logo

logo

logo

logo

logo

الأمريكي القديم (الفن-)

امريكي قديم (فن)

Ancient American art - Art américain ancien

الأمريكي القديم (الفن ـ)

 

الفن الأمريكي القديم Ancient Art of America هو الفن الذي أنتجته شعوب القارة الأمريكية قبل وصول كريستوف كولومبوس إليها. وقد عرفت أمريكة الوسطى والمكسيك حضارات راقية على يد شعوب المايا Maya والأزتيك Aztec، كما قامت في البيرو (أمريكة الجنوبية) حضارة مماثلة على يد شعب الإنكا Inca وبلغت هاتان الحضارتان أوجهما في القرنين السابقين لوصول كولومبوس إلى أمريكة سنة 1492 واستكشافها. ثم جاء الغزاة الإسبان عام 1519 وقضوا على جميع مظاهر الحضارة القديمة.

استطاع علماء الآثار الكشف عن نماذج واضحة لحقبة خصبة من تاريخ المناطق المذكورة وحضارتها، وبقيت مناطق واسعة منها تنتظر التنقيب الأثري مثل غابات الشياباس Chiapas  ووديان الأنديز العليا.

وكانت العلاقات بين شعوب هذه المناطق ومنطقة أمريكة الشمالية محدودة مما سبب تنوع الملامح الحضارية فيها مع وجود تشابه في كثير من الأمور، كإيمان تلك الشعوب بالعقائد الأسطورية للمجتمعات الزراعية، والتقويم الموحد لها وممارستها الكتابة الهيروغليفية وانتشار عمارة الأهرام في الأنحاء التي سكنتها.

وقد حاول المؤرخ الفرنسي روبير هاركور R.Harcourt أن يؤكد الأواصر بين جميع مظاهر الحضارة في الأمريكتين قبل كولومبوس، ومع ذلك فإن «العقيدة الشمسية» والأساطير تختلف في القارة الأولى عنها في الثانية، وإن اللغات مختلفة فيما عدا لغة الشياباس التي يشترك فيها سكان الحدود من الطرفين.

حضارات أمريكة الشمالية والوسطى قبل كولومبوس وفنونها وتطور ثقافتها: حظيت أمريكة قبل كولومبوس برؤية كونية ألَّف فيها الناس والآلهة والطبيعة كلاً لا يتجزأ في الوقت الذي كانت فيه أوربة تتأقلم مع التقانة و«العلمنة»، وكان الإنسان الأوربي تتملكه إرادة السيطرة على الكون بعد أن حسب ذاته مركزاً لهذا الكون.

وقد كان فن الشعوب يدور حول مجموعة من الأساطير والطقوس والأفكار تجمع كلها على أن الكون مبني على الإنسان ودأبه على العيش المشترك، لذا فمفهوم الفن ودوره عند تلك الأقوام كان مغايراً لمفهوم الفن الأوربي المتعلق بالإرث الإغريقي.

1ـ حضارات أمريكة الوسطى وفنونها: إن أمراً مهماً ما يزال قليل الوضوح، وهو أصل الشعوب التي تبنت الحضارة قبل كولومبوس في أمريكة. إذ يعتقد أكثر علماء الآثار أن تلك الحضارة محلية نشأت في أمريكة ذاتها، ويرى بعضهم أن قسماً منها جاء من آسيا عن طريق أمريكة الشمالية.

إن سلسلتي جبال سيرا مادري الشرقية والغربية في المكسيك هما امتداد سلسلتي الجبال الصخرية في أمريكة الشمالية (جبال روكي)، ولقد انفتح السهل المركزي لبلاد المكسيك أمام هجرات مستمرة لقبائل السهوب الشمالية، وتوزعت المستوطنات على مدى التاريخ في مناطق أربع هي: وادي المكسيك وواكساكة ومنطقة الخليج ومنطقة المايا التي تجاوزت حدود المكسيك. ونشأت في هذه المناطق حضارات مختلفة منذ عام 1500 ق.م إلى 1500 ميلادي.

