logo

logo



داء الرتوج القولونية

داء رتوج قولونيه

diverticulosis - diverticulose



داء الرتوج القولونية

بشر دعبول

التظاهرات السريرية وتدبير داء الرتوج  

اختيار الجراحة المثلى

النزف الرتجي

 

 

الرتج diverticulum هو انبثاق في جدار القولون على شكل جيب صغير. يشمل طيف داء الرتوج: التهاب الرتوج والنزف الرتجي. يختلط التهاب الرتوج أحياناً بالخراج الرتجي والنواسير وانسداد الأمعاء وانثقابها.

الوبائيات

من المعلوم أن نسبة انتشار داء الرتوج تزداد منذ بداية هذا القرن. كما أن نسبة الإصابة تزداد مع تقدم العمر، في حين لاتتجاوز هذه النسبة في الدول الغربية 5% بعمر الأربعين فإنها تصل إلى 65% بعمر الـ 85.

أما نسبة الإناث فتصل إلى 60% من المرضى العرضيين بحسب إحدى الدراسات.

تؤدي العوامل الجغرافية دوراً في انتشار داء الرتوج وفي أماكن توضعه على القولون. ففي العالم الغربي تصل نسبة انتشاره إلى 50% من المرضى بأعمار متقدمة. وهو غالباً ما يكون في القولون الأيسر والسين الحرقفي. أما في الشرق فإن نسبة الانتشار لا تتجاوز 2%. وفي حال حصول التهاب الرتوج فإنه عادة يكون في القولون الأيمن. وقد لوحظ أن تبني نظام الحياة الغربي لدى الشعوب الشرقية يؤدي إلى زيادة نسبة انتشار الرتوج كما حدث في اليابان وسنغافورة.

الآلية الإمراضية

الشكل (1) داء الرتوج القولونية

 

تعدّ الحمية الفقيرة بالألياف أحد العوامل الرئيسية التي تؤدي دوراً في تشكل الرتوج؛ الأمر الذي تؤكده ندرة الرتوج عند النباتيين أو المجتمعات التي تكون حميتها غنية بالألياف، فقيرة بالدسم والبروتينات.

تعدّ الرتوج القولونية رتوجاً كاذبة حيث إن جدارها لا يتضمن كل طبقات جدار القولون، إنما فقط الطبقة المخاطية وتحت المخاطية اللتين تنبثقان عبر الطبقة العضلية إلى الخارج بحيث لا يفصلهما عن الصفاق إلا الطبقة المصلية فقط. تتشكل الرتوج عادة في نقاط اختراق الأوعية المستقيمة vasa recta الطبقة العضلية الدائرية من محيط القولون - وهي أربع نقاط - وذلك على جانبي الشريط المساريقي.

النظرية السائدة التي تفسر آلية تشكل الرتوج هي أن الحمية الفقيرة بالألياف تؤدي إلى نقص حجم البراز ونقص الدفع في إخراجه من الجسم، الأمر الذي ينجم عنه ضيق في لمعة بعض أجزاء القولون ولاسيما السين وزيادة الضغط ضمن اللمعة بوصفها محاولة لدفع البراز؛ مما يجعل المخاطية تنبثق من بعض نقاط الضعف في جدار القولون مشكلة الرتوج. ولايزال هذا الافتراض بحاجة إلى إثبات.

الآلية الإمراضية لالتهاب الرتوج والنزف الرتجي: يظن الآن أن آلية حدوث التهاب الرتوج هي زيادة الضغط ضمن اللمعة - السبب الرئيسي في تشكل الرتوج بداية - الأمر الذي يؤدي إلى رض قعر الرتج و حدوث انثقاب مجهري يترافق مع التهاب رتجي.

هذا الالتهاب يراوح في شدته ومضاعفاته حسب الحالة. فأحياناً يؤدي إلى التهاب تحت سريري يزول عفوياً. وأحياناً يترقى إلى انثقاب رتجي إلا أنه يحاط بالنسيج الشحمي المساريقي مما يؤدي إلى خراج موضع.

في حال وجود عضو مجوف مجاور فإن هذا الخراج قد ينتهي بناسور. أما إذا كان الرتج موجوداً في المنطقة المقابلة للمساريقا من جدار القولون فإنه قد يؤدي إلى انثقاب حر ضمن الصفاق والتهاب الصفاق.

