logo

logo



الآفات المهنية والبيئية

افات مهنيه وبيييه

professional and environmental lesions - lésions professionnelles et environnementales



الآفات المهنية والبيئية

 

محمود باكير

تغبرات الرئة (السحار) :Pneumoconiosis

الأمراض الرئوية الناجمة عن الأغبرة العضوية

تغبرات الرئتين بالأغبرة اللاعضوية

تغبرات الرئتين بالأغبرة العضوية lung diseases due to organic dusts

 

 

 

تتعرض الرئة لدخول أنواع مختلفة من الأغبرة بسبب البيئة أو المهنة تؤدي إلى إصابتها بآفة تسمى تغبر الرئة أو السحار. بعض هذه الأغبرة عضوية وبعضها لاعضوي، والنوع الثاني أكبر شأناً.

أولاً- الأمراض الرئوية الناجمة عن الأغبرة اللاعضوية:lung diseases due to inorganic dusts

تغبرات الرئة (السحار) :Pneumoconiosis

تغبرات الرئة أو السحار الرئوي: آفة رئوية مزمنة تنجم عن استنشاق الغبار اللاعضوي بالتعرض المهني أو البيئي المديد له وتؤدي إلى تليف رئوي مكتسب. ومع التقدم الكبير في مجالات الطب الوقائي، والوعي العمالي لمخاطر التعرض للأغبرة المهنية الضارة مازال الملايين من البشر في العالم اليوم يتعرضون للتلوث البيئي والمهني على نحو يكفي لتطور داء تنفسي خطر في أعداد كبيرة منهم. ولسوء الحظ أن الأعراض المرضية لداء التغبر (السحار) الرئوي لا تظهر مباشرة بل قد تشاهد بعد أعوام عديدة من التعرض المديد للغبار اللاعضوي وبعد عدة سنوات من ترك العمل، إذ تنسب الأعراض غالباً للتعرض للغبار في الماضي البعيد حينما لم تكن أساليب الوقاية متبعة لحماية العمال من التعرض. وتستمر الإصابة بالترقي والتطور في السنوات اللاحقة بالرغم من الابتعاد منذ أعوام عديدة عن استنشاق الغبار. وتنجم الآفة الرئوية عن التعرض للغبار القابل للاستنشاق والوصول إلى الأسناخ (قطر الذرات 0.5- 6 ميكرون) حيث تبتلعها البالعات السنخية macrophages وهي ذات سمية عالية للخلايا تسبب هلاكها مع طرح مجموعة من الإنزيمات الحالة والسامة للخلايا فتسبب أذية المتن الرئوي وتليفه. ويعتمد التأثير المليف للغبار المستنشق على العوامل التالية:

- الخواص الكيميائية للغبار: (حموضة، قلوية، خواص مستضدية).

- الخواص الفيزيائية للغبار: (حجم الغبار وكثافته وشكله، والفعالية الإشعاعية).

 - تركيز المادة في الهواء المستنشق ومدة التعرض اللذان يحددان كمية الغبار المستنشقة التي تصل إلى الأسناخ.

- الاستعداد الشخصي وعوامل الدفاع الذاتي التي تمنع وصول الأغبرة للأسناخ وبعضها يزيل الأغبرة، ويعتمد هذا بالدرجة الأولى على الغشاء المخاطي وتواتر التنظيف الهدبي في الطرق التنفسية. كما أن للبالعات السنخية شأناً مهماً في التخلص من الغبار المتوضع في المتن الرئوي إذ تحمله إلى القصيبات الانتهائية ليلتقطه الجهاز الهدبي المخاطي أو يهاجر عبر الخلال الرئوي نحو العقد اللمفاوية. وللتدخين شأن كبير في إضعاف حركة الأهداب وعملية التنظيف الهدبي للجهاز التنفسي.

تصنيف الأمراض الناجمة عن الأغبرة اللاعضوية:

1- تغبرات الرئة المليفة :Fibrogenic dust diseases

أ- الأسبستوز أو داء التغبر بالأسبست (الأميانت) asbestosis.

ب- السحار السيليسي silicosis .

ج- السحار الفحمي anthracosis أو تغبر رئات عمال الفحم.

د- داء البريليوم berylliosis.

