logo

logo



متلازمة سوء الهضم وسوء الامتصاص

متلازمه سوء هضم وسوء امتصاص

maldigestion and malabsorption syndrome - troubles de la digestion et syndrome de malabsorption



متلازمة سوء الهضم وسوء الامتصاص

جرير عبد الوهاب

 الطور اللمعي

الطور المخاطي  

 

 

سوء الهضم maldigestion هو خلل في تحطيم المواد الغذائية كالسكريات والدسم والبروتينات وعدم القدرة على تحويلها إلى مركّبات مشطورة قابلة للامتصاص. أما سوء الامتصاص malabsorption فهو خلل في عملية التقاط المغذيات المهضومة ونقلها عبر مخاطيات أنبوب الهضم إلى الدوران اللمفي والدموي. وبسبب تداخل عمليات الهضم والامتصاص وتضافر عوامل أخرى معها في آليات اقتناص المغذيات؛ فقد اقترحت تسمية أخرى لهذه المتلازمة وهي سوء تمثل الأغذية malassimilation.

إن ربط سوء الامتصاص  بوجود إسهالات أو إسهالات دهنية لم يعد مقبولاً حالياً، فقد يكون للأمراض المسببة لسوء الامتصاص تظاهرات خارج هضمية، كفقر الدم أو مرض العظم أو اضطرابات الدورة الطمثية، يمكنها أن تسيطر على الصورة السريرية. وفي حالات أخرى قد يصادف أعراض هضمية يسيرة ومضللة كنفخة البطن وتبدل بسيط في عادة التغوط تأخذ شكل متلازمة المعى الهيوج. كما يمكن لسوء الامتصاص أن يصيب عنصراً وحيداً كالكلسيوم أو الكوبولامين، وإذا مرّ دون أن يكشف فقد يسبب مضاعفات ربما يصعب أو يتعذر عكسها.

التصنيف 

لقد طرحت تصانيف متعددة ومتباينة لمتلازمة سوء الامتصاص، بيد أن هناك توافقاً عالمياً واسعاً على التصنيف الذي يستند إلى المراحل التي تمر بها عملية الهضم والامتصاص وهي:

1- المرحلة داخل اللمعة.

2- مرحلة المخاطية.

3- مرحلة النقل أو مرحلة ما بعد الامتصاص.

تتم في المرحلة الأولى عملية حلمهة المغذيات (أي شطر المركبات بالماء) وتذويبها بالاعتماد على نحو كبير على مفرزات المعثكلة والمفرزات الصفراوية. وفي المرحلة المخاطية يتم إكمال عملية الحلمهة النهائية والتقاط السكاريدات والببتيدات كما يتم قبط الشحميات من قبل الخلايا الظهارية وحفظها بانتظار نقلها الخلوي. وتتمثل مرحلة النقل بدخول المغذيات إلى الدوران الدموي واللمفاوي. يمكن للأذيات الحاصلة في أي من المراحل المذكورة أن تؤدي إلى حدوث متلازمة سوء امتصاص.

أولاً- الطور اللمعي

1- خلل حلمهة المغذيات:

يمكن إجمال أسباب سوء الحلمهة كما يلي:

- قصور المعثكلة الناجم عن التهاب مزمن أو قطوع المعثكلة أو ورم معثكلي أو عن الداء الليفي الكيسي. يؤدي النقص الحاصل في الليباز والبروتياز إلى سوء امتصاص الدسم والبروتين على التوالي.

- عدم تفعيل خمائر المعثكلة الناجم عن فرط إفراز الحموضة المعدية كما هي الحال في متلازمة زولنجر إليسون.

- عدم كفاية خلط المغذيات ومزجها مع الصفراء والإنزيمات المعثكلية، ويصادف في حالات العبور المعوي السريع، وبعد المجازات المعدية الصائمية وقطوع المعدة الجزئية أو الجذرية أو قطوع الأمعاء.

- يحدث -وعلى نحو نادر- فشل في تحول طلائع الإنزيمات المعثكلية إلى أشكالها الفعالة كما في نقص التريبسينوجين والإنتيروكيناز الذي يؤدي إلى وقوع سوء هضم وسوء امتصاص للبروتينات.

2- سوء تشكل المُذَيلات impaired micelle formation:

ينجم عن سوء تشكل المُذَيلات إسهال دهني وعوز للڤيتامينات المنحلة بالدسم في حين لا يتأثر امتصاص السكريات والبروتينات، ويؤدي نقص تشكل المُذَيلات إلى نقص انحلال الدسم وبالتالي إلى سوء امتصاصها.

يضطرب تشكل المُذَيلات للأسباب التالية:

- نقص تركيب الحموض الصفراوية الناجم عن مرض كبدي متني شديد كالتشمع الكبدي.

- تناقص في إفراز الحموض الصفراوية بسبب انسداد الطرق الصفراوية أو حدوث ركودة صفراوية، كما في التشمع الصفراوي الأولي والتهاب الطرق الصفراوية المصلب الأولي.

- عيب في دورة الصفراء المعوية الكبدية  كما في قطوع الأمعاء أو داء كرون.

- حدوث ركودة للمحتويات المعوية بسبب اضطراب حركية الأمعاء كما في تصلب الجلد واعتلال الأعصاب السكري وانسداد الأمعاء، أو شذوذ تشريحي كرتوج الأمعاء الدقيقة والتضيقات والعرى العمياء blind loops، وما ينجم عن ذلك من فرط النمو الجرثومي المعوي ونزع اقتران الحموض الصفراوية.

- يؤدي وجود عيب في اللفائفي النهائي إلى سوء امتصاص الأملاح الصفراوية الأولية؛ وبالتالي تصل إلى القولون وتخضع لتأثير الجراثيم التي تنزع منها جذر الهدروكسيل. تملك المركّبات الناتجة قدرة على تحريض إفراز الماء والشوارد من القولون وإحداث إسهالات مائية.

