logo

logo

logo

logo

logo

مرض مه نيير

مرض مه نيير

Meniere's disease - syndrome de Ménière

مرض مه نيير

محمد حميد

السببيات والهيستوباثولوجيا والتاريخ الطبيعي
التدبير
   

أُطلق على المرض اسم الطبيب الفرنسي بروسبر مه نيير Prosper Ménière الذي ميّز معالم المرض السريرية. يتظاهر المرض وصفيّاً بدوار نوبي، ونقص سمع متموج، وطنين، وحس امتلاء الأذن. والقصة السريرية والفحص الفيزيائي هما الخطوتان المهمتان في الوصول إلى التشخيص. وقد يتطلب التقييم الأولي لمرض مه نيير وسائل تخطيطية سمعيّة، وتصوير بالرنين المغنطيسي، ويتطلب نادراً فحوصاً مخبرية.

تهدف الخيارات العلاجية إلى إنقاص استسقاء اللمف الجواني endolymphatic hydrops بقصد إيقاف تراجع السمع والسيطرة على نوب الدوار وتخفيف عبء المرض.

نسبة انتشار المرض 1%، وهو أكثر شيوعاً في الدول الصناعية وفي البالغين. وإصابة النساء أكثر بقليل من إصابة الرجال، وغالباً ما يبدأ بين 30-50 سنة من العمر. ليس شائعاً أن يكون ثنائي الجانب، ويقدّر حدوث ذلك بـ 15-20%، وإذا حدث فنادراً ما يكون بدء المرض في الأذنين في آن واحد ما عدا المرضى المصابين بمرض مناعي ذاتي autoimmune. وذكرت حوادث بدا فيها تأهب عائلي. قد يبدأ المرض أو يتأثر بعوامل منها: تغيرات الطقس، والكرب stress العاطفي أو الفيزيائي، والحياة الحضرية.

السببيات والهيستوباثولوجيا والتاريخ الطبيعي etiology, histopathology and natural history:

كان بروسبر مه نيير أول من قال إن سبب الدوار ونقص السمع هو اضطراب في الأذن الباطنة وليس "احتقاناً في الدماغ" كما كان يعتقد آنئذٍ. وبعد سبع وسبعين سنة من ذلك قدم كل من ياماكاوا Yamakawa في اليابان وهولبايك وكيرنز Hallpike and Cairns - بوقت واحد - الوصف الهيستوباثولوجي لمرض مه نيير، وهو استسقاء في اللمف الجوّاني، ومنذئذٍ ارتبط هذا الكيان النسيجي (استسقاء اللمف الجواني) بمرض مه نيير مع أن المصابين بهذه الهيستوباثولوجيا لا يشكون كلهم من جميع الأعراض النموذجية لداء مه نيير.

ويعتقد أن الاستسقاء ينجم عن زيادة الإفراز من السطر الوعائي stria vascularis أو عن نقص الامتصاص في كيس اللمف الجواني. وظهر أخيراً أن الاستسقاء ناجم عن اضطراب الاستتباب الأيوني ولاسيما وجود خلل في إعادة دورة recycling أيون البوتاسيوم +K، ينجم عنه عدم توازن تناضحي osmotic وتوسّع في القسم الحاوي للمف الجواني. ومن المقبول أن عوامل عديدة قد تكون مسؤولة عن حدوث الاستسقاء مثل التغيرات الجنينية، والأخماج infections ، والأرج allergy، والاضطرابات المناعية الذاتية autoimmune، وسوء التغذية، والاضطرابات الوعائية واضطرابات الغدد الصم، ولكن السبب الأساسي لحدوثه غير واضح؛ ولذلك تبقى معظم حالات مرض مه نيير مجهولة السبب.

السير الطبيعي لمرض مه نيير غير معروف إلى حد كبير. وقليلة هي الدراسات التي تحتوي على عدد كافٍ من المرضى توبعت حالتهم مدة كافية يمكن منها الوصول إلى استنتاجات مقبولة عن مسيرة المرض. وتُظهر النتائج أن العتبة السمعية تتراجع بمقدار 50 ديسيبل، ونسبة تمييز الكلام تتراجع إلى 50% بمدة خمس سنوات من بدء المرض. كما لوحظ تراجع الوظيفة الدهليزية، وقد ركّزت معظم الدراسات على الدوار مع أنّ الإعاقة النهائية للمرض هي نقص السمع.

المقاربة السريرية:

المصاب بمرض مه نيير النموذجي شخص متوسط العمر، يشكو من نوب دوار دوراني يرافقها غثيان وقياء تستمر من 30 دقيقة إلى ساعات، ونقص سمع متموج وحيد الجانب، وطنين. غالباً ما يكون نقص السمع في التواترات المنخفضة ولا سيما في بدء مسيرة المرض. كما قد يكون في المريض فرط حساسية للأصوات (احتداد السمع) hyperacusis وانفتال distortion في الأصوات في الأذن المصابة. والأشكال غير النموذجية قد تبدأ بنقص سمع أو طنين. والانتقال من المرض البدئي إلى الشكل الكامل قد يتطلب وقتاً يختلف بين أشهر وسنين.