2- تغبرات الرئة الحميدة اللا مليفة: وهي أغبرة خاملة تسبب سحارات حميدة من دون تليف، وتتميز بأن التبدلات الشعاعية في الرئتين لا ترافق أعراضاً سريرية أو آفة وظيفية. وأهم الأغبرة المعدنية المسببة لهذه السحارات: السحار الحديدي siderosis والسحار الباريتي baritosis والسحار القصديري stannosis.

الشكل (1)

ثانياً- الأمراض الرئوية الناجمة عن الأغبرة العضوية:

- التهاب الأسناخ التحسسي خارجي المنشأ extrinsic allergic alveolitis.

- رئة المزارع والسحار القُطْني.

أولاً- تغبرات الرئتين بالأغبرة اللاعضوية:

1- أمراض الغبار المليفة:

أ- داء الأسبست (الأسبستوز) Asbestosis:

غبار الأسبست (الأميانت) هو سيليكات معدنية ليفية تدخل في صناعات متعددة تقدر بثلاثة آلاف مهنة تستخدم فيها ألياف الأسبست. وهناك أنواع متعددة للأسبست أهمها الأسبست الأبيض والأسبست الأزرق والرمادي والأمفبول Amphibole.

يعود الانتشار الواسع لاستخدام ألياف الأسبست في الصناعة لخواصها المهمة فهي: عازل حراري جيد غير قابل للاحتراق، وتتحمل الشد والاحتكاك مما دعا الصناعيين إلى تسمية الأسبست بالحرير الصخري.

وأهم الصناعات التي تستخدم ألياف الأسبست هي:

- صناعة العوازل الحرارية في المكاوي وأنظمة الأمان العازلة والمراجل.

- صناعة السيارات ضمن مواد الاحتكاك كمبطنات المكابح ومبدل السرعة (الدبرياج).

- في البناء: صناعة الأسمنت والقرميد وتبطين المداخن والتمديدات الصحية.

- في بناء السفن:  يستخدم عازلاً لجدران السفن.

وتشير التقديرات الحديثة إلى أن نحو 2.3 مليون عامل في الولايات المتحدة يتعرضون لغبار الأسبست، ويقدر أن 5% فقط منهم يصابون بآفة تنفسية ناجمة عن هذا التعرض. ويرتبط تطور الداء وأشكال الإصابة المختلفة في الجهاز التنفسي ارتباطاً مباشراً بمدة التعرض لغبار الأسبست وشدته، وتظهر أعراض المرض بعد تعرض مديد لأكثر من 10-20سنة وبعد مدة طويلة من ترك العمل قد تبلغ العشرين سنة أحياناً.

ولا تقتصر الإصابة بالمرض على الأشخاص الذين يتعاملون مباشرة مع الغبارالمسبب للأسبستوز، فقد سجلت إصابات زوجات العاملين - في تحضير ألياف الأسبست وتصنيعه - اللواتي يلتقطن ثياب أزواجهن الملوثة بغبار الأسبست لغسلها، كما لوحظت حالات من ورم المتوسطة mesothelioma الجنبية في جيران مصنع يستخدم مادة الأسبست بالصناعة في لندن.

تشير الدراسات إلى أن بلعمة ألياف الأسبست من قبل البالعات السنخية تؤدي إلى تكوين أكاسيد سامة تخرب الأغشية الخلوية للبالعات وتتحرر منها مجموعة من الإنزيمات الحالة التي تسبب آفة في المتن الرئوي مع ترقي التليف السنخي الخلالي في الرئتين؛ مما يقود لنقص الحجوم الرئوية ونقص المطاوعة الرئوية (آفة حاصرة) مع اضطراب التبادل الغازي.

والأمراض الصدرية التالية تتعلق باستنشاق غبار الأسبست:

الشكل (2)