ثانياً- الطور المخاطي 

1- تناقص فاعلية الهيدرولاز في الحافة الفرجونية: تؤدي الخلايا الظهارية المعوية دوراً مهماً في المراحل النهائية لهضم السكريات حيث لايمكن لثنائيات السكاريد القوتية  وقليلات السكاريد- وهي المنتجات النهائية لهضم السكريات داخل اللمعة- أن تجتاز الحاجز الظهاري ما لم تتم حلمهتها وتحويلها إلى وحيدات سكاريد، ويتم ذلك بوساطة إنزيمات الهيدرولاز النوعية المتوضعة في الحافة الفرجونية.

يؤدي ضعف هذه الإنزيمات إلى وصول السكريات غير الممتصة إلى القولون، فيتم استقلابها من قبل النبيت الجرثومي، وتتشكل حموض دسمة قصيرة السلاسل تسهم في زيادة الحمل الحلولي، وتؤدي بالتالي إلى حدوث إسهال وقرقرة وأرياح flatus زائدة. يعدّ عوز اللاكتاز المكتسب أكثر أشكال عوز إنزيمات الهيدرولاز شيوعاً. تقوم اللاكتاز بحلمهة اللاكتوز الثنائي وتحويله إلى سكرَيْن أحاديين هما الغلوكوز والغالاكتوز، ويكون مقدارها كبيراً عند الولادة؛ إذ تؤدي دوراً مهماً في هضم الحليب، ثم تبدأ بالتناقص بعد الفطام، لذا فإن لدى القسم الأعظم من سكان العالم عوز لاكتاز، ويختلف هذا النقص حسب العرق والجنس.

تشاهد أعراض عوز اللاكتاز في مرحلة الطفولة والمراهقة عادة. ويمكن أن يحدث بوصفه مضاعفة لبعض أمراض الغشاء المخاطي كالتهاب المعدة والأمعاء الحاد أو الكحولية المزمنة أو الداء البطني أو اعتلال الأمعاء في متلازمة عوز المناعة المكتسب، ويمكن أن تعود فاعليتها بعد شفاء المرض المسبب بفترات مختلفة .

يشاهد في حالات نادرة عوز ولادي للاكتاز يورث بطريق جسمي مقهور، ويتظاهر بإسهال مائي غزير وهيوجية، وتظهر أعراضه مع تناول أول وجبة تحوي الحليب، وتتراجع الأعراض باستبعاد الحليب.      

قد يصادف عوز في إنزيمات هيدرولاز الحافة الفرجونية الأخرى كعوز السكّراز-الإيزومالتاز sucrase-isomaltase deficiency. وتحدث أعراضه بتناول الأغذية المحلاة بالسكاروز، وتتظاهر بحس انتفاخ البطن والقرقرة والمغص.

2- خلل امتصاص المغذيات:

أ- أخطاء موروثة: قد ينجم سوء امتصاص الأغذية عن عيب وراثي في الخلية المعوية كما هو الحال في فقد البروتين الشحمي بيتا الذي يتميز بسوء تشكل الدقائق الكيلوسية، ويورث بطريق جسمي مقهور، وتكون الخلايا المعوية متمددة، وتحتوي على الشحوم ثلاثيات الغليسريد المعاد اصطناعها والمتراكمة داخل الخلايا المعوية معطية مظهراً نسيجياً مميزاً للمرض.

ب- علل مكتسبة وهي أكثر شيوعاً، وتنجم عن:

- نقص سطح منطقة الامتصاص كما بعد قطوع الأمعاء أو المجازات المعوية.

- أذية في السطح الامتصاصي: الداء البطني أو الذَّرَب البطني celiac sprue الذَّرَب الاستوائي، وداء كرون واعتلال الأمعاء في متلازمة عوز المناعة المكتسب أو بعد تطبيق معالجة كيمياوية أو شعاعية.

- الأدواء الاندخالية لجدر الأمعاء: لمفومة أو داء نشواني  amyloidosis.

- الأخماج.

3- طور النقل أو ما بعد الامتصاص:

يؤدي انسداد الجهاز اللمفاوي- سواء كان خلقياً كتوسع الأوعية اللمفاوية المعوية وداء ميلوري أو مكتسباً كما في داء ويبل والتدرن والتنشؤات-  إلى تعطل امتصاص الدقائق الكيلوسية والبروتينات الدهنية؛ مما يفضي إلى حدوث سوء امتصاص الدسم أو اعتلال معوي مفقد للبروتين.

أ- سوء امتصاص الڤيتامينات:

- الڤيتامينات K,E,D,A المنحلة بالدسم: تقود الأمراض المسببة لسوء امتصاص الدسم إلى حدوث سوء امتصاص للڤيتامينات المنحلة بالدسم؛ لأن آليات امتصاصهما متشابهة، ويتجلى ذلك خصوصاً في الأمراض المسببة لنقص تشكيل المُذَيلات الناجم عن نقص الحموض الصفراوية.

كما قد يتأثر امتصاص هذه الڤيتامينات في سياق الأمراض المنتشرة في المخاطية المعوية، وفي الأمراض التي تترافق وتعطل في تشكيل الدقائق الكيلوسية ونقلها، أو مع الإسهالات الدهنية الناجمة عن قصور إفراز المعثكلة الخارجي.

- الكوبولامين B12: قد يترافق التهاب المعدة الضموري وسوء امتصاص خفيف للكوبولامين، وتشاهد حالات من سوء امتصاص الكوبولامين أكثر شدة إن وجد نقص في إفراز العامل الداخلي من المعدة، كما هي الحال في التهاب المعدة المناعي الذاتي  أو ما بعد قطوع المعدة. يعدّ التهاب المعدة المناعي أشيع سبب لسوء امتصاص الكوبولامين، وينشأ من تناقص إفراز العامل الداخلي نتيجة تخرب الخلايا الجدارية المعدية. قد يحدث سوء امتصاص خفيف الشدة في حالات قصور المعثكلة ومتلازمة زولنجر-أليسون، ويعود إلى تناقص إفراز الإنزيمات الشاطرة للبروتين والضرورية لتحرير الكوبولامين من مركّبه المرتبط بالبروتين R.

