logo

logo



فقر الدم في الأطفال

فقر دم في اطفال

anemia in children - anémie chez les enfants



فقر الدم في الأطفال

إياد طرفة

اللطاخة المحيطية

فقر الدم صغير الكريات

فقر الدم سوي الكريات

فقر الدم اللاتنسجي الخلقي المزمن

فقر الدم كبير الكريات أو العرطل 

 

 

فقر الدم anemia  هو هبوط عدد الكريات الحمر أو قيمة الخضاب أو كليهما معاً عن الحد الأدنى السوي نسبة إلى العمر. ويبين الجدول (1) قيم الخضاب السوية في الأعمار المختلفة.

العمر/الجنس

قيمة الخضاب مقدرة بـ غ/دل

اليوم الأول من الحياة

< 14.5 غ/دل

6 شهور حتى 5 سنوات

< 11غ/دل

6 سنوات حتى 14 سنة

< 12 غ/دل

البالغون الذكور

< 13غ/دل

البالغات الإناث (غير الحوامل)

<12غ/دل

البالغات الإناث (الحوامل)

< 11غ/دل

الجدول (1) الحدود الدنيا الطبيعية لقيم الخضاب لدى القاطنين بمستوى سطح البحر

 

السببيات والإمراض:

تقسم أسباب فقر الدم إلى ثلاث آليات مرضية:

1- نقص إنتاج الكريات الحمر من النقي.

2- ضياع الدم.

3- الانحلال.

ينجم نقص الإنتاج إما عن اضطراب في الإنتاج - وهو إما أولي كقصور النقي (فقر دم لا مصنع) وإما ثانوي لآفة شاغلة للنقي مثل الابيضاض - وإما عن اضطراب في نضح الكريات الحمر ضمن النقي مثل عوز الحديد أو عوز الڤيتامين B12.

وضياع الدم أهم أسبابه النزوف، ويكون سببه أحياناً سوء توزع الدم ضمن العضوية.

أما الانحلالات فتقسم إلى: أدواء تصيب الكريات الحمر سواء على مستوى الغشاء (تكور الكريات مثلاً) أم الخضاب (الشذوذات الخضابية) أم إنزيمات الكريات الحمر (عوز G6PD)، أو أدواء بيئية بسبب الاضطرابات التي تصيب المحيط الذي تعيش فيه الكريات الحمر (متلازمة الانحلال الدموي اليوريميائي HUS ومتلازمة التخثر المنتشر داخل الأوعية DIC)، أو الاضطرابات المناعية التي تؤدي إلى أذية هذه الكريات. 

السريريات:

يشعر المريض بالوهن والتعب ويظهر عليه الشحوب، وتتعلق الأعراض والعلامات بشدة فقر الدم من جهة وبسرعة حدوثه من جهة أخرى .

يضاف إلى هذا الأعراض والعلامات اللانوعية مثل: الصداع ونقص الشهية، وقد تحدث آلام عظمية ولاسيما إذا زاد إنتاج الكريات الحمر زيادة شديدة. ويبدو تسرع القلب الجهدي والزلة حين يهبط الخضاب إلى ما دون 7 غ/دل، في حين تظهر الزلة وتسرع القلب بالراحة حين هبوط الخضاب إلى 4.3 غ/دل.

التشخيص:

يحتل الاستجواب المرتبة الأولى ويجب أن يكون دقيقاً ومفصلاً من حيث بدء الأعراض وشكلها وتوقيتها وتطورها، والمنشأ، والقصة العائلية والتغذية والأعراض الأخرى المرافقة. كذلك الفحص السريري يجب أن يكون دقيقاً لكشف شحوب الجلد (راحة اليد) والأغشية المخاطية (الملتحمة الجفنية)… وغيرها، والتفتيش عن الضخامة الحشوية/العقدية، والمظاهر النزفية المرافقة، واللون اليرقاني، إضافة إلى فحص القلب الدقيق والمنعكسات لمعرفة وجود فشل نمو مرافق، والتشوهات الهيكلية وغيرها.

إضافة إلى ذلك لابد من إجراء تعداد دم محيطي كامل وتعداد الكريات الحمر والخضاب والشبكيات ومناسبها وتعداد الكريات البيض والصيغة والصفيحات؛ لمعرفة ما إذا كانت الآفة تنال الكريات الحمر فقط أم أنها تنال بقية عناصر الدم، ولذلك أهمية كبيرة في التوجه الصحيح نحو التشخيص، ولا يجوز الاقتصار على معايرة الخضاب وحده أو تعداد الكريات الحمر فقط. 

ولدراسة اللطاخة المحيطية شأن كبير في التوجيه نحو التشخيص الصحيح والسريع؛ إذ إن تبدلات الكريات الحمر الشكلية علامة واسمة لبعض الأمراض (الداء المنجلي وتكور الكريات  ومعالم لعوز الحديد وغيرها…) أو أنها توجه نحو تشخيص تفريقي محدود يعتمد عليه في انتقاء الفحوص النوعية اللازمة لكل مرض.

الاستجواب:   

- المنشأ: تتميز بعض المناطق الجغرافية من غيرها من المناطق بفاقات دموية خاصة. فحوض المتوسط يتميز بوجود تالاسيميا بتا وعوز G6PD، وجنوب شرقي آسيا يتميز بوجود التالاسيميا ألفا، وإفريقيا تتميز بوجود فقر الدم المنجلي إلخ…

- القصة العائلية: مهمة؛ لأن الكثير من فاقات الدم الانحلالية موروثة (التالاسيميا وتكور الكريات والداء المنجلي … إلخ).

- التغذية: يعد القصور الغذائي من أهم أسباب فقر الدم في الأطفال في العالم، وهو ما يسمى فقر الدم الغذائي nutritional anemia وأشهره عوز الحديد. فلا بد من التفصيل الدقيق في القصة الغذائية لكل طفل مصاب بفقر دم. كما يجب أن يتضمن الاستجواب تأكيد وجود أمراض أخرى مسببة لفقر الدم مثل:

1- الأخماج الحادة التي قد تؤدي إلى انحلال مناعي، والأخماج المزمنة التي قد تؤدي إلى فقر دم صغير الكريات باضطراب استعمال الحديد.

2- الآفات الخبيثة كالإبيضاضات التي تتأثر فيها عناصر الدم الثلاثة.

3- الإصابات الكلوية كقصور الكلية المزمن؛ إذ إن فقر الدم ملازم لهذه الآفة، وفي الإصابات الكلوية الحادة قد تظهر متلازمة الانحلال الدموي اليوريميائي HUS.

4- التبدلات الجلدية لوجود نزوف أو بقع قهوة بحليب café au lait في داء فانكوني وفي قصورات القلب وآفات القلب المزرقة.

5- أدواء المعدة والأمعاء مثل داء كرون وأسواء الامتصاص والقرحات الهضمية وغيرها.

6- القصة الدوائية وهي مهمة جداً؛ لأن بعض الأدوية يؤثر في إنتاج الكريات الحمر من جهة، أو يؤدي إلى انحلالها بآلية مناعية من جهة أخرى.

الفحص السريري:

يجب أن يجرى بكل تأن ويشمل كل الأعضاء:

- الجلد والأغشية المخاطية للتفتيش عن الشحوب والزرقة، لا يكتشف الشحوب في الجلد إلا بعد  حدوث فقر دم شديد، لذلك يعتمد على الملتحمة العينية وغيرها من الأغشية المخاطية كباطن  الشفة غالباً. واللون اليرقاني يكشف في الصلبة إذا كان البيلروبين أكثر من2ملغ/دل، وحين مشاهدته على الجلد يدل على قيمة تزيد على 4 ملغ/دل، وإذا ما ترافق وضخامة الطحال فإن له دلالة قوية على وجود الانحلال. تعبر الزرقة عن وجود الميتهيموغلوبين في الدم methemoglobinemia  ) > 5.1 غ/دل) مثلاً.

- فحص البطن للتفتيش عن الضخامة الطحالية والكبدية، قد تدل الضخامة الطحالية على وجود خمج مرافق أيضاً أو وجود آفة استقلابية (أدواء الخزن) أو على خباثة أحياناً.

- وفحص الهيكل الدقيق قد يكشف بعض التشوهات المرافقة لبعض الآفات مثل متلازمة «بلاكفان - دياموند» Blackfan-Diamond أو فقر دم فانكوني. ووجود مظاهر نزفية جلدية أو عميقة قد يدل على وجود آفات مرافقة شاغلة للنقي، أو آفات نزفية شديدة أدت إلى ضياع دموي مسبب لفقر الدم.

الدراسة المخبرية:

يشخص فقر الدم بهبوط قيمة الخضاب والهيماتوكريت أو عدد الكريات الحمر إلى مادون الحد المتعارف عليه. ويعتمد على القيم المخبرية أيضاً في تقسيم أنواع فقر الدم وفق المعايير التالية:

1- مناسب الكريات الحمر: حجم الكرية الوسطىMCV- mean corpuscular volume ، محتوى الكرية من الخضاب    MCV- mean corpuscular hemoglobin، وسطي تركيز الخضاب في الكريات الحمر MCHC- hemoglobin concentration mean corpuscular.  