وبالآلية نفسها فإن رض الوعاء المستقيم الموجود في الرتج - والناجم عن زيادة الضغط ضمن اللمعة - قد يسبب النزف الرتجي.

تطور المرض

المخطط (1) التطور الطبيعي لداء الرتوج
 
المخطط (2) التطور الطبيعي لالتهاب الرتوج

إن معرفة تطور المرض ضروري لتقرير تدبير داء الرتوج دوائياً أو جراحياً أو من دون معالجة.

1- داء الرتوج: 70% من المرضى الذين عندهم عدد مهم من الرتوج يبقون لاعرضيين طوال حياتهم دون أن يصابوا بأي اختلاط للرتوج.

15-25% من مرضى داء الرتوج يصابون بالتهاب رتجي.

و5-15% يصابون بنزف رتجي.

وبما أن الرتوج تبقى غير عرضية في معظم الأحيان فإن كشفها عرضاً لايعني ضرورة استئصالها أو تقديم أي معالجة خاصة لها باستثناء نصح المريض بالحمية الغنية بالألياف للتقليل من احتمال المضاعفات.

2- التهاب الرتوج: التهاب الرتوج قد يكون بسيطاً دون أي مضاعفات، وهو يمثل 75% من الحالات، ويستجيب عادة للمعالجة الدوائية بسرعة بنسبة 85% من الحالات، ويحتاج 15% فقط إلى جراحة.

إذا حصل أن أصيب المريض بنوبة التهاب رتوج ثانية فإن الإنذار يكون أسوأ في هذه النوبة إذ تصل نسبة المضاعفات إلى 60%، وتتضاعف نسبة الوفيات. وهذه المضاعفات قد تكون انثقاباً أو انسداداً أو خراجاً أو ناسوراً، ومعظم هؤلاء المرضى سيحتاجون إلى معالجة جراحية عاجلاً أم آجلاً. ويبقى 10% فقط من هؤلاء غير عرضيين إذا لم تجر لهم عملية جراحية لاستئصال جزئي.

يحتاج 15-30% من مرضى التهاب الرتوج إلى معالجة جراحية بعد الهجمة الأولى. وتبلغ نسبة الوفيات 1-5% عند هؤلاء.

تستطب الجراحة الإسعافية أو المستعجلة عند تضاعف التهاب الرتوج بالتهاب الصفاق المعمم، أو بانسداد الأمعاء، أو عند تشكل خراج - مع فشل التفجير عبر الجلد الموجه بالأشعة - أو عند تدهور الحالة السريرية للمريض، أو فشل المعالجة المحافظة المناسبة.

وتستطب الجراحة الانتقائية عند وجود أعراض ناكسة، أو معندة على العلاج، أو وجود كتلة لا يمكن معها نفي الخباثة، أو انسداد أمعاء وظيفي، أو تشكل ناسور.

بعد الجراحة قد تتشكل الرتوج في باقي القولون عند  15% من المرضى، وقد يحتاج 2-11% من المرضى إلى جراحة ثانية.

التظاهرات السريرية وتدبير داء الرتوج

تبقى الرتوج لاعرضية عند معظم المرضى كما أسلفنا. وعندما يشكو المريض آلاماً بطنية ماغصة وانتفاخاً وتطبلاً واضطراب تغوط فإنه من غير الواضح إذا كانت بسبب الرتوج أو بسبب تهيج قولون مرافق؛ إذ إنه لم يمكن إثبات وجود علاقة سببية بين هذه الأعراض وداء الرتوج.

أما التهاب الرتوج فإنه يتظاهر عند 70% من المرضى بألم بطني ثابت، غير ماغص، يغلب أن يكون في الحفرة الحرقفية اليسرى. وعادة ما يكون الألم موجوداً إنما على نحو أضعف عدة أيام قبل مراجعة الطبيب بسبب اشتداد الألم. يرافق الألم غثيان وقياء عند 20-60% من المرضى، والإسهال عند 25%. وشبه انسداد عند 50%، وأعراض بولية متنوعة عند 10-15%.