تؤدي متلازمة فرط التكاثر الجرثومي المعوي وبعض الأخماج بالديدان إلى زيادة استهلاك الكوبولامين من قبل الجراثيم أو الديدان داخل اللمعة المعوية؛ وبالتالي تناقص كمية الكوبولامين المتاحة للامتصاص المعوي. كما تؤدي آفات اللفائفي- كداء كرون أو قطوع اللفائفي- إلى تناقص السطح النوعي الذي يتم فيه امتصاص الكوبولامين المرتبط بالعامل الداخلي، فقد يؤدي قطع 60سم من الدقاق إلى إحداث نقص امتصاص للكوبولامين مهم سريرياً.

- الفولات: يحدث سوء امتصاص الفولات في سياق الأمراض التي تصيب مخاطية الأمعاء الدانية، كالداء البطني وداء ويبل والذَّرَب الاستوائي. كما يمثل عوز الفولات مظهراً شائعاً للكحولية المزمنة، ويعود سببه هنا على نحو رئيسي إلى نقص مدخوله القوتي مع إمكانية حدوث نقص في امتصاصه المعوي أيضاً. وقد يؤدي استعمال بعض الأدوية إلى نقص امتصاص الفولات.

- الڤيتامينات الأخرى المنحلة بالماء: يتم امتصاص الڤيتامين C (حمض الأسكوربيك) والڤيتامين B المركّب في الأمعاء الدقيقة إما عن طريق النقل الفعال؛ وإما بالانتشار المنفعل. تؤدي متلازمة سوء الامتصاص الشامل إلى نقص في امتصاص هذه الڤيتامينات وربما قد تؤدي إلى عوزها، كما قد تترافق الكحولية المزمنة وعوز هذه الڤيتامينات بسبب نقص مدخولها مع القوت أو نقص امتصاصها المعوي.

ب- سوء امتصاص المعادن:

- الكلسيوم: يمكن للأمراض التي تصيب مخاطية الأمعاء الدقيقة كالذَّرَب البطني أن تترافق وسوء امتصاص شديد للكلسيوم، ويحدث ذلك إما على نحو مباشر ناجم عن تناقص السطح المخاطي المتوافر للامتصاص؛ وإما على نحو غير مباشر عبر تشكيل صوابين كلسية غير منحلة بالتفاعل مع الحموض الدسمة الطويلة السلسلة التي لم يتم امتصاصها على نحو مناسب.

ويمكن أن يحدث سوء امتصاص انتقائي للكلسيوم غير مترافق وسوء امتصاص الدسم في سياق الأمراض الكلوية ونقص نشاط الدريقات، أو بوجود أخطاء خلقية في إنتاج 1-25(OH)vit. D أو في مستقبلات ڤيتامين D في الأمعاء.

- المغنزيوم: يصادف سوء امتصاص المغنزيوم في العديد من اضطرابات سوء الامتصاص المعممة، وينجم ذلك عن نقص سطح الامتصاص المخاطي، أو بسبب ربط المغنزيوم ضمن اللمعة مع الحموض الدسمة التي لم تمتص على نحو مناسب.

- الحديد: يشيع نقص الحديد بعد قطوع المعدة ومع الأمراض المنتشرة في مخاطية الأمعاء أو بعد قطوع الأمعاء ومجازاتها.

- التوتياء: يسوء امتصاصه كالمعادن الأخرى في أمراض المخاطية المعوية المنتشرة. وقد يوجد أيضاً خلل خلقي انتقائي في امتصاص التوتياء هو السبب في التهاب جلد الأطراف المعوي المنشأ.

التظاهرات السريرية لسوء الامتصاص

تتعدد وتتباين المشاهد السريرية على نحو كبير ما بين حالات بسيطة نادرة الأعراض تشخص مصادفة عبر وجود شذوذ مخبري كيمياوي وبين حالات شديدة قد تكون مهددة للحياة.

يؤدي سوء امتصاص البروتينات إلى حدوث الوذمة ونقص الكتلة العضلية، كما قد يؤهب لحدوث أخماج شديدة أو معاودة بسبب اعتماد الجملة المناعية على البروتينات، وقد يسبب تأخراً في النمو عند الأطفال وخمولاً عقلياً وهيوجية.

أما سوء امتصاص السكريات فينطوي على أعراض نوعية كالإسهال والأرياح؛ إذ تقوم الجراثيم القولونية بتخمير السكريات غير الممتصة الواصلة لها وإنتاج الغازات مثل الهدروجين والميثان وثنائي أكسيد الكربون؛ والحموض العضوية التي تسبب حدوث الإسهال بتأثيرها المباشر في ظهارة القولون وتحريضها على إفراز السوائل وتأثيرها الأسمولي الذي يسهم في سحب الماء باتجاه اللمعة. ويسهم وجود الحموض العضوية في البراز في إنقاص باهائه pH لما دون 6، وهذه علامة قد توجه  لسوء تمثل السكريات.

تسبب الغازات حدوث الانتفاخ والقرقرة البطنية، وقد يمتص غاز الهدروجين إلى الدوران، ويطرح مع الزفير، ومن هنا انطلق مبدأ اختبارهدروجين النفس لكشف سوء امتصاص السكريات. وقد يكشف الفحص وجود تطبل في البطن وزيادة في فاعلية الأصوات المعوية. وقد يطفو البراز على سطح الماء بسبب زيادة محتواه من الغازات لا من الدسم.

