logo

logo

logo

logo

logo

أبو حنيفة (النعمان بن ثابت-)

حنيفه (نعمان ثابت)

Abu Hanifah (al-Nu’man ibn Thabit-) - Abu Hanifah (al-Nu’man ibn Thabit-)

أبو حنيفة (النعمان بن ثابت-)

(80-150هـ/699-767م)

 

أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن المرزُبان إمام الحنفية، الفقيه المجتهد، فارسي الأصل، من الأحرار، أسلم جده المَرْزُبان (أي الرئيس) أيام عمر، ولد في الكوفة وسكن فيها أيام الخليفة عبد الملك بن مروان، وتوفي ببغداد. وأبوه ثابت بن النعمان أو «زوطي» الفارسي النسب من كابُل، وقد التقى ثابت بالإمام علي، ودعا له بالبركة فيه وفي ذريته.

نشأ أبو حنيفة بالكوفة، وتربى فيها، في ظلال أسرة مسلمة صالحة غنية كريمة، وكان وحيد أبويه، حفظ القرآن الكريم في صغره، وكان حسن الإسلام، وكان موسراً من التجار، ولكنه ارتاد حلقات العلم في زمانه، وانصرف إلى العلم، ولازم العلماء مع اشتغاله بالتجارة، حج مع أبيه في سن السادسة عشرة، وكان أول اتجاهه في العلوم علم أصول الدين ومناقشة الملحدين، فصار عَلَماًَ فيه وهو في سن العشرين، ثم اتجه إلى علم الفقه، آخذاً العلم عن عدد كبير من قراء الكوفة ومحدّثيها وفقهائها وعلماء اللغة والأدب، ولزم حلقة حماد بن أبي سليمان ثماني عشرة سنة، وتصدر للتدريس والإفتاء وهو في سن الأربعين، في مجلس شيخه حمَّاد في مسجد الكوفة، فشاعت آراؤه بين الناس، وتميز بمنهج خاص في الاجتهاد، حتى صار إمام الحنفية، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وبرع في الاستنباط الاجتهادي حتى لقِّب بالإمام الأعظم بين أقرانه وتلاميذه.

اتصف أبو حنيفة بين العلماء بالهدوء وانضباط النفس وسعة الصدر، والاستقلال في التفكير، وعمق الفكر وبُعْد النظر والأفق، وحضور البديهة، لا يقف عند ظواهر النصوص، واسع الحيلة والنفاذ إلى إفحام الخصوم، مخلصاً في طلب الحق، قوي الشخصية والنفوذ والمهابة، شديد الورع وخشية الله تعالى.

وتلقى العلم من شيوخ ذوي نحل مختلفة، غير مقتصر على فقهاء الجماعة، أو من أهل الرأي فقط، وإنما شمل علماء فقه القرآن والحديث والشيعة، وعلم فتاوى الصحابة الذين اشتهروا بالاجتهاد، وجودة الرأي والذكاء، والتقى ببعض الصحابة، وروى الحديث عن بعضهم، فبلغ رتبة التابعين، والتقى ببعض التابعين وجالسهم، وروى عنهم، وتلقى فقههم، وأخذ عن عكرمة حامل علم ابن عباس، ونافع حامل علم ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح فقيه مكة، والشعبي المشتهر بالأثر، وكثير ممن اشتهر بالرأي.

وأبرز شيوخه الذين لازمهم: حمَّاد ابن سليمان الأشعري بالولاء، وعطاء ونافع مولى بن عمر، والتقى بالأئمة: زيد بن علي، ومحمد الباقر، وأبي محمد عبد الله بن الحسن، واتصل بابن الباقر جعفر الصادق، وقال فيه: «والله ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق» بل أخذ عن بعض ذوي الأهواء كجابر بن يزيد الجُعْفي من غلاة الشيعة، وقال: «ما رأيت أفضل من عطاء، ولا أكذب من جابر الجعفي».

