logo

logo

logo

logo

logo

الأقليات

اقليات

Minorities - Minorités

الأقليات

 

الأقليات minorities هي مجموعات بشرية ذات سمات وخصائص تختلف عن مثيلاتها في مجتمع الأكثرية، ولكل أقلية منها سمات قومية أو إثنية أو دينية مشتركة بين أفرادها.

تختلف الأقليات فيما بينها نوعاً وهوية وانتماء، كما تأخذ تسميات مختلفة مثل: جالية أو فئة أو طائفة أو ملة أو فرقة أو مجموعة وغيرها من تسميات تدل في الغالب على جذور الأقلية وأصولها، وهويتها الاجتماعية والبشرية. وتنضوي تحت مفهوم الأقليات أنماط وأنواع مختلفة منها: الأقلية العرقية والأقلية الدينية والأقلية اللغوية والأقلية المذهبية والأقلية القبلية ـ العشائرية والأقلية الإقليمية والأقلية الثقافية والأقلية السياسية والأقلية الاقتصادية ـ الاجتماعية والأقلية القومية المتعددة الجذور. وما عداها مشتق منها ومتفرع عنها أو جامع لها بصيغة أو بأخرى، مثل القول بأقلية إثنية أو عنصرية وغير ذلك. ومع ذلك فإن الأقليات العرقية والإثنية العنصرية، هي والأقليات الدينية ـ المذهبية، أكثر أنماط الأقليات ظهوراً في العالم، وتكمن وراء أغلب الصراعات التي تنشب من حين إلى حين بين الأقلية والأكثرية في بلد ما.

ويجدر بالذكر أن مفهوم الأقلية يذوب أحياناً في مفهوم القومية، ويثير هذا جدلاً حول مجموعة بشرية ما، كما هي الحال في قوميات الصين الشعبية وروسية الاتحادية، وغيرها. فالأقلية القومية، هي في الواقع أقلية ذات هوية متعددة الانتماء تجتمع فيها عناصر العرق والأصل واللغة والعادات والتقاليد والتراث الحضاري والتاريخي، وأحياناً الدين والعقيدة وغيرها من مكونات تختلف فيها عن الأكثرية. وتعيش الأقليات القومية في ظل حكم أكثرية قومية، تخضعها لقوانينها وأنظمتها وتهيمن عليها. ففي الاتحاد السوفييتي السابق المتعدد الأعراق والقوميات حَوَّل الفكر الستاليني ـ الشيوعي البلاد إلى دولة أقليات قومية بوضعه الدولة فوق الفرد وفوق الأمة (القومية)، مع حكم الأقوام التابعة حكماً عنصرياً تسيطر فيه الأكثرية السلافية على مقدرات القوميات التي مُنحت حقوقاً صورية أو شكلية مثل جمهورية ذات حكم ذاتي ومقاطعة ذات حكم ذاتي وإقليم ذاتي الحكم، ناهيك عن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وتمارس تجاه الأقليات القومية وغيرها عادة أنماط من التمييز العنصري المبطن أو المعلن مختلفة نوعاً وزماناً ومكاناً. مع تمتع تلك الأقليات بحقوق اجتماعية وثقافية وفكرية معينة، من دون أن تكون لها حريات سياسية واقتصادية وأيدلوجية وإدارية مستقلة.

أما من الناحية العددية فالأمر متباين من حيث القول بنسبة مئوية تحدد الأقلية والأكثرية، بغض النظر عن نوعية الأقلية وهويتها. والغالب أن تسمّى مجموعة بشرية، أقلية إذا كان عدد أفرادها يقل عن 50% من مجموع السكان الإجمالي لبلد ما. وقد تقل هذه النسبة عن 1% بل و0.1% بصرف النظر عن الموقف الرسمي منها.

