logo

logo

logo

logo

logo

التعبيرية (الموسيقى-)

تعبيريه (الموسيقي)

Expressionism - Expressionnisme

التعبيرية

 

التعبيرية expressionnisme تيار أدبي وفني ظهر في أوربة الشمالية وعلى الأخص ألمانية في المدة الواقعة ما بين 1890 و1920، ويمكن أن تعد النتيجة الطبيعية للشعور بالإحباط بعد إجهاض الحركة الثورية في ألمانية وتصاعد وتيرة التصنيع التي همّشت الإنسان وسحقته وكانت من الأسباب الأساسية في اندلاع الحرب العالمية الأولى، وموقفاً فكرياً رافضاً للأسس العقلانية والأخلاقية السائدة ورؤية تشاؤمية للعالم، ودعوة لتحرر المبدع من سلطة العقل والأعراف. من جانب آخر ارتبطت التعبيرية بأبحاث سيغموند فرويد[ر]Sigmund Freud حول اللاوعي، وبالثورة الفنية التي عرفتها أوربة بأسرها وقامت على نسف المعايير والأسس الصارمة التي كرستها أكاديميات الأدب والفن في فرنسة وألمانية وسادت في أوربة منذ عصر النهضة.

انطلقت التعبيرية من مبدأ تشويه الواقع والمبالغة في تصوير العيوب للتوصل إلى الصدق في التعبير، وبهذا اختلفت عن الواقعية[ر] réalisme وعن الطبيعية[ر] naturalisme اللتين سادتا في الأدب والفن منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما أنها ابتعدت عن تقديم صورة مثالية عن الواقع كما يجب أن يكون، وبهذا كانت ضد الإبداعية[ر] romantisme. كذلك اعتمدت التعبيرية الكاريكاتور[ر] والهجاء لنقد الواقع والفئات الاجتماعية والقيم البرجوازية التي كرستها الطبقة الوسطى ولتصوير الصراع بين الفرد والمجتمع، ومع ذلك فإنها لم تأخذ منحى ثورياً على الإطلاق.

تجلت التعبيرية في مجال الرسم قبل أن تكون حركة أدبية أو سينمائية. ومن اللافت للنظر أن أحد الرسامين التعبيريين الألمان، وهو ألفريد كوبين Alfred Kubin الذي كان عضواً في حركة «الفارس الأزرق» Der blaue Reiter التي صاغت بيان[ر] التعبيرية في الفن قد كتب رواية تعد من أوائل الروايات التعبيرية وهي «الجانب الآخر» Die andere Seite. وقد كان له تأثيره الكبير في الروائي التشيكي فرانتس كافكا[ر] Franz Kafka وغيره من الروائيين التعبيريين.  

يرمي الفنان والأديب التعبيري لأن يعرض تجربة انفعالية يختارها ويمثلها في أكثر أشكالها جنوحاً. ولذلك فهو غير معني بالواقع وبكشفه وتصويره بموضوعية، وإنما بالطبيعة الداخلية والمشاعر الذاتية والانفعالات التي تثيرها فيه الموضوعات، وكل التحولات التي يجريها اللاوعي على الصور لدى الفنان نفسه ولدى المشاهد أيضاً. ولذلك فإن التشوهات والمبالغات التي تظهر في الأعمال التعبيرية، ليست سوى وسيلة لتأكيد التجربة الانفعالية في أكثر أشكالها كثافة. ولقد جهد التعبيريون الألمان للتعبير عن اللاواعي من خلال اللجوء إلى ما هو غريزي وحدسي.

من هذا المنطلق كان من الطبيعي أن تجد التعبيرية في الشعر مجالها الحيوي لأنه أكثر أجناس الأدب توافقاً مع التعبير عن حساسية الشاعر ورؤيته الخاصة للعالم الخارجي. ويمكن أن يصنف ضمن التيار التعبيري شعراء مثل تراكل[ر] G.Trakl وفِرفِل F.Werfel وبِن[ر] G.Benn وهايم G.Heym ولاسكر ـ شولر E.Lasker-Schuler  وبيكر J.R.Becker  وريلكه[ر] R.M.Rilke. وفي مجال النثر هناك إدشميد K.Edschmid ودوبلين A.Doblin وبرود M.Brod ومان H.Mann، وكل هؤلاء كانت لديهم سمات تعبيرية في أعمالهم.

