار عمر بن عبد العزيز أنه أمر ماسرجويه البصري أن يترجم عن السريانية إلى العربية كتاباً في الطب للقس أهرِن، ويُروى أن سالماً مولى هشام بن عبد الملك وكاتبه ترجم بعض رسائل لأرسطو.

العمران: اهتم الأمويون وولاتهم ببناء المساجد، فمنذ أن كان معاوية والياً من قبل عثمان بن عفان أخذ يبني المساجد في السواحل الشامية ويوسِّع ما ابتُنِيَ فيها قبل خلافته كما بنى عبد الملك قبة الصخرة وشرع في بناء المسجد الأقصى الذي أكمله الوليد بن عبد الملك، وقد بنى الوليد المسجد الأموي في دمشق الذي ظلَّ العمل قائماً فيه من سنة 87هـ حتى سنة 96هـ وأسهم فيه ألوف العمال الذين جمعوا من أطراف الولايات العربية، وفي خلافة سليمان بن عبد الملك أُسِّست مدينة الرملة ومسجدها الجامع، وبني أول مسجد جامع في حلب، وجهد أن يكون بناء مسجد حلب معادلاً لبناء مسجد دمشق، ولكن هذا المسجد أُحرق كما يقول ابن الشحنة على يد الامبراطور نقفور فوكاس Nicephorus Phocas عندما دخل حلب سنة 351هـ/962م. ويذكر ابن الفقيه أن زياد بن أبيه بنى سبعة مساجد فلم ينسب إليه شيء منها، وأن كل مسجد بالبصرة كانت رحبته مستديرة فإنه من بناء زياد. وحرص قادة جيوش الفتح والولاة في المشرق كما حرصوا في المغرب على بناء المساجد، كما في مَرو وهَراة ونيسابور وسمرقند وكِرمان وأشهر هذه المساجد مسجد هراة ومسجد بلخ.

إلى جانب المساجد التي شُيِّدَت في أنحاء الدولة العربية الإسلامية شَيَّد الأمويون القصور الكثيرة، ومع أنه لا يوجد أثر لقصور الأمويين في المدن حتى في العاصمة دمشق فإنه يمكن القول، اعتماداً على ما ذكرته الكتب والروايات التاريخية، إضافة إلى ما توصل إليه علماء الآثار، إن القصور الأموية انتشرت في بلاد الشام انتشاراً واسعاً ولم تكن مقتصرة على منطقة بعينها، بل كانت تمتد من جنوبي الأردن إلى الجزيرة الفراتية شمالاً ومن جوف الصحراء شرقاً إلى ساحل البحر المتوسط غرباً، وإذا كان معظم الآثار التي تعود إلى العصر الأموي موجوداً في الشام فليس هذا بمستغرب، فقد كانت الشام مركز حكم الأمويين وكان معظم هذه الأبنية مبنياً من الحجر، في حين كانت المساجد والقصور في الكوفة والبصرة وواسط مبنية من الآجُرِّ أو اللَّبِن، ومن جهة أخرى يُلاحظ أن القصور التي وُجدت أطلالها هي قصور بنيت في البادية، منها قصر المُنية القريب من الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية، وقصر خِرْبَة المضجر القريب من أريحا، وقُصَير عمرة على بعد 50 ميلاً شرقي عمان، وقصر الحير الشرقي وقصر الحير الغربي في بادية الشام الشمالية وينسبان إلى هشام بن عبد الملك، إضافة إلى قصور أخرى كثيرة، وكانت هذه القصور تحقق عدة أهداف منها عمران البادية، والإشراف على النظام والأمن، وتسهيل السفر بإيجاد محطات ومنازل فيها. كما أن هذه القصور كانت منتجعاً للقبائل وزعمائها يلتقون فيها بالخلفاء والأمراء الأمويين الذين كثيراً ما كانوا يحتكون بأمراء القبائل فيحلون مشاكلهم ويختلطون بهم ويتزوجون منهم ليكسبوا قوة في البادية تؤازرهم وتحميهم.

