logo

logo

logo

logo

logo

العود

عود

Lute - Luth

العود

 

يجمع الباحثون الآثاريون على أن العود ـ بنوعيه ذي العنق الطويل وذي العنق القصير ـ عرف في مصر الفرعونية قبل خمسمئة وثلاثة آلاف سنة في زمن الدولة الحديثة إبان حكم الأسرة الثامنة عشرة عام 1600ق.م. وقد عثر علماء الآثار في مدينة طيبة على آلة عود ذات عنق قصير سلمت من عاديات الزمن إلى حد ما، وعلى الريشة الخشبية التي كانت تستعمل في الضرب عليه، ويعود تاريخ هذا العود إلى عام 700 ق.م وهو محفوظ اليوم في متحف برلين. ولايختلف العود المصري بنوعيه عن العيدان الأخرى التي عرفتها الممالك القديمة إلا في فروق طفيفة. وقد عرفت المملكة الآشورية في أوج ازدهارها صناعة الآلات الموسيقية والضرب عليها، ومن هذه الآلات العود ذو الرقبة الطويلة، وامتازت آلة العود الآشورية من المصرية بدساتينها الوفيرة. وللعود الآشوري وتران بخلاف العود المصري الذي وصل عدد أوتاره إلى أربعة. والعود الآشوري بصندوقه الصغير ودساتينه الكثيرة يشبه آلة «الطنبور» إلى حد بعيد في مواصفاته وخصائصه.

يقول بعض المتعصبين من الباحثين الفرس إنهم كانوا السباقين إلى ابتداع العود قبل غيرهم، وقد دلت النقوش والصور والمنمنمات والمنحوتات والتماثيل الفارسية إلى أن أقدم مشاهد للعود ترجع إلى تماثيل «الجاندهار» في كشمير، التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهذا يعني أن الفراعنة والآشوريين سبقوا الفرس في ابتكار العود، والفرس هم الذين جعلوا من آلة العود آلة متقدمة بعد أن بلغت حضارتهم شأواً بعيداً.

والعود الفارسي من الأعواد ذات العنق الطويل، ودساتينه تفوق في عددها دساتين العيدان المصرية والآشورية، وأوتاره مصنوعة من الجلد والمعدن، وصنعت الريشة من أصداف السلاحف، وسموه (البربط)، وكلمة بربط فارسية، مؤلفة من مقطعين «بر» وتعني الصدر و«بط» وتعني طائر البط، وسمي بذلك لأن شكل العود يشبه (البطة).

عرف العرب في جاهليتهم عدداً من الآلات الوترية وغير الوترية، فمن الوترية: «المعزف» في اليمن ويشبه الكيتار [ر. القيثارة]، و«المعزفة» في الحجاز وتشبه الهارب[ر]، و«المزهر» وهو عود ذو بطن من الجلد دخل الجزيرة العربية وشاع استعماله في القرن الذي سبق الهجرة النبوية الشريفة، و«الطنبور»، و«الجنك»، و«المربع» أو «القيثارة» وهو آلة وترية ذات صدر مسطح، مربع الشكل.

أطلق العرب على العود أسماء عدة، منها: «بربط» الفارسية التي عرَّبوها حتى غدت من مفرداتهم، و«المزهر» شكل من أشكال العود يصنع صدره من الجلد، و«الموتر» ـ من الوتر ـ ومعناه «آلة من الأوتار» وهو يشبه العود ولكنه أقرب إلى «المزهر» لأن بطنه من الجلد، و«الكران» أو «الكيران» وقد أجمع أهل المعجمات العرب على تسميته بالعود لأنه يصنع من الخشب، وكان العازفون يضربون عليه بالإبهام.

كانت المغنية عزة الميلاء من أشهر العازفات بـ«المعزفة»، ثم تعلمت الغناء والعزف بـ«المزهر». كذلك فعل المغني سائب خاثر الذي استبدل «بالقضيب» العود الفارسي الذي تعلم الضرب عليه من أسير فارسي يدعى نشيطاً، فكان أول من غنى بالمدينة بمرافقة العود.