ولا بد من ذكر الحضارة التي ظهرت قبل ذلك في منطقة السهل المركزي والتي تسمى الحضارة الوسطى، فمنذ عام 2000 قبل الميلاد تقريباً ظهرت حضارت زراعية في كوبيلكو زاكاتنكو Copilco Zacatenco استمرت سبعمئة عام، ثم ظهرت حضارة أخرى هي كويكويلكو تيكومان Cuicuilco Ticoman عاشت ثلاثمئة عام. وقد عثر من المرحلة الأولى على أوان فخارية، وعثر من المرحلة الثانية في لافينتا La Venta على تماثيل خزفية تمثل نسوة ذوات كشوح عريضة وأطراف دقيقة ومزخرفة، وهي تشبة تماثيل تعود إلى حضارة الأولميك Olmec التي ازدهرت في منطقة خليج المكسيك.

ـ حضارة الأولميك: إن أقدم حضارة واضحة المعالم ظهرت في أمريكة كانت حضارة الأولميك التي امتدت على الشواطئ الجنوبية لخليج المكسيك منذ عام 1200 حتى 600ق.م، وظهرت إبانها مدن ما زالت قائمة إلى اليوم مثل لافينتا. ثم استمرت تلك الحضارة واضحة في واكساكة Oaxaka حتى عام 100ق.م.

إن قبائل الأولميك هي الأولى التي مارست طقوساً مأتمية، وينسب إليها وضع أول تقويم وتبنّي النظام العشري في القارة الأمريكية، وهي أول من أوجد نوعاً من الكتابة. وكان المجتمع في مدينة لافينتا منظّماً، إذ انصرف العمّال المهرة فيها إلى إبداع منحوتات ضخمة ترتفع أكثر من مترين ويصل قطر الواحدة منها إلى ستة أمتار ومن أشهرها رأس فينتا الذي يزن عشرين طناً، وتمثال المقاتل. يضاف إلى ذلك أقنعة وتماثيل صغيرة من حجر اليَشْم  jade على شكل دمية أو ربة ذات بطن واسع وفم مستدير.

ـ حضارة الزابوتيك Zapotec  والميكستيك Mixtec: ظهرت قبائل الزابوتيك ثم المكستيك في منطقة واكساكة التي تقع في أقصى جنوبي المكسيك. ولقد عثر عام 1932م على آثار مهمة وقبور في منطقة مونت ألبان تنتسب إلى قبائل الزابوتيك والميكستيك، وتعود هذه الآثار إلى حقبة قديمة تمتد من نحو 900ق.م إلى عام 1000 ميلادي وبلغت قمتها في عهد قبائل الزابوتيك (300م - 700م) الذين اشتهروا بالمهارة اليدوية وتركوا آثاراً نحتية مهمة تعود إلى نهاية القرن السادس حين ظهر فن متميز يحدد ملامح شخصية حضارة الزابوتيك متمثلاً بتلك المنشأة الضخمة التي عثر عليها في مونت ألبان، ومن بقاياها أنصاب عليها صور شخصيات وكتابات ورؤوس بارزة كانت تزين الجدران، كما عثر على حلي من قلادات وعقود من اليشم والأحجار الكريمة الأخرى وعلى مئات الجرار لحفظ الموتى مزخرفة برسوم أشخاص وآلهة.

 أما الميكستيك (700م - 1000م) فهي قبائل أقامت في منطقة الزابوتيك نفسها وعرفت بصناعة الحلي من الذهب والفضة المرصعة بالأحجار الكريمة، وقد تأثرت بأساليب صناعة الحلي المستوردة من كولومبية والبيرو وقلدتها بمهارة وقد عثر على شواهدها في مونت ألبان.

ومن آثار الميكستيك أيضاً منشآت مزينة بعناصر زخرفية بارزة وهندسية ما تزال باقية إلى اليوم، كما اشتهر الميكستيك أيضاً بمقدرتهم البارعة على التصوير الملوّن.

ـ حضارة التوتوناك Totonac والهواكستيك Huaxtec: عثر في شمالي فيراكروز وفي مواقع سمبوالان وبابانتيلا على آثار حضارة أخرى تسمى حضارة التوتوناك التي استمرت من عام 400م إلى 1000م تقريباً في شمالي منطقة خليج المكسيك.