الحياة الأدبية في العصر الأموي

كان أبرز المؤثرات في الحياة الأدبية في العصر الأموي، المؤثرات السياسية، فقد نقل الأمويون حاضرة الدولة إلى دمشق وأسسوا ملكاً وراثياً، فأثار ذلك معارضة الخوارج والشيعة وغيرهم، ويتصل بالمؤثرات السياسية حركة الفتوح التي بلغت أوجها في ذلك العصر، وكان العرب الفاتحون حين يبسطون سلطانهم السياسي ينشرون عقيدتهم ولغتهم وأدبهم كما كانوا يتأثرون بحضارة الأمم التي بسطوا سلطانهم عليها وبأدبهم وعاداتهم الاجتماعية وبذلك تلوَّن الأدب بألوان هذه البيئات وتأثر بها، فكان لبيئات الشام والعراق وخراسان ومصر والمغرب والأندلس أثرها في الحياة الاجتماعية والفكرية الأدبية.

وكان لاستعار جذوة العصبية القبلية أن ظهرت في ذلك العصر التكتلات القبلية الواسعة فاحتدم الصراع بين العدنانية والقحطانية، كما نشب الصراع في إطار كل من هاتين الكتلتين، وقد تركت هذه الفتن القبلية صداها القوي في الحياة الأدبية وفي الشعر خاصة، فنشط فَنُّ النقائض وكثرت المفاخرات القبلية ووقف الشعراء والخطباء وراء احتدام هذه العصبيات.

وكان لموقف البلاط الأموي وولاة بني أمية من الشعراء والخطباء أقوى الأثر في الحياة الأدبية عصرئذ، فقد دأب خلفاء بني أمية باستثناء عمر بن عبد العزيز وولاتهم على إكرام الشعراء وإغداق الأموال عليهم، فاتجه الشعراء إلى فن المديح وجعلوه فنهم الأول.

ومن المؤثرات الاجتماعية في الحياة الأدبية ظهور طبقة الموالي التي كانت في تكاثر مستمر سواء عن طريق الفتوح أو الشراء، وقد حذقت طوائف من الموالي اللغة العربية لنشأتهم بين ظهراني مواليهم العرب ووقفوا على التراث الأدبي وما لبثوا أن شاركوا في الحياة الأدبية، فظهر منهم الكتاب والشعراء.

ظهر في العصر الأموي لون جديد من الشعر لا عهد للعرب به من قبل هو الشعر السياسي، فكان لكل من الخوارج والشيعة والزبيرية ومعارضي الحكم الأموي عامة شعراؤهم الناطقون بلسانهم الذائدون عنهم، وكان الشعر أمضى الأسلحة في مناهضة الأعداء والذود عن مبادئ الجماعة السياسية، ولذلك حرص الأمويون على اصطناع الشعراء المجيدين وإغداق الأموال عليهم.

وكان أبرز شعراء الحزب الأموي جرير والفرزدق والأخطل، كما أنهم كانوا في الوقت نفسه أشهر شعراء النقائض، واشتهر من بين شعراء الخوارج عِمران بن حِطَّان، والطَّرِمَّاح، ونافع بن الأزرق وقطري بن الفجاءة، ومن شعراء الشيعة كُثيِّر بن عبد الرحمن والْكُميت بن زيد الأسدي، ومن شعراء الزبيريين عُبيد الله بن قيس الرقيَّات، كما ازدهر في العصر الأموي الشعر الغزلي ومن أشهر شعراء الغزل عمر بن أبي ربيعة وقيس بن ذَرِيح، وجميل بن عبد الله بن معمر العُذري، وكُثَيِّر، وظهر كذلك الشعر الزهدي ومن شعرائه أبو الأسود الدُؤلي وسابق البربري، وكان شعر سابق البربري يفيض ورَعاً ودعوة إلى التقشف، وثورة على الأغنياء الذين يعيشون لجمع المال ويتعلقون بالدنيا محيطين أنفسهم بمظاهر الثراء والترف.

إلى جانب الشعر ازدهرت الخطابة في العصر الأموي وأدركت شأواً بعيداً، فقد غدت الخطابة في ذلك العصر الذي لم تتوافر فيه سبل الدعاية وسيلة فعَّالة لبث الأفكار وإثارة العواطف فقد كان الخطيب يلجأ إليها لتأدية رسالته الدينية أمام الجمع، وعليها يعوِّل القائد في إثارة الحماسة بين الجند، وبها يستعين أمراء الأمصار في إيضاح سياستهم التي سوف ينهجونها، ومن أشهر خطباء السياسة زياد بن أبيه والحجاج بن يوسف الثقفي، ومن خطباء المحافل الأحنف بن قيس، ومن خطباء الوعظ والقصص الحسن البصري (لمزيد من التوسع انظر: الأدب في العصر الأموي).

