logo

logo

logo

logo

logo

تعاطي المواد الفعالة نفسياً

تعاطي مواد فعاله نفسيا

abuse of psychoactive substance - abus de substances psychologiquement efficace



تعاطي المواد الفعّالة نفسياً

 

ناظم هارون

 

الأمفيتامينات الكحول
الكافيين الأفيونيات
المهلِّسات القنبيات
النيكوتين المهدّئات أو المنوّمات
المذيبات الطيارة الكوكائين
 

 

لم يكن من قبيل المصادفة مجيء الرأس في مقدمة الجسم، ولم يكن أمراً تلقائياً في الخليقة أن تستقر أداة العقل وهي الدماغ في صندوقٍ حصينٍ من العظم؛ وهي وقاية لم تحظ بها أعضاءٌ أخرى مهمة في جسم الإنسان، فدقّة هذه الأداة ورقّة نسيجها وأهميتها البالغة في حياة الإنسان قد اقتضت هذا التمييز في الخلق. وعلى الرغم من القيمة الكبيرة لهذه الحماية فإنها لم تعصم الدماغ وحصيلته العقل من احتمالات الضرر والعبث الذي قد يأتي عن طريق المؤثرات التي تحملها المستحضرات والعقاقير والمواد الفعّالة نفسيّاً. يتم في هذا البحث أولاً عرض عموميات تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً؛ وثانياً خصائص تعاطي أكثر هذه المواد استخداماً، وهي: الكحول، الأفيونيات، القنبيات، المهدّئات أو المنوّمات، الكوكائين، الأمفيتامينات، الكافيين، المهلِّسات، النيكوتين، المذيبات الطيارة.

تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً:

يعد تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً psychoactive substances موضوعاً بالغ الأهمية، ليس لأنه كان أقدم الوسائل التي طرقها الإنسان للتأثير في حياته العقلية واستمر في ذلك ومن دون انقطاع عبر تاريخه الطويل، وإنما لما يُشاهد في هذا العصر من انجراف لا نظير له نحو تعاطي مختلف المواد والمستحضرات المؤثرة في العقل إلى الحد الذي أصبح فيه حجم تعاطي هذه المواد يهدد سلامة العقل الإنساني وما يرتبط بالعمليات العقلية من أوجه الحياة الإنسانية الأُخرى من صحية واجتماعية واقتصادية وحضارية وأخلاقية وإبداعية.

وتمثّل ظاهرة تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً وإدمانها واحدة من أخطر التحديات المعاصرة التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها وتقضي على كيانها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، وهي ليست مشكلة محليّة تقتصر على بلد دون آخر وإنما آفة عالمية متعددة الجوانب وتختلف مظاهر خطرها من دولةٍ إلى أُخرى؛ إذ تعاني بعض الدول زراعة المخدرات وتعاني دول أُخرى الاتجار غير المشروع؛ في حين تعاني غيرها مشاكل التعاطي وعبء المعالجة.

ومع الجهود المحلية والعالمية التي تبذل في مواجهة هذه المشكلة ضمن الاهتمام العام بصحة الفرد والمجتمع؛ ومع الدراسات المتعددة لمعرفة الأسباب والدوافع الحقيقية لهذا المرض؛ فإن العالم ما يزال يعانيه وما تزال أعداد المدمنين في تزايدٍ مستمر، فقد أشار تقرير لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) إلى أن شخصاً واحداً من كل عشرين شخصاً تراوحت أعمارهم بين 15-64 عاماً قد جرب تعاطي المخدرات مرة واحدة على الأقل في الأشهر الاثني عشر الماضية، وأن متعاطي المخدرات ذوي الحالات المستعصية (الأشخاص شديدو الارتهان للمخدرات) يعادلون أقل من عشر هذه النسبة المئوية؛ إذ يقدّر عددهم بـ 26 مليون شخصاً؛ أي حوالي 0.6% من سكان الكرة الأرضية البالغين سن الرشد.

مصطلحات أساسية:

تقوم المصطلحات في مجالات الفكر والحديث العلمي بما لا يختلف عمّا تقوم به النقود في مجال الحياة الاقتصادية للمجتمع؛ فالمصطلحات هي الأداة الرئيسة للتعامل داخل المؤسسات العلمية، ولذلك من الضروري ضبط المصطلحات المتعلقة بالمواد الفعَالة نفسيّاً لكي يضمن الجميع سلامة المهام التي يقومون بها سواء كانت طبية أم تشريعية أم قضائية، ومن أهم المصطلحات التي يسود استخدامها في ميدان الحديث عن المخدرات والمواد الفعالة نفسيا ما يلي:

1-الإدمان :addiction يعرّف الإدمان بحسب منظمة الصحة العالمية (WHO) بأنه حالة نفسية أو عضوية تنتج من تفاعل العقار في جسم الكائن الحي وينتج من ذلك أنماط سلوكية واستجابات مختلفة تشمل الرغبة في التعاطي والحاجة إلى زيادة الجرعة بغية الإحساس بالآثار النفسية المطلوبة. وقد استخدم مصطلح الإدمان للدلالة على حالات استعمال المواد إلى درجة عدم مقدرة الفرد على التخلي عن تناولها حتى عام 1964 حين استبدل به في تلك السنة من قبل منظمة الصحة العالمية مصطلح الاعتماد أو مصطلح التعاطي الضار.

2-التعاطي الضار :harmful use هو مكافئ لمصطلح المعاقرة أو سوء الاستخدام abuse، ويقصد به استعمال مادة أو مستحضر من قبل شخص ما استعمالاً غير مشروع، ويشمل ذلك المواد والعقاقير المحظور تناولها إلا بوصفة طبية؛ سواء استخدمت لأغراض غير طبية؛ أم إذا تم تناول الموصوف منها بجُرع تزيد عما هو مقرر أو مدة زمنية أطول مما أوصى به الطبيب. وبحسب الطبعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-10) فإن التعاطي الضار هو نمط من تعاطي مادة فعّالة نفسيّاً يسبب ضرراً صحياً؛ وقد يكون هذا الضرر الصحي جسدياً (كما في حالات التهاب الكبد الناجمة عن التعاطي الذاتي للعقاقير بالحقن) أو نفسياً (مثل هجمات الاضطراب الاكتئابي الثانوية التالية للإفراط في شرب الكحول).

3-الاعتماد :dependence استبدلت منظمة الصحة العالمية بمصطلح الإدمان (الأكثر شيوعاً واستعمالاً) مصطلح الاعتماد، وبهذا يكون تعريف الاعتماد هو نفسه تعريف الإدمان. وبحسب الطبعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-10) فإنَ الميزة الوصفية الرئيسية لمتلازمة الاعتماد هي الرغبة (القوية غالباً والجارفة أحياناً) في تعاطي المواد الفعالة نفسياً. ويؤكد تشخيص وجود الاعتماد إذا شعر المريض أو أبدى ثلاثاً أو أكثر من الظواهر التالية في أي وقت خلال السنة الماضية:

أ- رغبة قوية أو شعوراً قوياً بالاضطرار إلى تعاطي المادة الفعالة نفسياً.

ب- صعوبة التحكم في سلوك تعاطي المادة الفعالة نفسياً سواء من حيث الشروع فيه أو الانصراف عنه أم من حيث التحكم بكمية التعاطي.

ج- حدوث حالة امتناع فيزيولوجية حين التوقف عن استعمال المادة الفعالة نفسياً أو عند إنقاص كميتها.