وللمسألة العددية أهمية متباينة من حالة إلى حالة بحسب تمثيل الأقلية في المجتمع ومؤسساته وفي السلطة والإدارة، وممارستها حقوقها الثقافية والاجتماعية والسياسية. ففي بعض الحالات لا ترتبط أهمية الأقلية ودورها بالعدد ولا بالنسبة المئوية الممثلة لها، بل بدور تلك الأقلية ونفوذها ومركزها المميز في مجتمع الأكثرية، مع قلة عدد أفرادها (اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً). وقد يرتبط الأمر أحياناً بفرد من أفرادها له نفوذ مالي أو سياسي أو اجتماعي مكنه من الوصول إلى السلطة والقرار، وأوصل معه أفراد أقليته إلى حقوقهم، أو تجاوزتها إلى درجة التسلط. كذلك قد تصل الأقلية إلى حكم الأكثرية نتيجة أحوال سياسية أو تسلط قوة متطورة ومتقدمة على أكثرية تخلفت بتأثير العهد الاستعماري وما تركه من أنماط حكم واستيطان، كما كانت الحال في جنوبي إفريقية قبل إلغاء نظام المَيزْ العنصري (الأبارتيد). وقد تصل أقلية محلية إلى التسلط على الأكثرية بالقوة كما هي الحال في بوروندي حيث تسيطر أقلية التوتسي(14% من السكان) على الأكثرية من الهوتو (85%) وبقية القوميات. وكثيراً ما أدى تسلط الأقلية، ويؤدي إلى نشوء صراعات عنيفة ومسلحة جرَّت الويلات على شتى أطراف النزاع، كما في أحداث جنوبي إفريقية قبل التحرر من الأقلية البيضاء، وكما في المذابح والعنف العنصري الذي راح ضحيته مئات الآلاف في بوروندي وجاراتها منذ عام 1993. ومع هذا كله فإن الغالب هو حكم الأكثرية عدداً، ونقيض ذلك هو الشاذ والمؤقت في العالم بحسب قوانين الطبيعة وحقائق الأمور.

ويغلب على كثير من البلدان والمجتمعات تعدد الأقليات فيها، حتى تصل في بعض البلدان الكبيرة إلى أكثر من 120 قومية ـ أقلية كما في الاتحاد السوفييتي السابق وروسية الاتحادية، وإلى أكثر من ذلك بكثير في الولايات المتحدة الأمريكية، إذا ما أضيف إلى الأقليات القومية الأقليات الدينية والمذهبية. كذلك يعد العالم الإسلامي موطناً لأقليات كثيرة عرقية ولغوية وقومية، بحكم اتساعه وتاريخه المشترك الطويل، ونتيجة مبدأ التسامح الديني وعدم التمييز بين البشر إلا بالتقوى }وجَعَلْنَاكُم شُعُوبَاً وقَبَائلَ لتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُم عِندَ الله أَتْقَاكُم{ (الحجرات13).

ويرجع تعدد الأقليات وعدد أفراد كل أقلية منها، مكانياً وزمانياً، إلى عوامل كثيرة تأتي في مقدمتها نشأة الأقليات وأسباب وجودها، كما يرجع إلى تغيير الأوضاع السياسية وتبدلات الحدود الدولية والإقليمية، التي تحوِّل مجموعة بشرية في بلد ما إلى أقلية محكومة، كما حصل في شبه الجزيرة الهندية وقيام دولتي الهند والباكستان، ثم انفصال الأخيرة إلى دولتين، وكما جرى في دول البلطيق بعد استقلالها عن ما كان يؤلف الاتحاد السوفييتي، وتحول المواطنين السوفييت من الروس وسواهم إلى أقليات قومية في بحر الأكثرية الليتوانية والأستونية واللاتفية. كذلك تغيرت نسب الأقليات والقوميات (الأقلية) في جمهوريات القفقاس الشمالي وفي ما وراء القفقاس إثر الحرب الأبخازية ـ الجورجية والحرب الأذرية ـ الأرمنية والحرب التشتشانية ـ الروسية وباقي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، إذ رافق تغيير الحدود السياسية وقيام الكيانات الجديدة تغيرات في خريطة الأقليات والأكثريات.