وفي شمالي منطقة التوتوناك كانت حضارة الهواكستيك ومركزها في ريو بانوكو Rio Panuco، وهم من سلالة المايا، ومازالت لهجتهم الحالية تؤكد ذلك، مع أن فنهم لا ينتمي إلى فن المايا الكلاسيكي.

ومن آثار التوتوناك هرم التاجن Tajin الذي يتميّز بمنحنياته الغائرة التي يبلغ عددها 365 بعدد أيام السنة على سطوحه الأربعة. وكذلك تماثيل من الحجر القاسي منها تمثال رأس ذي قبعة عالية على شكل قلنسوة وتمثال خزفي لوجه ضاحك بملامح صينية.

أما الهواكستيك فمن آثارهم تماثيل عثر عليها في تاموان، وهي غالباً مسطحة ولكنها حافلة بالزخرفة الدقيقة.

ويختلف خزف الهواكستيك عن أي نوع آخر ظهر في المكسيك القديمة، ومن أمثلته مزهريات ذات مساكب وعرى مزينة باللون الأسود على خلفية بيضاء.

ـ حضارة التولتيك Toltec: من القبائل التي استقرت في الخليج المكسيكي أيضاً قبيلة التولتيك، وكانت أوكسمال Uxmal من أهم مراكز التولتيك، ثم احتلوا بعد القرن العاشر تيوتيهواكان Teotihuacan وكانت تولا Tula وهي العاصمة من أهم مراكزهم التي تركوا فيها منشآت مهمة وكذلك في يوكان وشيشن إيتزا Shishen Itza، وهي مبان حجرية ذات أفاريز مزينة بمنحوتات على هيئات فهود أو رجال وثعابين وعصافير وثمة عضادات على وجوهها الأربعة نحت بارز لمحاربين. وفي تولا تمثال شهير يسمى شاك مول يمثل الإنسان الإله يرتدي ملابس ملكية وهو مضطجع وعلى بطنه وعاء التقدمة وقد ظهر مثل هذا التمثال عند المايا أيضاً.

ـ حضارة المايا Maya: إن شعب المايا هو من الأولميك وظهر بعد انهيار سان لورنزو وحضارة الأولميك نحو 900ق.م وتوزع رعاياها في الأراضي المنخفضة الخالية في الشرق، واتجهت جماعة منهم شمالاً على طول ساحل الخليج لتصبح شعب هواكستيك، الذين يتحدثون لغة المايا أيضاً.

ثمة حقبة سبقت المايا ظهرت نحو 3000ق.م. ومازالت المعلومات عنها غامضة، كما ظهرت زراعة الذرة وصناعة الفخار في عام 1000ق.م تقريباً، وكانت الأوعية الفخارية التي تنسب إلى أسلوب ماموم هي الأقدم ظهوراً في السهل المكسيكي، ثم جاء بعد ذلك الفخار الذي ينسب إلى أسلوب شيكانيل ويعود إلى عام 350 ق.م - 300 ميلادي.

عاشت المايا في شبه جزيرة يوكاتان (المكسيك) وفي هندوراس وجزء من غواتيمالة وفي شياباس وكاميش وتاباسكو.

وظهرت في منطقة المايا امبراطوريتان، الأولى ابتدأت منذ عام 320 م. وتوضحت مراحل حضارتها من أنصاب حجرية كانت تقام كل عشرين عاماً ويعود أول نصب منها إلى عام 328م، وقد وجد في واكساكتون. وفي تاريخ هذه الامبراطورية تكونت المرحلة القديمة لفن المايا، وكانت كوبان Copan وكيريغوا Quirigua من مراكزها الرئيسية، وقد عثر فيهما على آثار مهمة مصنوعة من الخشب والحجر والجص، وهي زخارف على أنصاب أو سواكف (والساكف أعلى الباب الذي يقابل العتبة)، أو هي جدارية أو على أدراج معابد وتعد كلها روائع فنية، وكانت بالانك وبيدراس ونغراس من مراكز تلك المرحلة أيضاً.