د- توافر دليل على بلوغ المتعاطي درجة التحمل؛ كالاضطرار إلى استعمال جرعات متزايدة من المادة الفعالة نفسياً لإحداث تأثيرات كانت تكفي لإحداثها قبل ذلك جرعات أقل.

هـ- الانصراف على نحو مترقٍ عن وسائل المتعة بسبب تعاطي المادة الفعالة نفسياَ، أو زيادة الوقت اللازم للحصول عليها، أو اللجوء إلى تعاطيها بهدف الشفاء من آثار سحبها.

و- الإصرار على تعاطي المادة الفعالة نفسياً على الرغم من الشواهد الواضحة على عواقبها الوخيمة الجسدية أو النفسية.

وقد يكون الاعتماد نفسياً أو جسدياً. والاعتماد النفسي هو تعاطي المادة الفعّالة نفسيّاً لما تسببه من شعور بالارتياح النفسي والعاطفي؛ أي إن الشخص يتناول المادة لتجنب حالة خلل المزاج dysthymia والتوتر الناجم عن عدم تناول المادة، والاعتماد الجسدي هو تناول المادة الفعالة نفسياً للإبقاء على وظائف الجسم على نحو طبيعي؛ أي إن الشخص يتناول المادة لتجنب حالة الامتناع وما يرافقها من أعراض جسدية مزعجة نتيجة عدم تناول المادة.

4-المخدرات :narcotics هي كل المواد الطبيعية أو المستحضرة في المصانع التي تؤدي إلى حالة إدمان تضر بالصحة الجسدية والنفسية للفرد وللمجتمع إذا ما استخدمت في غير أغراضها الطبية أو الصناعية. أما من الناحية القانونية فالمخدرات هي مجموعة من المواد التي تسبب الإدمان ويحظر تداولها أو تصنيعها إلاَّ لأغراض يحددها القانون. يستخدم هذا المصطلح حين الإشارة إلى المواد المحرمة قانونياً في الاتفاقية الدولية المعروفة باسم الاتفاقية الوحيدة للمخدرات لسنة 1961، أما في الطبعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-10) فقد أُسقط مصطلح "مخدرات" واستعيض عنه بمصطلح "المواد الفعالة نفسياً".

5-المواد الفعَالة نفسّياً: هي مواد أو عقاقير أو مستحضرات إذا ما تناولها الفرد أو دخلت إلى جسمه عن طريق ما؛ فإنها تحدث تغيراً في وعيه أو في حالته العقلية والنفسية أو في سلوكه أو في جميع ذلك، ويتنوع تأثير المواد الفعّالة نفسياً؛ فقد يكون منشطاً أو مثبطاً أو مهلوساً… إلخ.

أما مصطلح تعاطي المواد الفعَالة نفسيّاً فيشير إلى تناول مادة فعالة نفسياً تناولاً متكرراً على نحو يؤدي إلى الإضرار جسديَاً أو نفسيَاً بمتعاطيها أو بالمجتمع.

6-الانسمام الحاد  :acute intoxication هو حالة عابرة أو مؤقتة تعقب تعاطي مادة فعالة نفسياً وتؤدي إلى اضطراب في مستوى الوعي أو المعرفة أو الإدراك أو الوجدان أو السلوك أو غيرها من الوظائف الفيزيولوجية أو النفسية، وتتناسب شدة الانسمام الحاد عادةً تناسباً وثيقاً ومستوى جرعة المادة المتناولة، وتخف شدّة الانسمام تدريجياً بمضي الوقت لتختفي آثاره بعد فترة من الوقت إذا لم يتم تناول المادة مرة أخرى؛ لذلك يكون الشفاء كاملاً إلا إذا حدث تلف الأنسجة أو ظهرت مضاعفات أخرى.

7-التحمل :tolerance هو انخفاض واضح في تأثير المادة الفعالة نفسياً ينجم عن تكرار تعاطي هذه المادة بالجرعة ذاتها، أو هو الحاجة إلى زيادة جرعة المادة الفعالة نفسياً من أجل الوصول إلى التأثير المرغوب الذي كان يوصل إليه في السابق بجرعة أقل. والتحمل المتصالب  cross-tolerance هو تحمل عقار إذا كان الشخص معتمداً على عقار آخر له تأثيرات مشابهة في جسم الإنسان، مثال ذلك ازدياد تحمل الشخص المعتمد على الكحول للمهدئات أيضاً، والعكس صحيح.

8-حالة الامتناع  :withdrawal state هي مجموعة من الأعراض والعلامات الجسدية والنفسية تحدث حين التوقف التام أو الجزئي عن تعاطي مادة فعّالة نفسيّاً عند شخص كان يكرر استعمال تلك المادة مدة طويلة أو بجرعات كبيرة. ولحالة الامتناع بدء ومسار زمني محددان يتعلقان بنوع المادة وبجرعاتها التي كانت تستعمل قبل الامتناع مباشرة، وتعد حالة الامتناع إحدى الدلائل على وجود حالة الاعتماد. وتختلف الأعراض الجسدية وشدتها باختلاف المادة المستعملة، ومن الشائع في حالات الامتناع حدوث اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب واضطرابات النوم.

الأسباب والإمراض:

ينجم الاعتماد على المواد الفعّالة نفسيّاً عن عوامل عديدة. تحدد التأثيرات الخاصة بكل مادة على نحو أولي فيما إذا كان استخدام هذه المادة سوف يتطور نحو الاعتماد أم لا، ولكن وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لتأثيرات المادة المأخوذة؛ فإنّ الأشخاص المعتمدين على مادة ما لا يتأثرون بها بالطريقة ذاتها وليس لديهم الأسباب والعوامل ذاتها التي تدفعهم إلى تعاطيها. يضاف إلى ذلك أنّ توافر المواد ومدى تقبلها اجتماعياً والكروب الحياتية تعد من المُسببّات البالغة الأهمية في التجربة الأولى للمادة، أما العوامل الأُخرى كالشخصيّة والبيولوجيا الفردية فهي أكثر أهمية في كيفية إدراك تأثيرات المادة ومدى إحداث تغيرات الجملة العصبية المركزية حين تكرار تعاطي هذه المادة. وقد أكّدت الدراسات أنّ الإدمان هو مرض دماغي؛ إذ إنّ العمليات المهمة التي تحول سلوك تعاطي المادة الطوعي إلى سلوك تعاطي قهري هي تغيرات في بنية النواقل العصبيّة الكيميائية في أجزاء محددة من الدماغ، وبالتالي فإنّ طبيعة الإدمان هي أكثر من معقدة وتتطلب تفاعل عوامل متعددة منها ما يتعلق بالشخص؛ ومنها ما يتعلق بالمادة؛ ومنها ما يتعلق بالبيئة المحيطة.

1-العوامل المتعلقة بالشخص:

أ- العوامل الوراثية: أظهرت دراسات عائلات معينة ودراسات التوائم ودراسات أطفال التبني أنّ الاعتماد على المواد الفعالة نفسياً هو من الاضطرابات المعقدة التي يساهم في حدوثها تآثر جينات متعددة؛ فقد يؤثر التعرض للمواد في شخص يتمتع بقابلية وراثية للاعتماد تأثيراً أكبر بكثير من تأثيره في شخص آخر لا يتمتع بهذه القابلية، وهنالك براهين قوية على وجود أساس وراثي للاعتماد الكحولي، وبراهين أقل قوة على وجود الأساس الوراثي لحدوث الأنماط الأٌخرى من تعاطي المواد.