نشوء الأقليات

وُجدت الأقليات والفوارق البشرية والاجتماعية والطبقات في مجتمعات بلدان الحضارات الأولى، واستمر وجودها حتى اليوم، نتيجة عدم استقرار الجماعات السكانية، ومن جراء تشابك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وتلاقح الحضارات، وتكوّن فوارق البنى الاجتماعية والبشرية في بيئات جغرافية متباينة، واختلاف في توزيع الثروات والموارد، وبالتالي ظهور مستغِل ومستغَل، فنشأت أقليات محكومة ومضطهدة من قبل أكثريات في ممالك التاريخ، جراء الغزو والاحتلال والهجرة والتهجير وسوق المغلوبين لخدمة الغالبين. وقد كانت مسألة الأغلبية والأقلية محور معظم الصراعات على السلطة والنفوذ والتملك والسيطرة على الثروات والموارد والأرض، منذ أقدم العصور حتى اليوم.

تنشأ الأقليات عادة نتيجة عمليتين أساسيتين هما:

ـ الهجرة أو التهجير، أي تحرك مجموعة بشرية من مواطنها الأصلية وانتقالها إلى مكان آخر تعيش فيه مجموعة بشرية تؤلف أكثرية، طوعاً، بدوافع اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها. مثل هجرة الأتراك للعمل في ألمانية، وهجرة الهنود والباكستانيين وغيرهم إلى دول الخليج العربي. وهجرة أبناء مستعمرات آسيوية وإفريقية سابقة إلى بلدان الاستعمار السابقة (المملكة المتحدة، وفرنسة وهولندة).

أما التهجير فحركة قسرية يُطرد فيها السكان من ديارهم بالقوة إلى مكان آخر يصبحون فيه أقلية، مثل تهجير الأرمن من شرقي الأناضول، والشركس من القفقاس الشمالي على يد القيصرية الروسية، في القرن التاسع عشر، وكذلك تهجير المسلمين من شعب الروهينغيا Rohingya وطردهم إلى بنغلادش من قبل السلطة البوذية الحاكمة في مينمار (بورمة)، التي هجَّرت أيضاً شعب الكارن Karen المسيحي من مينمار إلى تايلند، في العقد الأخير من القرن العشرين. والأمثلة على هذا النمط من نشوء الأقليات كثيرة في التاريخ القديم والمعاصر وفي أنحاء شتى من العالم؛ ولاسيما في بلدان العالم الثالث.

ـ الغزو والاحتلال والاستعمار الاستيطاني من قبل أكثرية لإقليم أو بلد، تفرض سيطرتها على سكانه وتضمّهم وأراضيهم إلى أراضيها بالقوة، مع إغراق الإقليم المحتل بمستوطنين من الأغلبية الغازية بهدف الدمج النهائي. أو القضاء النهائي على السكان المحليين الأصليين، كما هي الحال في جزر الكاريبي والأمريكتين وأسترالية وأقاليم الاتحاد السوفييتي السابق والصين إذ تحول أبناؤها من تُنَّاء (أي أصحاب البلد الأصليين) إلى أقليات في موطنهم وأرضهم. والغزو الاستيطاني الصهيوني لفلسطين نموذج حديث على هذا النوع من نشوء الأقليات، إذ كان اليهود أقلية بين العرب، الذين تحولوا بعد قيام الكيان الصهيوني إلى أقلية في بحر المستوطنين الصهاينة. ويقدر عدد السكان الذين غزت بلادهم هجرات استيطانية وتحولوا إلى أقليات محلية لاتزيد على 5 - 6% من عدد السكان، ما يعادل 300 مليون نسمة من سكان العالم عام 1996، في أكثر من 70 بلداً.

