logo

logo

logo

logo

logo

الخطأ في القانون

خطا في قانون

Error - Erreur

الخطأ في القانون

 

بيَّن القانون المدني فيما وضعه من أحكام للمسؤولية، عقدية كانت أم تقصيرية، أن الأساس فيها جميعاً هو الخطأ دون أن يعرف ماهية الخطأ، فقد ذكرت المادة 164 من القانون المدني السوري أن: «كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض». وقد ثار خلاف بين الفقهاء حول تعريف الخطأ وتحديد مفهومه، أو وضع معيار معين له. فمنهم من أخذ بالنظرية التقليدية للخطأ التي تشترط أن يتوافر فيه عنصران: أولهما، نفسي وهي الإضرار بالغير أو توقع الضرر والمضي في الفعل المحدث له مع ذلك، أو عدم الاحتياط لتلافيه، وثانيهما، مادي وهو أن يكون الفعل غير مشروع أو إخلالاً بالقانون أو الواجب القانوني، ومنهم من يعّول على نظرية تحمل التبعة. وإلى هذا اتجهت معظم التشريعات المدنية العربية وعدد من التشريعات الأجنبية.

وفي هذا المجال، عرّف الفقيه الفرنسي بلانيول الخطأ بأنه إخلال بالتزام سابق ينشأ عن القانون أو العقد أو قواعد الأخلاق، كما عرفه سافاتييه بأنه «الإخلال بواجب كان في الإمكان معرفته ومراعاته».

ولأن هناك نوعين من المسؤولية: المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية فإن ذلك يستتبع وجود نوعين من الخطأ: الخطأ العقدي، وهو خطأ يتتبع في تكييفه وتعيّن مداه ظروف التعاقد وما اتفق عليه أطراف العقد، ويتأتى عن عدم تنفيذ المدين لما التزم به سواء أكان هذا الالتزام بنتيجة أم كان التزاماً عاماً بالتبصر والعناية. فالمدين إذا لم ينفذ التزامه الناشئ عن العقد يكون قد انحرف عن السلوك الواجب في ذلك بنحو لا يفعله المدين الرشيد. والخطأ التقصيري وهو الخطأ الذي يتأتى في الإخلال بواجب قانوني.

ميز الفقه بين أنواع الخطأ، وذكر منها الخطأ العمد الذي يكون بحيث يقصد المرء إحداث الضرر فيما يقدم عليه من الإخلال بواجب قانوني. والخطأ غير العمد وهو يكون عندما يقع الإخلال بواجب قانوني بغير أن يتجه فيه قصد المسؤول إلى إحداث الضرر، ويدق البحث في هذا النوع من الخطأ إذ على تحديده يكون الفصل في توافر المسؤولية أو انعدامها، ويعد محدث الضرر مخطئاً إذا كان منحرفاً في مسلكه عما كان يجب أن يكون عليه. كما ميز الفقهاء بين الخطأ التافه وهو ذلك الذي يقع بالقدر الطفيف من الإهمال وعدم الانتباه ولا يقترفه الرجل الحريص، وتتوافر المسؤولية عنه ما دام قد ترتب عليه ضرر بالغير إذ إن القانون لم يعلق قيام المسؤولية على درجة معينة من الخطأ، وبين الخطأ اليسير وهو الذي لا يقترفه شخص معتاد في حرصه وعنايته. ثم هنالك الخطأ الذي لا يغتفر وهو الذي يبلغ من الجسامة حداً غير عادي وينجم عن فعل أو ترك إرادي وذلك مع انعدام أي دوافع تبرره، وهذا الخطأ تنعدم فيه نية الإضرار مما يميزه من الخطأ العمد الذي يجب توافرها فيه، ثم هنالك الخطأ الجسيم وهو ما يقول فقهاء الرومان إنه عدم إدراك وعدم توقع ما كان على أي أحد أن يدركه أو يتوقعه. ويتميز هذا النوع من الخطأ من الخطأ العمد أو الخطأ الذي لا يغتفر حيث يمكن أن يقع الخطأ الجسيم بغير سوء نية الفاعل ودون أن يتجه قصده لإحداث الضرر. وتذهب أحكام القضاء إلى أن الخطأ الجسيم يتحقق بذلك الإهمال أو عدم التبصر الذي يبلغ حداً خاصاً من الجسامة.

وإذا كان القانون والفقه قد عدّا أنه لاوجود للمسؤولية المدنية إلا بتوافر أركانها الثلاثة: الخطأ، والضرر، ورابطة السببية بينهما، وأنه يتعين ثبوت هذه الأركان جميعاً لإمكان القضاء بما يطلب من تعويض، لكنه وجد ذلك متعذراً في إثبات حدوث الضرر عن فعل خاطئ من جانب المسؤول في بعض الحالات، وهذا ما حدا بالتشريعات في بعض الأحوال وبالقضاء في أخرى، إلى رفع عبء الإثبات عن كاهل المضرور في حالات بعينها كما في المسؤولية القائمة على قرينة افتراض الخطأ كما سوف يأتي بيانه.