وبصورة عامة يؤدي نقص السكريات بوصفها مصدراً للطاقة إلى تناقص الانقلاب المحيطي لـ T4 إلى T3، ومع مرور الوقت يدخل البدن بحالة استقلاب تأكسدي oxidative metabolism حيث يحدث تقويض للعضل والشحم؛ وبالتالي قد يحدث الضعف ونقص الوزن والإرهاق.

ويمكن ملاحظة دلالات على نفاد المخازن الشحمية تحت الجلد بوجود انخماص الخدين وتسطح الأليتين وتغضن الجلد أو رخاوته، كما يمكن ملاحظة  فقدان كتلة العضل بوجود تناقص في كتلة راحتي اليدين.

يؤدي سوء امتصاص الدسم إلى حرمان البدن من الحريرات؛ وبالتالي إلى نقص الوزن وسوء التغذية. ويتميز سوء امتصاص الدسم بخروج براز شاحب، كبير الحجم، ذي رائحة كريهة غالباً ما يطفو على سطح الماء، وقد يلتصق بجدار المرحاض؛ مما يجعل تنظيفه وشطفه صعباً.

ومن ناحية أخرى تؤثر الحموض الدسمة الطويلة السلاسل غير الممتصة في مخاطية القولون، وتحدث إسهالاً بتأثيرها المخرش، وإضافة إلى ذلك فإنها تقوم بربط الكلسيوم الذي يكون مخصصاً في الحالة الطبيعية لربط الأكسالات، فيخفق ربطها، وتبقى حرة ليتم امتصاصها؛ مما يؤدي إلى حصول بيلة الأكسالات وما قد ينجم عنها من تشكل حصيات كلوية كلسية أكسالاتية.

قد ترافق سوء امتصاص الدسم أعراضٌ ناجمة عن سوء امتصاص الڤيتامينات المنحلة بالدسم أو أعوازها؛ فقد يؤدي عوز ڤيتامين A إلى حدوث العمى الليلي وجفاف الملتحمة وتلين القرنية وفرط تقرن الجلد، في حين يقود نقص الڤيتامين D إلى حدوث تلين العظام واعتلال العضلات الدانية. ويؤدي عوز الڤيتامين K إلى حدوث النزوف والكدمات.

يكثر حدوث فقر الدم في سياق متلازمة سوء الامتصاص، وينجم إما عن عوز الحديد، فيكون ناقص الصباغ صغير الكريات؛ وإما عن نقص الفولات أو الڤيتامين ب12، فيكون كبيرالكريات زائد الصباغ، وغالباً ما يكون مشتركاً. قد يترافق عوز الحديد وعسر البلع ويطلق على هذه المتلازمة اسم متلازمة بلمر- ڤينسون Plummer-Vinson syndrome. وتتجلى أعراض فقر الدم بظهور التعب والإرهاق والزلة، وقد يكشف الفحص وجود شحوب أو ضمور في حليمات اللسان أو تقصف الأظفار أو تسطحها أو تَمَلْعُقها.

تتضمن الصورة السريرية لنقص الفولات وڤيتامين ب12 تظاهرات لانوعية لفقر الدم كبير الكريات في المصل وهي: التهاب اللسان وارتفاع قيم نازعة الهدروجين اللاكتاتية (LDH). وقد يؤدي نقص ب12 إلى حدوث أعراض عصبية كالمذل والغياب غير العكوس لحس الوضعة والاهتزاز، وقد يحدث الهزع، كما قد يترافق عوز الفولات وغياب عكوس لمنعكس الاهتزاز والوضعة .

وقد تترافق متلازمة سوء الامتصاص وأعراض عوز الڤيتامينات الأخرى؛ إذ قد يؤدي عوز الڤيتامين B6 إلى التهاب جلد دهني seborrheic dermatitis والتهاب الصوارين والتهاب اللسان. وقد ينجم عن عوز الثيامين قصور القلب واعتلال فيرنيكه الدماغي ومتلازمة فيرنيكه كورساكوف. أماعوز النياسين فقد يترافق والتهاب الجلد وحدوث العته dementia، وتحدث نزوف اللثة بعوز الڤيتامين C.

ينجم عن نقص كلسيوم الدم ألم العظام والتكزز والكسور، ويؤثر تلين العظام الحاصل بسبب نقص الڤيتامين D على نحو رئيسي في العمود الظهري والقفص الصدري والعظام الطويلة، وربما ترافق وكسور أو أنه يسبب ألماً ظهرياً مبرحاً أو حوضياً أو في عظام الساق.

قد يقود نقص مغنزيوم الدم إلى حدوث أعراض تشابه تلك الناجمة عن نقص كلسيوم الدم، كما قد يسبب تعطل الآليات الناظمة لاستتباب الكلسيوم.

الاستقصاءات

1- الفحوص المخبرية العامة:

قد يظهر تعداد كريات الدم الكامل وجود فقر دم صغير الكريات بعوز الحديد، أو كبير الكريات بعوز الفولات أو ڤيتامين ب12، وتفيد معايرة حديد المصل والفولات وڤيتامين ب12 في التشخيص.

قد يلاحظ تطاول في زمن البروثرومبين ونقص في بروتين المصل  وألبومينه وهبوط المستويات المصلية لثلاثي الغليسريد والكوليسترول ونقص ألفا وبيتا كاروتين. وقد ترتفع سرعة التثفل في داء كرون وداء »ويبل«. وقد يظهر عيار الشوارد وجود نقص البوتاسيوم أو الكلسيوم أو المغنزيوم أو وجود حماض استقلابي.