يبدي الفحص السريري وجود إيلام بالجس، عادة ما يكون في الحفرة الحرقفية اليسرى. وقد تجس كتلة في المكان عند 20% من المرضى. يلاحظ تطبل البطن عند ثلثي المرضى. كما أنه من الشائع وجود ارتفاع طفيف  بالحرارة أو زيادة في عدد كريات الدم البيضاء مع أن غياب هاتين العلامتين الأخيرتين لا ينفي وجود المرض. إن وجود ألم مرتد مع علامات تخريش الصفاق الأخرى يوحي بوجود التهاب صفاق معمّم أو انثقاب حر للرتج.

يترافق التهاب الرتوج أحياناً ببيلة قيحية بسبب تلاصق السين مع الجهاز البولي، الأمر الذي قد يضلل الطبيب أحياناً في الوصول إلى التشخيص الصحيح. أما إذا أظهر زرع البول جراثيم قولونية متعددة أو لاحظ المريض وجود تبول برازي أو غازي فإن ذلك يوحي بوجود ناسور قولوني - مثاني. وبشكل مشابه فإن الضائعات المهبلية البرازية توحي بوجود ناسور قولوني - مهبلي.

التشخيص

يتم الاشتباه بتشخيص التهاب الرتوج بناء على القصة المرضية والفحص السريري الدقيق. يجب الاستعانة بالتصوير الشعاعي في الحالة الحادة لنفي الأسباب الأخرى للبطن الحاد من جهة، ولإثبات التهاب الرتوج من جهة ثانية، ولنفي   مضاعفات التهاب الرتوج أو إثباتها - التي قد تستدعي معالجة جراحية مستعجلة - من جهة ثالثة.

وعلى الرغم من أنه يمكن وضع التشخيص سريرياً أحياناً دون اللجوء إلى التصوير الشعاعي، فإنه يفضل تجنب ذلك لأن التشخيص السريري قد يخطئ في ثلث الحالات.

التصوير المفضل في هذه الحالات هو التصوير الطبقي المحوري، وتبلغ حساسية التصوير الطبقي المحوري الحلزوني مع مادة ظليلة شرجية فقط 97% مع نوعية تصل إلى 100%.

يفيد التصوير الطبقي المحوري كذلك في تقييم شدة الآفة من خفيفة إلى شديدة لتقرير العمل الجراحي من ناحية المكان والزمان. كما أنه يفيد عند الحاجة إلى إجراء تفجير عبر الجلد للخراجات الرتجية، لتوجيه إبرة البزل. هذا الإجراء يفيد في تأجيل العمل الجراحي أحياناً لتجنب الجراحة الإسعافية مع ما يرافقها من مضاعفات، إضافة إلى إمكانية إجراء الجراحة على مرحلة واحدة عوضاً عن مرحلتين.

يفضل تجنب تنظير القولون أو الصورة الظليلة بحقن الباريوم شرجياً لئلا يؤدي ضغط الهواء أو الباريوم إلى انثقاب التهاب رتجي موضع. ويصبح هذان الإجراءان مضادي استطباب مطلق عند وجود هواء حر في الصفاق أو دلائل على وجود التهاب صفاق معمم.

يمكن إجراء صورة ظليلة بحقن مادة ظليلة منحلة بالماء عند الشك بوجود التهاب رتج دون وجود احتمال لانثقاب رتج، على أن تجرى بحذر. ويلجأ عادة إلى هذا الإجراء عوضاً عن التصوير الطبقي المحوري لأنه أرخص وأكثر توافراً.

يمكن للتصوير بالأمواج فوق الصوتية عالية الدقة وبيد خبيرة أن تكشف التهاب الرتوج بناء على معايير معيّنة وبحساسية ترواح بين 85-98% ونوعية تراوح بين 80-98%.

بعد زوال الهجمة الحادة ينصح بإجراء تقييم كامل للقولون بالتنظير أو الصورة الظليلة مع حقن الباريوم. ويفيد هذا الإجراء في تحديد أماكن انتشار الرتوج ونفي آفات أخرى مرافقة قد تؤثر في الإجراء الجراحي عند الحاجة إليه، مثل السليلات أو التنشؤات. قد يفيد أحياناً بديلاً من التنظير أو الصورة الظليلة إجراء تنظير قولون افتراضي virtual colonoscopy بالاستعانة بالطبقي المحوري.