ب- العوامل العصبية الكيميائية: باستثناء الكحول حدد الباحثون نواقل عصبية معينة ومستقبلات للنواقل العصبية لها علاقة بسوء استخدام المواد والاعتماد عليها. وبحسب نظرية التكيف العصبي فإن الجهاز العصبي يتمتع في الحالة الطبيعية بحالة توازن، وإن تناول مادة خارجية يٌخل بهذا التوازن ويسبب تغيرات في بنية النواقل والمستقبلات العصبية ومواد الخلايا العصبية المركزية ووظائفها كي تتكيَف مع الوضع الجديد للتعامل مع مواد غريبة أو إضافية، وهذا التغيّر إذا طال أمده بسبب الاستمرار بتعاطي المادة فإنّه يجعل من تناول هذه المادة ضرورة للإبقاء على وضع التكيّف الجديد؛ وكأنّ المادة الجديدة تصبح من المتطلبات الأساسية للخلايا العصبيّة ووظائفها، والتوقف عن تعاطيها يؤدي إلى الإخلال بعملية التوازن العصبي الجديدة وظهور أعراض حالة الامتناع. ومع أنّ لكل مادة من المواد الفعّالة نفسيّاً آلية تأثير أوليّة خاصّة بها؛ فإن معظم هذه المواد تُنشط ما يُدعى "دارة المكافأة الدوبامينية"، وهي السبيل الدوباميني من المنطقة السقيفية البطنية   ventral tegmental areaإلى قشر الدماغ والجهاز الحوفي. تؤدي زيادة تحرير الدوبامين في دارة المكافأة الدوبامينية إلى تعزيز سلوك تعاطي المادة، ويعد ذلك أهم العوامل المسهمة في نشوء الاعتماد.

ج- العوامل النفسيّة: تعد نظريات التحليل النفسي المدرسية (الكلاسيكية) تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً هو نتيجة الحاجة للحصول على اللذة، أو هو دفاع ضد القلق الناجم عن صراعات نفسية، أو هو تعبير عن نكوص إلى المرحلة الفموية. أما النظريات النفسيّة الدينامية الحديثة فتربط بين تعاطي المواد واضطراب وظيفة الأنا (أي عدم القدرة على التعامل مع الواقع)؛ إذ يشير هذا التعاطي إلى فقدان الحب والثقة وضعف تواصل المتعاطي مع الآخرين، فالخبرات المتراكمة من الكَفِّ (الكبت) والإحباط تؤدي إلى خلق تشاؤم واغتراب وعدم الثقة بالسلطة ابتداءً من الوالدين بوصفهما المصدر الأول للإشباع والحماية؛ ثم تعميم ذلك على السلطة عموماً بوصفها مصدر إشباع حاجات الفرد، وإنّ هذه الحالة من عدم الثقة والخوف والتشاؤم وسوء التواصل قد تنتهي بالفرد إلى التماس الإشباع عن طريق تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً أو إلى تبني أشكال أخرى من السلبية وعدم الاكتراث.

د- أما النظرية السلوكية فتعد الاستمرار بتعاطي المادة هو بهدف الشعور بالنشوة والانطلاق النفسي والتمتع بجو التعاطي (تعزيز إيجابي)، أو هو بغية إنهاء معاناة الفرد من الألم والقلق والخوف والاكتئاب وغيرها من أعراض حالة الامتناع (تعزيز سلبي)، ويختلف تأثير هذا النوع من التَعَلُّم [ر. المعالجات في الطب النفسي] في نشوء حالة الاعتماد بين الأشخاص؛ فبعضهم أكثر استعداداً لعمليات التعلم من بعض وبالتالي أسرع في تكوين حالة الاعتماد، وكلما صغر عمر المتعاطي زاد استعداده للتعلم.

هـ- الأمراض النفسية: يزداد احتمال تعاطي المواد الفعَالة نفسياً عند المصابين باضطرابات نفسيّة، وهناك عدة فرضيّات لتفسير هذه المراضة المشتركة، منها وجود أساس بيولوجي مشترك لكلتا الحالتين، أو أن تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً يسبب أعراضاً تقلِّدُ أعراض بعض الاضطرابات النفسيّة، أو أن تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً يخفف بعض أعراض الاضطراب النفسي أو يخفف من التأثيرات الجانبية للأدوية فيُستخدم الكحول مثلاً لمعالجة نوب الهلع، والأفيونيات لتخفيف الغضب، والأمفيتامينات لتحسين الاكتئاب.

2-العوامل المتعلقة بالمادة الفعّالة نفسيّاً:

أ- توافر المادة: يعتمد توافر المواد الفعالة نفسياً أو منعها في أي مجتمع على عوامل عدة أهمها:

- التوافر الطبيعي أو الصناعي: المناطق التي تتوافر فيها المواد الطبيعية أو الصناعية هي أكثر احتمالاً لإقبال سكانها على تناول هذه المواد وبالتالي إساءة استخدامها والاعتماد عليها.

-النقل والمتاجرة: يزداد توافر المواد الفعالة نفسياً ومعاقرتها كلما ضعفت المراقبة على عمليات نقلها والمتاجرة بها وتصريفها.

- الثمن والواقع الاقتصادي: لثمن المواد الفعالة نفسياً مقارنة بالواقع الاقتصادي شأن مهم في مدى معاقرة هذه المواد في أي مجتمع؛ فكلما ارتفع ثمن المادة كلما تعذر تناولها وإساءة استعمالها، لذلك تلجأ الحكومات أحياناً إلى زيادة الضرائب على المواد المشروعة قانونياً (مثل الكحول والتبغ) في محاولة للحد من انتشارها بين الجزء الأكبر من السكان.

- الموقف الاجتماعي: يعتمد مدى توافر أي مادة فعالة نفسياً ودرجة الإقبال على تعاطيها وإساءة استخدامها على نظرة المجتمع الذي ينتمي إليه الشخص ومواقفه حول تناول تلك المادة.

- القوانين والتشريعات: تسهم في الحد من انتشار المواد الفعالة نفسياً ومن إساءة استعمالها.

ب- خصائص المادة: لبعض المواد الفعّالة نفسيّاً كمون potential إدماني قوي (مثل الهيروئين) فهي لذلك ذات إمكانية قوية في إحداث الاعتماد. كما أنّ تعاطي بعض المواد الخفيفة التأثير يدفع الشخص إلى تعاطي مواد أُخرى أكثر خطورة (مثلاً قد يكون تدخين التبغ الخطوة الأولى نحو تدخين الحشيش)، وتسهل معاقرة المواد التي يتم تعاطيها عن طريق الفم أو الشم؛ في حين تقل فرص معاقرة المواد التي يتم تعاطيها بطريق الحقن.

3-العوامل المتعلقة بالبيئة:

للعوامل البيئية شأن مهم في تكوين الاستعداد للسلوك الإدماني؛ إذ يعدّ الإدمان على نحو عام وسيلة للتعامل أو للتهرب من كروب ناجمة عن:

أ- عوامل سياسية: يعد الاضطهاد الخارجي والظروف السياسية الداخلية وما يرتبط بها من تخلف وفساد في النُّظُم الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية وضيق هامش الحرية للإبداع والإنتاج من أهم العوامل والظروف التي تساعد على انتشار تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً.

ب- عوامل اقتصادية واجتماعية: على الرغم من عدم وجود فئة اجتماعية خالية من التعاطي فإن التعاطي يشيع في أوساط الطبقات الدنيا في المجتمع أكثر من غيرها، فالعمل غير المستقر والسكن السيئ والحرمان من الحاجات المادية الأساسية؛ إضافة إلى القوانين العامة والعادات والتقاليد؛ تشكل حواجز شديدة أمام حركة أفراد هذه الطبقة لتحقيق أهدافهم وإشباع حاجاتهم، ممّا يؤدي إلى الشعور بالإحباط  والقلق والتوتّر والعجز واليأس وإلى اتخاذ أنماط أخرى من السلوك البديل وغير السويّ.