ومن الأقليات ذات المنشأ المحلي ـ الجغرافي، الأقليات الدينية والمذهبية، إذ تتحول فئة من سكان من أصل واحد وسمات واحدة إلى مذهب ما، أو تعتنق ديانة مغايرة مختلفة فتصبح أقلية. وهذا النموذج شائع في البلدان التي يسود فيها الإسلام أو المسيحية أو البوذية. ويدخل تحت هذه المجموعة من الأقليات، الأقليات التي تنشأ نتيجة تغيير الحدود السياسية بزوال سلطة وظهور سلطة أو قوة جديدة، فالسكان العرب في جنوب شرقي تركية أصبحوا أقلية إثنية بعد رسم الحدود السورية ـ التركية (1923 - 1939م)، وألبان إقليم كوسوفو تحولوا إلى أقلية قومية في يوغسلافية بعد قيام دولة ألبانية (1912). وبالمقابل بقي قسم من السكان اليونان في الدولة الألبانية أقلية إثنية بعد رسم الحدود. إن الأمثلة على نماذج الأقليات وأسباب نشوئها في العالم أكثر من أن تحصى، نشأت في السابق والماضي البعيد، وتنشأ في الحاضر وستنشأ في المستقبل، كما أن النزاعات الإثنية، سواء حددت هويتها باللغة أو العرق أو المنشأ الإثني أو الطائفة أو الدين أو الطبقة أو القبيلة، لن تزول نتيجة الولاءات المتجذرة في المجموعات نفسها، والسياسات الحكومية التي تميز الناس بعضهم من بعض. فمن أصل أكثر من واحد وثلاثين نزاعاً مسلحاً كبيراً في عقد التسعينات من القرن العشرين، كانت نسبة كبيرة منها ناشئة عن جذور إثنية أو شبيهة بها (البوسنة والهرسك، وناغورنو ـ كاراباغ، وسيراليون، ورواندة والكونغو الديمقراطية، وكردستان والمسألة الكردية في تركية والعراق وإيران وغير ذلك)، وقد تبين أن انهيار الدول ولاسيما الكبيرة منها، يؤدي إلى نزاعات إثنية تزداد حدة وعنفاً بازدياد تفتت الدولة (الاتحاد السوفييتي السابق).

الأقليات في العالم

تقدر الدراسات وجود 223 جماعة إثنية ـ أقلية كبيرة في العالم مجموع أفرادها يقرب من900 مليون نسمة، تخضع للتمييز في المعاملة والتصنيف الدوني بأسلوب أو بآخر. ولا تشمل هذه الدراسات الأقليات والجماعات الإثنية المتوسطة والصغيرة في عقد التسعينات، وهي كثيرة لانعدام الأقاليم والبلدان والدول ذات الانسجام والتجانس الإثني (المفهوم السياسي المعاصر لكلمة إثني يشمل الانتماءات المحددة باللغة أو العرق أو الدين أو الطائفة أو الطبقة أو القبيلة وغيرها)، وفيما يلي استعراض لبعض البلدان والأقاليم ذات الأقليات في العالم على سبيل المثال لا الحصر:

1ـ الولايات المتحدة الأمريكية: وهي من أغنى الدول بالأقليات، ففيها ممثلون لجميع أعراق العالم تقريباً. كما تضم أجناساً وفئات مختلفة الهويات الإثنية. ومع ذلك يبقى التمييز الأساسي فيها محصوراً بالأقليات العرقية بالدرجة الأولى، إذ يؤلف البيض الأكثرية 74%، والسود 10% من السكان، يليهم السكان من أصول إسبانية ـ لاتينية 9% نصفهم من الشيكانو المكسيكيين، ثم من الهنود الأمريكيين فالأسكيمو فالآسيويين وغيرهم. وفيها أكثر من 250 طائفة دينية مذهبية مسيحية إضافة إلى الأقلية اليهودية (8.1%) والإسلامية والسيخية والبهائية والبوذية وغيرها. وتعد مسألة التمييز العرقي من أهم المشكلات في الولايات المتحدة.

2ـ المملكة المتحدة: تعيش فيها أقليات أوربية ووافدة من مستعمراتها السابقة، فإلى جانب الأكثرية الإنكليزية (80%) توجد أقلية سكوتلندية (10%) وإيرلندية (4%)، وويلزية (2%)، وهندية (1%)، ووافدة متنوعة (3%). أما الأقليات الدينية فيؤلف المسلمون أكبرها (4.1%) يليهم السيخ فالهندوس، إضافة إلى عشرات الطوائف المذهبية ـ العرقية الأخرى.

3ـ الصين الشعبية: أكبر مجموعاتها هي قومية الهان ذات الفروق اللغوية والاجتماعية وتؤلف 91% من السكان، أما الأقليات فهي قومية الجوانغ (4.1%) والهوي 0.8%، والمنشووالميا والويغور والمنغول والكوريون والتبتيون وغيرهم. وتعترف الصين بـ 55 أقلية قومية. أما الأقليات الدينية فكثيرة أهمها الفرق البوذية، والكونفوشية والطاوية واللاميةـ التبتية، والمسلمون هم أكبر أقلية دينية في الصين، ويأتي المسيحيون بعدهم.