2- دراسة الكريات الحمر من حيث الشكل والصباغ والحجم (اللطاخة المحيطية).

3- عدد الشبكيات.

مناسب الكريات:MCV وحدته فمتوليترfl : قيمة الهيماتوكريت % *10 مقسمة على عدد الكريات الحمر *1021/ليتر.

MCH وحدته بيكوغرامpg : قيمة الخضاب غ/دل * 100 مقسومة على عدد الكريات الحمر *1021/ليتر.

MCHC غ/100ل = قيمة الخضاب غ/دل * 100 مقسوم على قيمة الهيماتوكريت %. 

واستناداً إلى ذلك تقسم فاقات الدم إلى:

أ- فاقات الدم صغيرة الكريات ناقصة الصباغ: تكون القيم السابقة منخفضة مثل فقر الدم بعوز الحديد، والتالاسيميا.

ب- فاقات الدم سوية الكريات والصباغ: القيم ضمن الحد السوي مثل النزف الحاد والانحلال الحاد، وفقر الدم المرافق للابيضاضات.

ج- فاقات الدم كبيرة الكريات زائدة الصباغ: القيم فيها أعلى من الحد السوي مثال فقر الدم بعوز B12 و B9، متلازمة «بلاكفان دياموند».

اللطاخة المحيطية:

الشكل (1) لطاخة محيطية سوية
 
الشكل (2) أجسام هاول جولي

للطاخة المحيطية شأن كبير في تقيييم الكريات الحمر، فعليها يمكن مشاهدة اختلاف شكل الكريات poikilocytosis  مثل الكرية المجزأة أو الخوذية كما في الشكل، كما يمكن معرفة وجود اختلاف الحجم anisocytosis كالكريات الكبيرة (< 10مكرون) أو الصغيرة (أقل من 5 مكرون)، وينسب حجم الكريات الحمر عادة إلى نواة الكرية اللمفاوية السوية (الشكل1)، يمكن كذلك تعرف الكريات المكورة spherocytes  والمنجلية والهدفية وغيرها. 

وتفيد اللطاخة في دراسة صباغ الكريات، وهنا لابد من التطرق إلى شكل الكرية الحمراء فهي بشكل القرص كما هو مبين في الشكل، وتبدو على اللطاخة بشكل حلقة قاتمة في المحيط ونيرة في المركز بنسبة الثلث تقريباً؛ وزيادة المركز النير يدل على نقص الصباغ، كذلك فإن بعض الاضطرابات المرضية قد تصيب الكريات الحمر ويستدل من خلالها على نوع المرض مثل الترقطات الأسسة المشاهدة في التسمم بالرصاص، أو أجسام هاول جولي المشاهدة بعد استئصال الطحال، أو أجسام هاينز في عوز G6PD.

الشبكيات:

تعكس قيمة الشبكيات مدى إنتاج النقي من الكريات الحمر، ويدل ترافق فقر الدم وقيمة شبكيات سوية أو مرتفعة على انحلالها. في حين يدل ترافق فقر الدم ونقص قيمة الشبكيات على نقص الإنتاج، إذن: فالوصول إلى تشخيص سبب فقر الدم يحتاج إلى:  

- تعداد دم محيطي كامل.

- لطاخة دم محيطي.

- عدد الشبكيات. 

وإذا كان هناك شك بالتشخيص بعد هذه الفحوص يلجأ إلى الفحوص الدموية النوعية كاختبار هشاشة الكريات في تكور الكريات، أو رحلان الخضاب حين الشك بالتالاسيميا، أو بزل النقي حين الشك بابيضاض الدم، أو خزعة العظم مع بزل نقي حين الشك بوجود فقر دم لا تنسجي إلخ… 

أولاً- فقر الدم صغير الكريات microcytic  anemia:

فقر الدم صغير الكريات هو فقر الدم المترافق وهبوط قيم MCV و/MCH تحت القيم الطبيعية حسب العمر، وبالنسبة إلى الأطفال فوق السنتين يمكن القول: إن الحدود الدنيا لـ MCV هي 75 فمتوليتر وMCH 28 بيكوغرام وMCHC 30%.

الأسباب: أهم أسباب فقر الدم صغير الكريات عوز الحديد، أو اضطراب توزعه كما في الأخماج المزمنة (انظر الجدول2)، أو اضطراب استقلاب الحديد كفقر الدم بأرومات الحديد؛ والتالاسيميا؛ والتسمم بالرصاص.

المرض/الموجودات

عوز الحديد

خمج/ورم

فقر الدم الحديدي الأرومات sideroblastic anemia

تلاسيميا

خلايا هدفية

لا

لا

لا

نعم

RDW*

> 13

>13

>13

< 13

حديد المصل

الفريتين

ط ()

ترانسفررين

(ط)

ط

ط

خلية حديدية siderocyte

لا

لا

نعم

نعم

HbF/ A2

ط

ط

ط

*RDW= Red cells Distribution Widthسعة توسع الكريات الحمر *

الجدول (2) التشخيص التفريقي لفقر الدم صغير الكريات

الآلية الإمراضية: يحدد محتوى الكرية الحمراء من الخضاب حجم الكرية ولونها، ويؤدي نقصه  ضمن الكرية إلى شحوبها hypochromic وصغر حجمها microcytic، ويؤدي نقص الحديد إلى نقص إنتاج الخضاب. وقد تكون بعض اضطرابات إنتاج مركبات الخضاب وراثية المنشأ أو بتأثير سمي خارجي.

التشخيص: يظهر على اللطاخة المحيطية وجود كريات حمر صغيرة، ويبدي الجدول (3) الخطوات الأساسية للفحوص المخبرية الضرورية.

- لطاخة دم محيطي (التأكيد على وجود خلايا هدفية، وكريات بيض ارتكاسية).

- معايرة حديد المصل، وإن لم يكن ناقصاً يجرى:

- معايرة فريتين المصل،وإن لم يكن ناقصاً يجرى:

- رحلان الخضاب، فإن كان سوياً يجرى:

- بزل نقي وخزعة عظم مع تلوين الحديد.

الجدول (3)

1- فقر الدم بعوز الحديدiron deficiency anemia (I DA) :

الشكل (3) فقر دم بعوز الحديد

هو فقر دم صغير الكريات سببه نقص محتوى الكرية الحمراء من الخضاب بسبب نقص الحديد المستعمل لتركيبه.

الأسباب: نقص الحديد هو أكثر أسباب فقر الدم صغير الحجم ناقص الصباغ شيوعاً في الأطفال، وأكثر الأطفال تعرضاً له الرضع وصغار الأطفال والخدج وحديثو الولادة المعرضون لضياع دم حول الولادة وما بعدها (مثل تبديل الدم والنزف الجنيني الوالدي) بسبب عدم وجود مخازن حديد كافية لديهم. كما أن قصور التغذية في الأعمار اللاحقة كنقص الوارد من اللحوم والآفات المزرقة وآفات جهاز الهضم كلها تعرض لفقر الدم بعوز الحديد. وفي الأطفال الأكبر يكون للنزف القليل المزمن واضطرابات الهضم وسوء الامتصاص والقصور الغذائي شأن كبير في حدوث الداء. ومن الملاحظ ازدياد انتشار عوز الحديد، وفقر الدم بعوز الحديد بين الأطفال عموماً في الوقت الحالي بسبب العادات الغذائية السيئة في الأجيال الحالية بالاعتماد على الوجبات السريعة وتناول المشروبات الغازية والشوكولا مثلاً؛ وعدم الاعتماد على وجبات غذائية صحية وسليمة .

الإمراض pathogenesis: يؤثر عوز الحديد في تركيب البروتينات المحتوية على الحديد مثل الهيموغلوبين والميوغلوبين؛ واضطرابات البروتينات التي تدخل في تركيب الجملة العصبية المركزية والجهاز الهضمي والجهاز المناعي، فيختل لذلك عمل كل هذه الأعضاء.

السريريات: عدا الأعراض العامة المرافقة لفقر الدم التي سبق ذكرها وعدا اضطراب النموقد يشاهد التهاب الجلد الحفاضي، والتهاب اللسان وأغشية الفم المخاطية وتشقق الصوارين، واضطراب نمو الأشعار، وتمعلق الأظافر(الأظافر الملعقية) spooning of finger nail  ، والميل إلى حدوث الأخماج، وعسر البلع، والاضطرابات الهضمية المعدية المعوية، واضطراب المزاج والسلوك.