أما عن خصائص التعبيرية في الأدب، فهي قريبة جداً من خصائصها في الفنون التشكيلية. فبناء العمل الأدبي يفتقد إلى الوحدة، والحوادث والشخصيات تقدم بطريقة مؤسلبة وملتوية بهدف إحداث صدمة انفعالية لدى القارئ. أما الموضوعات فهجائية تهاجم الأخلاقيات السائدة وترمي لنسف النظم الاجتماعية القائمة. والشخصيات في الأدب التعبيري تكون عادة أنماطاً اجتماعية عامة، وهي تمثل ضمن العمل الأدبي أقطاب الصراع الذي يمزق البطل حين يتحرك في عالم تحكمه التناقضات. وهناك بوجه عام في أكثر الأعمال التعبيرية تداخل بين الواقع والحلم مما يجعل قراءة العمل ممكنة على مستوى الرمز. 

يعد المسرح[ر] أكثر المجالات التي تجلت فيها خصائص التعبيرية، إذ فيه ميل واضح لتصوير الحوادث العنيفة من مصائب وملاحقات وصراعات مرعبة تقوم على الرغبة في الاستحواذ والاستعباد بجميع أنواعه، ولتقديم حالات الجنون والموت بحيث يأخذ الحب دائماً شكل الخلاص؛ وبهذا لا يكون في هذا المسرح أي مكان لقاعدتي حسن اللياقة ومشابهة الحقيقة. كذلك فإن الحدث لا يُعرض في تسلسله المنطقي ضمن أصول الحبكة[ر] التقليدية وإنما يأخذ شكل مشاهد منفصلة أقرب إلى اللوحات تمثل كل منها حالة ترسم تطور الشخصيات الرئيسية.

أما الإخراج في المسرح التعبيري فيقطع كل الأواصر القديمة مع تقاليد العرض المسرحي المعتادة: فالصالة تتوحد مع الخشبة التي تتحول إلى ما يشبه المنصات المتحركة التي يحيط بها الجمهور من كل جانب، والديكور (المناظر) يخلق حالة مشهدية تحدث تأثيراً انفعالياً لدى المتفرج فتنتزعه من الواقع الملموس للعالم ليجعله يشارك الكاتب في رؤيته الداخلية. كما أن استخدام الإضاءة الملونة يساعد في سبر أغوار الشخصيات وتطور مشاعرها. أما أداء الممثلين فهو خارجي يقوم على المبالغة في تصوير الانفعالات وعلى استخدام كل مؤثرات الإلقاء و الصوت والحركة من أجل تجسيد شخصيات لها منحى صوفي ورمزي.

من أوائل الكتاب المسرحيين التعبيريين السويدي أوغست سترندبرغ[ر]August Strindberg وخاصة في مسرحياته «حلم» (1903) وثلاثية «الطريق إلى دمشق» (1898-1901)، والألماني فرانك فِدكيند Frank Wedekind الذي كتب مسرحية «صحوة الربيع» (1891). وقد كان لهذين الكاتبين تأثيرهما الكبير في الجيل الثاني من الكتاب المسرحيين التعبيريين أمثال الألمانيين غيورغ كايزر[ر] Georg Kaiser الذي كتب «من الفجر إلى منتصف الليل» (1917)، وإرنست تولر[ر] Ernest Toller الذي كتب «التحول» (1919). كذلك يمكن أن يُصنف ضمن المسرحيين التعبيريين التشيكي كارل تشابك[ر] Karel Capek، والأميركيين يوجين أونيل[ر] Eugene O’Neill وإلمر رايس Elmer Rice.