1) التليف الرئوي الجسيم المترقي progressive massive fibrosis: في المراحل المبكرة من داء الأسبست يشكو المريض تدريجياً ضيق نفس جهدي مترقٍّ مع نقص تحمل الجهد المعتاد. وليس شائعاً وجود أعراض تنفسية أخرى كالسعال والقشع عند غير المدخنين. ويعتمد التشخيص الشعاعي للتغبر بالأسبست في هذه المرحلة على وجود كثافات عقيدية مع ارتشاحات خطية غير منتظمة تشاهد في البداية في الساحات الرئوية السفلية ثم تنتشر للساحات الوسطى والعلوية مع ترقي المرض، ويكون التليف المتني مترقياً في نحو 12-15% من الأشخاص فيشاهد منظر الزجاج المغشى شعاعياً، ومع ترقي التليف في الساحتين الرئويتين يشاهد منظر عش النحل بشكل ارتشاحات عقيدية مع فراغات هوائية، ويشيع تعجر الأصابع clubbing الذي يشاهد في 40% من الحالات، وفي مراحل متأخرة من التليف الرئوي يمكن مشاهدة الزرقة وعلامات القلب الرئوي. ويعتمد التشخيص على قصة تعرض مهني للأسبست طويلة الأمد. ويفيد إجراء التصوير المقطعي المحوري المليمتري (عالي الحساسية) في التشخيص وكذلك الخزعة الرئوية والفحص التشريحي المرضي.

الشكل (3)

أ - تغير رئة بسيط

ب - السحار الاسبستي

2) سرطان الرئة: تشير الدراسات إلى أن هناك زمناً يراوح بين 15-19 سنة على الأقل بين التعرض المديد للأسبست وحدوث الورم الرئوي، ويزداد خطر الأهبة لتطور ورم رئوي في المدخنين من العمال المعرضين لغبار الأسبست. وأكثر أنواع الأورام مشاهدة في مرضى داء الأسبست هي الورم حرشفي الخلايا والسرطانة الغدية.

ويميل السرطان حرشفي الخلايا للنشوء على القصبات المركزية وللنمو داخل اللمعة؛ ولذلك فهو أكثر عرضة للكشف المبكر مقارنة ببقية الأنماط ويميل للانتقال إلى العقد اللمفية الناحية، أما السرطانة الغدية فتظهر عادة في محيط الرئة لذلك يصعب كشفها باكراً وقد تنتقل لأعضاء بعيدة. وتعتمد الصورة السريرية للسرطان البدئي على مكان توضعه وانتقالاته.

الشكل (4) تكلس جنبي يظهر بالتصوير الطبقي المحوري

ويكون نحو 10- 25% من المرضى حين كشف السرطانة الرئوية فيهم لاعرضيين، ويشير ظهور الأعراض إلى إصابة سرطانية متقدمة. وتشمل الأعراض السعال ونقص الوزن، والألم الصدري، وضيق النفس ونفث الدم وهي شكاوى غير نوعية. إلا أن ما يوجه نحو السرطان قصبي المنشأ هو تغير نمط السعال، أو وجود قشع مع نفث دموي، أو نقص وزن أو بحة صوت وتكون الموجودات الفيزيائية متنوعة، وقد تغيب بمجملها.

وتؤدي الأورام المركزية السادة لقصبة قطعة أو فص إلى انخماصه، أما الأورام المحيطة فقد لا تؤدي إلى أي اضطراب أو علامات في الفحص الفيزيائي. وقد يسبب انتشار الورم إلى سطح الجنب انصباباً جنبياً مع ما يرافقه من علامات فيزيائية لمتلازمة الانصباب، وقد تشاهد ضخامة العقد اللمفاوية، وتعجر الأصابع.

ويفيد في التشخيص التصوير المقطعي المحوسب، وإجراء تنظير القصبات مع أخذ خزعات من الورم للفحص النسيجي، وغسالة قصبات لتحري الخلايا الشاذة. أما تدبير الأورام فيعتمد على النوع النسيجي للورم ودرجة انتشاره.

3) ورم المتوسطة (الميزوتيليوما Mesothelioma) الجنبية والصفاقية: هي أورام أولية تنشأ على السطوح المتوسطة المبطنة لوريقات الجنب في 80% من الحالات أو على الصفاق في 20%، وثلاثة أرباع أورام المتوسطة الجنبية تكون خبيثة ومنتشرة في حين يبقى ربع الحالات سليماً.

وتشير الدراسات العديدة إلى أن 80% من حالات ورم المتوسطة ناجمة عن التعرض لغبار الأسبست. وتزيد الفترة الزمنية الفاصلة بين التعرض وبدء ظهور الأعراض على 20 سنة. ويمكن أن تكون مدة التعرض لغبار الأسبست قصيرة (1-2) سنة. ويسبب الورم ألماً  بجدار الصدر، ويرافق انصباباً جنبياً يكون نتحياً مدمى ولزجاً بسبب وجود تركيز عالٍ من الحمض الهيالوروني فيه. وتتميز انصبابات الجنب في هذه الآفة بعدم مشاهدة انحراف المنصف نحو الجهة السليمة لأن الانصبابات محجبة غالباً. وتكون الموجودات الفيزيائية غير نوعية وتشمل علامات متلازمة الانصباب مع تعجر الأصابع في 40% من الحالات.