تشخيص مرض مه نيير سريري على نحو أساسي، يعتمد على القصة وتخطيط السمع. تُستعمل الاختبارات الإضافية لتأكيد التشخيص ولنفي ورم العصب السمعي، ولوضع طريقة المعالجة ومراقبتها. ومع وجود دلائل إرشادية تشخيصية وضعتها هيئات عديدة في مختلف أنحاء العالم ما زال الأطباء يستعملون اصطلاح مه نيير القوقعي حين يغيب الدوار، ومه نيير الدهليزي حين يغيب نقص السمع، وعدت هذه مظاهر مختلفة للمرض، وهو أمر مهم ولاسيما حين وضع التشخيص التفريقي، ومثال ذلك: قد يكون المريض بأعراض قوقعية فقط مصاباً بنقص سمع وراثي أو نقص سمع مناعي ذاتي، في حين قد يكون المريض المصاب بأعراض دهليزية فقط مصاباً بالتهاب العصب الدهليزي، أو دوار الوضعة النوبي الحميد أو الشقيقة الدهليزية. ومظهر آخر غير نموذجي هو السقوط المفاجئ بما يسمى نوبة الرمال الأذنية لتوماركين Tumarkin، وهي تشاهد في مراحل متأخرة من داء مه نيير يسقط المريض فيها فجأة من دون إنذار. كما يشمل التشخيص التفريقي لمرض مه نيير الشقيقة الدهليزية، وتصلب الأذن otosclerosis، وتشقق القناة الهلالية العلوية، وناسور اللمف المحيطي، والمسال الدهليزي الواسع vestibular aqueduct. ونادراً ما يتظاهر ورم العصب السمعي والتصلب المتعدد (MS) بصورة تشبه مرض مه نيير النموذجي أو غير النموذجي.

يجب أن تُفحص الأذن والأنف والحنجرة الفحص المعتاد، كما يجب أن يُجرى فحص عصبي. ويجب التشديد على فحص الأذن للتأكد من عدم وجود إصابة مرضية في الأذن الوسطى، وكذلك لنفي ناسور اللمف المحيطي سريريّاً. كما يمكن تقدير نقص السمع بالرنانات. يتضمن الفحص العصبي الأذني حركات العنق والعينين بحثاً عن رأرأة دوار الوضعة الحميد وعن الانحراف ما بعد الخطو. هذه التشخيصات ترافق عادة مرض مه نيير في أشد حالاته. ومن المهم ملاحظة أن الرأرأة المحيطية يمكن تثبيطها بالتركيز البصري، وأن دوار الوضعة الحميد ليس مرضاً مستقلاً بذاته وإنما قد يرى في اضطرابات مختلفة للأذن الداخلية ومنها مرض مه نيير.

الاختبارات التشخيصية: هنالك وسائط اختبارية مختلفة تستعمل في مرض مه نيير، أفضلها تخطيط السمع لمعرفة نوع نقص السمع وشدته. ويجب أن يُجرى لكل هؤلاء المرضى تخطيط النغمة الصافية واختبارات الكلام، وهو يُعطي نموذجيّاً مخططاً صاعداً أشد نقص فيه هو للتواترات المنخفضة وذلك في الحالات الباكرة، ولكن قد يأتي المريض بنقص سمع للتواترات العالية. إذا أظهر التخطيط نموذجاً غير متناظر في الأذنين فمن الأفضل إجراء تصوير الدماغ ومجرى السمع الباطن بالرنين المغنطيسي MRI لنفي وجود ورم العصب الدهليزي أو إصابة بلويحة مزيلة للميالين demyelinating في جذع الدماغ، يفيد التصوير المقطعي المحوسب في حالات تصلب الأذن (ولا سيما بعد عمل جراحي لكشف تبارز القطعة البديلة في الدهليز) ولكشف تشقق القناة الهلالية العلوية والمسال الدهليزي الواسع. هنالك اختبارات أخرى كتخطيط القوقعة الكهربائي electrocochleography وتخطيط الرأرأة لا يُحتاج إليها عادة في المرحلة الباكرة من المعالجة. ولكن يجب إجراء تخطيط الرأرأة في المرضى الذين سيُجرى لهم حقن الجنتامايسين في جوف الأذن الوسطى للتأكد من وجود احتياطي وظيفي كافٍ في الأذن الثانية قبل تخريب تيه labyrinth الأذن المريضة.

نادراً ما تدعو الحاجة لاختبارات دموية، لكن يجب إجراء اختبارات وظائف الدرق والزهري والمناعة الذاتية في المرضى الذين تكون إصابتهم في الأذنين.