تعد مرحلة ما بعد 1918 العصر الذهبي للمسرح التعبيري الذي وصل إلى أوجه مع مسرحيتي تولر «الإنسان والجماهير» (1921) Masse Mensch و«هوبلا نحن نحيا» (1927) Hopplaa wir leben اللتين تمثلان النموذج الواضح لتوجهات التعبيرية التي بدأت تتلاشى بعدها حركةً واضحة المعالم في مجال المسرح والفنون بوجه عام.

وعلى صعيد الفنون دل مصطلح التعبيرية على تيار فني معاصر عكس في نهاية القرن التاسع عشر مع الفنانين فان غوغ[ر]وإنسور[ر]ومونك[ر]، مايعتمل في دخيلة الفنان ووجدانه، وأسلوباً عنيفاً مبنياً على تشويهات إرادية ومقصودة للطبيعة وعلى خليط من القلق والرمزية المتشابكين.

تطورت التعبيرية الألمانية بدءاً من عام 1905 مع جماعة «الجسر»، ومع جماعة «الفارس الأزرق» في عام 1911، ولكن النازية المتسلطة رأت فيهم جماعة من المتمردين الفاسدين، فأتلفت أعمالهم ونفت بعضهم.

أما بصدد موقع التعبيرية ضمن التيارات الفنية التي بدأت تظهر منذ نهاية القرن التاسع عشر في أوربة فيمكن عدّها ردة فعل على كثير من التوجهات الجمالية المعاصرة. فهي لاترمي مثل الانطباعية[ر] expressionisme إلى تكثيف أكبر للمشاعر، وهو ما ينسجم نوعاً ما مع المبادئ التي أطلقها غوستاف مورو[ر] Gustave Moreau حين أعلن أنه لايؤمن بواقعية ما كان يراه أو يلمسه وإنما بواقعية مشاعره الداخلية فقط. كذلك يمكن تلمس بعض ملامح التعبيرية المبكرة في أعمال سيزان[ر] Cézanne، وغوغان[ر] Gauguin والمدرسة الوحشية[ر] Fauvisme التي استعار التعبيريون منها عنف التعبير والتحرر من ضرورة محاكاة العالم الخارجي بدقة، واختلفوا عنها في رفضهم للخطوط الانسيابية والمنحنية التي توحي بالنعومة وفي ميلهم نحو الخطوط المتكسرة التي توحي بالتوتر والقلق.

أما على الصعيد الفكري، فالتعبيرية تحمل توجهاً مضاداً للعقلانية، وميلاً إلى الحرية المطلقة في التعبير الإبداعي عن رؤية جديدة مفعمة بالتشاؤم والقلق أمام عالم سُحقت فيه إنسانية الإنسان مع تنامي التصنيع وتصاعد خطر الحرب وإخفاق الثورات. ولذلك كانت التعبيرية لكثير من الفنانين الأوربيين على اختلاف مشاربهم موقفاً فكرياً أكثر منها شكلاً جمالياً. والواقع أن التعبيرية لم تأخذ شكل تيار جمالي واضح المعالم إلا في ألمانية. ومع ذلك فإن المتتبع لتاريخ الفن يدرك أن بوادرها الأولى ظهرت في شمالي أوربة وخاصة في أعمال النروِجي إدفارد مونك Edvard Munch، والبلجيكي جيمس إنسور James Ensor، والهولندي فنسنت فان غوغ Vincent Van Gogh. فالقاسم المشترك بين هؤلاء الفنانين هو ابتعادهم عن التفاؤل السخيف الناجم عن رؤية تقليدية أو خادعة للأشياء، ورفضهم لنمط التفكير الذي أنتج الصيغ الجاهزة التي كانت سائدة. فعالم مونك هو عالم القلق والعجز أمام المرض والاحتضار، وأسلوبه مميز يقوم على تقليص العناصر وتبسيط مكوناتها للحد الأقصى لإبرازها، ولذلك تعد لوحته «الصرخة» (1893) أول عمل تعبيري بحق. أما أعمال جيمس إنسور فتعكس ميلاً واضحاً للسخرية اللاذعة المضادة لكل ماهو سائد. فلوحاته زاخرة بالهياكل العظمية والأقنعة التي تتحرك فيما يشبه الكرنفالات الدينية، أما شخصياته فهي تُعرض دائماً بشكل هجائي لاذع يطال الجميع بدءاً من القضاة والأطباء ورجال الشرطة ووصولاً إلى ذاته في الصورة التي رسمها لنفسه على شكل حشرة أو هيكل عظمي مشوه. كذلك توصل فان غوغ في لوحاته إلى منح الألوان والخطوط وكل ما يُشكل لغة التصوير قدرة تعبيرية عن الحالة النفسية والانفعالات بغض النظر عن الموضوع وما يمثله، وبذلك كان من أوائل التعبيريين قبل أن تسود التسمية. 