الموجودات الشعاعية: تتألف من علامات ثخن جنبي وحيد الجانب غير منتظم عقيدي مع درجات متفاوتة من الانصباب الجنبي.

خزعة الجنب المفتوحة ضرورية للحصول على عينة مناسبة للتشخيص النسيجي، وعلى الرغم من  صعوبة التفريق بوساطتها بين الآفة الخبيثة والحميدة فإن إجراءها أمر أساسي لمراقبة ترقي الآفة.

ولا يفيد تنظير القصبات ودراسة القشع الخلوية وتحري الخلايا الشاذة في الغسالة القصبية إلا أن إجراءها مفيد في نفي سرطان الرئة البدئي.

ينمو ورم المتوسطة الجنبي الخبيث بسرعة وينتشر إلى التامور والمنصف والجنب في الجهة المقابلة وقد يمتد إلى الأعضاء خارج الصدر والعقد البطنية. ويبلغ المعدل الوسطي للبقيا منذ بدء ظهور الأعراض 8-14 شهراً. وقد جربت المعالجة الشعاعية والجراحية والكيميائية أو المشتركة وجميعها على العموم غير ناجحة.

4) انصباب الجنب بالأسبست: يحدث انصباب الجنب النضحي في أقل من 3% من الأشخاص المعرضين للأسبست بعد التعرض مدة (5-20) سنة. وتزول الانصبابات عادة بعد عدة أشهر إلا أن الانصباب يتطور لتليف جنبي في 20% من الحالات. ويصاب قليل من المرضى بورم المتوسطة الخبيثة بعد عدة سنوات.

الشكل (5) تكلس جنبي واسع تالٍ لتعرض المديد للإسبست

5) تليف الجنب بالأسبست : Pleural Fibrosis أكثر أسباب الآفة الرئوية هي التليفات واللويحات الجنبية إذ يؤدي التليف المنتشر في الجنب أو ترقي الصفيحات الجنبية المتكلسة والتسمك الجنبي إلى آفة رئوية حاصرة ودائمة.

يعتمد التشخيص على قصة التعرض المهني والأعراض السريرية والصور الشعاعية وإجراء وظائف الرئتين.

 الوقاية والعلاج: تكون الوقاية في مكان العمل باستخدام المرشحات وماصات الغبار للحد من التعرض، وبمنع التدخين لأنه يضاعف من احتمالات الإصابة بالتنشؤات الرئوية.

كما يجب معالجة الإصابات التنفسية باكراً وتلقيح العمال المعرضين لغبار الأسبست والمكورات الرئوية باللقاحات ضد الأنفلونزا للحد من تطور الأذيات الرئوية والقصورات التنفسية.

يتضمن الفحص الدوري لتقويم حالة المرضى المؤهبين إجراء صورة صدر دورية واختبار وظائف الرئتين للكشف المبكر عن السرطانات.

كما يجب إجراء تقويم كامل لكل مريض يعاني تغيّرَ صفات السعال أو نفث دم أو مشاهدة أي تغيرات شعاعية في أثناء الفحوص الدورية.

ب- السحار السيليسي :Silicosis

هو تغبر رئة مليف ينجم عن استنشاق غبار ثاني أكسيد السيليكون SiO2 أو الكوارتز البلوري، ويتميز بتليف رئوي عقيدي مترقٍّ يتوضع على الأغلب في الفصوص العلوية للرئتين.

ويقدر عدد العمال المعرضين لغبار السيليكات في الولايات المتحـدة الأمريكية بنحو مليوني عامل. وأهم المهن التي يتعرض العاملون بها لغبار السيليكات هي:

- صناعة التعدين وسباكة المعادن (الحديد والرصاص والنحاس والفولاذ والذهب والقصدير وغيرها).

 - صناعة الفخار والسيراميك.

 - رصف الحجارة الرملية والغرانيت.