على أن المنشآت الموجودة في كوبان وكيريغوا تعد مجموعات معمارية فريدة، وهي أنصاب ذات أبعاد ضخمة تمثل قادة وكهنة بلباس أثرياء مع مذابح بأشكال حيوانية رمزية غريبة. وفي بالينك مازال يقوم هرم الكتابات وهو الوحيد المخصص للدفن، وفيه ضريح رائع كان يقع خارج الهرم، وثمة حجر عليه نحت بارز يمثل كهنة يقدمون الأضاحي لإله الذرة وهي النبات المقدس عند المايا. وكان هذا الضريح الضخم لشخصية مهمة في بالينك، ويبدو ذلك من الزينة الذهبية والأحجار الكريمة التي كانت تغطي جسده.

وثمة معبد آخر عثر عليه في كامبيش استعمل في بنائه الحجر المنحوت والفسيفساء. وفي واجهة المعبد تمثال كبير يمثل إله المطر شوك مول، ترتفع عيناه وأنفه عالياً، أما فمه فهو باب المعبد، ولقد أقيمت نسخة كاملة من هذا المعبد في متحف مكسيكو.

وفي غرف معبد بونامباك عثر على أجمل الرسوم الجدارية التي تمثل مشهداً دينياً أو مشهداً دنيوياً، وفي غرفة جنوبية من المعبد صور قادة وسدنة ومحاربين وشخصيات مقنعة وموسيقيين ومؤمنين يقدمون الأضاحي، وفي غرفة أخرى صور تمثل معركة وانتصاراً ومحاكمة الأسرى، وقد تم كل ذلك بأسلوب واقعي وبألوان حسية ضمن شريط يزين أطراف الأبواب على ارتفاع خمسة أمتار تعلوه صيغ تشبه الأشكال التجريدية الصينية وفي أسفله كتابة رمزية. ولقد تمتع المايا كما يؤكد كولومبيه P.Colombier بمقدرة خارقة على تغيير الأشكال.

ظهرت الامبراطورية الثانية في بداية القرن التاسع الميلادي وكانت تولا هي حاضرتها ومن مدنها الكبرى شيشن إيتل ومايابان وأوكسمال Uxmal، وقد تركت هذه المرحلة آثاراً معمارية غنية بالزخارف الهندسية والموضوعات الرمزية التي تشاهد في قصور زائيل ولابانا وكابان وأوكسمال.

بدأت حضارة المايا تتدهور في هذه الحقبة، فقد أُهملت المواقع السابقة التي ازدهرت في عهد الامبراطورية الأولى في الجنوب وهاجرت موجات من شعوب المايا التي كانت تقطن شيشن إيتل لتستقر في شبه جزيرة يوكاتان. وفي نهاية القرن العاشر وصلت إلى يوكاتان قبائل التولتيك المحاربة آتيه من تولا واتخذت عاصمة لها مدينة شيشن إيتل التي ازدهرت في عهدهم ازدهاراً كبيراً، ومع محافظة التولتيك على أبنية المايا فإنهم أضافوا إليها بصماتهم الخاصة. ومازالت بقايا شعوب المايا تعيش حتى اليوم، ويبلغ عدد المتكلمين بلغة المايا مليوني نسمة.

حضارات أخرى في أمريكة الوسطى: إن من أهم الآثار الفنية المكسيكية القديمة المنشآت الضخمة التي مازالت قائمة في الحاضرة الدينية المهمة تيوتيهواكان، التي تبعد 35 ميلاً شمال العاصمة مكسيكو، وتتألف آثارها من أهرام مدرجة (أهرام الشمس التي ترتفع ستين متراً ويبلغ حجمها مليوناً وثلاثمئة ألف مترٍ مكعب) ومن معابد الحرّاس، ومن القصور التي تعود إلى الحقبة ما بين عامي 300 - 600م. وهي تقدم فناً جزلاً قوياً تزينه تماثيل ضخمة تمثل ربة الماء (ارتفاعها 3.14م) أو تمثل رأس إله المطر ورأس الإله الثعبان ذي الريش. وقد عثر على أقنعة جنائزية ذات أسلوب واقعي من الحجر القاسي تغطيها أحياناً أحجار فسيفسائية ملّونة.