ج- عوامل عائلية: تعد فترة الطفولة أهم فترة في حياة الشخص وأخطرها، ويؤدي عدم تلبية حاجات الطفل في الوقت المناسب وبالتسلسل الملائم في مراحل تطوّر الطفل إلى البحث عن أنواعٍ أخرى من السلوك التعويضي البديل وغير السويّ. وقد أشارت دراساتٌ عديدةٌ إلى أن الشباب الذين يعيشون في أسر مفككة هم أكثر تعرضاً لاحتمال تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً. ومن أهم العوامل المؤدية إلى تفكك الأسرة الطلاق أو وفاة أحد الوالدين أو غياب الأب المتكرر عن المنزل أو عدم الاستقرار في العلاقة الزوجية. كما أنّ تعاطي أحد أفراد الأسرة أو الأقارب للمواد يعد من العوامل المهمة لتعاطيها من قبل الشباب. ويزداد احتمال حدوث التعاطي أيضاً حين تكون العلاقة بين الآباء والأبناء قائمة على التسيّب والإهمال؛ في حين يقلّ الاحتمال حين تكون العلاقة قائمة على الحب والتوجيه الإيجابي.

د- الأصدقاء ورفاق السوء: أشارت دراسات عديدة إلى أن للأصدقاء والأصحاب شأناً كبيراً في التأثير في سلوك التعاطي؛ فلكي يبقى الشاب عضواً في جماعة الأصدقاء يجب عليه أن يسايرهم في عاداتهم واتجاهاتهم فتصبح مجاراة الأصدقاء عاملاً أساسياً في التعاطي وعاملاً مهماً في فشل العلاج بدفع الشخص مرة أخرى إلى العودة إلى التعاطي.

المراضة المرافقة  :comorbidity

المراضة المرافقة هي تشارك حدوث اضطرابين أو أكثر من الاضطرابات النفسيَة في الشخص الواحد، وقد تبيَن في دراستين وبائيتين كبيرتين أنّ الأشخاص الذين يحققون معايير سوء الاستخدام والاعتماد على المواد الفعّالة نفسيّاً (باستثناء الاعتماد على التبغ) هم أكثر احتمالاً لتحقيق معايير اضطراب نفسي آخر وأكثر ميلاً إلى البحث غن العلاج. كما أظهرت دراسات متنوعة أن نسبة 35-60% من الأشخاص الذين لديهم سوء استخدام واعتماد على مادة يحققون المعايير التشخيصية لاضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، ولدى هؤلاء الأشخاص ميل أكثر إلى تعاطي مواد غير مشروعة والإصابة بالاضطرابات النفسيّة وبميل إلى الاندفاعية والانعزال. وتشيع الأعراض الاكتئابية في الأشخاص الذين يتعاطون مواد فعّالة نفسياً؛ فنحو ثلث إلى نصف الذين يتعاطون الأفيونيات و40% من الذين يتعاطون الكحول يحققون معايير اضطراب الاكتئاب الجسيم في وقت ما من حياتهم. كما يضاعف تعاطي المواد الفعالة نفسياً خطر الانتحار بنحو عشرين ضعفاً عن خطر الانتحار في جماهير العامة، ويُقدر أنّ 15% من الأشخاص الذين لديهم سوء استخدام أو اعتماد على الكحول قد اقترفوا الانتحار.

التشخيص:

من الضروري تشخيص تعاطي المواد الفعّالة نفسيّاً مبكراً وفي مرحلة يكون فيها الاعتماد أقل رسوخاً والسلوك الإدماني أقل ثباتاً.

1-العلامات السريرية والسلوكية: هناك الكثير من العلامات التي تشير إلى احتمال التعاطي عند شخص ما، أهمها:

- ظهور آثار على اليدين والذراعين والأرجل والعنق نتيجة الوخز بالإبر.

- ارتداء ملابس ذات أكمام طويلة حتى في الجو الحار لإخفاء آثار الحقن.

- ارتداء نظارات شمسية لإخفاء احمرار العين الناجم عن التعاطي.

- ظهور آثار حروق على الأصابع والملابس والأثاث داخل المنزل.

- العطاس المستمر وكثرة التثاؤب.

- النعاس والميل إلى النوم باستمرار الناجم عن تعاطي المثبطات .

- زيادة النشاط الجسدي الناجم عن تعاطي المنشطات.

- اضطراب الطعام.

- التأخر عن أوقات العمل (أو المدرسة).

- اللجوء إلى الكذب والمبالغة والمراوغة.

- اقتراض مبالغ مالية باستمرار وإنفاق المال على نحو غامض.

- اختفاء المقتنيات الثمينة من المنزل على نحو تدريجي (مجوهرات، أدوات كهربائية… إلخ).

- الميل إلى العزلة عن أفراد الأسرة مع انخفاض تقدير الذات.

- الاكتئاب وتقلب الحالة المزاجية وسرعة الانفعال.

2-القصة: يجب أخذ قصة مرتبة زمنياً لتطور تعاطي كل مادة بحيث تشمل: أول تعاطٍ للمادة؛ بدء تعاطي المادة يومياً؛ بدء الشعور بأعراض السحب؛ بدء تعاطي المادة وريدياً، ويُسأل المريض أن يصف يوم استخدام نموذجي (ما هي المواد التي يتعاطاها، وطرق التعاطي وعدد المرات والجرعة)، كما يُسأل عن مضاعفات التعاطي وحوادث فرط الجرعة، وكذلك يُسأل عن عائلته ووظيفته ومشاكله القانونية، وإذا كان لدى المريض فترات من الانقطاع يُسأل عن المعالجات السابقة والدوافع التي ساعدت على تحقيق ذلك والعوامل التي أدت إلى النكس.

3-التحاليل المخبرية: يمكن تأكيد تشخيص تعاطي المواد بإجراء التحاليل المخبرية، ويعد فحص البول الأكثر استخداماً ولكن قد يكون من الضروري تحليل الدم والشعر في بعض الظروف، ويجب تزويد المخبر بلائحة كاملة عن المواد المتوقع أن تكون قد استخدمت بما في ذلك الأدوية الموصوفة للمريض.

المعالجة:

قد يبدو الإدمان مرضاً بسيطاً ظاهره تعاطي مادة فعّالة نفسيّاً؛ ولكنه في الحقيقة مرض مزمن ومعقد يؤثر في أداء الفرد في العائلة والعمل والمجتمع، ولذلك فإن المعالجة تهدف إلى الوصول إلى شفاء حقيقي يتمثل باسترداد المتعاطي لعافيته الأصلية من وجوهها الثلاثة الجسدية والنفسية والاجتماعية مع عودته الفعّالة إلى المجتمع ووقايته من النكس.

1-مبادئ مهمة لنجاح المعالجة:

-لا يوجد علاج واحد يصلح لكل الحالات بل يتم علاج كل مريض بالطريقة المناسبة للمادة التي يتعاطاها وبما يناسب شخصيته وحجم التعاطي ومدته.

-يجب أن ينصبّ العلاج على احتياجات المريض المتعددة فلا يقتصر على تعاطي المادة بل يوجَّه إلى جميع المشاكل الطبية والنفسية والاجتماعية والمهنية والقانونية.

- الأدوية والعلاج النفسي الفردي والجماعي والعلاجات السلوكية الأُخرى أجزاء مهمة في العلاج.