التشخيص: يبدي تعداد الدم المحيطي إلى جانب فقر الدم نقصاً صريحاً في حجم الكريات الحمرMCV  > 65 فمتوليتر ونقصاً في الصباغMCH   > 20    بيكوغرام، وقد تصل إلى درجة الخلايا الخاتمية signet ring cell مع مشاهدة بعض الكريات المتطاولة على اللطاخة المحيطية واختلاف حجم الكريات الحمر وتوزعها، مما يدخل في التشخيص التفريقي مع التالاسيميا.

يكون عدد الشبكيات قبل البدء بالعلاج بالحديد منخفضاً أو طبيعياً، وتميل الصفيحات إلى الارتفاع مع انخفاض مقدار الحديد إلى أقل من 10مكغ/دل، وترتفع السعة الكلية الرابطة للحديد total iron-binding capacity (TIBC)؛ في حين تنخفض نسبة الإشباع بالحديد إلى ما دون 16% (الطبيعي < 30%).

إن المشعر الأكثر حساسية لعوز الحديد هو نقص قيمة الفريتين ferritin الذي يرتبط بنقص مخازن الحديد ويعبر عن المرحلة الكامنة لنقص الحديد المسبب لفقر الدم اللاحق. ومن هنا تنتج أهمية معايرة الفريتين (يراوح المدى الطبيعي بين 10-120 مكغ/دل).

ولمناسب الشبكيات - إضافة إلى مناسب الكريات الحمر- أهمية كبيرة في كشف عوز الحديد وفقر الدم بعوز الحديد أيضاً، وأهمها تركيز الخضاب ضمن الشبكيات (concentration of hemoglobin in reticulocytes (CHR لأن الشبكيات أكثر دقة في تحديد المحتوى الحقيقي من الخضاب؛ لعدم تعرضها للتأثيرات المحيطية لوجودها العابر في الدوران مقارنة  بالكريات الحمر التي تتعرض لتأثيرات بيئية أكثر.

العلاج: بعد وضع التشخيص يعالج المريض بمركبات الحديدي Fe2، وتفضل مركبات سلفات الحديدي بمقدار 5 ملغ/كغ من وزن الجسم بالطريق الفموي مقسمة على ثلاث جرعات يومية. ويؤدي العلاج الناجح إلى ارتفاع عدد الشبكيات حتى الضعف ما بين اليوم 8 و12، ولتجنب النكس يجب الاستمرار بالعلاج حتى خمسة شهور لضمان إملاء المخازن بالحديد، ويذهب بعضهم إلى وجوب الاستمرار بالمعالجة مدة شهر واحد بعد الوصول إلى قيم الخضاب الطبيعية. ولهذا الدواء تأثيرات جانبية أهمها: نقص الشهية والقياء والإسهال وأحياناً الإمساك مع تلون البراز باللون الأسود، وحين فشل العلاج لابد من التفكير باضطرابات الامتصاص والعوز المشترك مع B12/B6 والنزف الهضمي وداء كرون والخمج المزمن والفتوق الحجابية والتسمم بالرصاص، كما يجب ألا ينسى نقص مطاوعة المريض وأخطاء حساب الجرعات.

الوقاية: تستطب الوقاية بإعطاء الحديد للأطفال الخدج وحديثي الولادة المعرضين لنزف والدي أو تبديل دم، وذلك بجرعة 1-3 مغ/كغ/يوم طوال السنة الأولى من الحياة. أما الأطفال المصابون بآفة مزرقة مع > MCH  25 بيكوغرام/دل فتجب وقايتهم لتجنب حدوث صمات أيضاً.

2- اضطراب توزع الحديد:

حين وجود فقر دم صغير الحجم ناقص الصباغ لا بد من التفكير باضطراب توزع الحديد كتشخيص تفريقي للداء كما يحدث في الأخماج المزمنة والأورام وداء هودجكن؛ إذ يضطرب توزع الحديد في هذه الآفات ضمن الجملة الشبكية البطانية، وهنا تكون قيم الفريتين سوية أو مرتفعة (انظر الجدول رقم2)؛ ولذلك لا تستطب المعالجة بالحديد. ويشمل الاضطراب الآفات التي تصيب الترانسفرين أيضاً كعوز الترانسفرين الخلقي الموروث؛ إذ تكون قيمته > 50 مغ/دل، ويؤدي هذا الداء إلى وفاة مبكرة بسب الأخماج؛ لأن للترانسفرين شأناً  بوصفه عاملاً مهماً في بناء الأجسام الضدية المناعية.

وفقر الدم حديدي الأرومات sideroblastic anemia هو أيضاً أحد أشكال سوء توزع الحديد وتركيبه، ويكون الحديد والفريتين في المصل مرتفعين مع نقص الترانسفرين والسعة الرابطة للحديد، وتكون الكريات الحمر مفرطة المحتوى بالحديد (الأرومات الحديدية sideroblasts).

ولهذا الداء إلى جانب الشكل الموروث المرتبط بالجنس أشكال ثانوية مثل: التسمم بالرصاص وارتفاع اليوريا الدموية، وعسر تصنع النقي الدوائي المنشأ (مثل كلورامفينكول ومضادات السل) والأخماج. يتظاهر التسمم بالرصاص بفقر دم صغير الحجم ناقص الصباغ مع ملامح لانحلال دم  خفيف وترقطات أسسة في الكريات الحمر. وكذلك يؤدي عوز pyridoxine vit.B6 إلى فقر دم حديدي الأرومات، ويمكن لهذا الداء أن يستجيب للعلاج بالـ Vit. B6 بجرعة 50-300 ملغ/يوم.

3- التالاسيميا thalassemia:   

مرض واسع الطيف مختلف المظاهر، ينتقل وراثياً على شكل جسمي مقهور، يضطرب فيه تركيب الخضاب والسلاسل عديدة الببتيد ضمنه. فحين اضطراب السلسلة aα يشخص بوجود تالاسيميا aα؛ وحين اضطراب تركيب السلسلة bβ  يشخص بوجود تالاسيميا bβ وهكذا. وتجدر الملاحظة إلى أن التالاسيميا تطلق على عيب الخضاب hemoglobin defect مع نقص تصنيع إحدى السلاسل الطبيعية المشكلة للهيموغلوبين. أما التبدلات المرضية في تركيب السلاسل الطبيعية  فتسمى الاعتلالات الخضابية hemoglobinopathy كفقر الدم المنجلي مثلاً.

الانتشار والوقوع: تنتشر التالاسيميا bβ في شرق المتوسط خاصة وفي الدول العربية وإفريقيا، في حين تنتشر التالاسيميا aα في الهند وجنوب شرقي آسيا.

الإمراض: يتألف الخضاب من 4 سلاسل من  الهيم hem مع حلقة بروتوبورفرين protoporphyrin كحامل للحديد ومن 4 سلاسل عديدة الببتيد من الغلوبين globin، وكل اثنين منهما متشابهان. يتألف الخضاب في الأشخاص الطبيعيين من HbA2، HbA1 بصفة أساسية وأثر من HbF.

يتألف الخضاب A1 من سلسلتيb β   وسلسلتي aα والخضاب A2  من سلسلتيa α   وسلسلتيd δ ، أما الخضاب F - وهو الشكل الراجح في حديثي الولادة - فيتألف من سلسلتي aα وسلسلتيg γ  ، ويتناقص الخضاب F سريعاً في الأسابيع الأولى من  الحياة ويصل إلى قيمته في البالغين بعد الشهر 6- 8 من الحياة كما هو مبين في (الجدول 4).

الخضاب

السلسلة

الطبيعي

مرتفع في

ناقص في

A1

α2 β2

97٪

-

β تالاسيميا

α تالاسيميا

A2

2δ2α

3-2٪

β تالاسيميا

الكبرى 1-4٪

الصغرى >4 ٪

α تالاسيميا

F

2 γ2α

0.5٪

الولدان >70٪

تالاسيميا كبرى:

20-90٪

تالاسيميا صغرى:بنسب قليلة

_

H

4β

0٪

α تالاسيميا

_

Barts

γ4

0٪

α تالاسيميا

_

الشكل (4) يبين توزع الخضابات الطبيعي وفي المصابين بالتالاسيميا

في تالاسيميا aα تزداد سلاسل bβ كذلك، فعند غياب السلاسل aα كاملة يصبح الخضاب مشكلاً من 4 مكونات bβ b4(β4) يسمى الخضاب HbH؛ وعند تشكله من 4 مكونات gγ g4(γ4) يسمى  الخضاب HbB  أو خضاب بارتا Bart. وبما أن التحول الكامل من HbF إلى HbA لا يتم إلا بعد عدة شهور؛ فإن الأعراض الأولى لا تتظاهر إلا بعد عدة شهور من الحياة (3 شهور فما فوق). أما في تالاسيميا a فيمكن أن تظهر بأعمار مبكرة حتى في سن الوليد.