وفي العهد الأموي مال عرب الحجاز إلى الألحان الفارسية، فقبس العرب كلماتٍ وألفاظ فارسية عدة مثل كلمة «دستان» وجمعها «دساتين» وهي تسمية لمواضع الأصابع على أوتار العود والطنبور. وكلمة «بم» اسم الوتر الأعلى في العود، وكلمة «زير» تعني اسم الوتر الأول من الأسفل، بينما احتفظوا باسم «المثنى والمثلث» اللذين أطلقوهما على الوترين الثاني والثالث ـ من الأعلى إلى الأسفل ـ في العود (بم، مثنى، مثلث، زير).

من الثابت أن ابن سريج هو أول من أخذ عن الفرس عام 648م العود الفارسي، وضرب عليه أنغاماً عربية في مكة المكرمة. وقد ظل هذا العود يحتل مركز الصدارة بين العيدان حتى نهاية القرن الثاني للهجرة/نهاية القرن الثامن الميلادي، إلى أن ابتكر الموسيقي العبقري منصور زلزل ما يعرف بعود «الشبوط».

وفي زمن والي الكوفة بشر بن مروان ظهر نوع من العيدان يتألف من وتري (البم والزير)، وقد استخدم هذا العود للغناء. وشاع استخدامه في الحجاز وبلاد الشام، وعثر الباحثون في قصر الحير الغربي على صور لهذا العود تزين بعض جدران القصر وقاعاته.

وفي عهد هارون الرشيد [ر] (170ـ 193هـ/787ـ 809م)؛ التقى أرباب الموسيقى والغناء، مثل: حكم الوادي، وإبراهيم الموصلي[ر]، وابن جامع، ومنصور زلزل[ر] الذي كان أبرع أهل زمانه في العزف بالعود، وإليه يعود الفضل في صناعة العود الكامل ـ عود الشبوط ـ الذي فاق العود الفارسي جمالاً وصوتاً، وسمي بالشبوط لأنه يشبه في مظهره سمك الشبوط بوسطه العريض، ورأسه الصغير، وملمسه اللين الناعم، وهو لايختلف عن العود الفارسي في عدد أوتاره، وقد احتل هذا العود بسرعة مكانة العود الفارسي الشائع في ذلك العهد. ومنصور زلزل هو الذي علم إسحاق بن إبراهيم الموصلي العزف بالعود حتى بلغ من المهارة حداً جعلت الخليفة «الواثق بالله» (227ـ 232هـ/832 ـ847م) يمنحه لقب أمير العازفين.

وفي عهد هارون الرشيد أيضاً، ظهر زرياب[ر] مولى المهدي العباسي، وكان تلميذاً متفوقاً لإسحاق الموصلي[ر]، وحذا حذو منصور زلزل في تحسين صنع العود فصار وزنه ثلث وزن عود زلزل، ووضع الوترين الأول والثالث ـ من الأعلى إلى الأسفل ـ من مصران بعض الحيوانات  المفترسة كي لاتتأثر بتقلبات الجو وتدوم أكثر من غيرها.

أما الفيلسوف العربي أبو يوسف يعقوب الكندي(ت 062هـ)[ر]، الذي عاصر عدداً من الخلفاء العباسيين، فقد تحدث بإسهاب عن نظريات قدماء اليونانيين والبيزنطيين وشريعة الصابئة التي تتفق كلها على «أن كل كائن أرضي يكون متأثراً بكائن آخر سماوي»، ومن هنا ربط الكندي نغمات السلم السبع بالكواكب السبعة السيارة، والبروج الاثني عشر بملاوي العود، ودساتينه، وأوتاره الأربعة في كل منها، التي تماثل الطبائع الكونية القديمة: الرياح والفصول والأمزجة، والقوى العظيمة، والألوان والعطور، وأرباع دائرة البروج والقمـر والعالم. وهذا المبدأ كان من المعتقدات في الأندلس. والكندي عازف عود، فكر في إضافة الوتر الخامس إلى العود وسماه «الزير الثاني»، غير أن تمسكه بأن كل شيء يخضع للرقم أربعة، جعله يحجم عن ذلك عملياً واكتفى بما توصل إليه نظرياً عن تسويته الخاصة الأوتار، شأنه في ذلك شأن «الفارابي»[ر]، و«ابن سينا»[ر] اللذين جاءا بعده والكندي خص كل وتر بستة أصوات، بما في ذلك الوتر الأول من الأعلى بخلاف ما هو متبع اليوم (قرار النوى). وإذا كان الكندي قد سمى الوتر الخامس بالزير الثاني، فإن الفارابي، سماه (الحاد) تمييزاً له الزير.