- البقاء في برنامج العلاج المدة الكافية أمرٌ حاسم في نجاح العلاج، وقد تبيَّن أن أفضل برنامج علاجي هو الذي يستمر مدة ثلاثة أشهر، ويجب تشجيع المريض وأسرته للبقاء أطول مدة في العلاج.

- يجب تقييم الخطة العلاجية باستمرار وتعديلها بحسب احتياجات المريض؛ ومراقبة احتمال تعاطي المادة في أثناء فترة العلاج.

-يسهِّل العلاجَ وجودُ دافع قوي عند الشخص، ولكن لا يشترط أن يكون طلب العلاج طوعياً؛ بل يزداد احتمال طلب العلاج ونجاحه بتأثير العقوبات أو التحقير ضمن العائلة أو في أماكن العمل.

2-العلاج الطبي الدوائي: يشتمل على معالجة المضاعفات العضوية الناجمة عن تعاطي المواد؛ وعلى معالجة الإدمان بطريقة إزالة السمّيّة detoxification، وهي الخطوة الأولى في علاج التعاطي؛ إذ يتم علاج أعراض الامتناع المرافقة للتوقف عن تعاطي المادة - والتي تختلف شدتها والمدة اللازمة لعلاجها - بحسب نوع المادة، وقد يتم العلاج داخل المستشفى أو بطريقة المريض الخارجي.

3-العلاج النفسي والاجتماعي: هو المرحلة الثانية من العلاج، يخضع فيه المريض للعلاج النفسي وفق خطة علاجية تتعامل مع جميع الأسباب النفسية والبيئية والاجتماعية والشخصية المرتبطة بالتعاطي. ومن أهم طرائق المعالجة النفسية المستخدمة في هذا المجال المعالجة الاستعرافية، والمعالجة السلوكية، والمعالجة الاستعرافية - السلوكية وعلاج الجماعة، والعلاج العائلي والعلاج المهني.

4-إعادة التأهيل :rehabilitation تهدف إعادة التأهيل المهني إلى العودة بالمتعاطي إلى مستوى مقبول من الأداء المهني إما في إطار مهنته السابقة وإما في إطار مهنة جديدة. أما إعادة التأهيل الاجتماعي فتهدف إلى العودة بالمتعاطي إلى القيام بأدواره الاجتماعية التي كان يؤديها قبل تعاطي المادة والتي تدهورت بسبب التعاطي وجعلت المجتمع يرفضه، ويتم ذلك في مجتمع علاجي يعاني كل أفراده مشاكل تتعلق بالمواد الفعالة نفسياً، وتستمر الإقامة فيه فترات طويلة (12-18 أسبوعاً)، وتتضمن أهدافه تغيير نمط حياة الشخص تغييراً كاملاً يتضمن الامتناع عن تعاطي المواد؛ وتطوير المهارات الاجتماعية؛ وتعزيز الأمانة والمسؤولية؛ وإلغاء السلوك الإجرامي والمعادي للمجتمع.

التصنيف:

هناك العديد من المواد والعقاقير التي تُحدث تأثيراً في الحياة النفسية والعقلية لمتناوليها، وقد قدّر الباحثون عدد هذه المواد بما يقارب الألف، ومن البديهي أن يكون من الصعب تصنيف هذه المواد على أساس واحد هو التأثير في العقل، ولا بد من التوسع في عملية التصنيف لتشمل مصادر هذه المواد؛ وتأثيراتها في المتناول أو في الجهاز العصبي؛ وقابلية هذه المواد لإحداث تعاطٍ ضار أو اعتماد.

فمن حيث مصدرها تقسم المواد إلى:

1-مواد طبيعية موجودة في الطبيعة سواء أكانت برية أم تتم زراعتها (مثل الأفيون والتبغ والقنب الهندي)ز

2-مواد يتم تحضيرها من النباتات بطرائق كيميائية (مثل الهرويين والكوكائين).

3-مواد تركيبية يتم تحضيرها بالمعامل على نحو كامل من مواد كيميائية (مثل المهدئات).

أما من حيث تأثيرها في الحالة النفسية والعقلية فإن المواد الفعالة نفسياً تقسم إلى:

1-مثبطات (مهبطات) نفسية  psycholeptiques مثل المورفين والهيرويين والمهدئات والكحول.

2-منشطات نفسية psychoanaleptiques  مثل الكافيين والنيكوتين والأمفيتامين والكوكائين.

3-مشوشات نفسية psychodysleptiques  مثل الحشيش والماريغوانا والمهلسات.

وقسَّمت الاتفاقية الوحيدة للمخدَرات عام 1961 المخدرات إلى أربع فئات وضعت في أربعة جداول، كما قسَّمت اتفاقية المواد النفسية عام 1971 المواد النفسية إلى أربع فئات وأربعة جداول تبعاً لمدى تأثيرها و خطرها على الإنسان، أما في الطبعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-10)  فقد صنفت المواد الفعّالة نفسياً إلى: الكحول، الأفيونيات، القنبيات، المهدئات أو المنومات، الكوكائين، منبهات أخرى تشمل الكافيئين، المهلسات، التبغ، المذيبات الطيارة، أدوية متعددة ومواد أخرى فعالة نفسياً، وسيتم شرح كل من هذه المواد فيما يلي:

أولاً- الكحول:

يعدّ الكحول من أقدم المواد الفعّالة نفسيّاً التي تعاطاها الإنسان وأوسعها انتشاراً في العالم، فلا توجد حضارة من الحضارات القديمة إلاّ وعرفت الكحول؛ وقد قام الإنسان في العصور القديمة بتخمير الفواكه (مثل العنب والتين والتوت وغيرها) وبتعاطيها؛ إذ تقوم خمائر موجودة في الهواء بالتأثير في السكر وتحويله إلى كحول إيتيلي ethyl alcohol (أو إيتانول ethanol، ورمزه الكيميائي .(C2H5OH وهذا النوع من الكحول هو النوع الموجود في جميع المشروبات الكحولية ولكنّها تختلف بمقدار محتواها منه؛ فمستحضرات البيرة تحتوي بين 2-8% كحول إيتيلي وتحضر بتخمير الحبوب (مثل الشعير والأرز وغيرها)، ومستحضرات النبيذ تحتوي بين 4 و 14% كحول إيتيلي وتحضر بتخمير السكر الموجود في الثمار المختلفة (مثل العنب والتفاح والتمر وغيرها)، أما المستحضرات الروحيّة (ومنها الويسكي والفودكا والعرق وغيرها) فإنّها تحتوي بين 40 و50% كحول إيتيلي وتحضر بتقطير المستحضرات السابقة.

تختلف طرق شرب الكحول بين الأفراد اختلافاً كبيراً من دون وجود حدود واضحة بين الشرب الاجتماعي (أو المعتدل) والشرب المؤذي. وما زال تعبير "الكحولية" alcoholism  يستخدم على نحو واسع مع أنّه تعبير غير دقيق ويحمل أكثر من معنى، فقد يستخدم لوصف استهلاك الكحول المعتدل الذي يبدو مفرط الكمية بحسب بعض المعايير الاعتباطيّة، كما أنّه قد يشير إلى أضرار جسدية أو نفسيّة أو اجتماعيّة ناتجة من تعاطي الكحول. ومن جهة أخرى فإنّ التحدث عن الكحولي غالباً ما يحمل معنى ازدرائياً ويوحي بسلوك سيئ أخلاقياً، لذلك يفضَّل تجنب استخدام هذا التعبير والالتزام باستخدام المصطلحات الواردة في أول هذا البحث وهي التعاطي الضار والمعاقرة (أو سوء الاستخدام) والاعتماد؛ إضافةً إلى مفهوم فرط استهلاك الكحول.