تؤدي الآفة - بسبب خلل التوازن في تركيب السلاسل عديدة الببتيد- إلى نقص صباغ الكريات والانحلال؛ إضافة إلى نقص السلسلة الحمراء ضمن النقي. ويحدث نقص الصباغ بسبب نقص محتوى الكرية الحمراء من الخضاب الناجم عن نقص تركيب السلاسل aα أو bβ، ويؤدي نشاط السلاسل الأخرى لتعويض تركيب الخضاب إلى عدم ثبات هذا التركيب، ويؤدي أيضاً إلى خلل في تركيب الدسم في غشاء الكرية الحمراء وبالتالي إلى خلل الغشاء ومنه إلى قصر عمر هذه الكرية، وهذا ما يسمى فقر الدم الانحلالي hemolytic anemia، ويقابل ذلك زيادة نشاط السلسلة الحمراء ضمن النقي من دون جدوى في التوازن (زيادة نشاط غير فعالة). وزيادة الانحلال يزيد من الحديد المنطلق إلى الدوران مؤدياً مع الزمن إلى زيادة تراكم الحديد وفرط الحمل به، وهذا ما يسمى الداء الهموسيديريني hemosiderosis  مؤثراً في الأعضاء ووظيفتها بسبب ترسبه فيها.

والخلاصة فإن الألية الإمراضية للتالاسيميا عموماً تكمن في شقين أساسيين:

الشكل (4) التبدلات الشعاعية على جمجمة طفل مصاب بالتالاسيميا
 
الشكل (5) الضخامة الحشوية في طفل مصاب بالتالاسيميا
 
الشكل (6) الكريات الهدفية في التالاسيميا الكبرى

- الانحلال وفقر الدم.

- ترسب الحديد وقصور الأعضاء.

 أ- التالاسيميا بيتا bβ-thalassemia:

- التالاسيميا bβ متماثلة الأمشاجhomozygote  : (فقر دم كولي Cooley’s anemia) أو التالاسيميا الكبرى bβ-thalassemia major، أو فقر دم البحر الأبيض المتوسط. تتظاهر بدءاً من الشهر 3-4 من الحياة بفقر دم شديد، وشحوب وزلة تنفسية وتسرع قلب في الجهد ثم في الراحة وفشل نمو لاحقاً. وبسبب فرط نشاط السلسلة الحمراء في النقي وتوسع المسافات النقوية في العظام المسطحة خاصة تحدث تبدلات شكلية في الوجه (تسطح الوجنتين والأنف السرجي وتبارز الأسنان)، وهو ما يسمى السحنة farcies الانحلالية أو السنجابية، ويظهر على صورة الجمجمة الشعاعية تباعد الصفائح العظمية مع ظهور الحجب العظمية بينها معطية منظر أسنان المشط أو منظر الشعر الواقف.

ويتضخم الكبد والطحال ويؤدي تراكم الحديد إلى قصور كبدي وقلبي واضطرابات غدية (قصور الدرق وقصور الأقناد والسكري… إلخ) تنتهي الحال بالوفاة إن لم تتخذ التدابير الدوائية باكراً.

- الشكل متخالف الأمشاجheterozygote   أو التالاسيميا bβ  الصغرى thalassemia minor bβ تكون عادة لاعرضية وتكشف مصادفة. لا يوجد فقر دم غالباً ولكن قد يشاهد صغر حجم الكريات ونقص صباغها.

أما إذا شوهد  فقر دم متوسط الشدة مع لون يرقاني أو من دونه وضخامة طحالية فيشخص بوجود تالاسيميا وسطى. وعلى الرغم من أن حملة التالاسيميا bβ  متخالفة الأمشاج غير عرضيين فإنه من المهم معرفة وجود المرض وتشخيصه لتجنب استعمال العلاج بالحديد من دون جدوى، إضافة إلى وضع الاستشارة الوراثية الصحيحة وخاصة ما قبل الزواج.

التشخيص: يشاهد في التالاسيميا الكبرى إلى جانب فقر الدم الشديد (خ >> 8غ/دل) صغر الكريات الحمر صغراً شديداً لافتاً للنظر (MCV >70 فمتولتر)، ونقص صباغ ( >  25 MCHبيكوغرام) مع اختلاف شكل الكريات الحمر وحجمها ووجود كريات هدفية target cells.

تختلط هذه الموجودات بالأسباب الأخرى لفقر الدم صغير الكريات؛ ولذا فإن وسيلة التشخيص المؤكدة هي رحلان الخضاب، فبسبب نقص تصنع السلاسل   b βينقص تصنع الخضاب A  وبالمقابل يزداد تركيب الخضاب F الذي يرتفع ما بين 20-90% ويكون الخضاب A2 ما بين 1-4% (انظر الجدول4) وحديد المصل وفريتين المصل مرتفعين، وقد يكونان ضمن الحد السوي. ومن التبدلات التي تظهر منظر الشعر الواقف أو شعر الفرشاة.

لا يشاهد فقر دم صريح  في التالاسيميا الصغرى عادة ويكون الخضاب < 10غ/دل، لكن يلاحظ في اللطاخة صغر حجم الكريات ونقص الصباغ، وإذا ظهر فقر دم أشد يجب التفكير بمرافقته عوز الحديد؛ أو وجود تالاسيميا وسطى.

يبدي رحلان الخضاب في التالاسيميا الصغرى ارتفاع نسبة A2 حتى الضعف وقد يرتفع خضاب F قليلاً.

المعالجة: يعتمد في التالاسيميا الكبرى على نقل الكريات الحمر دورياً مرة كل شهر لتجنب هبوط الخضاب عن 10.5غ/دل؛ ومحاولة الحفاظ على قيمة خضاب ما بين 13-14غ/دل،  وهكذا يحافظ على كفاءة قلبية جيدة ونمو جيد ومنع حدوث فرط نشاط السلسلة الحمراء التي تؤدي إلى التشوهات الشكلية، إضافة إلى منع عودة تشكل الدم في الطحال والكبد (الحؤول النِقْوي) ومنع ضخامة كل منهما، بيد أن الإفراط بنقل الدم يعرض من جهة أخرى إلى تراكم الحديد وخطورة حدوث الداء الهموسيدريني؛ لذا يمنع إعطاء الحديد لهؤلاء المرضى، ومن جهة أخرى يجب إعطاء خالبات الحديد مثل الدي فروكسامين deferoxamine.

يستطب استئصال الطحال حين يتضخم كثيراً خشية الرض وحدوث التمزق، أو حين يحدث فرط نشاط طحال hypersplenism مع نقص الكريات البيض والصفيحات أو ازدياد الحاجة إلى نقل الكريات الحمر أكثر من 250 مل/كغ/سنة.

وزرع النقي هو الحل الوحيد الشافي من المرض حالياً، مع الإشارة إلى أنه لا يمنع توريث المرض بعد إجرائه.

الإنذار: يرتبط الإنذار في التالاسيميا الكبرى بمدى ترسب الحديد في الأعضاء وبحدوث اعتلال العضلة القلبية، وحين عدم تطبيق العلاج بالشكل المناسب يمكن أن يصل وسطي الحياة حتى 30-40 سنة فقط.

ب- التالاسيميا aα، :aα thalassemia 

 
الشكل (7) التالاسيميا وأشكالها

يرث الطفل في الحالة الطبيعية سلسلتي aα من كل من الأبوين، أما في تالاسيميا aα (الشكل7) فقد يحدث حذف جين واحد أو أكثر deletion ويصبح لدى المصاب أقل من 4 جينات، وتتعلق الأعراض بعدد الجينات المحذوفة؛ فبحذف الجنيات الأربع يحدث فقد وظيفي كامل لهذه السلاسل ويكون الاعتماد على 4 سلاسل غير فعالة، وهو ما يسمى (خضاب بارت Hb Bart) مؤدياً إلى متلازمة الخزب الجنيني  hydrops fetalis syndromeوهو غير قابل للحياة. أما بحذف 3 جينات لسلاسل aα فترمم البقية من سلاسل bβ وينشأ خضاب (HbH) H وهو الشكل الشديد من تالاسيميا  aαويحدث فيه الانحلال. وحين حذف جينين من جينات السلاسل aα ينشأ الشكل متخالف الأمشاج من التالاسيميا aα heterozygote أو التالاسيما الصغرى، وحين حذف جين واحد لا تنشأ أي تبدلات سريرية أو مخبرية، وتكتشف عادة مصادفة في السبر العائلي الوراثي.

التشخيص: في داء بارت - الخزب الجنيني: يشاهد فقر دم حاد وشديد مع صغر حجم الكريات الحمر ونقص صباغ شديدين. يظهر الداء برحلان الخضاب غاما بأربع جزيئات (انظر الجدول4). في داء الخضاب   (HbH) :Hيظهر فقر دم مع صغر حجم الكريات ونقص الصباغ  وخلايا هدفية وأجسام هاينز على الكريات الحمر ويظهر الرحلان 4 جزيئات bβ (انظر الجدول4). وحين حذف جينين يظهر بشكل إفرادي صغر حجم الكريات ونقص الصباغ ولكن من دون فقر دم. وحذف جين واحد لا يؤدي إلى أي علامات مخبرية دموية.