كانت شواطئ المحيط الهادئ موطناً لحضارات قديمة. إذ كشف الأثريون ما يبيّن أن هذه المنطقة كانت ممراً لتبادل التأثيرات المختلفة بين المكسيك وأمريكة الوسطى والجنوبية.

وكانت جزر الأنتيل هي الأرض الأولى التي وطئتها أقدام مكتشف أمريكة كريستوف كولومبوس، وكانت في ذلك الوقت موطن شعبين جاءا من أمريكة الجنوبية وهما الأراوك والكاريب اللذان أقاما أولاً في جزر الأنتيل وأنشآ حضارة متأثرة بحضارة المكسيك. وكانت العلاقات التجارية مع يوكاتان سبب هذا التأثير. ومع ذلك فإن الآثار المتبقية لا توضح معالم أبنية حجرية يمكن الاعتماد عليها في تعرّف طابع فن العمارة في ذلك الوقت.

انتشرت حضارة مماثلة في هندوراس ونيكاراغوة وكوستاريكة وبنمة. أما في هندوراس فقد عثر في أولوا Ulua على أوان مرمرية ذات زخارف نحتية تمثل حيوانات كما عثر في لاس فلوريس Las Flores على أوان فخارية تحمل أسلوب فن المايا، وأما المنحوتات التي عثر عليها في كوبان وأوكوبيك فليس من أثر لفن المايا فيها.

وفي نيكاراغوة عثر حول البحيرة على قطع أثرية مهمة تنسب إلى جزر كوروتيغاس وفي هذه الجزر وعلى الشواطئ المطلة على المحيط الهادئ عثر على تماثيل حجرية على شكل أعمدة بارتفاع يراوح بين 1.20 و3.60م.

امتازت كوستاريكة بالخزف الملوّن الذي يُعد أكمل إنتاج من نوعه في أمريكة الوسطى، ومن أمثلته مزهريات مزينة برسوم  خطية تمثل أفاعي وتماسيح وفهوداً رمزية، وثمة أجران حجرية لها أشكال حيوانية ووجوه ذهبية تمثل محاربين وتماسيح وطيوراً وفق الطراز الكولومبي.

وفي إقليم غيتار عثر على تماثيل بشرية وحيوانية صغيرة من الحجر البركاني المحبب أطلق عليها اسم «ميتانيس».

ثمة مراكز أثرية في بنمة مثل شيركي عثر فيها على أوان بزخارف ملونة، وعلى تماثيل حجرية منها تمثال يسمى «فينوس بنمة» بارتفاع 80 سنتيمتراً وعلى أجران على شكل فهود بأسلوب مشابه لأسلوب كوستاريكة. وحول خليج بنمة ازدهرت حضارة كوكله Cocle واستمرت قرنين قبل الاحتلال الإسباني، ومن أهم مراكزها سيتيوكونتي Sitioconté، وفيها عثر على قبور كبار الشخصيات كما عثر على خزفيات وطيور ومرايا وتماثيل صغيرة من الأحجار الثمينة، وعلى حلي من العاج المغطى بأوراق الذهب. وقد بلغ الخزف كماله في القرن الخامس عشر وأخذ طابعاً نمطياً في زخرفته المستوحاة من الأساطير، ثم أصبحت زخارفه في القرن السادس عشر أكثر تعقيداً.

2 ـ حضارات أمريكة الجنوبية وفنونها:

ـ في كولومبية والإكوادور: تركزت الحضارة القديمة في كولومبية بين نهري المجدلينا والكوكا، وكان الهنود الحمر في الإكوادور قد جاؤوا من السهول العليا واستقروا في هذه المناطق مشكلين حضارة زراعية، ولكن المناطق الاستوائية كانت أسعد حظاً إذ انفتحت عليها تأثيرات شمالية متقدمة.