التدبير:

يختلف تدبير مرض مه نيير في المؤسسات الدولية المختلفة وبين الأطباء، وقد تبدّلت التدابير بمرور الزمن. واهتمت معظم الحلول بتخفيف تواتر نوب الدوار. في حين أن المهم هو المحافظة على السمع في المدى البعيد؛ إذ إنّ الإعاقة النهائية للمرض ستكون نقص السمع وليس الدوار. ومن المهم أيضاً معرفة أن الأذن الداخلية واتصالاتها المركزية تتأثر بنواقل عصبية neurotransmitters وقنوات channels وأيونات ions ومستقبِلات receptors ومسالك pathways يمكن التأثير فيها بأدوية مختلفة.

لا ضرورة لمعالجة معظم المصابين بمرض مه نيير في المستشفى ما عدا المتقدمين في السن المتجففين.

وأكثر الأعراض صعوبة في الهجمة الحادة هو الدوار الذي يجب أن يعالج عرضيّاً بـ 5ملغ من الديازبام (Valium) diazepam مع 2ملغ من لورازبام Ativan) lorazepam) تحت اللسان؛ فلهذين الدواءين تأثير جيد في تخفيف الهجمة وتقصير مدتها. ويبدو أن في المصابين بداء مه نيير نسبة عالية من المصابين بالأرج، ومعالجته تُنقص الهجمات ولاسيما في فصل الأرج. وكذلك تفيد معالجة الشقيقة (حين وجودها) في المصابين.

والمعالجة الطويلة الأمد تشمل المدرات البولية وحمية منخفضة الملح (إذا كان المريض حساساً للملح اعتماداً على ملاحظاته). يمكن استعمال المهدئات الدهليزية في فترات النوب بمراقبة جيدة  بسبب تأثيرها السيئ في المعاوضة المركزية للدهليز، ولأنها قد تسبب الاعتياد.

تفيد الستيروئيدات القشرية في السيطرة على الدوار، وقد تحسّن السمع وذلك بإعطائها جهازيّاً أو ضمن جوف الأذن الوسطى؛ فقد لوحظ أن حقن ديكساميتازول 24ملغ/سم3 في جوف الأذن الوسطى يفيد في الحالات المتقدمة التي يكون السمع فيها ضعيفاً جداً (نسبة فهم الكلام  أقل من 25%) وذلك للسيطرة على الدوار وعلى نوب السقوط المفاجئ.

هناك أدوية عديدة تستعمل في مرض مه نيير اعتمد معظمها على ملاحظات سريريّة ولم تتفق الكلمة على فائدتها، مثل ميكليزين meclizine وبيتاهيستين (B-serc) betahistine. وعدة أدوية موسّعة للأوعية أو مضادة للصفيحات أو منشّطة للسعة الأكسجينية. وكذلك بعض الوسائل الأخرى مثل وضع أنابيب تهوية في الأذنين، والليزر، والوخز الإبري acupuncture، والضغط الإبري acupressure، وآلات الضغط، والمعالجة المائية hydrotherapy، والمعالجة بالأكسجين والمعالجة بالأعشاب، وكلها تنقصها دراسة  تثبت جدواها.

والجراحة نادراً ما يلجأ إليها في مرض مه نيير؛ إذ إن أكثر من 90% من المرضى يمكن معالجتهم دوائيّاً. أكثر الطرائق الجراحية المستعملة هي استئصال التيه labyrinthectomy، ووضع تحويلة shunt في كيس اللمف المحيطي أو تخفيف الضغط فيه decompression، وقطع العصب الدهليزي. ويستأصل التيه لإنهاء الدوار حينما تكون البقايا السمعية عديمة الفائدة عمليّاً، ويقطع العصب الدهليزي لإنهاء الدوار حين يكون السمع طبيعيّاً أو قريباً من الطبيعي. ولكن أظهرت بعض الدراسات عدم فعالية هذه الجراحات. وقد حل حقن الستيروئيدات ضمن جوف الأذن الوسطى لتروية الأذن الداخلية محل عملية كيس اللمف المحيطي، كما حل حقن الجنتامايسين محل استئصال التيه أو قطع العصب الدهليزي. مع الحذر والمراقبة الجيدة حين المعالجة بحقن الجنتامايسين في الأذن الوسطى؛ إذ يقدر احتمال حدوث فقد سمع كلي بعده بـ 20-30%.

قد يؤدي مرض مه نيير إلى درجة شديدة من الإعاقة فيزيائيّاً وعاطفيّاً للمرضى وعائلاتهم. من المهم أن يتعامل الطبيب مع التأثير العاطفي للمرض وما يسببه من قلق وكآبة. وكذلك من المهم تقييم تأثير المرض في قدرة المريض على التصرف في العمل وفي المنزل، فبعض الأعمال قد تكون خطرة: كالطيران، والشرطة، وأعمال البناء، والعمل بآلات كبيرة، ومعظم الأعمال التي تتطلب قدراً زائداً من حفظ التوازن. وعلى الطبيب ألا يتردد كثيراً في إعطاء تقرير بعجز disability مؤقت أو دائم للمصاب بمرض مه نيير ولاسيما ثنائي الجانب.

 

   

 


التصنيف : أذن أنف حنجرة
النوع : أذن أنف حنجرة
المجلد: المجلد الحادي عشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 428
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1121
الكل : 43972867
اليوم : 120277