4ـ روسية الاتحادية: يصل عدد الأقليات القومية العرقية فيها إلى أكثر من 128 مجموعة من التتار والأوكرانيين والتشوفاش والبشكير والروس البيض والموردوف والألمان، ومن الداغستان والتشتشان والأوسيت والأديغة وغيرهم من الشركس. ويعد المسلمون أكبر أقلية دينية إضافة إلى ديانات ومذاهب صغيرة أخرى، نشطت بعد زوال الحكم الشيوعي.

5ـ الوطن العربي: وهو موطن الحضارات القديمة وقلب العالم الإسلامي، لذا كثرت فيه الأقليات المحلية والوافدة العرقية واللغوية والدينية. مثل: الأمازيغ ـ البربر (هناك رأي يقول بأنهم عرب)، والأكراد، والأتراك ـ التركمان، والإيرانيون، والبلوج، والهنود والأحباش والباكستانيون والفيليبينيون، والشركس والأرمن واليونان وغيرهم. وإلى جانب الأكثرية الإسلامية تعيش أقليات دينية متعددة المذاهب يسودها جو التسامح.

6ـ تركية: تؤلف الأقليات العرقية فيها أكثر من 30% من السكان، أهمها الأكراد (20%) ثم العرب (3%) فالشركس (2%)، ثم أقليات قفقاسية أخرى ويونان وبلغار ويوغسلاف وألبان وغيرهم. أما الأقليات الدينية فلا تزيد على 1% من السكان، ممثلة بالمسيحيين واليهود، إلى جانب الكثير من الطوائف المذهبية الإسلامية وغير الإسلامية. وتعد المسألة الكردية أخطر ما تواجهه الحكومة التركية في مشكلة الأقليات.

7ـ بوروندي: وغالبية سكانها من الهوتو (85%)، وأقلياتها من التوتسي (14%) والتوا (1%) وقبائل وأقليات صغيرة أخرى. وقد أدت أعمال التمييز التي تمارسها أقلية التوتسي الحاكمة إلى اندلاع النزاع وأعمال التصفية والمذابح والقتل والتهجير التي امتدت إلى رواندة وزائير سابقاً.

الأقليات في القانون الدولي

الأقلية في القانون الدولي كما عرفتها اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة حقوق الإنسان هي «مجموعة أصغر عدداً من باقي شعب الدولة أو جزء من مواطنيها يختلفون عن بقية شعبها من حيث الجنس أو الديانة أو اللغة وتكون في وضع غير مسيطر». ورأت هذه اللجنة أن العنصر العددي يأتي في المرتبة الأولى من أجل تحديد مفهوم الأقلية، فلعدّ جماعة ما أقلية يجب أن تتكون من عدد من الأشخاص يكفي بذاته لكي يوصف بهذا الوصف فلا يكون العدد ضئيلاً مما يفقد الجماعة المعنى القانوني الذي يرتب لها حقوقاً وضمانات وفق ما يقرره القانون الدولي.

تركزت الجهود الدولية لحماية الأقليات في ثلاثة أطر:

1ـ عقد اتفاقات وإصدار تصريحات دولية من أجل حماية حقوق الأقليات: تعد اتفاقية أوسنابروك واتفاقية مونستر المعروفتان باسم معاهدات وستفالية لعام 1648 اللتان تشكلان انطلاقة تطور القانون الدولي المعاصر، من أولى المعاهدات التي جاءت تتضمن نصوصاً واضحة لحماية الأقليات الدينية وذلك عندما وضعت حداً لحروب الثلاثين عاماً.