وكثر تلاميذه، ومن أشهرهم أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قاضي القضاة في عهد الرشيد، ومحمد بن الحسن جامع فقه الإمام أبي حنيفة، وكلاهما مجتهدان، جمع محمد فقه شيخه في كتب ستة وهي (الأصل، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسِّيَر الصغير، والسِّيَر الكبير، والزيادات). وزفر بن الهُذَيل الشهير بالقياس، وهو أقدم صحبة للإمام من أبي يوسف ومحمد الصاحبين، والحسن ابن زياد اللؤلؤي الكوفي المشتهر برواية الحديث. ومنهم المشتهرون برواية الفقه الحنفي وتدوينه مثل عيسى بن أبان، ومحمد بن سَمَاعة، وهلال بن يحيى الرأي البصري وأحمد بن عمر بن مُهير الخصّاف، وأحمد بن محمد بن سَلامة أبو جعفر الطحاوي.

وصُنفت كتب الفقه الحنفي بإضافة جهود المتأخرين مراتب ثلاثاً وهي: الأصول، وتسمى ظاهر الرواية، والنوادر كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات والرقيات لمحمد بن الحسن، والفتاوى والواقعات وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون فيما سئلوا عنه من مسائل واقعة لم يجدوا رواية لأهل المذهب المتقدمين فيها.

وعاش أبو حنيفة اثنتين وخمسين سنة من حياته في العصر الأموي، وثماني عشرة سنة في العصر العباسي، وكان هذا العصر يموج بعناصر مختلفة من فرس وروم وهنود مع العرب، فكثرت الأحداث الاجتماعية، مما وسَّع عقل الفقيه، وفتح ذهنه إلى استخراج أحكام ومسائل جديدة، من ناحية الافتراض والتصور، ووضع مقاييس فيها صفة العموم لمجموع فروع متباينة. وكان للعراق ميزة اجتماعية أخرى هي فكرية، حيث كان مواطن الفرق المختلفة، من شيعة ومعتزلة وجَهْمية وقَدَرية ومُرجئة وغيرهم، مما أوجد نزعات عقلية متضاربة، وآراء متصادمة في المعتقدات الإسلامية. كان هذا حال العراق الذي عاش فيه أبو حنيفة من الناحيتين السياسية والاجتماعية.

وكان أبو حنيفة في العراق زعيم مدرسة الرأي في مواجهة مدرسة أهل الحجاز التي يغلب عليها الأخذ بالحديث النبوي، ولا يعني الرأي الأخذ بالهوى والشهرة، وإنما الرأي المتفق مع روح الشريعة ومقاصدها، وكان رأس مذهب الرأي إبراهيم النخعي، الذي تأثر بطريقة معلمهم الأول عبد الله بن مسعود الذي تأثر باتجاه عمر بن الخطاب في الأخذ بالرأي، واكتفاء بما في العراق من الصحابة رواة الحديث .

تميَّز فقه أبي حنيفة ومنهجه الاستدلالي بكثرة تفريع الفروع، وافتراض الفرضيات وقلة رواية الحديث لسبب التشدد في اشتراط شروط لقبوله، لكن إن ثبت الحديث أخذوا به، ووُصف أتباع مدرسة الرأي بالآرأيَتَيين، لقولهم: أرأيتَ لو كان كذا ماذا يكون الحكم ؟ وصار الفقه الحنفي ذا خصائص مهمة جداً، أهمها: كونه مذهب شورى الجماعة، وامتزاج الحديث بالرأي الصحيح شرعاً، وجعل أصول الفقه وقواعده تابعة للفروع الفقهية، مما جعل للمذهب الحنفي منهجاً استدلالياً خاصاً بهم في مقابلة بقية المذاهب، واعتدادهم بالفقه الفَرَضي أو (الافتراضي) وتفصيل أحكام عقود البيوع، لخبرة أبي حنيفة بالاتجار في الأسواق، فهو أوسع المذاهب.

وكانت مصادر الاستنباط التي بنى عليها أبو حنيفة فقهه سبعة وهي: الكتاب (القرآن) والسنة النبوية، وفتوى الصحابة، والإجماع، والقياس، والاستحسان (وهو قياس استثنائي عميق الإدراك) والعرف الصحيح الذي لا يصادم نصاً شرعياً.