- العمل في مقالع الحجارة وشق الأنفاق عبر الصخور المحتوية الكوارتز.

- تصنيع الصوابين المنظفة الكاشطة وشحذ المعادن.

وتوجد السيليكات على نحو أقل في بعض الأتربة كتراب الكاولين (الغضار)، والميكا (مادة شبه زجاجية) وهلام السيلكا وأغبرة الأسمنت وكذلك أغبرة الطلق التجاري (Talc) الذي يستعمله عمال المطاط مزلقاً في قوالب العجلات ويرتبط حدوث التليف الرئوي في العمال المعرضين بنسبة محتوى السيليكات الحر في هذه الأغبرة وكثافة الغبار في الهواء المستنشق.

الفيزيولوجيا المرضية والتشريح المرضي: حين استنشاق أغبرة السيليكات الحرة القابلة للاستنشاق والتي قطرها أقل من 6 ميكرونات تبتلعها البالعات السنخية، وهي أغبرة مسممة للخلايا البالعة تؤدي إلى موتها محررة إنزيمات سامة للخلايا الرئوية، فتحدث تليفاً بالمتن الرئوي، وتحرر جزيئات السيليكات لتلتقطها بالعات جديدة حية وبنتيجة ذلك تتشكل عقيدات سيليسية هيالينية منفصلة يلتحم بعضها ببعض مشكلة عقيدات أكبر حجماً مع انكماش الأقسام العلوية للرئتين وتخربها ونفاخ قاعدي معاوض. وقد يشاهد تفاعل خلالي منتشر وامتلاء الأفضية السنخية بمادة بروتينية مائية مشابهة لتلك الموجودة في داء البروتينوز السنخي alveolar proteinosis.

الأعراض والعلامات السريرية: تظهر الأعراض السريرية والشعاعية بعد التعرض الطويل الأمد (15-20 سنة) لغبار السيليكات وتترقى الآفة رغم ترك العمل. وشوهد تطور حالات السحار السيليسي الحاد في بعض العمال نتيجة تعرضهم لفترة قصيرة (10أشهر)، ويمكن أن يكون الداء قاتلاً بسرعة في أقل من سنتين رغم إخراج العامل من بيئة التعرض. يتميز السحار السيليسي في المراحل المبكرة بقلة الأعراض التنفسية إذ قد يعاني المريض من سعال وقشع يعزى لالتهاب قصبات صناعي المنشأ مع مشاهدة عقيدات تليفية في الأقسام العلوية للرئتين يصعب تمييزها من عقيدات رئات عمال الفحم تؤدي إلى انخفاض قيم حجوم الوظائف الرئوية وتدعى هذه المرحلة بالسيليكوز العقيدي البسيط simple nodular silicosis. ومع ترقي الآفة يشكو المريض من سعال وضيق نفس ترتبط شدته بحجم العقيدات المتراكمة، وتبدي الصورة الشعاعية عقيدات صغيرة في الفصوص العلوية بقطر أكثر من 1سم تميل للاندماج مشكّلة كتلاً كبيرة تميز التليف الجسيم المترقي progressive massive fibrosis مع انسحاب واعتلال العقد السرية التي يمكن أن تتكلس في نحو 20% من الحالات فيصبح لها منظر نموذج قشرة البيضة المميز، وقد تسبق هذه التبدلات أو تترافق وارتشاحات شبكية عقيدية غير منتظمة. ويفيد التصوير المقطعي المحوسب في كشف العقيدات المتوضعة على الوجه الخلفي للفصوص العلوية.

وتشير الدراسات إلى أن خطورة الإصابة بالتدرن tuberculosis وعدوى المتفطرات اللانموذجية atypical mycobacterial infections في الأشخاص الذين تعرضوا مهنياً للسيليكات تفوق ثلاثة أضعاف الخطورة في غير المتعرضين لها. ومع كثرة غبار السيليكات في الرئتين يزداد خطر مرافقة التدرن لتلك التغيرات إذ يحدث في المصابين ما يدعى بالتدرن السيليكوزي silicotuberculosis. ويشبه التدرن السيليكوز المتراكم شعاعياً ويميز بينهما بفحص القشع وزرعه لتحري عصية كوخ.