2- الاختبارات المؤكدة لسوء الامتصاص:

أ- اختبارات امتصاص الدسم:

عدّت معايرة دهن البراز على مدى عقود عديدة الطريقة المثالية لتحديد وجود سوء امتصاص الدهن، وتعتمد على جمع البراز ثلاثة أيام متتالية ومعايرة الدهن فيه. ينطوي هذا الاختبار على صعوبات في جمع العينات وعدم وجود ضوابط لجودة التحليل وغياب المناسب الموحدة بين المخابر، لذلك حدث تراجع، بل عزوف عن استعماله في الممارسة. وعموماً يجب ألا يتجاوز مقدار الدهن المطروح ستة غرامات يومياً عند الأشخاص السليمين.

- وهناك طرق أخرى نصف كمية لعيار الدهن في البراز تقارب نتائجها الطرق الكمية، منها قياس ما دعي بـ«الدهنوكريت» steatocrit، حيث تثفل عينة من البراز بعد تحميضه، فينفصل إلى طبقة من الدهن وأخرى من المواد الصلبة. يقاس مقدار هاتين الطبقتين، ويحسب منها «الدهنوكريت». وقد بينت الدراسات أن نتائج هذه الطريقة تساوي تقريباً عيار دهن البراز المجموع مدة ثلاثة أيام.

- يكشف الفحص المجهري للبراز بعد إضافة حمض الخل الثلجي إلى الشريحة ومن ثم تلوينها بالسودان III وجود العديد من كريات الدهن التي إذا ازداد عددها على حدٍّ معيّن دلّ على وجود إسهال دهني، وساعد على تقدير شدته. ويبدو من بعض الدراسات الحديثة أن نتائج هذه الطريقة تتماشى وعيار الدهن في البراز.

- ومن الطرق الأخرى لتشخيص سوء امتصاص الدسم اختبار النفس breath test بعد إعطاء التريولين الموسوم بالكربون C14 عن طريق الفم. يطلق التريولين بعد امتصاصه ثنائي أكسيد الكربون الموسوم الذي يطرح مع هواء الزفير حيث يمكن معايرته. يدل انخفاض كمية أكسيد الكربون المطروح على وجود سوء امتصاص الدسم. تبلغ حساسية هذا الاختبار 85% ونوعيته 90%، بيد أن كلفته العالية حالت دون شيوع استعماله في الممارسة.

ب- اختبار امتصاص البروتينات:

يتم هضم البروتينات داخل اللمعة بوساطة الإنزيمات المعثكلية، ويندر أن يحدث سوء امتصاص معزول لنواتج هضمها، بل تترافق عادة وسوء امتصاص الدسم والسكريات، بيد أن قياس سوء امتصاص البروتينات صعب كما يصعب تفسير النتائج؛ لذلك لم تطبق هذه الاختبارات في الممارسة السريرية.

ج- اختبارات امتصاص السكريات:

يحدث سوء امتصاص السكريات بوصفه جزءاً من سوء امتصاص شامل للأغذية، بيد أن سوء الامتصاص هذا قد يكون معزولاً. تفيد الاختبارات التالية في الكشف عن سوء امتصاص السكريات.

- قياس باهاء pH البراز: يُحدث سوء امتصاص السكريات إسهالاً مائياً مع زيادة وزن البراز الذي يتجاوز 200غ/يوم، كما ينخفض باهاء البراز بسبب اختمار السكريات غير الممتصة بوساطة الجراثيم. يوجه باهاء البراز الطازج الذي يقل عن 5.5 نحو سوء امتصاص السكريات.

- اختبارات التحمل الفموية: تستخدم هذه الاختبارات خصوصاً للكشف عن وجود عوز في ثنائيات السكاريداز؛ ولاسيما عوز اللاكتاز. لهذه الغاية يعطى المريض 50غ لاكتوز عن طريق الفم، ويعاير الغلوكوز في الدم بعد 30 دقيقة. يرتفع مقدار الغلوكوز في الدم عند الأشخاص الطبيعيين إلى أكثر من 20% بعد تناول اللاكتوز، في حين لا يتبدل هذا المقدار عند المصابين بعوز اللاكتاز.

 - اختبار النفس لاكتوز/هدروجين: يعدّ هذا الاختبار أكثر نوعية من اختبار التحمل الفموي لتشخيص سوء امتصاص اللاكتوز إضافة إلى كونه أبسط وأقل كلفة. يعتمد هذا الاختبار على أن اختمار اللاكتوز غير الممتص عندما يصل إلى القولون يطلق كمية من غاز الهدروجين الذي يمتص من المخاطية القولونية، ومن ثم يطرح مع هواء الزفير. يعطى المريض لهذا الغرض 50غ من اللاكتوز عن طريق الفم ثم يعاير الهدروجين في هواء الزفير بعد 30- 60- 90- 180- 240 دقيقة من ابتلاع اللاكتوز. إذا زاد تركيز الهدروجين في هواء الزفير بمقدار 20 جزءاً بالمليون عما كان عليه قبل الاختبار دل على وجود سوء امتصاص اللاكتوز. وتجدر الإشارة إلى أن نحو 18% من الأشخاص لا يفرزون الهدروجين في هواء الزفير لأن الهدروجين المتحرر في الأمعاء ينقلب إلى ميتان بوساطة الجراثيم المعوية؛ لذلك يبقى هذا الاختبار سلبياً لديهم على الرغم من وجود سوء الامتصاص.