والواقع أن الفنان التعبيري لم يكن يهتم بواقعية الأشياء المرئية وإنما بالصورة التي يشكلها عن هذه الأشياء. وهو لا يهتم كثيراً بالبحث عن الانسجام بين الأشكال والألوان، وإنما يجهد للتوصل إلى أقصى درجات قوة التعبير، ملقياً على الإنسان والأفكار والقيم نظرة نقدية لاذعة. وبتأثير من أبحاث فرويد في علم النفس، جهد الفنانون التعبيريون لإظهار ما في دخيلتهم من دوافع مكبوتة، وحاولوا أن يثبتوا في لوحاتهم الصورة المحرّفة والمشوهة التي يشكلها اللاوعي عن العالم الخارجي.

لم تطلق تسمية التعبيرية صراحة إلا في عام 1911 حين استعملها أول مرة هرفارت فالدن Herwarth Walden صاحب مجلة «العاصفة» Der Sturm التي كانت تصدر أسبوعياً في برلين. لكن هذه التسمية أتت بعد أن كان الجيل الأول من الفنانين التعبيريين الألمان قد فرض خصائصه الأسلوبية بقوة. فقد وُلدت التعبيرية الألمانية في عام 1903 مع تشكل مجموعة «الجسر» Die Brücke التي كانت تضم إرنست لودفيغ كيرشنرErnst Ludwing Kirchner، وهِكِل Heckel، وشميدت ـ روتلوف Schmidt-Rottluf، ثم انضم إليهم في المعرض الأول للمجموعة في عام 1906 ماكس بيكشتاين Max Pechstein، وإميل نولده Emil Nolde الذي حمل معه اكتشافه للفن الإفريقي وفن المحيط الهادي بما فيه من قوة تعبير بدائية لايكبح جماحها شيء. بعدها بدأ التيار يترسخ في ميونيخ منذ عام 1910 ضمن معرض مهم لمجموعة «الجسر» ثم في بقية المدن الألمانية مثل درسدن وبرلين.

تجلت التعبيرية الألمانية في التصوير في لمسات الريشة المحتدمة وفي الخطوط التي تتقطع وتتصادم وتتوتر لتأخذ شكل أسنان المنشار أو الشظايا أو النتوءات. أما في النحت فقد ظهر الأسلوب التعبيري في التماثيل التي صارت تأخذ أشكالاً فجة تتكسر فيها الكتل وتتقاطع الخطوط لتعبر عن فيض المشاعر الداخلية كما في أعمال بارلاخ[ر] Barlach.

كذلك فإن فن الحفر والطباعة كان من أفضل مجالات التعبيريين الألمان لأن تقاناته تفترض التقطيع والقص وكل الحركات العنيفة التي تمارس على المادة نوعاً من العدوانية المبالغ فيها وتتوافق مع ما كانوا يريدون التعبير عنه من كراهية ورفض للمادة التي تستفز الإنسان وتمزقه وتلغي إنسانيته. والواقع أن التعبيريين الألمان لم يبتعدوا بذلك التوجه عن تقاليدهم القومية في مجال الفن، فمن المعروف أن الفنانين الجرمانيين كانوا منذ نهاية القرن الخامس عشر قد رفضوا ـ مثلهم في ذلك مثل الفلمنكيين ـ أسلوب عصر النهضة اللاتيني وفن البلاط الناعم والأنيق الذي يقوم على فيض من الزخارف المنمقة المتناظرة والمتساوية، مفضلين روحية الفن (الغوطي) القوطي Art gothique الذي يحقق التعبير القوي من خلال تهافت الخطوط وانكسار الأردية.