وانتشر مذهبه في أكثر بقاع البلاد الإسلامية، في مصر والشام، وبلاد الروم والعراق، والهند والسند والصين، وما وراء النهر، وغالب بلاد العجم، وفارس حتى كان عهد الصفويين الذين أعلنوا المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة، وكان المذهب الحنفي المذهب الرسمي للدولة العثمانية طوال وجود دولتها، واستمر في البلاد التي انسلخت عنها، وظل غالباً على أهل أرمينية وأذربيجان وتبريز وأهل الرِّي والأهواز.

أي إن المذهب انتشر انتشاراً واسعاً، واستقر بين المسلمين، وكثر الآخذون به، وادّعى بعض أتباعه أنه أتى بجديد من التفكير الفقهي، وإن كان أساسه الكتاب والسنة والأثر الصحيح عن الصحابة. والواقع أن أبا حنيفة لم يكن مجرد ناقل لآراء إبراهيم النَّخَعي وأقرانه إلا فيما لا اجتهاد لهم فيه، وإنما كان مبدعاً ومجدِّداً في اجتهاده فهو لم يقتصر في نقل الآثار على النخعي، وإنما أخذ عن غيره كعطاء وابن عباس، ولقد أنضج الفقه العراقي وأكمله، واستقل بإيراد الفروض الفقهية المجردة كثيراً، وكان كشيخه النخعي ناقداً للحديث متناً وسنداً، واختلف في المنحى الفقهي عن النخعي في ناحيتين: أنه أخذ كثيراً من فقه مكة والمدينة، وكان يكثر من التفريع وافتراض الفروض. له مسند في الحديث، جمعه تلاميذه، والمخارج في الفقه، صغير، رواه عنه أبو يوسف، وتنسب إليه رسالة الفقه الأكبر، ولم تصح النسبة.

وكان أبو حنيفة ناقداً شديداً للأمويين، وكان يرى الثورة على ملكهم أمراً جائزاً شرعاً، مثل الإمام زيد بن علي، وانتقد شدة العباسيين على العلويين، وقضاء قضاة الكوفة إذا خالفوا رأيه، ويصرح بخطئهم، لكنه والى الدولة العباسية ثم انتقد العباسيين لنقمتهم على أبناء علي. ولقد أراد يزيد بن عمر بن هبيرة والي البصرة أيام مروان بن محمد آخر الخلفاء الأموييين تعيين أبي حنيفة على قضاء الكوفة، فأبى وامتنع، فحلف ابن هبيرة إن لم يفعل ليضربنه بالسياط على رأسه وحبسه، وفعل ذلك. وأراد أبو جعفر المنصور أيضاً أن يجعله قاضياً ببغداد، فامتنع، فعذبه بالضرب والحبس.

توفي في بغداد، وصلى المنصور على قبره، ومكث الناس يصلون على قبره أكثر من عشرين يوماً.

وهبة الزحيلي 

مراجع للاستزادة:

 

ـ محمد أبو زهرة، أبو حنيفة ـ حياته وعصره، آراؤه وفقهه (دار الفكر العربي 1960).

ـ ابن البزازي والموفق المكي، مناقب أبي حنيفة (طبع القاهرة).

ـ الذهبي، ،سير أعلام النبلاء (مؤسسة الرسالة، دمشق 1414هـ / 1994م).

 


التصنيف : التاريخ
النوع : دين
المجلد: المجلدالثامن
رقم الصفحة ضمن المجلد : 631
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1102
الكل : 45283367
اليوم : 65242

ساليناس (بدرو)

ساليناس (بِدرو ـ) (1891 ـ 1951)   بِدرو ساليناس Pedro Salinas شاعر وقاص ومسرحي وناقد أدبي إسباني، ينتمي إلى جيل 1927، وهو أحد أبرز ممثليه في مجال الشعر على وجه الخصوص، فقد تميّزت أشعاره بغنائيتها وشفافيتها الفكرية ومرونتها التي تعكس رهافة أفكاره وأحاسيسه. وُلد في مدريد وحصل على الدكتوراه في الفلسفة والأدب.
المزيد »