يسهل تحديد الأشخاص المصابين بالاعتماد على الكحول بسبب تحقيقهم لمعايير متلازمة الاعتماد الواردة آنفاً؛ في حين يصعب تعرف مجموعة سوء استخدام الكحول، وهي أقل وضوحاً وأكثر عدداً وتتألف من الأشخاص الذين يسبب عندهم شرب الكحول أضراراً جسدية أو نفسية أو اجتماعية. أما مفهوم فرط استهلاك الكحول فيشير إلى تناول الكحول بمقدار يتجاوز الكمية المحددة للاستهلاك اليومي أو الأسبوعي، ولكن هذا المقدار هو إلى حد ما مفهوم اعتباطي، ويحدد المقدار المسموح به عادة بهدف تجنب خطورة حدوث مشاكل صحية واجتماعية، ويُعبر عن ذلك المقدار بالوحدات الكحولية، والوحدة  الكحولية هي نحو ثمانية غرامات من الكحول الإيتيلي، ويحتوي كأس البيرة (450مل) على وحدة ونصف، وزجاجة النبيذ على سبع وحدات، وزجاجة أحد المشروبات الروحية على ثلاثين وحدة كحولية. ويقال أن تعاطي الرجال الكحول بمقدار لا يزيد على 21 وحدة كحولية كل اسبوع، وتعاطي النساء الكحول بمقدار لا يزيد على 14 وحدة كحولية بالأسبوع؛ يرافقه خطر منخفض للمشاكل الصحية والاجتماعية، ويسبّب تعاطي الكحول بمقدار 22-50 وحدة بالأسبوع للرجال؛ وبمقدار 15 - 35 وحدة أسبوعياً للنساء؛ زيادة خطر حدوث المشاكل الصحية والاجتماعية، ويصبح ذلك الخطر مرتفعاً حين تعاطي الرجال أكثر من 50 وحدة والنساء أكثر من 35 وحدة أسبوعياً.

الوبائيات:

في دراسة عالمية لعشر مناطق مختلفة ثقافياً وجد أن نسبة انتشار سوء استخدام الكحول مدى الحياة والاعتماد عليه تفاوتت من نحو 0.5% في شنغهاي إلى 22% في كوريا، وأظهر المسح السكاني العام في المملكة المتحدة أن معدل الاعتماد على الكحول لسنة واحدة هو 4.7%. أما في الولايات المتحدة فإن نحو 90% من كل المقيمين تعاطوا الكحول مرة واحدة على الأقل في حياتهم ونحو 51% من كل البالغين يتعاطون الكحول على نحو متكرر، ويعدّ تعاطي الكحول حالياً ثالث أكبر مشكلة صحية بعد أمراض القلب والسرطان، وتنطبق على نحو 10% من النساء و20% من الرجال معايير سوء استخدام الكحول في أثناء حياتهم، وعلى 3-5% من النساء و10% من الرجال معايير الاعتماد على الكحول في أثناء حياتهم.

ينقص سوء استخدام الكحول معدل الحياة 10 سنوات، ويشاهد تعاطي الكحول في نحو 50% من مرتكبي جرائم القتل وفي 25% من المنتحرين، ويتأثر تعاطي الكحول بعوامل عديدة أهمها:

1-الجنس: يتعاطى الرجال الكحول أكثر من النساء، ففي البلاد الغربية يعاني الرجال سوء الاستخدام والاعتماد على الكحول أكثر من النساء بثلاث مرات، أمّا في البلدان الآسيوية واسبانيا فنسبة معاناة الرجال أكثر من النساء بعشر مرات.

2-العمر: يتعاطى الذكور كميّات كبيرة من الكحول في أواخر المراهقة وفي بداية العشرينيات من العمر، وتنخفض نسب سوء استخدام الكحول والاعتماد عليه في معظم الثقافات بعد عمر 45 سنة، ويتعرض الشباب المتشردون لارتفاع خطر تعاطي الكحول.

3-العقيدة والثقافة: يقل احتمال سوء استخدام الكحول عند معتنقي الديانات التي تحرّم الكحول، مثل الإسلام والديانة الهندوسية والكنيسة المعمدانية.

4-المهنة: تزداد خطورة سوء استخدام الكحول في عدة مجموعات مهنية مثل عمال المطاعم والطباخين ومصنعي الخمر، وبين الذين يسهل وصولهم إلى الكحول مثل الممثلين والبحارة والصحفيّين والأطباء.

الأسباب:

على الرغم من كثرة الدراسات والبحوث لم يعرف إلا القليل عن أسباب فرط تناول الكحول، ويعتقد أنّ سوء استخدام الكحول والاعتماد عليه هو نتيجة لتفاعل عوامل كثيرة تقسم إلى عوامل شخصيّة وعوامل ضمن المجتمع.

1-العوامل الشخصيّة:

أ- العامل الوراثي: أشارت الدراسات إلى أنّ الاستعداد لاستخدام الكحول مدى الحياة يتحدد بيئياً، بيد أنّ خطورة الشرب المحظور لدى الأعمار الدنيا له موجِّهات وراثية قوية، كما أشارت إلى أنّ نحو 50-60% من الميل إلى حدوث اعتماد كحولي ينتج من عوامل وراثيّة؛ فقد كانت نسب الاعتماد على الكحول في التوائم وحيدة البيضة أعلى مما في التوائم ثنائية البيضة، كما كانت نسب الاعتماد على الكحول في أبناء بيولوجيين لآباء معتمدين على الكحول أعلى منها في أبناء غير بيولوجيين لآباء معتمدين على الكحول، ولكنّ مازالت الآلية الوراثية غير محددة؛ فقد ترتبط هذه الآلية الكيميائية الحيوية باستقلاب الكحول أو بتأثيراته الفيزيولوجية أو المركزية.

ب- العوامل البيولوجية الأخرى: هناك العديد من العوامل البيولوجية الممكنة لسوء استخدام الكحول والاعتماد عليه تشتمل على شذوذات في إنزيم نازعة هدروجين الكحول أو في آليات النواقل العصبية؛ فكثير من الأفراد الآسيويين والشرقيين لديهم اختلاف في إنزيم ألدهيد ديهدروجيناز ويحدث لديهم ارتكاس مزعج (توهج، غثيان، تسرع قلب…) نتيجة تراكم الأسيت ألدهايد عندما يتعاطون الكحول، وبالتالي فهم أقل احتمالاً لإساءة استخدام الكحول.

ج- عوامل التعلّم: يميل الأطفال إلى أن يقلدوا آباءهم في نموذج الشرب، و يميل الصبيان منذ الأعمار المبكرة إلى أن يتشجعوا على الشرب أكثر من البنات. وهناك افتراض أنّ توقّع التأثيرات المرغوبة للكحول في الطفولة يرتبط بدرجة الاستخدام الكحولي، كما قد تسهم عملية التعلم في تطور الاعتماد الكحولي بالتعرض المتكرر لأعراض السحب.

د- عوامل الشخصية: أكّد أكثر من مسح حديث أثر ميّزات الشخصية التي تقود إلى خطر التعاطي والبحث عن كل جديد، ويبدو أنّ مثل هذه الصفات تنطبق على أولئك الذين لديهم شخصية معادية للمجتمع  والمعروف أنّهم في خطر زائد لإساءة استخدام الكحول.