د- الاختبارات الأخرى:

- اختبار د. كزيلوز: يستخدم هذا الاختبار لتقييم قدرة المعى الدقيق الداني على الامتصاص، لذلك فهو يعبر عن مساحة سطح الغشاء المخاطي ونفوذيته أكثر مما يعبر عن النقل النوعي للسكريات. يعطى المريض صباحاً على الريق 25غراماً من د. كزيلوز، ويجمع البول مدة 5 ساعات بعد تناول هذا السكر، كما تؤخذ عينة من الدم بعد ساعة لمعايرة د. كزيلوز فيها. إن وجود أقل من 4 غرامات من الكزيلوز في بول الساعات الخمس وأقل من 20ملغ/دل في المصل الدموي بعد ساعة واحدة يوجه نحو امتصاص معوي غير طبيعي. ويعدّ هذا الاختبار أفضل فحص غير باضع للكشف عن اضطراب الغشاء المخاطي المعوي والتمييز بين الأشخاص الطبيعيين وبين المرضى المصابين بسوء امتصاص من منشأ مخاطي. تجدر الإشارة إلى أن امتصاص د. كزيلوز يكون طبيعياً عند وجود اضطراب خفيف في وظيفة الغشاء المخاطي المعوي وعند توضع الإصابة في القسم القاصي من المعى الدقيق على نحو رئيسي. تراجعت أهمية هذا الاختبار في السنوات الأخيرة، واستعيض منه خزعة الأمعاء الدقيقة.

- اختبار شلينغ Schilling: يحدث عوز الڤيتامين B12 في العديد من الحالات المرضية، أهمها آفات المعدة ولاسيما التهاب المعدة المناعي الذاتي وآفات اللفائفي، ويستخدم هذا الاختبار للتمييز بين هاتين الحالتين. يجرى الاختبار بإعطاء مقدار من الڤيتامين B12 الموسوم شعاعياً عن طريق الفم، ويعطى في الوقت نفسه مقدار كبير من B12 غير الموسوم عن طريق العضل من أجل إشباع أماكن الارتباط الكبدي لهذا الڤيتامين. يتأكد سوء امتصاص الڤيتامين B12 إذا كانت الفعالية الشعاعية المطروحة في بول 24 ساعة التالية لإجراء الاختبار أقل من 8% من المقدار المعطى. يعاد هذا الاختبار بعد ذلك مع إعطاء العامل الداخلي، فإذا عاد الاختبار طبيعياً دل على وجود عوز في العامل الداخلي، في حين يبقى الاختبار إيجابياً إذا كان سوء امتصاص الڤيتامين ناجماً عن مرض في اللفائفي أو عن استئصاله. وتجدر الإشارة إلى أن خزعات المعدة المأخوذة بالتنظير أصبحت طريقة شائعة لتشخيص التهاب المعدة الضموري وما ينجم عنه من عوز العامل الداخلي ونقص الڤيتامين B12.

- اختبارات سوء امتصاص الأملاح الصفراوية: وصفت حالات نادرة من الإسهال ناجمة عن سوء امتصاص الأملاح الصفراوية دون وجود مرض في اللفائفي واضح للعيان. يفيد في هذه الحالات معايرة تركيز الأملاح الصفراوية في البراز التي تعدّ مؤشراً مباشراً على سوء امتصاص هذه الأملاح، ولكن طريقة المعايرة مكلفة، ويحتاج إجراؤها إلى خبرة كبيرة. يمكن اللجوء أيضاً إلى الاختبار العلاجي بالكوليسترامين لتشخيص سوء امتصاص الأملاح الصفراوية؛ إذ إن عدم استجابة الإسهال لهذا الدواء بعد 3 أيام من استعماله يجعل احتمال وجود سوء امتصاص هذه الأملاح ضئيلاً. أما الاختبارات الأخرى المقترحة لتشخيص هذه الحالة فنتائجها غير جازمة مع صعوبة تفسير هذه النتائج. لذلك كانت هذه الاختبارات قليلة الأهمية سريرياً ولاسيما أن إجراءها يحتاج إلى كثير من الجهد والوقت.

3- الاختبارات المحددة لسبب سوء الامتصاص:

أ- خزعة المعى الدقيق: تعدّ خزعة الغشاء المخاطي للمعى الدقيق مفتاح التشخيص في كثير من حالات سوء الامتصاص. تكون الموجودات النسيجية واضحة للتشخيص في بعض الحالات أو أنها توجه نحو التشخيص في حالات أخرى. ينبغي إجراء خزعة المعى الدقيق في كل حالات سوء الامتصاص غير المفسرة. تكون إصابة المعى الدقيق منتشرة في بعض الأمراض كالداء البطني ونقص البروتين الشحمي بيتا وداء ويبل حيث إن الخزعة الطبيعية تنفي هذه الأمراض، في حين تكون الإصابة في أمراض أخرى رقعية patchy، ويمكن للخزعة أن تكون طبيعية إذا لم تؤخذ من مكان الإصابة؛ لذلك ينبغي في هذه الحالات أخذ خزعات من أماكن مختلفة، وربما تكرار الخزعات.

يمكن للمظهر التنظيري للغشاء المخاطي المعوي أن يوجه نحو سبب سوء الامتصاص، فقد تكون المظاهر الوصفية لداء كرون واضحة، كما يمكن رؤية آفات نقطية بيضاء في توسع الأوعية اللمفاوية وفي داء ويبل، كما يشاهد في الداء البطني عادة غياب أو نقص شديد في ثنيات الغشاء المخاطي في القسم الثاني من العفج.

يشاهد في خزعات الداء البطني تناقص أو انعدام في طول الزغابات وزيادة عمق الرتوج ورشاحة كثيفة في الصفيحة المخصوصة بخلايا التهابية مزمنة وارتشاح الطبقة الظهارية السطحية باللمفاويات. يوجه ضمور الزغابات التام بشدة نحو الداء البطني، لكن يمكن أن يشاهد أيضاً في الذرب الاستوائي وفي متلازمات العوز المناعي، في حين يشاهد ضمور الزغابات الجزئي في العديد من الأمراض الأخرى كداء كرون واللمفومة وفرط النمو الجرثومي واعتلال الأمعاء الشعاعي. يمكن للفحص النسيجي أن يسمح بوضع تشخيص نوعي لبعض الأمراض، منها فقد البروتين الشحمي بيتا وتوسع الأوعية اللمفاوية واللمفومة وكثرة الخلايا البدينة وداء ويبل.