في عام 1912 كانت التعبيرية قد وصلت إلى أوجها وبدأت تنحسر بعد أن فتحت الباب أمام توجهات جديدة للفن المعاصر. ففي ذلك العام كانت مدرسة باريس Ecole de Paris قد مارست تأثيرها في الفن الألماني وأدت إلى التخفيف من حدة العنف فيه وأعادته إلى نوع من الهدوء والتوازن التشكيلي. كذلك فإن الفنانين المؤسسين لحركة «الجسر» بدؤوا ينطلقون كلّ في اتجاهه الخاص بدءاً من عام 1913. وعندما تشكلت حركة «الفارس الأزرق» في عام 1912 كان الفن الأدبي قد دخل مرحلة جديدة من تاريخه تميزت بانطفاء التعبيرية الألمانية لمصلحة البحث التشكيلي التجريدي الذي تبلور في حركة الباوهاوس[ر] Bauhaus. ومن الدلائل المهمة على هذا التحول أن العدد الأول من مجلة «الفارس الأزرق» الذي حمل توقيع الرسامين باول كلي[ر] Paul Klee، وكاندينسكي[ر] Kandinsky، وكامبيندونك Campendonck وغيرهم عدّ بياناً يربط «الفارس الأزرق» بالتعبيرية مباشرة، مع أن التعبيرية لم تكن سوى مرحلة أوصلت بعض أعضاء هذه الحركة إلى مسارات جديدة مثل السريالية[ر] Surrélisme التي جذبت كلي، والفن التجريدي الذي ميز أعمال كاندينسكي اللاحقة.

ولابد من ذكر بعض أسماء الفنانين التعبيريين المهمين في ألمانية مثل ماكس بيكمان Max Beckmann، وأوتو ديكس Otto Dix، وليونيل فايننغر Lyonel Feininger، وغيورغ غروس George Grosz، وأوغست ماكيه August Macke ويمكن إضافة النمسوي أوسكار كوكوشكاOskar Kokoschka، والتشيكي ألفريد كوبين.

أما خارج ألمانية فليس هناك تيار تعبيري واضح المعالم، لكنه من الممكن الحديث عن ملامح تعبيرية في أعمال رسامين من جنسيات وتوجهات مختلفة مثل الهولنديين ليو فان غِيستِل Leo Van Gestel، وسلويترز Sluyters، وفيغمان Wiegman، والدنماركي سورينسن Sörensen، والإنكليزي ليال واطسون Lyall Watson، والروسيين سوتين Soutine، وباسكين Paskin، والإيطالي مودلياني Modigliani. كذلك يمكن الحديث عن تعبيرية فرنسية في أعمال رسامين مختلفين مثل جورج روو Georges Rouault، وهنري دو فاروكييه Henry de Waroquier، وإدوارد جورج، ومارسيل غرومير، وإيف أليكس وهذان الأخيران تأثرا مباشرة بالرسام الفرنسي لوفوكونييهLe Fauconnier  الذي عُرف بالتكوينات الثقيلة والكتل الضخمة، وبالألون القاتمة التي تتألف من تدرجات البني القاتم، وكان بذلك مصدر إلهام لكثير من الفنانين في هولندة حيث أقام أيام الحرب العالمية الأولى.

وبرز في بلجيكة، إضافة إلى جيمس إنسور، اسما بيرميكPermeke، وتيتغات Tytgat، المقيمين في إنكلترة، وكذلك سميت Smet، وفان دي بيرغ Van de Berghe، اللذان كانا لاجئين في هولندة. 