المعالجة

المخطط (3) مخطط معالجة التهاب الرتوج الحاد

تختلف طريقة المعالجة حسب شدة الأعراض التي تتماشى غالباً وشدة الالتهاب.

فالتهاب الرتوج الخفيف - الذي يتظاهر عادة بألم مع حمى خفيفة الدرجة وموجودات سريرية قليلة من دون التهاب صفاق - يعالج - دون الحاجة إلى الاستشفاء - بالحمية السائلة والصادات واسعة الطيف مثل السيبروفلوكساكين ciprofloxacin. هذا التدبير لايشمل المسنين ومرضى السكري ومثبطي المناعة حيث يفضل قبول هؤلاء المرضى في المستشفى. كذلك الحال إذا ترقت الأعراض ولاسيما إذا لم يحتمل المريض الوارد الفموي من السوائل والأدوية.

تفك الحمية عند زوال الأعراض، ويجرى تنظير القولون بعد ذلك بـ 2-4 أسابيع.

في التهاب الرتوج متوسط الشدة إلى عاليها يكون الألم أشد، وكذلك الحمى والعرواء مع علامات شبه انسداد أمعاء وتخريش صفاقي موضع في المكان. في هذه الحالات قد يفيد إجراء تصوير طبقي محوري للبطن والحوض أو صورة ظليلة للقولونات باستخدام مادة ظليلة حلولة بالماء عندما يكون هناك شك في التشخيص. يمكن البدء بالمعالجة بناء على الشك السريري وحده. تتضمن الخطة العلاجية استخدام الصادات واسعة الطيف زرقاً (تغطية لسلبيات الغرام واللاهوائيات)، مع حمية مطلقة وسوائل وريدية.

يبدأ التحسن عادة في يوم أو يومين، ويتابع هؤلاء المرضى كما في الحالات خفيفة الشدة. أما عند غياب التحسن في الوقت المتوقع فإن ذلك يشير إما إلى خطأ التشخيص وإما ظهور إحدى المضاعفات؛ الأمر الذي يستدعي إجراء التصوير الطبقي المحوري عند هذه المرحلة. بناء على موجودات التصوير الطبقي المحوري قد يلجأ إلى تفجير الخراج المتشكل عبر الجلد أو إجراء جراحي كما عند استحالة إجراء التفجير عبر الجلد  أو وجود موجودات يصعب تدبيرها بالأسلوب المحافظ.

إذا ترقت حالة المريض نحو الأسوأ (كتطور التهاب صفاق معمم) فإن ذلك يستدعي الإسراع بالتداخل الجراحي. التهاب الرتوج المختلط بالانثقاب يحمل في طياته نسبة وفيات تصل إلى 6% إذا كان التهاب الصفاق قيحياً و35% إذا كان برازياً.

اختيار الجراحة المثلى

الهدف من الإجراء الجراحي هو تنظيف البؤرة الخمجية باستئصال القطعة المصابة من القولون، أو معالجة الانسداد، أو الناسور المتشكل، بأقل حد من الإمراض والوفيات.

عند إجراء الجراحة إسعافياً يلجأ عادة إلى عملية هارتمان Hartmann procedure، وهي عملية بمرحلتين. تتضمن الأولى استئصال البؤرة الخمجية مع شرج مضاد للطبيعة، ومن ثم تعاد المفاغرة القولونية المستقيمية في مرحلة ثانية خلال 3 أشهر بعد زوال الالتهاب.

أما في الحالات الانتقائية فإنه يمكن إجراء الاستئصال وإحداث المفاغرة بمرحلة واحدة؛ الأمر الذي يمكن إجراؤه بعد الالتهاب بـ 6 أسابيع عادة.

يمكن اللجوء إلى الجراحة التنظيرية التي تتميز بإمراضية أقل واستشفاء أقصر عند توافر الخبرة اللازمة وغياب المضاعفات.

المضاعفات

1- الانسداد: نادراً ما يكون الانسداد تاماً في التهاب الرتوج. المشكلة الريئسية في هذا الانسداد عدم القدرة على نفي التنشؤات الخبيثة على نحو كامل - حتى لو كانت الخزعات طبيعية - الأمر الذي لايمكن فصله إلا بعد الاستئصال الجراحي.