ب- تصوير الأمعاء الدقيقة: لا يزال تصوير الأمعاء الدقيقة بحقن الباريوم والتصوير المتسلسل بعد إعطاء الباريوم عن طريق الفم الإجراءين القياسيين لتقرير واقع المخاطية المعوية على الرغم من أن كثيراً من الدراسات بينت انخفاض حساسيتهما ونوعيتهما. كما تباينت الدراسات فيما يخص أفضلية أحد الإجراءين على الآخر. وبصورة عامة إذا أجري التصوير المتسلسل بأيدٍ خبيرة فإن حساسيته تعادل الطريقة الأخرى.

يمكن لتصوير الأمعاء الدقيقة أن يكشف وجود حالات وصفية كالرتوج الصائمية أو العرى المعوية الراكدة المحدثة جراحياً أو توسع المعى ونقص حركيته دون وجود آفة سادة؛ مما يشير إلى انسداد كاذب أو الإصابة بالتصلب الجهازي. كما قد يكشف وجود التضيقات والتقرحات وعلامات أخرى توجه نحو داء كرون أو التهاب المعى الشعاعي أو اللمفومة. وفي حالات كثيرة من سوء الامتصاص قد لا توجد إلا بعض التبدلات الطفيفة واللانوعية كسماكة الثنيات وتحوصب عمود الباريوم أو تقطعه.

ج- اختبارات فرط النمو الجرثومي: عدّ زرع رشافة المعى الدقيق المأخوذة عن طريق التنبيب المعيار الذهبي لتشخيص فرط النمو الجرثومي، ويعد وجود أكثر من 015 جرثومة في كل ميلي لتر من الرشافة الصائمية دليلاً على فرط النمو الجرثومي. لكن قد يحدث فرط النمو الجرثومي في أشخاص سليمين ظاهرياً دون دليل على وجود سوء امتصاص لديهم؛ لذلك فإن التطبيق السريري لإيجابية هذه الزروع قد يكون صعباً، كما أن إجراء هذا الاختبار يحتاج إلى خبرة كبيرة. يضاف إلى ذلك أن فرط النمو الجرثومي قد يتوضع في أقسام متفرقة من الأمعاء الدقيقة أو في القسم القاصي منها؛ مما يؤدي إلى نتائج سلبية. كل هذا دفع باتجاه البحث عن طرق أخرى للاستقصاء أهمها اختبارات النفس.

عدّت هذه الاختبارات بدائل جذابة من الزروع الجرثومية؛ لكن نوعيتها وحساسيتها كانت ضعيفة عموماً. وقد استخدمت مواد متعددة لإجراء هذه الاختبارات، بيد أن الاختبار بالغلوكوز/هدروجين هو أكثرها استعمالاً. يعتمد هذا الاختبار على قدرة بعض الجراثيم على تخمير السكريات وإطلاق الهدروجين الذي يمتص من المخاطية المعوية، ومن ثم يطرح مع هواء الزفير. يتم الاختبار بإعطاء المريض 50غ من الغلوكوز عن طريق الفم، ثم يعاير الهدروجين في هواء الزفير قبل بدء الاختبار وبعد 30- 60- 90- 120 دقيقة. يعدّ الاختبار إيجابياً إذا زاد تركيز الهدروجين في النفس أكثر من 20 جزءاً بالمليون. تصل حساسية هذا الاختبار إلى 62% ونوعيته إلى 83%.

4- استقصاء قصور المعثكلة الخارجي:

أ- الاختبارات الباضعة: تعتمد هذه الفحوص على معايرة الإنزيمات المعثكلية في الرشافة العفجية التي تؤخذ بالتنبيب، وذلك بعد تحريض إفراز المعثكلة عن طريق إعطاء الطعام للمريض (وجبة lunch) أو بزرق السكرتين والبانكريوزيمين في الوريد.

يحرض السكرتين إفراز السوائل والبيكاربونات في حين يحرض البانكريوزيمين إفراز الإنزيمات المعثكلية. تعدّ هذه الطريقة أفضل وسيلة لدراسة إفراز المعثكلة، بيد أنها معقدة وباضعة، وتتطلب كثيراً من الوقت.

 ب- الاختبارات غير الباضعة:

- اختبار البنتيرومايد bentiromide test: وهو لا يحتاج إلى تنبيب، ويتم بإعطاء البنتيرومايد (ويرمز له بـ NBT- PABA) عن طريق الفم، ويقوم الكيموتربسين بشطره محرراً PABA الذي يمتص في المعى الدقيق، ثم يطرح عن طريق البول حيث يعاير كما يمكن معايرته في الدم. تراوح حساسية هذا الاختبار بين 46- 83%، وهو غير مستعمل على نطاق واسع.

- اختبار الكاربولوريل: تعطى في هذا الاختبار مادة fluorescein dilaurate عن طريق الفم التي تُهضم في المعى بإنزيم الإستراز المعثكلية، فيتحرر حمض اللوريك lauric acid والفلوريسئين الذي يمتص، ويطرح مع البول حيث يمكن معايرته. هذا الإجراء متوافر تجارياً، وغير مكلف نسبياً، وتبلغ حساسيته في تشخيص قصور المعثكلة 85%.

- اقترح حديثاً عيار الإيلاستاز في البراز بوصفه مؤشراً على قصور المعثكلة، وبلغت حساسيته في إحدى الدراسات 63% في الحالات الخفيفة، و100% في الحالات المتوسطة والشديدة. كما استخدم أيضاً عيار الكيموتربسين في البراز لتشخيص قصور المعثكلة.

وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن استعمال الاختبارات المباشرة لوظيفة المعثكلة قد انحسر في السنوات الأخيرة بسبب تطور تقنيات تصوير المعثكلة كتخطيط الصدى والتصوير المقطعي المحوسب وتصوير الطرق المعثكلية الصفراوية الراجع بالتنظير الداخلي (ERCP) وتصويرها بالرنين المغنطيسي (MRCP)، وقد أظهرت الدراسات أن نتائجها التشخيصية توازي نتائج الاختبارات المباشرة لوظيفة المعثكلة.