المعالجة: لا تحتاج الأشكال الخفيفة إلى معالجة ما، والأشكال الشديدة كالخزب الجنيني لا يوجد لها علاج، وما بينهما يشابه علاجه علاج  تالاسيميا bβ.

ج- أشكال نادرة للتالاسيميا:

يعتمد اسم تالاسيميا وسطى في تصنيفه على وجهات نظر سريرية، ويتأرجح هذا الشكل ما بين التالاسيميا الصغرى والتالاسيميا الكبرى، وسيره مشابه لسير الشكل الخفيف من متماثل الأمشاج أو الشديد المتخالف الأمشاج من التالاسيميا.

 وقد تظهر على شكل مزيج من أشكال التالاسيميا aα مع bβ وتبدو سريرياً بفقر دم ويرقان وضخامة طحالية معتدلة، وتندر حالات الإصابة بالداء الهموسيديريني. وقد تظهر حالات مشتركة من اضطراب إنتاج الخضاب الكمي والنوعي مثل التالاسيميا - الداء المنجلي، فقد تظهر أعراض المرضين معاً.

ثانياً- فقر الدم سوي الكريات normocytic anemia:

هو فقر دم معMCV سوي وMCH سوي.

السببيات والإمراض: يأتي في مقدمة الأسباب الانحلال ونقص إنتاج الكريات الحمر من النقي، ففي الانحلال ينقص عدد الكريات الحمر تدريجياً مع ازدياد عدد الشبكيات (مؤشر < 3%)، وفي فقد الدم المزمن ينقص عدد الكريات الحمر تدريجياً ببطء ومن دون ارتفاع عدد الشبكيات في الأمراض المنقصة للإنتاج.

التشخيص: يكون بالبحث الدقيق عن النزف والاعتماد على التبدلات الشكلية واضطرابات الإنزيمات وغشاء الكريات مع هبوط الخضاب؛ وعلى عدد الشبكيات ودراسة نقي العظم.

1- النزف أو ضياع الدم:

الأسباب: في الولدان والرضع: نقل دم جنيني والدي أو جنيني جنيني (التوءم وحيد البيضة) وعوز Vit. K والنزف الهضمي، إضافة إلى سحب الدم المتكرر ولاسيما في أثناء الاستشفاء والتحسس من حليب البقر ورتج ميكل والاضطرابات النزفية.

الآلية الإمراضية والسريريات: يؤدي فقد الدم الحاد إلى نقص حجم الدم، وبالتالي نزوح السوائل من الأنسجة إلى الدوران مؤدية إلى فقر دم سوي، ويكون رد العضوية على ذلك بزيادة الإنتاج الذي يظهر في غضون الأيام 4-5 اللاحقة متظاهراً بزيادة عدد الشبكيات. أما فقر الدم الذي يتلو فقد الدم المزمن فيكون بسبب الضياع الدموي بمقدار < 10% أسبوعياً؛ إذ يحوي كل 1مل دم نحو 0.5ملغ حديد، وهنا قد يظهر فقر دم صغير الحجم ناقص الصباغ بسبب عوز الحديد المرافق.

التشخيص: يجب فحص البول والبراز لتحري الدم فيهما، ويجب نفي الاضطرابات النزفية والأسباب الموضعية للنزف أيضاً، وفي نقل الدم الجنيني الوالدي تشاهد آثار HbF في دم الأم.

المعالجة: سببية لإيقاف النزف؛ وحين حدوث فقد دم حاد مع علامات نقص الحجم يجب نقل دم كامل بمقدار 20مل/كغ، أما في النزف المزمن فيستطب إعاضة الحديد ولاسيما في صغار الأطفال.

2- فقر الدم الانحلالي:

هو تخرب الكريات الحمر بسبب داخلي أو خارجي مما يقصر معه عمر الكرية الحمراء (العمر الطبيعي 120 يوماً).

الأسباب: هي إما من ضمن الكرية الحمراء مثل أعطاب الغشاء أو أعطاب الإنزيمات أو أعطاب الخضاب. وإما من خارج الكرية الحمراء مثل: الاضطرابات المناعية أو لأسباب ميكانيكية أو المتلازمة الانحلالية اليوريميايئة (hemolytic uremic syndrome (HUS وهناك أسباب أخرى.

سريرياً: تشاهد أعراض فقر الدم التي سبق ذكرها مع لون يرقاني وغالباً مع ضخامة طحال.

التشخيص: يكون بأخذ قصة مفصلة تشمل بلد المنشأ؛ إذ ترى مثلاً في حوض البحر المتوسط وإفريقيا وآسيا الآفات الانحلالية الوراثية كالتالاسيميا والداء المنجلي. كما يجب التفتيش عن أعراض غير دموية مثل الأخماخ الجلدية بالعنقوديات كما يحدث في المصابين بالداء المنجلي، وحصيات المرارة كما في تكور الكريات، أو قصور الكلية كما في المتلازمة الانحلالية اليوريميائية HUS، أو آفات عضوية قد تكون مسببة للانحلال كالآفات الدسامية القلبية والصدمة وحدوث التخثر المنتشر داخل الأوعية (DIC) disseminated intravascular coagulation ، أو اضطرابات استقلابية، كما يجب التركيز على القصة الدوائية وخاصة الصادات، ومضادات الاختلاج والمسكنات وخافضات الحرارة التي قد تؤدي أحياناً إلى انحلال الدم.

إن للقصة العائلية أهمية كبرى في حالات فقر الدم الوراثية مثل عوز G6PD (الفوال) واعتلالات الخضاب (الداء المنجلي).

وللطاخة الدم المحيطي شأن  كبير في معرفة سبب الانحلال كمشاهدة الكريات المكورة أو المنجلية أو المتطاولة أو المجزأة أو الهدفية أو مشاهدة عضويات الملاريا مثلاً.

وكذلك اختبار الهشاشة الحلولية قبل الحضن وبعده - إذ يكون الاختبار إيجابياً مثلاً في تكور الكريات الوراثي- أو معايرة إنزيمات الكريات الحمر مثلG6PD  أو إجراء التفاعلات المناعية مثل تفاعل كومبس المباشر أو تفاعل كومبس اللامباشر.

أ- عيوب غشاء الكريات الحمر erythrocyte membrane defect:   

الانتشار والأسباب: يشاهد في كثرة الكريات الحمر المكورة  الوراثي hereditary spherocytosis؛ وهي آفة موروثة غالباً جسمية قاهرة ونادراً مقهورة، أو يشاهد في الكريات فاغرة الفاه stomatocytosis أو الإهليلجية elliptocytosis.

- داء كثرة الكريات الحمر المكورة الوراثي hereditary spherocytosis: من أهم أسباب  فقر الدم الانحلالي في وسط أوربا تحدث بنسبة 1/5000 طفل وليد حي.

الشكل (8) الكريات المكورة
 
 
الشكل (9) الكريات فاغرة الفاه

الآلية الإمراضية: هي خلل بروتيني في غشاء الكرية الحمراء على حساب الـ spectrin غالباً، موروث بشكل جسمي قاهر عادة ومقهور نادراً. يؤدي هذا الخلل إلى اضطراب مقاومة حلولية الكرية الحمراء بسبب خلل مضخة الصوديوم؛ مما يؤدي إلى دخول الماء إلى الكرية الحمراء فتنتفخ لتصبح كالكرة (شكل الكرية الطبيعي قرصي كما ذكر سابقاً)، ويعرقل هذا الشكل مرور الكرية الحمراء عبر الطحال فتتخرب فيه ويحدث الانحلال.

السريريات: يحدث  في نحو 50% من المرضى انحلال مبكر وفرط بيليروبين حول الولادة؛ إذ يرتفع تركيز البيلروبين اللامباشر مع الشحوب وضخامة الطحال بشدات مختلفة، وبسبب تراكم البيلروبين المستمر يتعرض الأطفال لحدوث حصيات صفراوية مبكراً. قد تحدث في الأخماج الجهازية نوب من الانحلالات، أما الأخماج بالبارڤوڤايروس (الڤيروسة الصغيرة) parvovirus19 فتؤدي إلى لجم  السلسلة المولدة للكريات الحمر في النقي مؤدية إلى نوبة نقص التصنيع، وقد تحدث نوب من حالات نضح العرطل megaloblastic crises بسبب عوز حمض الفوليك.

التشخيص: تبدو بالفحص المخبري علامات فقر دم سوي الكريات والصباغ مع زيادة الشبكيات، ويشاهد في اللطاخة المحيطية  كريات مكورة (الشكل 8) بنسبة < 10%. ويشار إلى أن الكريات المكورة قد تشاهد في فقر الدم المناعي وفي تنافر الزمرABO  في الولدان، وفي داء الخضاب C والانحلالات الحادة. يكونMCV، سوياً ولكن ترتفع قيمة MCHC، وهو موجه كبير للداء ويوضع التشخيص باختبار هشاشة الكريات.