إن حضارة الهنود في الإكوادور وكولومبية التي توضحت في تايروناس Taironas وفي سان أوغستين San Augustin تركت آثاراً صغيرة من أعمال ذهبية تمثل أقنعة وتمائم انتشرت صناعتها في جميع أنحاء المنطقة وامتدت إلى المكسيك والبيرو، ولم تكشف حتى اليوم آثار معمارية منها. إلا أن ثمة بيوتاً قد أنشئت على مهاد من الأرض في سييرانيفادة وسانتامارتا وكولومبية، وثمة قطع خزفية وحلي وأجران وأوان مزخرفة بصيغ حيوانية تشابه تلك التي عثر عليها في بنمة. وفي كيمبايا عثر على خزف مزخرف ذي تقانات مختلفة بألوان ثلاثة محفوراً ومفرغاً، أما الحلي فقد عثر منها في أمريكة على أجمل الموضوعات وأغلاها وهي تيجان وألواح نافرة بطريقة الضغط أو الطَّرْق، وقوارير وتماثيل واقعية الأسلوب تحاكي بأسلوبها خصائص الحلّي في كوكله (بنمة).

وفي سان أوغستين تتجلى حضارة حجرية في عمارة بدائية، فثمة معابد أنشئت من جلاميد الصخر تشكل ما يشبه أحجار «الدولمن» Dolmen المعروف في أوربة في العصور الحجرية الحديثة. كما عثر على صخور منحوتة ومجموعات من التماثيل أو الأنصاب التي تمثل الإله في صورة بشر - حيوان.

أما في الإكوادور فإن شواطئ المحيط الهادئ تحوي عدداً من المواقع مثل إسميرالداس Esmeraldas التي عثر فيها على قطع جميلة من الخزف المحفور والمنقوش وعلى عدد لا يحصى من التماثيل الصغيرة الخزفية التي تمثل نسوة عاريات وعلى حلي من الذهب والنحاس المذهب أو من الذهب الأبيض المطرق. وفي مانابي Manabi عثر على تماثيل حجرية وعلى بلاطات ذات زخارف بارزة وتماثيل لرجال ومقاعد تتربع عليها شخصيات مختلفة.

إن المراكز الرئيسية للحضارة الهندية في الإكوادور هي كاراشي Carashi في الشمال، حيث عثر على جرار متطاولة العُرى وأقداح عميقة ذات قواعد دائرية وزخارف ملونة بصيغ هندسية وحيوانية. وفي إمبابورا Imbabura عثر على حضارات ست مراحل متعاقبة عن طريق المكتشفات المتنوعة المتمثلة بالحلي الذهبية والنحاسية وباللوحات التصويرية والتيجان والفؤوس والصولجانات.

ـ حضارة الإنكا وتطور الثقافة في البيرو وبوليفية: استطاع الهنود الحمر الذين انتشروا على مرتفعات شاطئ المحيط الهادئ أن يحققوا في البيرو وبوليفية بعض المظاهر الحضارية التي تمثلت واضحة في مواقع أثرية امتدت في منطقة الأنديز المركزية، ثم سكنت هذه المناطق الساحلية قبائل الإنكا منذ عام 1200 ميلادي وجعلت عاصمتها كوزكو Cuzco واستمرت حتى الاحتلال الإسباني وشكلت امبراطورية واسعة وصلت إلى كولومبية والتشيلي وجعلت البلاد كلها تحت سيطرتها وعرفت الحضارة بهم. واستطاعت المكتشفات الأثرية أن توضح آثار الحضارات القديمة قبل الإنكا التي ضاعت مع الزمن في الجبال وعلى الساحل، واستطاع العلماء أن يحددوا تاريخ تلك الحضارات التي امتدت آلاف السنين حيث ابتدأت الزراعة وابتدأ استعمال الطين المشوي، وكان ذلك في الألف الثاني قبل الميلاد.

وعندما احتل الإسبان البيرو عام 1532 كان الإنكا في تلك المناطق منذ أربعة قرون فقط وكان آخر حكامهم أتاهوالبا Atahualpa الذي أعدمه الإسبان سنة1533. ولم يستطع علماء الاجتماع أو المؤرخون أن يتعرفوا أصول ذلك الشعب الذي استطاع أن يوحد البلاد وأن يقيم فيها دولة وحضارة. ولكن آثار أجدادهم في بحيرة تيتي كاكا تؤكد عراقتهم. لقد كانت العاصمة كوزكو على مفترق طرق تؤدي إلى جميع المناطق مما سهّل إدارتها. ويبدو أن ملكية الأرض لم تكن مستقرة، فلكل إنسان الحق في أن يستنبت الأرض إذا استطاع وينتقل الحق في ذلك إلى الأقدر على الزراعة من دون تثبيت لحقوق الملكية.