المقاربة التشخيصية لسوء الامتصاص

تختلف التظاهرات السريرية لسوء الامتصاص على نحو كبير، وتراوح من صورة تشتمل على إسهالات دهنية شديدة وفقد كبير بالوزن إلى صورة تشتمل على موجودات مخبرية معزولة.

في الحالات الشديدة وبوجود الإسهالات ونقص الوزن يسهل التوجه نحو وجود متلازمة سوء امتصاص، ولكن يصعب في الحالات الخفيفة أو الحالات ذات الأعراض القليلة الشك في وجود متلازمة سوء امتصاص؛ لذا يجب التدقيق في شكاوى المريض في هذه الحالات وتحري وجود رخاوة في البراز أو تعدد مرات التبرز أو عدم ارتياح في البطن أو وجود نقص غير مفسر بالوزن أو إرهاق أو نقص النشاط الجسمي أو وجود آفات جلدية غير مفسرة أو آلام في الأطراف والعظام. كما يجب التدقيق في هذه الحالات في سوابق المريض الجراحية التي تناولت الجهاز الهضمي مثل قطع المعدة أو المعى، ومعرفة وجود معالجة شعاعية سابقة. ويتوجب أيضاً الاستفسار عن وجود إصابة عائلية بأحد الأمراض ذات الصلة بسوء الامتصاص مثل الداء البطني وداء كرون وعوز اللاكتاز.

قد يظهر الفحص السريري علامات تشير إلى سوء الامتصاص، مثل القرحات الفموية الناكسة (الداء البطني، داء كرون، داء بهجت) أو الطفح البثري الحاك (التهاب الجلد الحلئي) أو آفات عينية (داء كرون) أو آلام مفصلية (داء كرون، داء ويبل) أو ظاهرة رينو (تصلب الجلد).

إذا شك الطبيب في احتمال وجود سوء امتصاص فعليه إجراء بعض الفحوص العامة التي ترفع نسبة الشك كوجود فقر الدم أو نقص حديد المصل أو نقص الكلسيوم أو الألبومين والبروتين في الدم أو هبوط عيار الكوليسترول أو شذوذ في زمن البروثرمبين.

عندما تزداد لدى الطبيب الدلائل على وجود سوء امتصاص يلجأ إلى إجراء الفحوص التي تمكنه من تحديد السبب، ومن أهمها فحص البراز لتحري الجياردية واختبار أضداد غمد الليف العضلي endomysium AB لتشخيص الداء البطني واختبار هدروجين النفس لكشف فرط النمو الجرثومي. كما تساعد وسائل التصوير على وضع التشخيص السببي ولاسيما تخطيط الصدى والتصوير المقطعي المحوسب وتصوير الطرق المعثكلية الراجعة بالتنظير الداخلي.

المعالجة

تتألف المعالجة من الدعم التغذوي والعرضي ومعالجة السبب المحدث للمتلازمة ما أمكن. يتم اللجوء إلى تبديل نمط القوت فقط في حالات نقص الوزن الشديد أو وجود سوء امتصاص غير قابل للمعالجة أو عندما يحتاج الشفاء إلى فترة طويلة.

وينصح عموماً بقوت فقير الدسم غني البروتين، ويمكن استخدام ثلاثيات الغليسريد المتوسطة السلسلة كمعيضات عن الدسم؛ إذ إن امتصاصها لا يتطلب تشكلاً للمُذَيلات، ولكنها مكلفة.

يجب إعاضة العوز الحاصل في الڤيتامينات والمعادن والعناصر الزهيدة كما ينبغي إعاضة الڤيتامينات المنحلة بالدسم بكل حالات الإسهال الدهني الشديد، وإصلاح عوز الكلسيوم، وربما ظهرت الحاجة إلى إعاضة الڤيتامين D والمغنزيوم بالطريق العام. وقد يتوجب تطبيق التغذية الوريدية المركزية  في حالات قطوع الأمعاء الواسعة خاصة. وتستجيب معظم الأمراض المسببة لمتلازمة سوء الامتصاص للمعالجة النوعية؛ مما يحتم ضرورة وضع التشخيص الدقيق لهذه الأسباب.

 

 

علينا أن نتذكر

* تطلق تعابير متعددة على متلازمة سوء الامتصاص (سوء امتصاص- سوء هضم- سوء تمثل)، وفي كل الأحوال يقصد منها وجود متلازمة لسوء امتصاص.

> يجب إلغاء المعادلة التقليدية السابقة (سوء امتصاص= إسهال).

> لقد تعاظم عدد المرضى الذين يراجعون المراكز والعيادات بشكايات يصنف معظمها تحت طيف متلازمة المعى الهيوج، ولما كانت متلازمة سوء الامتصاص تقلد أحياناً هذا الاضطراب وجب التأني والتدقيق في مقاربة هذه الزمرة من المرضى لتجنب الوقوع في أخطاء تشخيصية.

> يجب التنبه للأشكال الخادعة للمتلازمة كأن تتظاهر بعلة عظمية فقط أو اضطراب في الطمث أو فقر دم غير مفسر أو نوب التكزز وغيرها.

> تنحصر مهام الممارس العام في الشك في هذه المتلازمة ومحاولة تقوية هذا الشك بالفحوص المنوالية، ومن ثم إحالة المريض إلى المختصين.

 

 




التصنيف : أمراض المعي الدقيق والقولونات
النوع : أمراض المعي الدقيق والقولونات
المجلد: المجلد الأول
رقم الصفحة ضمن المجلد : 191
مستقل

آخر أخبار هيئة الموسوعة العربية:

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 4
الكل : 3343867
اليوم : 1197