التشخيص والتشخيص التفريقي: يتم تشخيص داء السيليكوز بقصة التعرض للسيليكات مع وجود التبدلات الشعاعية المذكورة آنفاً ولاسيما وجود تكلسات بشكل قشرة البيضة في العقد السرية والمنصفية ويجب إجراء التشخيص التفريقي بينه وبين الحالات المشابهة للسحار السيليسي العقدي البسيط وهي:

1) التدرن الدخني.

2) الهيموسيدروز Hemosiderosis، نتيجة تراكم الحديد للمعرضين لغباره.

3) الساركوئيد.

4) تغبر الرئة لدى عمال الفحم.

المعالجة: لا توجد معالجة نوعية فعالة، وتكون المعالجة عرضية، ويجب معالجة التدرن الفعال على الفور حين تشخيصه. يقترح بعض المؤلفين إعطاء الأيزونيازيد وقائياً مدة سنة للمرضى الذين يعانون من السيليكوز وتفاعل السلين tuberculin  فيهم إيجابي.

الشكل (6) تغير رئة مركب. كتل ليفية كبيرة غير منتظمة الشكل تظهر بصورة رئيسية في كلتا المنطقتين السفليتيين، والفص العلوي المتوسط بالجهة اليمنى. ويمكن أن تحدث مناظر مشابهة في السحار السيليكي المركب

ج- تغبر الرئتين في عمال الفحم :carbon worker pneumoconiosis

ويدعى داء الرئة السوداء black lung disease أو تغبر الرئة في عمال مناجم الفحم أو السحار الفحمي anthracosis، ويصيب التغبر بالفحم نحو 12% من العاملين في مناجم الفحم الحجري ونحو 15% من العاملين في فحم الأنتراسيت بعد التعرض المديد (10-20) سنة. وتقل نسبة انتشار المرض في عمال تعدين الفحم الزفتي. وتشير الدراسات في بريطانيا وألمانيا إلى أن الأهبة للإصابة بالتغبر بالفحم تتعلق بكثافة غبار الفحم ومحتواه من غبار سيليكات الكوارتز، فإذا احتوى الغبار أكثر من 10% من الكوارتز فإنه يتطور إلى تغبر رئوي بعنصر الفحم المشابه للسيليكوز. يتصف داء تغبر الرئتين بالفحم بتوضع غبار الفحم توضعاً عقيدياً منتشراً حول القصبات في الرئتين وبحدوث تمدد خفيف يعرف بالنفاخ البؤري لا يمتد للأسناخ ولا يسبب آفة سادة في المراحل المبكرة، وقلما يسبب التعرض لغبار الفحم تشوهاً في بنية الرئة وآفة خطرة في وظيفتها.

وهناك شكلان أساسيان للإصابة بالسحار الفحمي:

1) السحار الفحمي البسيط simple anthracosis.

2) الشكل المختلط complicate الذي يدعى بالتليف الجسيم المترقي progressive massive fibrosis.

في الشكل البسيط من السحار الفحمي تكون الأعراض السريرية قليلة عادة، فالسعال والقشع إذا حدثا فبسبب الالتهاب القصبي المهني ونادراً ما يرافق التغبرَ البسيط اضطراباتٌ في وظيفة الرئتين أو أعراض تنفسية صريحة بالرغم من مشاهدة تبدلات ارتشاحية شبكية غير منتظمة على صورة الصدر (نموذج شبكي)، وقد تترافق ببعض الارتشاحات العقدية (بحجم 1-5 ملم) تتوضع في النصف العلوي للساحتين الرئويتين.

وعلى النقيض من مرضى السحار السيليسي فإن نسبة قليلة فقط (5-15%) من العمال المصابين بالسحار الفحمي البسيط يتطور لديهم إلى الشكل المختلط الذي يتميز بوجود كثافات متنية دائرية عقيدية قطرها أكبر من10ملم وهذا الشكل يدعى بالتليف الجسيم المترقي. وآلية حدوثه غير مفهومة على نحو كامل، ويعزوها بعض الباحثين إلى وجود كثافة عالية من السيليكات الحرة في غبار الفحم مع مدة تعرض طويلة.

يتظاهر التغبر بالفحم المختلط بالسيليكات بحدوث عقيدات دائرية تراوح أقطارها بين 10ملم وحجم كامل الفص تتوضع في النصف العلوي للرئتين، ويترافق هذا الشكل من التليف الرئوي الجسيم المترقي بنفاخ الرئة. كما يغزو التليف الجسيم المترقي السرير الوعائي والطرق الهوائية ويخربها، وقد يكون تطوره سريعاً كما في متلازمة كابلان Caplan’s syndrome.