كما نجحت دول الحلفاء في وضع نظام دولي لحماية الأقليات العرقية، وإلزام الدول الجديدة في أوربة الوسطى التي استقلت عام 1919، الاعتراف باحترام حقوق الأقليات العرقية الموجودة على أراضيها. وجاء قرار عصبة الأمم بتاريخ 20/12/1920 ليدعو الدول إلى احترام تعهدها بحماية حقوق الأقليات المنصوص عليها في الاتفاقيات المبرمة بين تلك الدول ليعد ترسيخاً لهذا النجاح. وبالصورة نفسها جعلت الجماعة الأوربية [ر] في تصريحها الصادر في 16/12/1991 من الاعتراف بضمان حقوق الأقليات مع احترام ميثاق الأمم المتحدة، شرطاً أساسياً للاعتراف بالدول الجديدة في أوربة الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق.

2ـ الاعتراف لهذه الأقليات بنوع من أنواع اللامركزية الإدارية والحكم الذاتي وذلك سواء عن طريق اتفاقات دولية أو وفق القانون الداخلي للدولة التي تتبع لها هذه الأقليات، والتعرض إلى مسألة حق تقرير المصير[ر] لهذه الأقليات مع عدم توصل الفقهاء إلى إيجاد معيار محدد لمدى شرعية تمتع الأقليات بهذا الحق في الوقت الراهن، إذ إن تبدلاً جذرياً بدأ يجتاح مضمون هذا الحق بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية ليصبح له معنى قد يؤوّل على أنه حق الانفصال عن الدولة الأصل. فقد كانت غالبية أعضاء الأمم المتحدة تميل إلى عدم منح حق تقرير المصير للأقليات داخل الدولة أو داخل الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي[ر] وتميل من ثم لحرمانها من حق إقامة دولة مستقلة بكل أقلية مما يعني الانفصال عن الدولة الأم. لكن ولادة ما عرف بالنظام العالمي الجديد وما رافقه من اعتداد باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان جعل الأمم المتحدة ذاتها تبارك انفصال الأقليات إعمالاً لحق تقرير المصير. وهكذا انقسم الاتحاد السوفييتي إلى دول قومية أو إثنية وانقسمت يوغسلافية إلى جمهوريات دينية لها طابع عرقي في حين رفض انقسام بعض الدول ذات الأقليات العرقية أو الدينية أو انفصال هذه الأقليات عن الدولة (إقليم كوسوفو في يوغسلافية).

وهكذا فمسألة إفادة الأقليات مما سمي ذات يوم بحق تقرير المصير الوطني national self determination مازالت عالقة في أوساط الأمم المتحدة. والخوف من إطلاق ممارسة هذا الحق إلى مداه الأوسع أن يصبح في العالم نيف وأربعمئة دولة، وهذا، كما قال الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي، لا يساعد على تحقيق الاستقرار في العلاقات الدولية وهو الغاية لحساب الإعمال المطلق لتقرير المصير وهو الوسيلة كما جاء في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.

3ـ تطوير مبدأ نقل الأقليات أو تبادلها بين الدول بموجب اتفاقات دولية قائمة على رضا الدول المعنية، كاتفاق لوزان المبرم في 3/1/1923 بين تركية واليونان، القاضي بنقل 450.000 يوناني من آسيا الصغرى إلى اليونان و145.000 تركي من مقدونية إلى آسيا الصغرى.

المنظمات الدولية وحقوق الأقليات

سعت عصبة الأمم إلى ضمان حقوق الأقليات تمشياً مع الاتجاه المتنامي لديها إلى الاعتراف بالشخصية القانونية لهذه الأقليات وحقها، سواء مباشرة أو عن طريق دولٍ أخرى، بالتقدم بشكاوى على دولهم في حال انتهاك حقوقهم، وبضرورة فحص هذه الشكاوى، وحق مجلس العصبة إذا لم ينجح في حل الموضوع سلمياً باللجوء إلى المحكمة الدائمة للعدل الدولي بناءً على طلب أحد الأعضاء لحل الخلاف القائم.