هـ- الاضطرابات النفسيّة: يشيع ترافق تعاطي الكحول مع اضطرابات نفسيّة أخرى، ويبدو أحياناً أنّه ثانوي لها، ومن هذه الاضطرابات اضطراب المزاج ثنائي القطب، والاضطرابات القلقية ولاسيما منها رهاب المجتمع والهلع، ولكن يبقى الاضطراب الاكتئابي أهم الاضطرابات النفسية في هذا المجال؛ إذ يشخص في نحو 30-40% من الأشخاص الذين لديهم سوء استخدام أو اعتماد على الكحول، مما يزيد فيهم خطورة الانتحار.

2-العوامل المجتمعية: من المتفق عليه حالياً أن معدلات الاعتماد على الكحول ترتبط بالمستوى العام لاستهلاك الكحول في المجتمع، وإن نسب المسرفين بتناول الكحول في عامة الشعب تتناسب على نحو كبير مع الاستهلاك العام لذلك الشعب، ويتعلق ذلك بما يلي:

أ- التوجه الاقتصادي: يتمثل بسعر الكحول فهناك ما يدل على أن سعر الكحول (بالنسبة إلى مستوى الدخل) يؤثر على نحو كبير في استهلاكه من قبل الشعب، وإنّ المسرفين والمعتدلين بالشرب يُنقصون من استهلاكهم حين زيادة الضريبة على الكحول.

ب- التوجه الرسمي: يتمثل بقوانين إجازة الشرب؛ ولكنّ يبدو أنّ هذه القوانين لا تؤثر في سلوك الشرب.

ج- التوجه غير الرسمي: يتمثل بالأعراف والأخلاق والمعتقدات في المجتمع؛ إذ إنّ بعض المجتمعات تحمي أبناءَها من سوء استخدام الكحول والاضطرابات المتعلقة به على الرغم من توافر الكحول العام.

الحرائك الدوائية وتأثيرات الكحول:

1-الامتصاص: يمتص الكحول الإيتيلي من المعدة والعفج، ويخفف الطعام من تركيزه في المعدة ويؤخر عبوره إلى العفج مما يبطئ امتصاصه وينقص تأثيراته. ويكون الامتصاص أسرع حين يكون تفريغ المعدة سريعاً كما في حالة الصيام، ولكنّ المشروبات ذات التركيز الكحولي العالي قد تسبب تشنج البواب وتؤخر تفريغ المعدة. يتوزع الكحول بسرعة ويبلغ تركيزه في سوائل الجسم عشرة أضعاف تركيزه في النسيج الشحمي، ويتركّز توزيع الكحول على نحو أكبر في الأنسجة ذات التروية الدموية المرتفعة.

2-الاستقلاب: يستقلب الكحول الإيتيلي إلى أسيت ألدهايد acetaldehyde بوساطة إنزيم ديهيدروجيناز الكحول alcohol dehydrogenase، ثم يستقلب الأسيت ألدهايد إلى أسيتات acetate بوساطة إنزيم ألدهايد ديهيدروجيناز، وفي النهاية يتحول إلى ثاني أكسيد الكربون وماء. يطرح نحو 5-10% من الإيتانول من دون تغيير مع البول وهواء الزفير، وتبلغ نسبة الإيتانول في الدم إلى نسبته في هواء الزفير نحو 200-1 وهي علاقة مهمة تسمح بتحديد تركيز كحول الدم من خلال هواء الزفير.

3-التأثيرات في الدماغ:

أ- تأثيرات كيميائية حيوية: للكحول تأثيرات عصبية معقدة؛ إذ تتداخل شبكة عصبية معقدة في عمل الكحول ولها شأنها في التعزيز والانسمام والسحب، ولكن يصعب ربط هذه التأثيرات بنواقل عصبية محددة أو بمناطق دماغية محددة؛ فقد أظهرت الدراسات أنّ للكحول تأثيراً مهماً في نظام الغابا GABA (gamma-aminobutyric acid)، فتعاطي الكحول بجرعات كبيرة في فترة قصيرة من الزمن يزيد من فعّاليّة النمط a من مستقبلات الغابا (GABAa)  ويرتبط هذا التأثير بالتعزيز الإيجابي للكحول. أما تعاطي الكحول المزمن فترة طويلة من الزمن فيرافقه نقص فعّاليّة مستقبلات الغابا، كما أنّ لجرعات الكحول الكبيرة تأثيراً مناهضاً لمستقبلات   NMDA (N-methyl-D- aspartate) ترافقه الأعراض السلبية للانسمام. كما توجد علاقة بين الكحول والغلوتامات وهو الناقل العصبي الأكثر إثارة للجملة العصبية المركزية؛ إذ يعاكس الكحول فعالية الغلوتامات عن طريق الارتباط بمستقبلات .NMDA وتبين من الدراسات وجود نقص في الوظيفة السيروتونينية لدى الكحوليين ظهر بنقص في مستويات مستقلب السيروتونين 5- هيدروكسي اندول اسيتك اسيد 5-HIAA وربما يعمل التداخل ما بين أنظمة السيروتونين والغلوتامات والغابا على إنقاص الحساسية للكحول وخطورة حدوث اعتماد كحولي. وإضافة إلى ذلك فإن الكحول ينقص فعالية النظام النورأدريناليني مما يفسر بعض مظاهر الانسمام والسحب.

ب- التأثيرات السلوكية: التأثير الرئيسي للكحول تأثير مثبط للجملة العصبية المركزية على نحو مشابه لتأثير البنزوديازيبينات ومستحضرات التخدير، ويسبق هذا التأثير تأثير منشط ناجم عن التأثيرات غير المباشرة للكحول في كبت الوظائف الدماغية الناهية (إزالة نهي القشرة الدماغية)، ويظهر هذا التأثير على صورة انشراح وإكثار من الكلام وإفضاء عاطفي غير حذر ونقص المقدرة على السيطرة على النفس. وبزيادة مقادير الكحول المتناولة يظهر الفعل التثبيطي في الدماغ بصورة يتزايد عمقها تبعاً لمستويات الكحول في الدم، وينجم هذا التثبيط عن التأثير المباشر للكحول في المراكز الدماغية التي تتحكم بالوظائف العصبية المختلفة؛ فحين تبلغ نسبة الكحول بالدم 0.1% (100ملغ في كل 100مل دم) تضطرب الوظائف الحركية الإرادية فيختل التوازن وثبات الوقوف والمشي وتفقد القدرة على القيام ببعض المهام اليدوية أو الفكرية التي تتطلب الدقة والسرعة في الأداء مثل قيادة المركبات، وبتركيز 0.2% تتثبط كل المراكز الدماغية الحركيّة كما تتأثر مناطق الدماغ المسؤولة عن السلوك العاطفي، وبتركيز 0.3% يصاب الشخص بالتخليط أو الذهول، ويدخل في السبات حين يصل تركيز الكحول في الدم إلى 0.4-0.5% وتحدث الوفاة بنتيجة تثبيط التنفس.

ج- التأثير في النوم: يُسهّل الكحول الدخول بالنوم (يُنقص كمون latency النوم)، ويُنقص تعاطي الكحول فترات النوم الحالم (نوم حركات العين السريعة) والنوم العميق (المرحلة الرابعة للنوم)، كما يؤدي إلى تجزئة فترة النوم بإحداث يقظات أكثر وأطول، ولذلك فإنّ الفكرة القائلة إنّ الكحول يساعد على النوم هي اعتقاد خاطئ.