التعبيرية في النحت والحفر

تتوافق أبعاد التعبيرية مع طبيعة عمل الفنان في فني النحت والحفر. ففي هجوم اليد بالأداة على المادة الصلبة، وفي عمليات القص والقطع والخدش التي يمارسها على الحجر أو الخشب أو النحاس يستطيع الفنان أن يستغل كل إمكانات التعبير عن الغضب الداخلي على واقع لم يعد محتملاً، سواء كان واقعاً خارجياً لم يعد يجذب الفنان وإنما يحرض فيه الرغبة في التمزيق، أم واقعاً داخلياً تحول إلى تشنجات روح تعاني من التمزق وتحترق بلهب العواطف العنيفة. وقد تجلت التعبيرية في النحت بالأشكال الفجة التي تأخذ فيها الكتل المقصوصة في الحجر أشكالاً مقطّعة تدعمها الخطوط المنكسرة والسطوح المتصادمة بعيداً عن الليونة التي نجدها في النحت الانطباعي.

ومع أن أوغست رودان[ر] August Rodin كان في بعض أعماله النحتية على المرمر يخلق انطباعاً بالليونة والمرونة، إلا أنه في بعضها الآخر كان يعدد المستويات، ويترك على السطوح من الحوادث العرضية ما يوحي بعدم اكتمال المنحوتة، أو يخلق تأثير التوتر والعنف من خلال توجه حركة الجسد البشري الذي يوحي بطاقة كبيرة وعاطفة متوفزة. وقد كان رودان في ذلك التوجه من الذين آذنوا بالتعبيرية في النحت.

تجلت التعبيرية، فيما بعد، في مجال النحت في أعمال إرنست بارلاخ وفيلهلم ليمبروك (1881-1919) Welhelm Lehmbruck، وألكسندر آركيبنكو (1887-1964) Alexander Archipenko الذي تتميز منحوتاته بالأشكال الهندسية التي تتناوب فيها الزوايا والكتل المكورة والمقعرة، وأوسيب زادكين Ossip Zadkine الذي طور في بعض منحوتاته أشكالاً متصلبة تتداخل فيها الحجوم ذات الأطراف المقطوعة، وفرغ في بعضها الآخر بعض الكتل موحياً بالتمزق والتلوي بإيقاعات عنيفة. ومن أكثر أعمال زادكين ارتباطاً بالتوجه التعبيري تلك التي كان موضوعها مأسوياً درامياً مثل «نصب لمدينة روتردام المـهدمة» (1948-1951)

التعبيرية في الموسيقى

يرتبط تيار التعبيرية في الموسيقى بأرنولد شونبرغ[ر] A.Schönberg، وألبان بيرغ A.Berg، وأنطون فون فيبرن A.Von Webern الذين شاركوا في تحرير مجلة «الفارس الأزرق» التي كانت منبر الحركة. لكن ما يلفت النظر هو أن النشاط التعبيري لهؤلاء الثلاثة لم يكن يتبدى في الموسيقى بقدر ما كان يكمن في اختيارهم للنصوص الأدبية التي بنوا عليها موسيقاهم. فقد استخدم ألبان بيرغ نص مسرحية «فويتسك» Woyzeck لبوشنر[ر] Büchner وأجرى عليه تعديلات جعلته أكثر كثافة، ثم ألف موسيقاه ليجعل منه أوبرا أثارت عاصفة نقدية عند تقديمها في برلين عام 1925. فقد كانت هذه الأوبرا تحترم الإطار التقليدي العام لكن الموضوع الذي تعالجه يختلف عن الموضوعات البطولية والأسطورية المعتادة، كما أن استخدام الغناء الكلامي Sprechgesang على طريقة شونبرغ والطريقة الجديدة في التعامل مع «اللحن الدال» Leitmotiv أضفت على العمل كثافة درامية وتعبيرية كبيرة. كذلك قام بيرغ بتأليف نص أوبرا «لولو» Lulu  استناداً إلى نص المسرحي التعبيري فرانك فيدكيند F.Wedekin، لكن بيرغ مات قبل أن يضع اللمسات الأخيرة على الفصل الأخير، ولم تقدم الأوبرا كاملة إلا عام 1979. أما شونبرغ فقد استوحى أيضاً من الشاعرين التعبيريين غيورغ كايزر[ر] G.Kaiser وغيورغ تراكل[ر] G.Trakl لتأليف عملين من نوع الدراما الموسيقية يمثلان الحالة الفكرية التعبيرية، وقد حمل الأول عنوان «الانتظار»، والثاني «اليد السعيدة» الذي كتب نصه بنفسه. وجدير بالذكر أن شونبرغ أسس منهجاً مستحدثاً في التأليف يعتمد مبدأ «الموسيقى النسقية» Serial Music الذي يتوافق مع الضرورة الداخلية للتعبيرية.