2- الانثقاب: الانثقاب الحر نادر، بيد أنه يترافق ونسبة وفيات عالية ترواح بين 20-30%. وهو أكثر شيوعاً عند المرضى مثبطي المناعة. يتضمن التدبير العلاجي جراحة إسعافية على مرحلتين لاستئصال القطعة المصابة وفتح شرج مضاد للطبيعة.

3- الخراج: يختلط التهاب الرتوج بتشكل خراجات قولونية في 15% من الحالات. يفضل عند تشكل الخراج تفجيره عبر الجلد بالتوجيه الشعاعي على أن يصار إلى استئصال القطعة المصابة والمفاغرة بمرحلة واحدة فيما بعد.

عند عدم توافر الخبرة اللازمة لإجراء هذا التفجير أو عدم إمكانية القيام به فإنه يجب القيام بالجراحة على مرحلتين كما وصف سابقاً.

4- النواسير: تشكل النواسير20% من استطبابات التداخل الجراحي لمضاعفات التهاب الرتوج. وبما أن السيني هو أشيع الأماكن إصابة فإن النواسير القولونية - المثانية هي الأكثر حدوثاً؛ إذ تشكل 65% من الحالات وتأتي النواسير القولونية - المهبلية بعدها مشكلة 5% من الحالات. والأقل شيوعاً هي النواسير القولونية - المعوية، والقولونية - الرحمية.

الملامح السريرية والتشخيص: تتظاهر هذه النواسير عادة ببيلة غازية pneumaturia في 75% من الحالات، وعسر تبول  dysuria في 50-90% من الحالات، وبيلة غائطية fecaluria  في 50-75% من الحالات.

أما الأعراض الأخرى - كالإسهال والألم البطني الماغص - فهي أقل شيوعاً عادة.

نادراً ما يكون فحص البول طبيعياً فهو قيحي، أو تشاهد فيه بقايا برازية. ويبدي الزرع وجود عدة جراثيم في الوقت نفسه.

تشير هذه الموجودات إلى نواسير، إنما لا تحدد سببها؛ إذ يشمل التشخيص التفريقي داء كرون أو تنشؤ القولون.

هناك العديد من الاستقصاءات المفيدة في وضع التشخيص مثل التصويرالطبقي المحوري والصورة الظليلة للقولون وتنظير المثانة أو تصويرها الظليل.

العلاج: نادراً ما تشفى النواسير القولونية المثانية تلقائياً، بل تحتاج عادة إلى استئصال جراحي للتخلص منها.

تتضمن الجراحة استئصال القطعة المصابة من القولون، ونادراً ما تحتاج المثانة إلى مداخلة، وإن لزم فلا يتعدى الأمر وضع قطب جراحية على جدار المثانة.

يمكن تطبيق هذه المبادئ البسيطة نفسها على النواسير القولونية الأخرى مع الرحم أوالمهبل أو الأمعاء.

تدبير حالات خاصة

1- المرضى مثبطو المناعة: يترافق تثبيط المناعة - سواء كان دوائياً أم وظيفياً - وازدياد خطورة الانثقاب في التهاب الرتوج. ينطبق هذا الأمر على المرضى المعالجين بالأدوية الكيمياوية والستيروئيدات القشرية ومثبطات المناعة الأخرى مثل الأزاثيوبرين azathioprine والسيكلوسبورين cyclosporine وغيرهما، وعلى مرضى الداء السكري والقصور الكلوي أيضاً.

يضاف إلى ذلك أن الالتهاب يتظاهر عند هؤلاء المرضى بأعراض قليلة لا تتناسب مع شدة الالتهاب وخطورته مما يؤخر التشخيص في كثير من الأحيان. وفي حين تنجح المعالجة الدوائية الهجومية في 75% من الحالات العادية فإن العلاج الجراحي يلزم في معظم الأحيان عند المرضى مثبطي المناعة، ولاسيما إذا لم يظهروا استجابة سريعة للمعالجة الدوائية.

2- التهاب الرتوج في القولون الأيمن: لا تتعدى نسبة رتوج القولون الأيمن الـ 5% في البلدان الغربية و20% في البلدان الآسيوية. وهي ذات فوهة عريضة مما يجعلها تمثل رتوجاً كاذبة.