ويعتقد الإنكا أنهم أبناء الشمس وأن الإله الشمس معهم في حروبهم ولقد استطاعوا ابتكار نوع من الكتابة تسمى «كيبوس»، ومع ذلك فإن الإنكا لم يستطيعوا أن يجاروا المايا أو الأزتيك في حضارتهم.

فيما يلي بعض أوابد الفن في منطقة الأنديز المركزية (البيرو وبوليفية اليوم) وهي من مرحلة ما قبل الإنكا، أي قبل عام 1200م. وتليها أوابد فن الإنكا بعد ذلك التاريخ.

توجد في المنطقة الآنفة الذكر آثار تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد (1000-200ق.م) فلقد عثر في موقع شافان Chavin على معبد مبني من بلاطات مربعة وعلى منحوتات تكشف عن أروع الآثار الفنية الحجرية المكتشفة في أمريكة الجنوبية. ومن أشهرها أعمدة موشورية تسمى «لانزون» ونصب من ريموندي ارتفاعه متران، ومسلة من «تيليلو» ارتفاعها متران ونصف، كما عثر على سواكف مزينة برسوم بارزة ورؤوس أشخاص وتماثيل حيوانات تزين الجدران بأسلوب معبّر عن الحجم والحركة. والموضوعات الأساسية هي أشكال قطط وأفاعٍ وطيور مشتركة مع أشكال بشرية أو نباتية.

وفي لاكوبا عثر على مجموعة من التماثيل تشبه منحوتات سان أوغستين، وفي الساحل الشمالي عثر على معبد في سيشن، وعلى تسعين نصباً من الغرانيت، وعلى مشاهد حربية وأضاحٍ بشرية. وفي معبد موكسيك على تماثيل كبيرة من الطين المجفف، كما عثر في مناطق أخرى على أوانٍ خزفية ملونة وعلى حلي مزينة برسوم بارزة وعلى أوعية حجرية منحوتة.

وتأتي بعد ذلك مرحلة ثانية أكثر تطوراً تمتد من عام 200ق.م إلى 400م. تتقدم فيها الزراعة المروية، وتظهر مبتكرات تقانية في العمارة وفي النسيج والخزف، تشهد عليها آثار كُشفت في «سالينا» و«شاناباتا» و«شيريبا». وتتجلى المرحلة الثالثة بين عامي 400 - 1000م. في الساحل الشمالي في موقع «موشيكا» ومن الآثار أوعية فخارية جنائزية كثيرة بأسلوب جديد يقوم على الصب بقوالب والتلوين والزخرفة، وموضوعها وجوه آدمية برداء تقليدي. وثمة مشاهد قنص أو حرب وموضوعات تمثّل أضاحي وطقوساً جنسية، تساعد على معرفة الحياة الشعبية. ومن أشهر المنشآت النموذجية في موقع «موش» هرم الشمس الكبير المبني من اللبن، أي ألواح الطين المجفف بالشمس، وفي مدافن «باراكاس» و«نازيا» عثر على روائع من النسيج والأواني الخزفية الملونة بأشكال رمزية تمثل طيوراً وأسماكاً ونباتات وراقصات مقنعات وغيلاناً بحرية.

وفي بلاد الأنديز عثر على خزفيات من الطين الأبيض وأقداح وملاعق مزخرفة بالألوان وعلى أحجار منحوتة وسواكف وبلاطات وتماثيل محاربين وقطط. وتعد «بوكارا» مركزاً مهماً للنحت على الحجر على شكل مسلات مزينة برسوم رمزية.