التعبيرية في السينما

وجدت التعبيرية في الفيلم السينمائي مادة مهمة تسمح بتحقيق أبعادها. وذلك لأن استخدام الظلال، ولعبة الضوء والعتمة، والتناقضات الغريبة في الأشكال والمشاهد البطيئة وحركة الكاميرا كانت تسمح بتحقيق التشويه المقصود للعالم وللسلوك البشري الذي تتميز به التعبيرية في أشهر أفلامها التي ظهرت في ألمانية تحديداً، مثل «عيادة الدكتور كاليغاري» الذي أخرجه روبير فينه Robert Wiene عام1919، و«نوسفيراتو» الذي أخرجه مورناو Murnau عام 1922، و«ميتروبوليس» الذي أخرجه فريتس لانغ[ر] F.Lang عام 1926. وقد انتقلت التعبيرية إلى السينما من المسرح، وعلى الأخص مسرح ماكس راينهارد[ر] M.Reinhardt الذي كان يعطي الأهمية للأسلوب الرمزي في الديكور وللعبة الظلال التي تضفي طابعاً درامياً على جو المسرحية. ولذلك فإن الفضل الأكبر في السينما التعبيرية يعود فعلياً  للفنانين التشكيليين الذين صمموا ونفذوا ديكورات أشهر الأفلام كما هي حال فالتر رورينغ W.Röhring، وهرمان فارم H.Warm، وفالتر رايمان W.Reimann.

كانت غالبية الأفلام التعبيرية تُصوِّر داخل المحترف (الاستوديو)، أو في المواقع الخارجية إذا كانت غريبة الطابع تخلق تأثيراً مرعباً على المتفرجين كما في فيلم «نوسفيراتو». أما الديكورات المشيدة فكانت مؤسلبة تنتظم في سطوح تسمح بلعبة إضاءة مذهلة كما في الديكورات العملاقة لفيلمي «نيبلونغن» (1923-1924)، و«ميتروبوليس» (1926) لفريتز لانغ. لكن فيلم «عيادة الدكتور كاليغاري» يظل المثال الأكثر تكاملاً للسينما التعبيرية لأن الأسلبة والرمزية قد بلغتا فيه حدهما الأقصى من دون أن يبدو ذلك خارجاً عن السياق في قصة يرويها رجل مجنون. فالديكور في هذا الفيلم يمثل مدينة ألمانية من القرون الوسطى وفي الوقت نفسه عالم الجنون المطلق، وقد تم تنفيذه بلوحات رُسمت عليها الظلال بشكل مباشر في حين كانت الإضاءة تزيد من طابع القلق لأنها كانت تتدخل في الحدث بشكل درامي للغاية وترمز تشكيلياً لحالات المزاج من خلال لعبة الظل والضوء. كذلك فإن أداء الممثلين كونراد فايت C.Veidt، وفيرنر كراوس W.Krauss، وليل داغوفر L.Dagover،  كان خاضعاً لأسلوب محدد لدرجة يصعب معها التمييز بينهم وبين الديكور، وهذه سمة أساسية في السينما التعبيرية الألمانية التي يبدو فيها الممثلون بأزيائهم الغريبة وزينتهم (ماكياج) الواضحة  وكأنهم كائنات آلية، أو سطوح هندسية. والواقع أن شكل الأداء في السينما التعبيرية كان يتميز بالحركات المفاجئة أو بالسكون المطلق لإبراز حالة الشخصيات النفسية في مواضيع عنيفة زاخرة بالأحداث المرعبة والمثيرة مثل الملاحقات والخطف والجنون والاستحواذ بكل أنواعه. 