العلاج: في الحالات الشديدة يجب نقل الدم المتكرر ويستطب استئصال الطحال في الطفولة المتأخرة؛ على الرغم من أن عدد الكريات الحمر المكورة لا ينقص بعد هذا الإجراء، لكن الانحلال يقل ويصبح عدد الكريات الحمر سوياً وتزول معالم فقر الدم واللون اليرقاني، وتجنباً لخطر الأخماج بعد استئصال الطحال فإنه يؤجل إلى ما بعد السنة السادسة من العمر وبعد إعطاء لقاح الرئويات والهيموفيلوس إنفلونزا، إضافة إلى إعطاء البنسيلين المديد للوقاية بعد الاستئصال مرة كل 3 أسابيع، ويمكن تحاشي نوب النضح الكبير بإعطاء حمض الفوليك بجرعات يومية.

- داء الكريات فاغرة الفاه: تورث بشكل جسمي قاهر، سيرها لطيف عادة ، ونادراً ما تورث بشكل جسمي مقهور ويكون سيرها هنا شديداً مؤدية إلى فقر دم شديد وضخامة الطحال، وتشخص برؤية هذه الكريات على اللطاخة (الشكل9) مع اختبار هشاشة إيجابي. وتجدر الإشارة إلى أن الكريات فاغرة الفاه قد تشاهد في الاضطرابات الكبدية والتسمم بالرصاص وفي داء دوشن ونادراً في الأشخاص الطبيعيين لكن بنسبة أقل من 3%، ولا يوجد علاج لهذا الداء ولا يفيد استئصال الطحال فيه شيئاً .

داء الكريات الإهليلجية: تختلف أعراضها حسب شدتها وتشخص برؤيتها على لطاخة الدم المحيطي.

ب- عوز إنزيمات الكريات الحمر erythrocytes enzymes deficiency:

تؤدي أعواز الإنزيمات في الكريات الحمر إلى اضطراب استقلابي، وبالتالي إلى أذية ثانوية في غشاء الكرية الحمراء أو زيادة في التحسس من المؤكسدات، ويكون المحرض للانحلال إما غذائياً كالفول، وإما الأخماج وإما الأدوية مثل: السولفوناميدات، أو الجرعات العالية من الفناسيتين أو الساليسيلات أو الڤيتامين C أو الباراسيتامول أو الكلورامفينيكول أو تري ميتوبريم أو مضادات السل والنتروفورانتوئين.

- عوز إنزيم glucose-6-phosphate dehydrogenase deficiency (G6PD): يورث بصفة صبغية مقهورة مرتبطة بالجنس، تؤدي العوامل السابقة الذكر إلى إحداث نوب انحلالية قد تكون شديدة ولاسيما في الولدان مؤدية إلى فرط البيليروبين وفقر الدم، يشاهد على اللطاخة المحيطية أجسام هاينز مع ارتفاع الشبكيات. تحتاج الحالات الشديدة في الولدان إلى تبديل دم، أما  الأعمار الأخرى فتحتاج إلى نقل كريات حمر.

تتميز النوبة الانحلالية الشديدة في الأطفال بلون يرقاني وفقر دم مع بيلة خضابية موافقة وترفع حروري وألم بطني وارتفاع عدد الكريات البيض، مما قد يوقع في خطأ التشخيص على أنها خمج معوي أو التهاب كبد أحياناً، لذا لابد من التدقيق في الاستجواب والفحص السريري وإجراء الفحوص النوعية لوضع التشخيص، قد تكون معايرة الإنزيم بعد النوبة الحادة طبيعية ولاسيما حين ارتفاع الشبكيات بشدة وهذا لا ينفي التشخيص، وحين القناعة السريرية بوجود العوز ينصح بإعادة معايرة هذا الإنزيم بعد ستة أسابيع من النوبة الانحلالية.

- عوز البيروڤات كينازpyruvate-kinase deficiency :  يورث بشكل جسمي مقهور، ويبدو كفقر دم انحلالي مزمن مختلف الشدة والسير، قد يتظاهر الداء في الولدان  بفرط بيليروبين قد يصل إلى درجة الحاجة إلى تبديل الدم.

يستطب في الحالات الشديدة منه استئصال الطحال.

ويتبع الاضطرابات الإنزيمية في الكريات الحمر مجموعة واسعة من الأعواز مثل: عوز غلوكوزفوسفات أيزوميراز وبنتوزفوسفات وغيرها من الإنزيمات وهي نادرة الحدوث.

ج- فقر الدم المنجلي  sickle cell disease وباقي اعتلالات الخضاب hemoglobinopathies:

تعرّف اعتلالات الخضاب بأنها تبدل في بنية جزيئات الهيموغلوبين خلافاً للتلاسيميا التي يكون فيها تبدل الخضابات كمياً.

فقر الدم المنجلي أكثر أشكال اعتلالات الخضاب شيوعاً. تحدث في هذا الداء طفرة نقطية في الصبغي (11) تتبدل فيها مواقع الحموض الأمينية، فيحل الفالين مكان الجلوتامين على الموقع السادس من السلسلة bβ مؤدية إلى تشكل الخضاب المنجلي (HbS). وفي الشكل متماثل الأمشاج لفقر الدم المنجلي (HbSS) وحين حدوث نقص أكسجة يتبلور الخضاب ويترسب مؤدياً إلى الشكل المنجلي للكريات الحمر ومن هنا نشأ اسم هذا الداء. يجب تحديد النمط الموجود والشذوذات الخضابية هل هو شكل SS أم S-C أم S-bβ- thalassemia وتفرعاتها؛ لأن النمط هو الذي يحدد السير السريري وشدته.

يؤدي حدوث التمنجل إلى تأثيرين أساسيين: انحلال الكريات الحمر وحدوث صمات بسبب تكدس هذه الكريات وسوء جريانها مؤدية إلى النوب المنجلية.

تكون الأشكال مختلفة الأمشاج لاعرضية غالباً، أما الأشكال متماثلة الأمشاج فيكون فيها الأطفال في الأشهر الأولى طبيعيين بسبب استمرار الخضاب F الذي يحسن حلولية الخضاب ضمن الكريات الحمر. وبدءاً من الشهر الرابع إلى السادس من الحياة وبسبب الانسداد الوعائي والاحتشاءات تبدأ النوب المنجلية متظاهرة بالآلام البطنية الماغصة والآلام العظمية التي تكون طاعنة وشديدة، وبالاحتشاءات الدماغية التي تتظاهر بصداع وشلول واختلاجات واضطرابات رؤية، أما الاحتشاءات الكلوية فتتظاهر ببيلة دموية في المرحلة الحادة وتتظاهر على المدى الطويل بنقص تكثيف البول وتنتهي بقصور كلوي.

يضخم الطحال في البداية ثم تؤدي الاحتشاءات المتكررة فيه إلى ضموره وإلى نقص وظيفته المناعية خاصة؛ مؤدية إلى ميل إلى الإصابة بالأخماج ولاسيما ذات العظم والنقي بالسالمونيلا.

وتؤدي الاحتشاءات المبكرة في أمشاط اليدين والقدمين إلى حدوث تورمات مؤلمة في صغار الأطفال، وهو ما يسمى متلازمة اليد والقدم. وتصيب الاحتشاءات أي مكان من الجسم (نوب الانسداد الوعائي) مثل نوب الاحتشاء الرئوي الذي يغلب أن يرافقه خمج (متلازمة الألم الصدري). تبدأ الأعراض فيه بألم صدري ثم تتطور إلى زلة وسعال وترفع حروري وخفقان، ويبدو بإصغاء الصدر نقص في الأصوات التنفسية مع أصمية بالقرع. ويجب تشخيص هذه الحالة بسرعة لمنع حدوث نقص الأكسجة وذلك بإعطاء الأكسجين والسوائل والتسكين والصادات وموسعات القصبات، وقد تنقل الكريات الحمر ونادراً ما يتطلب الأمر تبديل الدم الجزئي.