واستخدم الشيخ ابن سينا (ت 824هـ) العود ذا الأربعة أوتار في أبحاثه كسلفيه «الكندي»، و«الفارابي» وفكر تفكيرهما في إضافة الوتر الخامس، من أجل الحصول على ديوانين كاملين [ر. الموسيقى العربية]، وأطلق عليه اسم «الحاد» أيضاً، ولكنه لم يطبقه عملياً بسبب المعتقدات السائدة عن علاقة الأوتار الأربعة، بأرباع الفلك والبروج والقمر وطبائع البدن الأربعة (الصفراء، والدم، والسوداء، والبلغم). وبينما كان هؤلاء الفلاسفة يفكرون في إضافة الوتر الخامس، كان زرياب[ر] ـ الذي رحل من بغداد إلى الأندلس زمن الخليفة الأموي عبد الرحمن الثاني (176ـ 238هـ/833 ـ 852م) الذي أكرمه إكراماً عظيماً ـ قد أضاف الوتر الخامس إلى العود، واستبدل بالريشة الخشبية والأخرى الجلدية في الضرب على أوتاره ريشةً صنعها من قوادم النسر. وأعلن أن هذا الوتر بمثابة النفس من الجسد، متمماً بذلك أركان البدن الأربعة. ولم يكتف بذلك، بل قام بصبغ الأوتار بألوان معينة لتمييز بعضها من بعض في طبائع البدن.

في عهد الدولة البويهية (946ـ 1075م) نبغ جماعة من الفلاسفة والموسيقيين النظريين عرفوا باسم «إخوان الصفا»، وقد ورد في كتابهم «رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا» مايأتي: «إن أتم آلة استخرجها الحكماء وأحسنوا صنعها، الآلة المسماة العود. وأهل هذه الصناعة قالوا: ينبغي أن تتخذ الآلة التي تسمى العود، خشباً طوله وعرضه وعمقه يكون على النسبة الشريفة، وهي أن طوله مثل عرضه ومثل نصفه، ويكون عمقه نصف العرض، وعنق العود مثل ربع الطول، فتكون ألواحه رقاقاً متخذة من خشب خفيف، ويكون الوجه رقيقاً من خشب صلب خفيف يطن إذا نقر».

التحق آخر أعلام الموسيقى وعازفي العود صفي الدين بن يوسف بن فاخر الأرموي[ر] بخدمة هولاكو، بعد تدميره بغداد، نهبها وحرقها عام 1258م، وفي زمانه ظل العود ذو الأربعة أوتار يحتل مكانته كما ظل في الأندلس يتمتع بالمكانة نفسها على الرغم من انتشار العود الكامل ذي الأوتار الخمسة وشيوعه. وفي هذه الحقبة وما بعدها ظهرت عيدان ذات حجوم مختلفة وضخمة منها: (الشحرود) وهو عود منحنٍ طوله ضعف طول العود، والقوبوز ذو الخمسة أوتار مزدوجة، وهما عودان تركيان دخلا مصر في زمن الأيوبيين، والأوزان ذو الثلاثة أوتار مزدوجة.

يذكر الموسيقي العربي السوري توفيق الصباغ[ر] أن العرب اتبعوا فيما بعد طريقة الدوزان الفارسي في أواخر القرن الأول للهجرة، وكانوا يضعون على رقبة العود، دساتين لتعيين الدرجة الصوتية في السلم الموسيقي، إلا أنها تغيرت وتبدلت كثيراً فيما بعد حتى وصلوا في النهاية إلى ما عدّوه أكمل سلم عربي في ذلك العهد وهو «سلم السبعة عشر بعداً»، وقد حددت دساتين العود بموجب هذا السلم نحو القرن السابع الهجري، والأبعاد بين هذه الدساتين يختلف بعضها عن بعض، وبعد ذلك ألغيت، وصار العود من الآلات التي لا تحديد فيها لدرجات الأصوات. والعود الشائع اليوم ذو الأحجام الثلاثة: الكبير وهو الأكثر استعمالاً، والمتوسط، والصغير.