وإن كان فيلم «عيادة الدكتور كاليغاري» يُعد محطة مهمة في السينما التعبيرية الألمانية، فقد سبقه فيلمان حملا التوجهات نفسها هما «بيت بلا أبواب» الذي أخرجه المهاجر الدنمركي ستيلان رييه S.Rye عام 1914، و«هومونكولوس» Homunculus وهو فيلم من عدة مراحل أخرجه أوتو ريبيرت O.Ripert عام 1916.

من الأفلام التعبيرية المهمة التي ظهرت لاحقاً «الأضواء الثلاثة» لفريتس لانغ (1921)، و«لاعب الظلال» لروبيسون (1923) Robison، و«عيادة تماثيل الشمع» للمخرج ليني (1924) Leni، و«فاوست» Faust لمورناو (1925). وقد استمر تدفق الأفلام التعبيرية من عام 1919 حتى 1925، وبعد ذلك فترت الحركة ولم تعد بأهميتها السابقة. ويعد فيلما «أوبرا القروش الثلاثة» لبابست (1931) Pabst، و«الملعون» لفريتس لانغ (1931) من الأعمال التعبيرية الأخيرة في السينما. لكن التأثير الجمالي للحركة ظل واضحاً في أعمال سينمائيين مثل شتيرنبرغ Sternberg مخرج فيلم «الملاك الأزرق»، وأورسون ويلز O.Wells مخرج فيلم «المواطن كين»، وأيزنشتاين Eisenstein في فيلمي «ألكسندر نيفسكي» و«إيفان الرهيب»، وإنغمار برغمان I.Bergman في «الختم السابع» و«التوت البري».

 

حنان قصاب حسن

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

الانطباعية ـ الباوهاوس ـ السريالية.

 

مراجع للاستزادة:

 

- Collectif (sous la direction de Roger Boussinot), L,encyclopédie du Cinéma (Bordas France 1976).

- JOELLE GARDES-TAMINE  et MARIE-CLAUDE HUBERT, Dictionnaire de critique littéraire (Armand Colin Editeur, Coll. Cursus, Paris 1993).

- P.HAESAERTS, L’Expressionnisme dans la peinture européenne? Aujour d,hui, (Bruxelles 1953).

- RENE HUYGHE et JEAN RUDEL, L, art et le Moderne, (Librairie Larousse, Paris 1970).

- W. GEORGES, l,Expressionnisme (Somogy 1965).


التصنيف : الموسيقى والسينما والمسرح
النوع : موسيقى وسينما ومسرح
المجلد: المجلد السادس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 601
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 623
الكل : 26998544
اليوم : 66293

الانتقام في القانون الدولي

الانتقام في القانون الدولي     يعرف بعضهم الانتقام reprisal في القانون الدولي بأنه أفعال تتخذ من قبل دولة إزاء دولة أخرى بقصد إرغامها على الموافقة على تسوية النزاع الذي كانت هي سبباً في نشوئه نتيجة إخلالها بالتزام دولي. كما عرفه آخرون بأنه فعل قسري منافٍ للقانون يتخذ رداً على فعل مماثل مناف للقانون. أما الفقيه الدولي أوبنهايم فيعرف أعمال الانتقام بأنها «أفعال غير مشروعة دولياً ومضرّة تتخذها دولة إزاء دولة أخرى، استثناءً مسموحاً به، لإكراه الدولة الأخيرة على قبول التسوية المناسبة للخلاف الناجم عن جريمة دولية».
المزيد »