خلفاء بني أمية

الفرع السفياني

(1) معاوية بن أبي سفيان                        سنة 41هـ/661م

(2) يزيد بن معاوية                              رجب60هـ/نيسان 680م

(3) معاوية بن يزيد                              ربيع الأول 64هـ/تشرين الأول 683م

الفرع المرواني

(4) مروان بن الحكم                             ذو القعدة 64هـ/حزيران 684م

(5) عبد الملك بن مروان                         رمضان 65هـ/نيسان 685م

(6) الوليد بن عبد الملك                          شوال 86هـ/تشرين الأول 705م

(7) سليمان بن عبد الملك                        جمادى الآخرة 96هـ/آخر شباط 715م

(8) عمر بن عبد العزيز                         صفر 99هـ/تشرين أول 717م

(9) يزيد بن عبد الملك                          رجب 101هـ/شباط 720م

(10) هشام بن عبد الملك                         شعبان 105هـ/كانون الثاني 724م

(11) الوليد بن يزيد بن عبد الملك                ربيع الثاني 125هـ/شباط 743م

(12) يزيد بن الوليد بن عبد الملك                رجب 126هـ/نيسان 744م

(13) إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك             ذو الحجة 126هـ/تشرين الأول 744م

(14) مروان بن محمد بن مروان                 صفر 127هـ/كانون الأول 744م

انتهت خلافة مروان بن محمد بسقوط الدولة الأموية وأخذت البيعة لأبي العباس السفاح في ربيع الثاني سنة 132هـ / تشرين الثاني سنة 750م.

 

نجدة خماش

 

الموضوعات ذات الصلة

 

الخوارج - الشيعة - عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث - يزيد بن المهلب.

 

مراجع للاستزادة

 

ـ البلاذري، فتوح البلدان، تحقيق محمد رضوان (التجارية الكبرى، مصر).

ـ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق أبو الفضل إبراهيم (دار المعارف، الطبعة الثانية).

ـ فلهوزن، تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية، ترجمة محمد عبد الهادي أبو زبدة.

ـ نجدة خماش، الإدارة في العصر الأموي (دمشق 1398هـ/1978م).


التصنيف : التاريخ
النوع : أعلام ومشاهير
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد : 657
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 141
الكل : 12490793
اليوم : 10605

المصري القديم (الفن-)

 المصري القديم (الفن ـ)   إن أهم ما يميز الفن المصري الجدية، فليس فيه أي مظهر من مظاهر العبث والترفيه. وما يُرى من رسوم جدارية أو نحوت أو أعمدة ليس إلا رموزاً لعقيدة المصريين القدماء؛ عقيدة الخلود والبعث. بدأ تاريخ تعرف الحضارة المصرية منذ حملة نابليون بونابرت على مصر من خلال جهود العلماء الذين رافقوا هذه الحملة؛ وعلى رأسهم العالم شامبليون J.Champollion ت(1790-1832) الذي اكتشف حجر رشيد عام 1822، ومنه استطاع فكّ رموز الكتابة الهيروغليفية؛ ليظهر على إثرها علم جديد سمي علم الآثار المصرية Egyptology، وكان الاكتشاف الثاني الأبرز كشف قبر توت عنخ آمون على يد العالمين كارتر Carter وكارنارفون Carnarvon عام 1923، كما قدمت الآثار التي تم العثور عليها في منطقة (نقادة) دليلاً على تقدم الحضارة المصرية في ذلك العصر، والمستوى الرفيع الذي وصله الفن منذ ظهور الأسرة الأولى التي أسسها «مينا» في «منف»، ومن تلك الآثار الأواني المرمرية واللوحات العاجية، مثل «حجر بالِرْمو» الذي سجلت عليه طقوس إحياء حفلات الجلوس الملكي.
المزيد »