نموذج العود السوري

نوذج العود العراقي

انتقلت آلة العود إلى أوربا منذ القرن الثامن الميلادي، عندما جلبها الفتح العربي معه إلى الأندلس، غير أن ذيوعها وانتشارها ظل مقصوراً على الأندلس وما جاورها في شبه الجزيرة الخضراء، حتى هلَّ القرن الثالث عشر، الذي انتشر فيه العود في أوربا كلها من معهد زرياب في قرطبة في الأندلس، حيث كان يُدرِّس هذه الآلة لطلبة أوربيين، ومن صقلية (إيطاليا) التي كانت من فتوحات العرب، ومن الحروب الصليبية التي شاركت فيها كل شعوب أوربا تقريباً.

غدا العود الآلة الرئيسة بين الآلات الموسيقية الأوربية والآلة الأساسية في الفرق الموسيقية، وآلة الصالونات التي قلما خلا منها بيت من البيوت. وقد تطورت هذه الآلة وعرفت عصرها الذهبي منذ القرن السادس عشر، فصنعت إيطاليا وإنكلترا وألمانيا وفرنسا وغيرها أنواعاً مختلفة منها لتلائم أنواع الغناء والطبقات الصوتية الحادة والمنخفضة عند النساء والرجال على حد سواء. وظلت كذلك حتى القرن الثامن عشر حين قضى عليها البيانو[ر] الذي استكملت صناعته وغدا آلةً موسيقية مناسبة أكثر من العود، في الموسيقى الأوربية.

أجزاء العود

تصنع الأعواد بأنواعها الثلاثة من أخشاب منتخبة وجيدة مثل خشب الصاج الهندي والجوز والزان، أو من أخشاب ناعمة مثل خشب التفاح والصنوبر وهي أقل رنيناً من الأخشاب الأخرى. وقد يستخدم فيها خشب الأبنوس وتطعم بالصدف السوري للزينة والعظم للشماسي. وتتكون أحجام العود جميعها، الكبير منها والمتوسط والصغير، من الأجزاء الآتية:

ـ القصعة أو الصندوق أو ظهر العود.

ـ الوجه أو سطح العود.

ـ الشمسية (الشماسي) أو القمرة (القمرات).

ـ المغرس أو المشط.

ـ الرقمة.

ـ الرقبة أو زند العود.

ـ الملاوي أو المفاتيح.

ـ الأنف.

ـ الأوتار، وهي من الأعلى إلى الأسفل: قرار الجهاركاه، عشيران، دوكاه، نوا، كردان.

أما الآلات الموسيقية الوترية التي تُعدّ من فصيلة العود فهي الطنبور التركي والماندولين والنشأة كار والبانجو والبزق وغيرها[ر. الآلات الموسيقية].

زيد الشريف

 الموضوعات ذات الصلة:

الآلات الموسيقية ـ الموسيقى العربية.

 مراجع للاستزادة:

ـ صيانات محمود حمدي، تاريخ آلة العود وصناعته (دار الفكر العربي، القاهرة 1968).

ـ علم الآلات الموسيقية (الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971).

ـ الفارابي، الموسيقي الكبير، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة (1964).

ـ ابن سينا، الشفاء جوامع علم الموسيقى، تحقيق زكريا يوسف (1956).

 


التصنيف : الموسيقى والسينما والمسرح
النوع : موسيقى وسينما ومسرح
المجلد: المجلد الثالث عشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 611
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1097
الكل : 43968169
اليوم : 115579

ديليدا (غراتسـيا-)

ديليدا (غراتزيا -) (1871-1936)   تعد غراتزيا ديليدا  Gratzia Deledda الحائزة على جائزة نوبل للأدب لعام 1926 من أهم الروائيات الإيطاليات، وتنتمي أعمالها إلى المدرسة الطبيعية Naturalism، وقد كتبت أكثر من خمسين رواية. ولدت في نورو Nuoro في جزيرة سردينيا، وكان والدها عمدة القرية ومزارعاً يزرع أرضه بنفسه. عاشت ديليدا في بيئة اجتماعية صاخبة وودية، إذ كان والدها يستضيف الكثير من الزوار في مزرعته، وقد كان لهذه البيئة أكبر الأثر في تعرفها أنماطاً متنوعة من الشخصيات والموضوعات الاجتماعية التي كوّنت فيما بعد نواة لرواياتها.
المزيد »