مرضى رتوج القولون الأيمن أصغر سناً عادة من مرضى رتوج القولون الأيسر.

يتظاهر التهاب الرتوج في القولون الأيمن بأعراض تشبه أعراض التهاب الزائدة مما يجعل التشخيص عادة متأخراً إلى ما بعد فتح البطن. وفي هذه الحالة يجرى استئصال الزائدة والرتج مع إعطاء الصادات أو استئصال القولون الأيمن كله على مرحلة واحدة - وهو الغالب - أو مرحلتين.

النزف الرتجي

المخطط (4) تدبير النزف الرتجي

يعدّ النزف الرتجي أشيع سبب للنزف القولوني الكتلي الشديد، وتصل نسبته إلى 50% من هذه الحالات. يأتي الثدن الوعائي angiodysplasia  ثانياً، ويمثل 20-30% من الحالات. وهي تؤدي إلى نزوف مزمنة متقطعة وبشدة أقل من نزف الرتوج.

الآلية الإمراضية: الفرضية الأقوى حالياً في تفسير النزف الرتجي هي أن الوعاء المستقيم - المسؤول عن ضعف جدار القولون في المكان الذي ينبثق منه الرتج - ينسحب مع جدار الرتج؛ إلا أنه يفقد بعضاً من حمايته، حيث لا تفصله عن لمعة القولون إلا الطبقة المخاطية والتي تتعرض للرض المتكرر، ولاسيما إذا كانت فوهة الرتج وقاعدته عريضتين كما في القولون الأيمن، وفيه يكون النزف الرتجي أشيع.

يؤدي هذا الرض المتكرر بالنهاية أحياناً إلى تمزق جدار الوعاء ومن ثم النزف الكتلي من فوهة الرتج. يظن أحياناً أن لرقة جدار القولون الأيمن دوراً في زيادة نسبة النزوف في هذا الجانب من القولون.

التطور الطبيعي: يحدث النزف الرتجي عند 15% من مرضى داء الرتوج. ويكون النزف في ثلث هؤلاء كتلياً، ويسبب اضطرابات «دينمية» دموية. الكثير من هؤلاء المرضى مسنون ومصابون بأمراض أخرى تزيد من نسبة المراضة والوفيات التي تصل إلى 10-20%. يتوقف النزف تلقائياً في 75% من الحالات. بيد أن 25-40% من هؤلاء ينزفون ثانية.

يعدّ القولون الأيمن مسؤولاً عن أكثر من 50% من هذه النزوف على الرغم من أن 75% من الرتوج توجد في القولون الأيسر.

التظاهرات السريرية: يتظاهر النزف الرتجي بتغوط دموي أحمر أو خمري غير مرافق لألم بطني أو شرجي. يندر جداً أن يترافق النزف والتهاب الرتوج ومن ثم حدوث ألم بطني. في معظم الحالات يكون النزف خفيفاً (أقل من وحدة دم)، وفي 5% من الحالات يكون كتلياً.

التدبير: يتضمن تدبير النزف القولوني الكتلي ثلاث مراحل: الأولى إنعاش المريض بتعويض السوائل ونقل الدم إن لزم الأمر، والثانية تحديد مكان النزف، والثالثة تدبير سبب النزف.

لتحديد مكان النزف نبدأ أولاً بتنظير الشرج لنفي نزف البواسير، على ندرته سبباً للنزف الكتلي. يمكن بعدها إجراء تنظير هضمي علوي لنفي النزف الهضمي العلوي. بعد التأكد من أن النزف سفلي المنشأ يمكن البدء بالاستقصاءات النوعية مثل تنظير القولون وتصوير الأوعية والتفرس الومضاني radionuclide bleeding scan. إن استخدام هذه الوسائل المشتركة يفيد في الكشف عن مصدر النزف في 90% من الحالات. تستخدم هذه الوسائل الاستقصائية حسب سرعة النزف وحسب توافر هذه الوسائل.

يفيد كشف مكان النزف في التأكد من التشخيص وطريقة تدبيره بالتنظير أو جراحياً إن لزم الأمر.