 

النمط الجيني

الحالة السريرية

HbA

HbS

HbA2

HbF

HbC

ملاحظات

SA

سمة منجلي

55-60%

حتى 40

2-3

-

-

عادة لاعرضي

 

SS

 

فقر دم منجلي

0

85-90

2-3

5-15

-

فقر دم مع توزع غير متجانس لـHbF

 

S/βº

 

 

منجلي/تالاسيميا βº

0

70-80

3-5

10-20

-

فقر دم متوسط الشدة، ضخامة طحال في 50% صغر حجم ونقص صباغ

 

S/ β+

منجلي/تالاسيميا

β+

10-20

60-70

3-5

10-20

-

فقر دم خفيف توزع غير متجانس لـHbF

الشكل (10)الكريات المنجلية

 

SC

 

 

داء Hb SC

0

45-50

_

_

45-50

فقر دم متوسط الشدة ضخامة طحالية، خلايا هدفية

 

S-HPFH

منجلي مع بقاء استمرار الخضاب الجنيني

0

70-80

1-2

20-30

-

لاعرضي توزع غير متجانس لـHbf

 الجدول (5) يبين مقارنة متلازمات الداء المنجلي  

يحدث النعوظ في المرضى الذين تراوح أعمارهم ما بين 6 و20 سنة بانتصاب مفاجئ مع ألم شديد في القضيب، وتعالج هذه الحالة أيضاً بالأكسجة الجيدة مع السوائل؛ ونقل الدم أو تبديله الجزئي الهادف إلى تخفيض خضاب S حتى نسبة 30% مع إعطاء المسكنات.

ويتظاهر التوشظ الطحالي sequestration بنوبة ألمية شديدة مع وهط وعائي بسبب نقص الحجم نتيجة احتباس الدم ضمن الطحال المؤدي إلى ضخامة طحالية شديدة وارتفاع الشبكيات.

والإصابة بالـ parvovirus B19 تؤثر في السلاسل الحمر في النقي مؤدية إلى نقص تصنيع الكريات الحمر نقصاً عابراً مع نقص شبكيات وحدوث فقر دم شديد يهدد الحياة.

تنجم نوب الانحلال الشديدة عن تناول أدوية أو إصابات خمجية تتخرب فيها الكريات الحمر مع ارتفاع البيليروبين وهبوط الخضاب السريع وزيادة الشبكيات، ولوحظ أن معظم المرضى المعرضين لمثل هذه الحالات هم مصابون أيضاً بعوز G6PD ومن المعروف ترافق هذين المرضين.

يستطب نقل الدم في هذه الحالات الثلاث الأخيرة.

 
الشكل (10) الكريات المنجلية 

المخبريات: الموجودات المخبرية غير لافتة للنظر في الشكل المتخالف الأمشاج؛ إذ يندر مشاهدة البيلة الدموية أوفقر الدم، لكن يشاهد برحلان الخضاب وجود HbS بنسبة 25 إلى 40% والباقي HbA1 مع كميات قليلة من HbF أحياناً وHbA، وتكون اللطاخة عادة سوية إلا في حال التعرض لنقص أكسجة فتظهر بعض المنجليات.

في الشكل متماثل الأمشاج تظهر المنجليات بوضوح (الشكل10) ولاسيما إذا ما حبس الدم في الإصبع قبل أخذ اللطاخة.

 يزداد عدد الكريات البيض في أثناء نوب الانسداد الوعائي مع زيادة الصفيحات، ويبدي رحلان الخضاب زيادة شديدة في HbS مع نسب متفاوتة من HbF وانعدام HbA في الأشكال الشديدة (HbSS).

المعالجة: بالقلونة وإعطاء السوائل والمسكنات في النوب الألمية، ونقل الدم في الاحتشاءات الدماغية والحالات المهددة للحياة.

يعطى الهدروكسي يوريا hydroxyurea للوقاية من الاحتشاءات وذلك برفع الخضاب F؛ إذ  إن ارتفاعه أكثر من 10% يخفف من النوب البطنية والاحتشاءات العظمية وارتفاعه أكثر من 20% يمنع النوب الألمية الشديدة. والعلاج الشافي الوحيد هو زرع النقي الغيري allo-BMT.

قد يترافق الخضاب S مع خضابات أخرى مثل تلاسيميا b β وخضاب C وغيرها، وتختلف الأعراض باختلاف الشدة والتوزع.

د- فقر الدم الانحلالي المناعي immune hemolytic anemia:

هو فقر دم مكتسب إما بسبب أضداد غيرية وإما ذاتية. وقد أصبحت الأضداد الغيرية نادرة اليوم بسبب تطور تقنية نقل الدم والتدقيق في تحديد الزمر الدموية والفحوص اللازمة قبل إجرائه.

فقر الدم الانحلالي مناعي المنشأ في الولدان ينجم عن التنافر بين زمرة الأم وزمرة الوليد حين تكون الأم إما سلبيةRh   مع وليد إيجابي Rh وإما تكون من زمرة O مع وليدٍ زمرته A أو B أو كليهما أو خليط مما سبق.

يرى تفصيل هذا في بحث يرقانات الوليد وفقر الدم في الوليد.

ينجم فقر الدم المناعي الذاتي autoimmune hemolytic anemia عن تشكل أضداد ذاتية ضد الكريات الحمر؛ يحرض عادة بأسباب عديدة منها الأخماج التنفسية مثل الخمج بڤيروس EBV والمفطورات (الميكوبلازما) وڤيروسات التهاب الكبد وHIV وغيرها من الڤيروسات، أو في سياق الأورام مثل الورم اللمفي (اللمفومة)، أو بعض الآفات المناعية كالذئبة الحمامية، أو بعد تناول الأدوية وخاصة الصادات، ويكون تفاعل كومبس هنا إيجابياً.

تعالج هذه الحالات بالستيروئيدات أو كابحات المناعة أو باستعمال الغلوبولينات المناعية، ولا يجوز نقل الكريات الحمر إلى هؤلاء الأطفال إلا في حالات الضرورة القصوى؛ لأن النقل قد يزيد من تحريض الأضداد ويعرض للصدمة. ولا يجوز إعطاء اللقاحات لأنها قد تزيد من نوب الانحلال بتحريض الأضداد وتؤجل عادة إلى ما بعد العلاج وحدوث الهدوء.

هـ- الانحلالات الآلية (الميكانيكية) mechanical hemolytic anemia:

 
الشكل (7) معالم DIC على اللطاخة المحيطية

تحدث بسبب التأثير الميكانيكي في غشاء الكريات الحمر حين دورانها مؤدياً إلى أذية الغشاء وتخربه.

ففي اعتلال الأوعية الدقيقة التخثري thrombotic microangiopathy تعلق الكريات الحمر بخيوط الفيبرين المترسبة وتتحطم، وأهم أسباب هذا الداء  thrombotic thrombocytopenic purpura TTPوHUS وDIC (الشكل11) وفرط الضغط الخبيث والانسمامات الدوائية ورفض الطعم الحاد في المرضى المجرى لهم زرع الأعضاء.

تكون الصفيحات عادة كبيرة (فتية) ولكنها ضعيفة وظيفياً، ويكون استهلاك عوامل التخثر أكثر وضوحاً في DIC مما في باقي الأسباب؛ لذا يرافقه تطاول PTT، PT، وتبدي اللطاخة المحيطية وجود كريات حمر مجزأة ومكورة صغيرة وكريات دمعية الشكل.

وعدا ما تقدم يذكر من أسباب الانحلالات الميكانيكية التشوهات القلبية أو الدسامية والأورام الوعائية الكبيرة كما في متلازمة كسباخ- ميريت Kasabach- Merritt syndrome .

و- فقر الدم ناقص التنسج hypoplastic anemia :

هو نقص إنتاج الكريات الحمر من النقي منفردة أو مع باقي عناصر الدم (قلة أرومات الحمر الحاد العابر acute transient erythroblastopenia).

السبب: توقف تنسج الأرومات الحمر في النقي إما بسبب خمج أو دواء أو في سياق الانحلالات المزمنة (نوب عدم تنسج) وإما مجهولة السبب.

الشيوع: هي أكثر أسباب فقر الدم سوي الشكل والصباغ عند الأطفال شيوعاً.

السريريات: حدوث فقر الدم من دون ضخامة كبدية أو طحالية أو ضخامة عقد.

التشخيص: قد يهبط الخضاب إلى 3غ/دل لكن مع نقص الشبكيات (المؤشر> 0.3%) وهو ما يميزه من النزف أو الانحلال، ويشاهد ببزل النقي نقص واضح في السلسلة الحمراء.

العلاج: المراقبة من دون أي تدخل علاجي؛ إذ ترتفع الشبكيات والخضاب عفوياً ولا يستطب نقل الكريات الحمر إلا في فقر الدم الشديد المرافق لمظاهر قصور القلب، وينتبه لإيقاف العامل المسبب إن وجد.

فقر الدم اللاتنسجي الخلقي المزمن (فقر دم بلاكفان - دياموند (Blackfan- Diamond anemia:

الأسباب: يورث بشكل جسمي مقهور أو قاهر، يحدث فيه عطب في أرومات الكريات الحمر في النقي مما يمنع تحرضها بـ erythropoietin.

السريريات: شحوب منذ الأشهر الأولى للحياة، يرى بنسبة 50% قبل الشهر الثالث من العمر؛ وبنسبة 35% منذ الولادة وفي الشهر الأول من العمر، غالباً ما يرافق الولادات المبكرة، وقد يرافق بعض التشوهات مثل صغر الرأس والعينين وارتفاع قبة الحنك. يصاب 50% من الأطفال بفشل نمو؛ وثلث الحالات بقصور قلب أو تشوهات كلوية أو أصبعية ولاسيما الإبهام، ويرافق بعض الحالات تأخر عقلي.