وللخطأ ركنان: ركن مادي هو التعدّي وركن معنوي هو الإدراك. وبحسب المعيار التقليدي فإنه يجب التفرقة بين التعدي بالعمد والتعدي بالإهمال، فإذا كان التعدي بالعمد، أي ينطوي على قصد إحداث الضرر (وهو ما يعبر عنه بالجريمة المدنية)، فإن تقديره يكون عندئذ ذاتياً بيد أن القضاء والفقه مستقران على إلحاق الخطأ الجسيم بالعمد ليأخذ ذاك حكم هذا، أما إذا كان التعدي بالإهمال، وهذه هي الحالة الغالبة، وهو ما يعبر عنه بشبه الجريمة المدنية، فإن التقدير الشخصي لا يصلح، ويختلف المقياس من شخص لآخر لذا فالرأي مستقر على الأخذ بمعيار مجرد فيقاس فعل المسؤول بمسلك شخص مجرد هو الشخص المعتاد. أما الركن المعنوي في الخطأ فإن مناط المسؤولية فيه التمييز إذ لا مسؤولية دون تمييز، ويتوافر التمييز ببلوغ الصغير سن السابعة دون أن يعرض له ما يفقده العقل، وهذا هو ما استقرت عليه تقاليد القانون منذ الرومان إذ لا يمكن مساءلة عديم التمييز لأن انعدام التمييز يخلي من المسؤولية من الناحيتين الجنائية والمدنية معاً. وقد عالجت التشريعات النافذة في كل بلد آثار الخطأ بنصوص ترتكز على قاعدة عامة تقضي بأن كل خطأ يسبب ضرراً يوجب التعويض، وتلك هي السياسة التشريعية التي جرت عليها التقنينات اللاتينية دون إيرادها تطبيقات تفصيلية للخطأ بل اقتصرت على وضع القاعدة العامة، وذلك بخلاف القوانين الأنغلوسكسونية والجرمانية فإنها تعتمد إلى التفصيل وتتفاوت في إيراد الحالات التفصيلية للخطأ. ومن المعروف، على سبيل المثال، في القانون الإنكليزي أنه لا يشتمل على قاعدة عامة في الخطأ بل يحوي أنواعاً مختلفة من الخطأ يورد لكل نوع منها حكمه، ومن ثم لم يسمَ هذا القسم من القانون الإنكليزي «قانون الخطأ» بل «قانون الأضرار». وفي كل الأحوال إن التشريعات متفقة على أن الخطأ هو الركن الأول في المسؤولية أما الركن الثاني فهو أن يحدث هذا الخطأ ضرراً، ثم هنالك الركن الثالث وهو السببية، وتعني علاقة مباشرة ما بين الخطأ الذي ارتكبه المسؤول والضرر الذي أصاب المضرور، والسببية ركن مستقل وآية ذلك أنها قد توجد ولا يوجد الخطأ. كما إذا أحدث شخص ضرراً بفعل صدر منه لا يعد خطأ وتتحقق مسؤوليته على أساس تحمل التبعة فالسببية هنا موجودة والخطأ غير موجود، وقد يوجد الخطأ ولا توجد السببية. ولا يظهر استقلال السببية عن الخطأ بوضوح إلا حيث يكون الخطأ مقترفاً، أما آثار المسؤولية وجزاؤها «التعويض» فإنها تترتب إذا توافرت أركانها على النحو المذكور، وعندها يتوجب على المسؤول تعويض الضرر الذي أحدثه بخطئه. فالتعويض إذن هو الحكم الذي يترتب على تحقق المسؤولية وهو جزاؤها. وهنالك أنواع للمسؤولية، منها المسؤولية الأدبية التي لا تدخل في دائرة القانون ولا يترتب عليها جزاء قانوني وأمرها موكول إلى الضمير. والمسؤولية القانونية التي تدخل في دائرة القانون ويترتب عليها جزاء قانوني، وهنالك المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية، وتقوم الأولى على أن هنالك ضرراً أصاب المجتمع أما الثانية فتقوم على أن ضرراً أصاب الفرد، ثم هنالك المسؤولية العقدية التي تقوم على الإخلال بالتزام عقدي يختلف باختلاف ما اشتمل عليه العقد من التزامات، والمسؤولية التقصيرية التي تقوم على الإخلال بالتزام قانوني واحد لا يتغير هو الالتزام بعدم الإضرار بالغير، وبدورها تشتمل المسؤولية التقصيرية على أنواع هي المسؤولية عن الأعمال الشخصية التي عالجها القانون المدني السوري في المواد من 164-173 وهي تستند إلى الأركان الثلاثة للمسؤولية، ثم هنالك المسؤولية عن عمل الغير (المواد 174-176 من القانون المدني السوري)، ويقوم أساسها على الخطأ أيضاً، وشروطها أن يتولى شخص الرقابة على آخر وأن يصدر عمل غير مشروع من الخاضع للرقابة، ودفع هذه المسؤولية تكون بنفي قرينة الخطأ أو نفي السببية وحق المكلف بالرقابة في الرجوع على من هو تحت رقابته، ثم هنالك مسؤولية المتبوع عن التابع، مادة 275 من القانون المدني السوري المطابقة للمادة 174 من القانون المدني المصري، وشروطها أن تكون هنالك علاقة تبعية بين التابع والمتبوع وأن يقع من التابع خطأ وأن يقع الخطأ في حال تأدية الوظيفة أو بسببها ولا تدفع مسؤولية المتبوع إلا بنفي مسؤولية التابع استناداً إلى سبب أجنبي، ويقوم أساس مسؤولية المتبوع على خطأ مفترض لا يقبل إثبات العكس في رأي بعض الفقهاء. وعلى أساس تحمل التبعة في رأي بعضهم الآخر. ولما كانت مسؤولية المتبوع تقوم تبعاً لمسؤولية التابع فإن المتبوع متى دفع التعويض كان له الحق بالرجوع على التابع بكل ما دفع لأن الخطأ خطأ هذا التابع، وهذا ما نصت عليه المادة 176 من القانون السوري المقابلة للمادة 175 من القانون المصري. وهنالك المسؤولية الناشئة عن الأشياء والتي ورد النص عليها في المواد 177-179 من القانون السوري المقابلة للمواد 176-178 من القانون المصري، فإذا كانت الأشياء من الحيوان فشروط المسؤولية أن يتولى شخص حراسة الحيوان وأن يحدث الحيوان ضرراً، وهي تقوم في أساسها على خطأ مفترض لا يقبل إثبات العكس، أما إذا كان الشيء بناء فإن هنالك شرطين لتحقق المسؤولية: أن يكون المسؤول حارساً للبناء وأن يتهدم البناء (مادة 178 سوري)، وأساس هذه المسؤولية خطأ مفترض، ثم هنالك مسؤولية حارس الأشياء ولها شرطان أن يتولى شخص حراسة شيء مما أشارت إليه نصوص المادة 189 سوري، وأن يقع الضرر من فعل الشيء وأساس هذه المسؤولية خطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس. وقضت المادة 170 من القانون المدني السوري المقابلة للمادة 169 من القانون المصري بأنه إذا تعدد المسؤولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر وتكون المسؤولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض. ولأن أركان المسؤولية الثلاثة هي وقائع مادية فإنه يجوز الإثبات بجميع الطرق ولاسيما البينة والقرائن. وينشأ الحق في التعويض منذ وقوع الضرر وليس الحكم هو مصدر الحق في التعويض وهو ليس منشئاً للحق وإنما مقرر له فحسب. ويعين القاضي التعويض تبعاً للظروف ويصح أن يكون مقسطاً، وهذا يقدر بالنقد على أنه يجوز تبعاً للظروف أن يأمر القاضي بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه ويقدر القاضي مدى التعويض، ليشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب، ويشمل التعويض الضرر الأدبي أيضاً.