التشخيص: يعتمد على قصة تعرض طويلة الأمد لغبار الفحم (أكثر من 10سنوات) وعلى النموذج المميز على صورة الصدر، وتتألف الشذوذات الشعاعية الباكرة من ارتشاحات شبكية عقيدية غير منتظمة. ويؤدي التعرض المديد إلى ظهور ارتشاحات عقيدية منتظمة دائرية بقطر 1-5 ملم، ولا يشاهد التكلس في العقيدات إلا في حالات قليلة، أما التغبر المختلط أو التليف الجسيم المترقي فتكشف فيه عقيدات كبيرة أكبر من 10ملم مع نفاخ رئوي وتناقص سرعة الانتشار وحدوث قلب رئوي مع وفيات باكرة.

الوقاية والمعالجة: يجب تجنب التعرض لغبار الفحم بزيادة فعالية ماصات الغبار، والوقاية من ترقي التليف الجسيم في المصابين بالأشكال المبكرة من السحار الفحمي البسيط وذلك بوقف تعرضهم لغبار الفحم. ولا توجد معالجة نوعية،إنما تعالج الحالة معالجة عرضية ملطفة.

د- داء البريليوم (السحار بالبريليوم):

الشكل (7) تليف كتلي مترقٍ في متلازمة كابلان: ثمة تشكل نسج ليفية بشكل مترقٍ حيث تشكل كتلاً كبيرة كما هو مشاهد في كلتا المنطقتين المتوسطتين. لقد أدى التنخر المركزي إلى تشكل جوف مملوء بالسائل في الرئة اليمنى، وربما انفرغت المادة المتنخرة عن طريق السعال.

مرض حبيبومي يتظاهر في الرئة إما بشكل التهاب رئة حاد وإما بشكل التهاب رئة خلالي مزمن وهو الأكثر شيوعاً، وينجم عن استنشاق الغبار أو الدخان الحاوي مركبات البريليوم ومشتقاته. ويتميز السحار بالبريليوم من بقية التغبرات الرئوية بأنه قد يحدث بعد تعرض قصير الأمد نسبياً مع تأخر بداية ظهور المرض إلى ما بعد 10 سنوات، وقد سجلت حوادث لإصابة أشخاص يعيشون قرب معامل تكرير البريليوم.

يشيع التعرض للبريليوم في صناعات عديدة تشمل إخراجه وتصنيعه، أهمها:

الصناعات الإلكترونية، والأدوات الكيميائية، وصناعة المصابيح التألقية fluorescent، ويشيع استخدامه في صناعة الطائرات والصناعات الفضائية.

الفيزيولوجيا المرضية: تقلد الأعراض في داء البريليوم الحاد التهاب الرئة الكيميائي وقد يترافق وإصابة أنسجة أخرى كالجلد والملتحمة. ويتميز تشريحياً بارتشاحات التهابية منتشرة في المتن الرئوي مع وذمة غير نوعية داخل الأسناخ وقد تتشكل حبيبومات مبكرة. في حين يترافق داء البريليوم المزمن بتفاعل حبيبومي منتشر في الرئة والعقد اللمفية السرية مشابه للنموذج المشاهد في الساركوئيد.

تتظاهرالأعراض السريرية في الشكل الحاد من داء البريليوم بشكوى المريض من ضيق النفس مع السعال ونقص الوزن، وتظهر صورة الصدر الشعاعية تكثفات سنخية منتشرة في الرئتين، وقد يكون الشكل الحاد مميتاً، لكن إنذار المرضى الناجين جيد.

يؤدي الشكل المزمن من داء البريليوم إلى ضيق نفس تدريجي ومترقٍّ مع سعال وألم صدري ووهن عام ونقص وزن. وتبدي صورة الصدر الشعاعية ارتشاحات منتشرة تترافق واعتلال عقد لمفية سرية مشابهة للساركوئيد.

ويؤدي الشكل المزمن إلى نقص الوظيفة التنفسية نقصاً مترقياً ينتهي بحدوث القلب الرئوي والوفاة.