1- تنظير القولون: يزداد مؤخراً الاهتمام بتنظير القولون بوصفه إجراء أوليّاً في تشخيص النزف الهضمي السفلي، ويمكن القيام به دون تحضير للقولون بالاستفادة من الخاصية المسهلة للدم النازف، أو باستخدام تحضير سريع بالحقن الشرجية، أو بشرب المحاليل المتوازنة الشوارد فموياً، أو إعطائها عبر الأنبوب الأنفي المعدي. إن الإجراء السريع للتنظير في أثناء النزف يفيد في تحديد مكان النزف وإجراء مداخلة علاجية تنظيرية مباشرة كالحقن أو الكي. يفيد التنظير في تحديد مكان النزف في قرابة 80% من الحالات. ويفيد في إيقاف النزف في نحو 90% من الحالات المشخصة.

2- التفرس الومضاني: يتم باستخدام الكريات الحمر الموسومة بالتكنشيوم 99 (tagged red cell scan). هنا توسم الكريات الحمر المسحوبة من المريض نفسه، ثم تعاد إلى جسمه. في هذا التفرس يمكن تحديد المكان التقريبي للنزف (حسب أرباع البطن)، ومن ثم توقع مكان النزف حسب الأعضاء. بيد أن حركة الدم ضمن لمعة الأمعاء قد تؤدي إلى قراءة خاطئة في تحديد مصدر النزف. ولذلك فإنه غالباً ما يستخدم قبل اللجوء إلى تصوير الأوعية الظليل لإثبات وجود نزف بكمية كافية يمكن أن يكشفها تصوير الأوعية.

يتميز هذا الفحص بأنه غير باضع، ويتميز بحساسية تصل إلى 97% ونوعية 83% وقيمة تنبؤ إيجابية 94%.

3- تصوير الأوعية: يمكن لتصوير الأوعية كشف النزوف إنما بحساسية أقل من الفحص السابق؛ إذ يجب أن يكون النزف أسرع من 0.5 مل/دقيقة حتى يمكن كشفه.

يبدأ عادة بالشريان المساريقي العلوي لأن أشيع النزوف (الرتوج اليمنى والوحمات الوعائية) تبدأ من أماكن يغذيها هذا الشريان. فإذا كان طبيعياً عندها يفحص الزلاقي والمساريقي السفلي. تراوح حساسية هذا الفحص بين 30-50% حسب طبيعة النزف (متواصل أم متقطع). أما النوعية فتصل إلى 100%.

تصل نسبة المضاعفات في تصوير الأوعية الظليل إلى 10%، وهي تشمل الخثار الشرياني أو الصمات الوعائية والقصور الكلوي.

يتميز هذا التصوير أنه لا يحتاج إلى تحضير مسبّق للمريض كما أنه دقيق في تحديد العضو المصاب بالنزف. وأخيراً فإنه يمكن القيام بإجراء علاجي مباشرة سواء بحقن مواد مقبضة للأوعية انتقائياً أم إصمام الوعاء النازف embolization. استخدام المقبضات الوعائية يؤدي إلى توقف مؤقت للنزف في 90% من الحالات مما يتيح تحسين حالة المريض وتهيئته للجراحة. أما الإصمام فإنه قد يؤدي إلى احتشاء القطعة المعوية المغذاة بهذا الوعاء بنسبة قد تصل إلى 20%. يمكن التخفيف من هذه النسبة باستخدام مواد إصمام مؤقتة أو إصمام الوعاء بشكل انتقائي جداً.

مقاربة المريض: تختلف مقاربة المريض حسب حالته العامة. ويصنف مرضى نزف الرتوج إلى:

1- المرضى غير المستقرين حركياً مع نزف فعال: يستمر النزف في هذا الصنف من المرضى، ولايستجيبون للإنعاش بنقل السوائل أو الدم. وهو يحدث عند قرابة 25% منهم.

يجب أولاً نفي النزف الهضمي العلوي عن طريق الأنبوب الأنفي المعدي أو حتى التنظير الهضمي العلوي، وهو الأفضل. وبعد نفي المصدر العلوي يجب اللجوء إلى الجراحة الإسعافية. وهنا تظهر مشكلة جديدة وهي تحديد مكان النزف في القولون حتى لا يصار إلى استئصاله كله. وللتغلب على هذه المشكلة يلجأ إلى تنظير القولون في أثناء العملية بعد تحضير سريع عبر أنبوب يدخل الأعور وأنبوب مص من الشرج. في حال عدم التمكن من تحديد مكان النزف بالضبط فإن الجرّاح قد يضطر إلى استئصال كامل القولون لإيقاف النزف وإنقاذ المريض.