وثمة مرحلة تاريخية رابعة امتدت ما بين عام 1000 و1300م. وبلغت أوجها في جنوبي البيرو في منطقة «ودنازاكا»، وفي الشمال في منطقة «كاجا ماركا»، وشملت حضارة تياهوانكو Tiahuanco التي أثرت في شرقي بوليفية وشمالي الأرجنتين والتشيلي. وتعد تياهوانكو المركز الأساسي لهذه الحضارة، وفيها أربع مجموعات من المنشآت التي بنيت من جلاميد الحجر البازلتي والحجر الحواري، أفاريزها مزينة بصور حيوانية نافرة. ومن أبرز تلك الآثار الباب الضخم المؤلف من قطعة حجرية واحدة ويسمى باب الشمس. وفي جميع المنشآت ترى تماثيل تعبّر عن موضوعات حيوانية مقدسة، كما توجد منسوجات وفخاريات ملونة بألوان لمّاعة وأشياء معدنية مذهبة أو مفضضة أو مصنوعة من النحاس أو من المعادن الثمينة ذاتها.

استمر فن البيرو وبوليفية مرحلة خامسة، امتدت من عام 1300م حتى 1440م في مملكة شيمو Chimu على الساحل الشمالي، حيث تشاهد مراكز مدنية مثل «شان شان» و«باشاكاماك» وغيرها، وهي مدن حسنة التنظيم العمراني، تبدو فيها الأهرامات والساحات والجدران مزخرفة برسوم بارزة وارتفع فيها مستوى الخزف الذي أصبح صناعياً. ولكن المنسوجات والحلي وصناعة الريش تظل ذات طابع فني إبداعي.

وفي قبور «باتان» عثر على كمية ضخمة من القطع المصنوعة من خليط الذهب والفضة، وعلى أقداح وسكاكين طقوسية وتيجان وقمصان مصنوعة من أوراق الذهب المزخرفة بطريقة الضغط.

على أن المرحلة الأخيرة والأكثر رقيّاً من فن البيرو وبوليفية هي تلك التي استطاعت فيها قبائل الإنكا أن توحد المنطقة تحت سلطانها وأن تفرض عليها نظاماً سياسياً واقتصادياً ودينياً.

وحول العاصمة كوزكو مواقع عثر فيها على بعض الآثار التي تدل على فن هزيل نسبياً، كما في أسوار «ساكساهوامان». ويبدو أن الإنكا لم يهتموا بالنحت فثمة أجران وأوانٍ شعائرية وعدد قليل من التماثيل لايشبع نهم من يرغب في معرفة فنون الإنكا في هذه المرحلة. وقد انعكس ذلك في جميع المناطق، فالخزف الخاص بالاستعمال العادي مثلاً لا تزينه إلا صيغ بسيطة هندسية، ولكن العاصمة اشتهرت بصناعة نوع من الخزف يسمى «أريبالوس». وتشاهد مثل هذه الآثار وغيرها مما يعود إلى المراحل السابقة في متحف ليمة الوطني ومتحف «لاركوهيريا» ومتحف «هواراز».

عفيف بهنسي، إلياس الزيات

 

مراجع للاستزادة

 

-G.KUBLER, The Art and Architecture of Ancient America (Pelican History of Art, London 1962).

- H.D.DISSELHOFF et LINNE'S, Amérique Précolombienne (Allin Michel, Paris 1964).


التصنيف : العمارة و الفنون التشكيلية والزخرفية
النوع : عمارة وفنون تشكيلية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد : 603
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1114
الكل : 40694192
اليوم : 77084

سديف بن إسماعيل بن ميمون

سديف بن إسماعيل بن ميمون (…ـ 146هـ/… ـ 763م)   سديف بن إسماعيل بن ميمون، مولى بني هاشم، وفي سبب ولائه أقوال،وهو شاعر حجازي مُقل، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. كان شديد التعصب لبني هاشم، شديد التحريض على بني أمية، يجادل أنصارهم في الحجاز ويُسابُّهم، فلما سقطت دولة بني أمية وجاءت دولة بني العباس وفد سديف من مكة على أبي العباس السفاح في الحيرة وأنشده قصائد يحضّه فيها على الانتقام من الأمويين، وعلى قتل أعقابهم، فكانت قصائد سديف سبباً في غدر السفاح بمن كان قد أمنهم من الأمويين.
المزيد »