التشخيص: يعتمد على قصة تعرض لغبار البريليوم مع التظاهرات السريرية المذكورة.

المعالجة: يعالج الشكل الحاد من داء البريليوم معالجة عرضية وقد تصبح التهوية الآلية ضرورية في الحالات الشديدة. وتؤدي المعالجة المبكرة إلى أن تجعل التظاهرات قصيرة الأمد وعكوسة ويكون الإنذار في المرضى الناجين جيد.

جربت الستيروئيدات القشرية في معالجة داء البريليوم المزمن لكن الاستجابة كانت غير مرضية، كما أن زرع الرئتين يمكن أن يوضع بالاعتبار في حالات منتقاة من الأشكال المزمنة الشديدة.

2- تغبرات الرئة الحميدة بالأغبرة اللاعضوية الأخرى:

قد تؤثر أغبرة خاملة عديدة تأثيراً مباشراً وموضعياً فتخرش الأغشية المخاطية للعيون والممرات الأنفية والأغشية المخاطية الأخرى. وإذا اخترقت هذه الأغبرة السبل الهوائية نحو الأسناخ فإنها لا تؤثر في البناء الهندسي للقصيبات الانتهائية ولا تخرب الكولاجين. وتكون تأثيراتها عكوسة. وهي لا تسبب آفة وظيفية في الرئتين ما لم يوجد في الوقت نفسه مرض آخر فيهما. وإذا تجمعت هذه الأغبرة أدَّت إلى مناظر شعاعية مميزة للتغبرات من دون وجود علامات خلل في الوظائف الرئوية إلا أنها تترافق بفرط إفراز مخاطي مزمن (التهاب قصبات مزمن) وأهم الأغبرة اللاعضوية:

أ- السحار الحديدي: حين التعرض لأغبرة الحديد وأكسيدات الحديد في أثناء اللحام للتثبيت.

ب- السحار القصديري: حين التعرض لأغبرة أكسيد القصدير المستخدم في تثبيت الألوان وتصنيع البورسلان والزجاج والقماش.

ج- السحار الباريتي Baritosis: في التعرض لغبار سلفات الباريوم المستخدمة في تحفيز التفاعلات العضوية والمساري الإلكترونية.

وتؤدي الأغبرة المعدنية الأخرى إلى مناظر شعاعية مشابهة وتتضمن أملاح الأنتيموان (يستخدم في مدخرات «بطاريات» الخزن وسبائك اللحام والسيراميك والزجاج واللدائن)، والزرنيخ (في تصنيع الأصبغة والزجاج وخلط المعادن والمبيدات الحشرية)، وغيرها من الأغبرة الأقل أهمية في السريريات.

ثانياً- تغبرات الرئتين بالأغبرة العضوية lung diseases due to organic dusts

1- الأمراض الرئوية الخلالية الناجمة عن التعرض للأغبرة العضوية:

قد يسبب عدد كبير من العوامل العضوية اضطرابات تنفسية. وينجم المرض عن استجابة مناعية موضعية لبروتينات حيوانية (مثل مرض رئة مربي الطيور)، أو مستضدات فطرية في الخضراوات المتعفنة (رئة المزارع). يدعى التظاهر المرضي الأكثر شيوعاً للتعرض للغبار العضوي التهاب الأسناخ التحسسي خارجي المنشأ أو التهاب الرئة بفرط الحساسية.

2- السحار القطني Byssinosis  

تتظاهر الآفة البدئية الناجمة عن استنشاق غبار القطن بالتهاب قصيبات حاد مترافق بأعراض وعلامات انسداد طرق هوائية معمم يشابه ما يحدث في الربو. وتميل الأعراض بداية للتكرر بعد انقضاء عطلة نهاية الأسبوع (دعيت في أوربا حمى يوم الاثنين)، وتصبح في نهاية الأمر دائمة ومستمرة، ولا يوجد عادةً شذوذ شعاعي. يحدث الشفاء بعد استبعاد مصادر التعرض لغبارالقطن، وتجدر الإشارة إلى أن معدل حدوث السحار القطني أكبر في المدخنين مما هو في غير المدخنين.

 

 




التصنيف : جهاز التنفس
النوع : جهاز التنفس
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 192
مستقل

آخر أخبار هيئة الموسوعة العربية:

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 4
الكل : 3583840
اليوم : 93