2- المرضى المستقرين حركياً إنما بنزف مستمر: يفضل عند هذا الصنف البدء  بالتفرس المشع للكريات الحمرالموسومة. إذا كان هذا إيجابياً أمكن تصوير الأوعية، وعند تحديد مكان النزف يجري حقن مقبضات الأوعية vasopressin أو الإصمام. أما إذا كان تصوير الأوعية سلبياً فيجب الانتقال إلى تنظير القولون. وهذا نادراً ما يحدد الرتج النازف، ولكن إذا تم تحديده أمكنت معالجته بالحقن أو الكي مباشرة. يلجأ إلى تنظير القولون كذلك عندما يكون التفرس المشع سلبياً.

3- المرضى المستقرين حركياً «دنيمياً» والذين توقف نزفهم: يمكن إجراء التشخيص باسترخاء عند هؤلاء المرضى بعد تحضير القولون و إجراء التنظير الهضمي السفلي.

العلاج الجراحي: إن تحديد مكان النزف ضروري جداً -إن أمكن- قبل العمل الجراحي لأنه يخفض نسبة المراضة من 35% إلى 10% تقريباً.

يجرى في هذه الحالة استئصال جزئي للقسم النازل من القولون، أما إجراء استئصال قطعي للقولون باختيار القطعة التي يرجح أنها مصدر النزف فيعدّ مضاد استطباب؛ لأنه يترافق ونسبة نكس النزف تصل إلى 40% مع مراضة 80% ووفيات حتى 55%.

يؤدي استئصال القولون الكامل إلى توقف النزف في جميع الحالات تقريباً؛ إلا أنه يترافق ومراضة بنسبة نحو 3%، ووفيات تراوح بين 10-30%، كما أن 15% من هؤلاء المرضى سيعانون إسهالاً مزمناً بعد العملية. مما يجعلها تترك فقط للحالات التي لايمكن فيها إيقاف النزف بالوسائل الأخرى، ولا يمكن تحديد مكان النزف تحديداً أدق.

 

 

علينا أن نتذكر

* تزداد نسبة انتشار الرتوج القولونية مؤخراً في بلادنا. ولعل ذلك يعود إلى تبني الحمية الغربية الفقيرة بالألياف.

* على الرغم من أن الرتوج غير المختلطة لا تسبب أعراضاً مهمة، فإن النزف الرتجي والتهاب الرتوج يعدّان مضاعفتين مهمتين قد يتطوران، ويشكلان تهديداً للحياة إذا لم يعالجا على نحو جيد.

* معرفة وجود الرتوج بداية يساعد على تشخيص التهاب الرتوج والبدء الباكر بالعلاج. تشخص الرتوج بالصورة الظليلة أو التنظير الهضمي السفلي. أما التهاب الرتوج أو الخراج الرتجي فيشخص بالتصوير الطبقي المحوري، ويعدّ التنظير والصورة الظليلة مضادي استطباب نسبيين في الحالة الحادة.

* يعالج التهاب الرتوج بالصادات والحمية والجراحة أحياناً.

* أما النزف الرتجي فيشخص بالتنظير أو تصوير الأوعية أو التفرس بنظير مشع. وقد يحتاج الأمر إلى الوسائل الثلاث معاً.

* يفيد التنظير أحياناً في إيقاف النزف عند تحديد مكانه بالحقن أو الكي كما أن تصوير الأوعية قد يمكن المعالج أيضاً من حقن مواد مقبضة للأوعية أو إصمام الشريان النازف. تبقى الجراحة الحل الأخير عندإخفاق التدابير السابقة واستمرار النزف الكتلي.

 

 

 




التصنيف : أمراض المعي الدقيق والقولونات
النوع : أمراض المعي الدقيق والقولونات
المجلد: المجلد الأول
رقم الصفحة ضمن المجلد : 305
مستقل

آخر أخبار هيئة الموسوعة العربية:

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 11
الكل : 3579372
اليوم : 1002