عبد الهادي عباس 

الموضوعات ذات الصلة:

 

القانون المدني ـ المسؤولية. 

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في القانون المدني (القاهرة 1966م).

ـ حشمت أبو ستيت، نظرية الالتزامات (القاهرة 1970م).

 


التصنيف : القانون
المجلد: المجلدالثامن
رقم الصفحة ضمن المجلد : 843
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 54
الكل : 10404273
اليوم : 6395

العدالة والإنصاف

العدالة والإنصاف   كلمة العدالة لغوياً مشتقة من الفعل عـدل الذي يعني قوّم أي جعل الشيء مستقيماً، وهي في اللغة العربية مرادفة لكلمة العدل التي ترد بمعانٍ متعددة، فالعدل هو ما قام في النفوس أي إنه يستقيم وهو ضد الجور، والعدل جاء في أسماء الله الحسنى، والعدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، والعدل الحكم بالحق. كانت مسألة التعريف بالعدالة، من القديم، الشغل الشاغل للباحثين والمفكرين، ترد مرادفة لكلمة الحق، لكنها تعرض تارة أخرى كأنها متميزة، بل كأنها أسمى من الحق  وأعلى، وهي تبدو في أحد مظاهرها كأنها تعني التوافق مع القانون بيد أنه من جهة أخرى ينبغي أن يكون القانون متفقاً مع العدالة.
المزيد »