التشخيص: فقر دم مع ارتفاع MCV، وارتفاع HbF مع نقص الشبكيات، وتشاهد على اللطاخة المحيطية كريات حمر كبيرة بيضوية وسواء الكريات البيض وزيادة الصفيحات.

التشخيص التفريقي: قد يشاهد نقص الكريات الحمر في قصورات الدرق الخلقية، وآفات الكلية، والقصورات الغذائية، وأورام التوتة (التيموس) والأخماج المزمنة، وقصور قشر الكظر.

ويشاهد كذلك في الداء الرثياني، والذئبة الحمامية، والابيضاضات الحادة مع الإشارة إلى ضخامة الطحال.

العلاج: يفضل عدم التدخل الدوائي في السنة الأولى من العمر ويعتمد هنا على نقل الكريات الحمر إن لزم، بعد ذلك يستطب استعمال الستيروئيدات القشرية، وحين الحاجة إلى استعمالها فترات طويلة تحدد الجرعة العليا بـ 0.5 مغ/كغ يومياً، وحين عدم الاستجابة يلجأ إلى نقل الكريات الحمر مع استعمال خالبات الحديد في حالة تراكمه، ويعدّ زرع النقي الدواء الشافي.

خلل تكون الكريات الحمرdyserythropoisis : هو فقر دم مع نقص الشبكيات أو انعدامها في الدم المحيطي على الرغم من زيادة طلائع الحمر في النقي، وهو ما يسمى قصور النقي الكاذب.

الأسباب: داء وراثي بصفة جسمية يرافق ذات عظم ونقي متعددة البؤر ناكسة أو ثانوية، مرافق لأمراض عديدة مثل تلاسيميا C ولاسيما فقر الدم حديدي الأرومات sideroblastic anemia وترخم العظام وغيرها.

السريريات والتشخيص: فقر دم مع كريات سوية أو كبيرة وزيادة الفريتين، ونقص الشبكيات الشديد وضخامة حشوية وقد يرافق بعض التشوهات الهيكلية.

العلاج: نقل الكريات الحمر مع إعطاء خالبات الحديد لمنع حدوث الداء الهموسيديريني (الهموسيدروز).

 فقر الدم اللاتنسجي aplastic anemia¨pancytopenia: هو نقص عناصر الدم الثلاث في الدم المحيطي مع نقص الشبكيات والعناصر المولدة للدم في النقي.

السبب: غير معروف ولكن تعرف له أشكال وراثية مثل: عسر التقرن الخلقي dyskeratosis congenita، وفقر دم فانكوني،  ومتلازمة شفاخمان دياموند Shwachman- Diamond Syndrome. ولبعض الأخماج والأدوية شأن في حدوثها.

يورث فقر دم فانكوني بشكل جسمي مقهور، وتحدث فيه تكثرات صبغية متعددة، وتزداد نسبة التعرض للخباثات في المصابين. أما عسر التقرن الخلقي فيورث بصفة قاهرة مرتبطة بالجنس، في حين يورث داء شفاخمان بصفة جسمية مقهورة.

السريريات: شحوب وميل إلى حدوث الأخماج وتكررها؛ والنزف ولاسيما على الجلد ومن الأنف. البدء خلسي متأخر غير لافت للانتباه. يترافق الداء وبعض التشوهات الخلقية. ففي فقر دم فانكوني يبرز صغر الرأس وقصر القامة والملامح الناعمة مع تشوهات هيكلية مثل غياب الكعبرة وتشوهات الإبهام وزيادة التصبغات الجلدية وبقع القهوة بحليب، كما يمكن مصادفة تشوهات كلوية؛ وقصور الغدد التناسلية hypogonadism؛ وتشوهات قلبية. أما المصابون بعسر التقرن الخلقي فتظهر فيهم تشوهات ظفرية وطلوان فموي leukoplakia مع تصبغ شبكي بني على الجلد، ويترافق داء شفاخمان وقصور معثكلة؛ إضافة إلى قصر القامة وقصور النقي.

التشخيص: يكون تعداد الشبكيات ناقصاً مع نقص المحببات والصفيحات؛ إضافة إلى فقر الدم كبير الكريات الحمر سوية الحجم أو كبيرة، وتبدي خزعة النقي نقصاً في التنسج.

المعالجة: عرضية بإعطاء الصادات لمقاومة الخمج؛ وإعاضة الدم ومشتقاته حين الضرورة القصوى فقط لاحتمال حدوث ارتكاس تحسسي من نقل الدم، مما قد يكون له تأثير سيئ مستقبلاً في زرع النقي الذي يعدّ العلاج الوحيد الشافي.

ثالثاً- فقر الدم كبير الكريات أو العرطل macrocytic (megaloblastic) anemia:

هو فقر دم مرافق لارتفاع MCV فوق القيمة الطبيعية المحددة حسب العمر مع كبر السلاسل الخلوية ضمن النقي، غالباً ما يرافقه اضطراب ڤيتامين B12 وحمض الفوليك أو نقصه.

فقر الدم في عوز ڤيتامين B12 وحمض الفوليك B6:

السبب: غالباً نقص الوارد الغذائي ولاسيما في الأطفال الرافضين لتناول اللحوم والحليب ومشتقاته والبيض… إلخ. أو بسبب سوء الامتصاص كما في الأدواء المعدية المعوية. أو بتعاكس دوائي وخاصة مع حمض الفوليك مثل phenytoin، phenobarbital،  cotrimoxazoleوmethotrexate.

أو لزيادة الاستهلاك كما في الانحلالات أو فرط الاستقلاب كفرط نشاط الدرق وبعض الخباثات، أما الاضطرابات الوراثية فنادرة كما هو الحال في عوز العامل الداخلي لامتصاص    B12(فقر الدم الوبيل) أو عوز العامل الناقل transcobalamin II.

الآلية الإمراضية: لكل من B12 و B6 شأن كبير في بناءDNA   وRNA، ولذلك يتعرقل الانقسام الخلوي في عوزهما وأول ما ينعكس على السلسلة الحمراء، مما يؤدي إلى أشكال كبيرة من الأرومات الحمر في النقي وكريات حمر كبيرة في الدم المحيطي ويكون الخضاب ضمنها مرتفعاً، وهكذا يحدث كبر حجم الكريات الحمر مع زيادة الصباغ ولا يقتصر الأمر على الخلايا الدموية؛ بل ينال أيضاً باقي الخلايا المتجددة (الخلايا الإبيتيليالية مثلاً).

السريريات: لا يتظاهر فقر الدم الوبيل إلا نادراً، ويتظاهر العوز في الأطفال باضطراب النمو ويحدث إلى جانب فقر الدم المترقي التهاب اللسان والصوارين، وقد يظهر يرقان خفيف إضافة إلى بعض الاضطرابات العصبية.

التشخيص: تشاهد في اللطاخة المحيطية كريات كبيرة الحجم زائدة الصباغ، وقد تشاهد أرومات حمر وكريات مرقطة (ترققات أسسة) وزيادة في تفصص العدلات (5 إلى 6 فصوص وأحياناً أكثر) مع كبر حجم الصفيحات وفقر الدم وارتفاع MCV ونقص الشبكيات نسبة إلى شدة فقر الدم، وقد ينقص عدد الكريات البيض والصفيحات. أما بزل النقي فيظهر كبر حجم السلاسل المولدة ولاسيما الحمراء؛ إذ تشاهد أرومات حمر ضخمة megaloblasts أو وحيدات عملاقة أو خلايا باند عرطلة.

يكون التشخيص النوعي بمعايرة B12 و B6 ضمن الكريات، أما عياره السوي ضمن المصل فلا ينفي الداء.

التشخيص التفريقي: يجب تفريق الآفة عن متلازمة ليش نيهان المرافقة لفقر دم كبير الكريات مع اضطراب استقلاب الـ adenine والاضطرابات الاستقلابية الأخرى على مستوى اليوريدين.

المعالجة: بإعطاء ڤيتامين B12 أو حمض الفوليك أو كليهما، وخشية أن تتفاقم الأعراض العصبية المرافقة لعوز B12 بعد إعطاء حمض الفوليك لابد من نفي وجود عوز B12 أو لا؛ إما بمعايرته (المقدار الطبيعي 200 إلى 800 بيكوغرام/مل) وإما بإعطاء 1 إلى 2 مغ منه عضلياً ومراقبة ارتفاع الشبكيات في الأيام القليلة التالية، وإذا لم تحدث الاستجابة أو بعد معايرة B6 (المقدار الطبي

 

 




التصنيف : أمراض الأطفال
النوع : أمراض الأطفال
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 187
مستقل

آخر أخبار هيئة الموسوعة العربية:

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 5
الكل : 3543962
اليوم : 205