وتتابع الأمم المتحدة [ر] رعايتها لشؤون الأقليات اعتماداً على أعمال اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان[ر] بهدف منع التفرقة وحماية الأقليات على أساس الجنس أو اللغة أو الدين أو العرق، فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10/12/1948 على مبدأ الحقوق المتساوية والثابتة على أساس الحرية والعدل والسلام في العالم لجميع أعضاء الأسرة البشرية. وأكدت اتفاقية منع الإبادة الجماعية génocide الموقعة في 9/12/1948 في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي دخلت حيز التنفيذ في 12/1/1951 في مادتها الثانية ضمان حقوق الأقليات من حيث منع تعرضها لمثل هذه الجرائم. وأقرت اتفاقية التعليم التي أبرمتها اليونسكو [ر] في 14/12/1960 في مادتها الخامسة حقوق الأقليات في التعليم وفي إلزام الدول الموقعة اتخاذ كل التدابير المتعلقة بهذه الحقوق، ثم جاءت الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية الموقعة في 16/12/1966 التي دخلت حيز التنفيذ في 23/3/1976 لتنص في مادتها/26/ على أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون بغض النظر عن العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي  أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو صفة الولادة أو غيرها، ولتحدد في مادتها/27/ أنه لا يجوز إنكار حق الأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات عنصرية أو دينية أو لغوية في دولة ما في الاشتراك مع الأعضاء الآخرين من جماعتهم في التمتع بثقافتهم أو التصريح علناً بديانتهم واتباع تعاليمها أو استعمال لغتهم. ومن جهة أخرى أصدرت منظمة العفو الدولية عام 1992 قراراً يسعى إلى إيصال أقليات السكان الأصليين إلى حقوقهم الطبيعية في العالم كما أنتجت في العام نفسه مؤسسة لمساعدة هؤلاء في الأمريكتين مقرها مدينة لاباز[ر] تعرف باسم صندوق السكان الأصليين. كذلك عقد في عام 1993 المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينة، وتضمنت قراراته بنوداً تتعلق بحقوق الأقليات في العالم، مثل حق التنمية وحقوق الفئات المضطهدة والمظلومة تاريخياً بحكم عوامل اجتماعية وسياسية وثقافية، وكذلك تضمنت إنشاء مجموعة عمل خاصة في إطار لجنة حقوق الإنسان لحماية الأقليات الدينية والعرقية والثقافية. كما تضمنت الاعتراف بالحق الشامل للشعوب الأصلية. ومقررات مشابهة تدخل في إطار حماية الأقليات ورافق ذلك كله نشاطات إعلامية تستهدف التعريف بالأقليات وتبيان حقوقها.

على أن الوضع الاقتصادي المتردي والأزمة الفكرية العقائدية الحادة التي تعانيها البشرية جمعاء، إضافة إلى ظاهرة التعصب لدى كثير من المجتمعات غير القادرة على إنشاء علاقة سياسية ذات طابع قومي يمتص التمايز من دون أن يلغيه لمصلحة الأغلبية، كل هذه العوامل لن تساعد على وضع حد لتشكل أقليات جديدة وتفجر وضع البعض الآخر مما قد يؤدي إلى عدم استقرار في الدول وبالتالي في علاقات بعضها ببعض.

عادل عبد السلام، أمل يازجي

 

الموضوعات ذات الصلة

 

تقرير المصير (حق ـ) ـ حقوق الإنسان ـ الدولة ـ القانون الدولي.

 

مراجع للاستزادة

 

ـ برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، الفكر العربي (دار الطليعة، بيروت 1979).

ـ رياض نجيب الريس، العرب وجيرانهم ـ الأقليات القومية في الوطن العربي (لندن 1989).

ـ محمد جبر، المركز الدولي للأقليات في القانون الدولي العام مع المقارنة بالشريعة الإسلامية (دار المعارف، الإسكندرية 1990).

- NGUYEN QUOCDINH, PATRICKD AILLIER&ALLAIN PELLT, Droit international publique (Paris 1994).


التصنيف : السياسة
النوع : أعلام ومشاهير
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد : 87
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 38
الكل : 12037752
اليوم : 3940

السويداء

السويداء   السويداء albumen نسيج جنيني مؤقت، ناتج من إلقاح مضاعف يجري في الكيس الجنيني sac embryonnaire في النباتات مغلّفات البذور. اكتشف نحو عام 1900 من قبل الروسي نواشين Nawaschine والفرنسي غينيار Guignard.
المزيد »