الأذيّات العضوية المتعلقة بالكحول:

يؤدي الإسراف في تعاطي الكحول وسوء استخدامه إلى أضرار في معظم أجهزة الجسم:

- الجهاز الهضمي: من الشائع أن يؤدي الكحول إلى اضطرابات هضمية تشتمل على التهاب المعدة والتهاب المعثكلة الحاد والمزمن وسوء تغذية وتأذي الكبد (تشحم، أو التهاب، أو تشمع، أو ورم)، ويحدث تشمع الكبد في نحو 10-20% من الأشخاص المعتمدين على الكحول، ويبلغ خطر الوفاة بسبب تشمع الكبد في المعتمدين على الكحول عشرة أضعاف المعدل العام لذلك الخطر.

- الجهاز القلبي الوعائي: للكحول تأثير سيئ في عضلة القلب؛ إذ يؤدي إلى اعتلال عضلة قلبية كحولي، كما يرافق سوء استخدام الكحول ارتفاع ضغط الدم وزيادة خطورة النشبات الدماغية.

- الجهاز العصبي: يؤدي الكحول إلى أضرار كثيرة في الجملة العصبية المركزية والمحيطية منها رضوض الرأس والتهاب الأعصاب المحيطية والصرع والاعتلال المخيخي.

- الأضرار على الجنين: يؤدي تعاطي الكحول بإسراف من قبل النساء الحوامل إلى زيادة وفاة محصول الحمل وحدوث متلازمة الوليد الكحولي عند بعض الولدان؛ وهي تتألف من: نقص وزن الولادة، وقصر القامة، وشذوذات في الوجه، وفرط حراك، ونقص ذكاء وتأخر عقلي.

-التغيرات المخبرية: ترتفع غاما غلوتاميل ترانسبيبتيداز GT في نحو 80% من الأشخاص المصابين بسوء استخدام واعتماد على الكحول، كما يزداد حجم الكرية الوسطي MCV في نحو 60% وعند النساء أكثر من الرجال. وتشتمل التغيرات المخبرية الأخرى على ارتفاع حمض البول والشحوم الثلاثية وإنزيمات الكبد.

- الوفاة: يسفر تعاطي الكحول على نحو ضار عن عواقب وخيمة على الصحة العامة، ويعد واحداً من عوامل الخطورة الرئيسية التي تضعف الصحة في العالم، وهو ثالث عوامل الخطورة الرئيسية المتعلقة بالوفيات المبكرة وحالات العجز في العالم. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية (WHO) عام 2004 إلى وفاة 2.5 مليون شخص في العالم لأسباب تتعلق بالكحول بما في ذلك 320 ألف شاب بين سن 15-29 سنة؛ وهو ما يعادل 3.8% من كل الوفيات في العالم عام 2004 و 4.5% من عبء المرض العالمي. والأسباب الرئيسية للوفاة هي الاضطرابات القلبية الوعائية والتشمُّع والحوادث والسرطانات.

الاضطرابات النفسية المتعلقة بالكحول:

تصنف الاضطرابات النفسية المتعلقة بالكحول في أربع مجموعات:

1-الانسمام الكحولي:alcoholic intoxication   هناك اختلافات شخصية كثيرة في التأثيرات الفيزيولوجية للكحول، وترتبط شدة أعراض التسمم الكحولي بتركيز الكحول في الدم. وهناك نوع من الانسمام الكحولي يدعى الانسمام التحساسي الذاتي idiosyncratic intoxication يظهر في بعض الأشخاص بعد دقائق من تناول كمية قليلة من الكحول غير كافية لإحداث التسمم عند معظم الناس، ويتظاهر باضطراب سلوك وعدوانية وسوء تكيّف، ويغط المريض في نوم عميق وعند الاستيقاظ لا يتذكر ما حدث له.

2-متلازمة الامتناع (السحب): تتفاوت أعراض سحب الكحول من قلق خفيف واضطراب النوم إلى حالة مهددة للحياة هي الهذيان الارتعاشي. تحدث أعراض الامتناع عادةً في الأشخاص الذين استمروا بالشرب مدة طويلة وبكميات كبيرة وهي تتلو هبوط التركيز الدموي للكحول وتظهر على نحو وصفي حين الاستيقاظ من النوم، وغالباً ما يتناول المعتمدون على الكحول جرعة الصباح للتخلص من أعراض السحب. وأهم أعراض الامتناع هي فرط فعالية الجملة العصبية المستقلة (تعرق، تسرع قلب، ارتفاع ضغط) والرجفان والأرق والقلق والغثيان والقياء والأهلاسات ونوب الاختلاج. يحدث الارتعاش tremulousness بعد 6-8 ساعات من الامتناع عن شرب الكحول، وهو العلامة المدرسية لسحب الكحول، ويصيب اليدين والقدمين والظهر فيبدو المريض غير قادر على الجلوس سوياً أو على الإمساك بفنجان القهوة مثلاً على نحو ثابت أو على عقد الأزرار. وتحدث الاضطرابات الإدراكية بعد 8-12 ساعة - وهي عادةً وجيزة - فتبدو الأشياء مشوهة في الشكل وتبدو الظلال تتحرك وقد تحدث أهلاسات بصرية أو سمعية. وتحدث النوب الصرعية خلال 12-24 ساعة وهي عادة من النوع التوتري الرمعي .tonic clonic 

يحدث الهذيان الارتعاشي delirium tremens (DTs) عند نحو 5% من الأشخاص المعتمدين على الكحول الذين يتعاطون كميات كبيرة سنوات طويلة، ويعد من أخطر عواقب الامتناع عن الكحول، وقد يهدد الحياة ولاسيما عند كبار السن. تبدأ أعراضه بعد 72 ساعة من الامتناع، وتشتمل على رجفانات شديدة (ارتعاش شديد في الأطراف وكامل الجسم) مع حالة من الهذيان تتظاهر بتغيّم الوعي وتوهان واضطراب الذاكرة القريبة واضطرابات إدراكية تتضمن سوء تفسير المنبهات الحسية وأهلاسات شديدة (غالباً ما تكون بصرية) مع هياج شديد وعدم استقرار الجملة العصبية المستقلة (حمى، تعرق، تسرع قلب، ارتفاع ضغط، توسع حدقة)، تستمر الحالة ثلاثة أيام أو أربعة، وتنتهي غالباً إذا لم تحدث مضاعفات بنوم عميق يستيقظ بعده المريض مع فقد كلّي أو جزئي للذاكرة خلال فترة الهذيان.

3-اضطرابات التغذية المزمنة:

أ- متلازمة ڤيرنيكه :Wernicke هي اعتلال الدماغ الحاد بعوز التيامين (ڤيتامين (B1  الناجم عن اشتراك سوء التغذية ونقص الامتصاص المعوي وانخفاض التخزين الكبدي للتيامين وضعف تمثله. ويعد تعاطي الكحول من أكثر العوامل المسببة لهذه المتلازمة التي تتميز سريرياً بعلامات عينية (إصابة الأعصاب المحركة للعين، رأرأة) ورنح وهذيان، وإضافة إلى ذلك يشاهد التهاب أعصاب محيطيّة وضعف في الانتباه والتركيز ونقص القدرة على المبادرة والاستمتاع، ويرافق ذلك من الناحية التشريحية المرضية وجود نزوف في المهاد والوطاء والأجسام الحلمية .mammillary bodies 

ب- متلازمة كورساكوف  :Korsakoff تنجم هذه الحالة عن عدد من الأسباب التي تؤدي إلى سوء تغذية ولا سيما عوز التيامين والسبب الأكثر شيوعاً هو سوء استخدام الكحول؛ وهي حالة عقلية تتأثر فيها الذاكرة والتعلم بعيداً عن الوظائف الاستعرافية الأخرى، ويحدث الكثير من حالات متلازمة كورساكوف بعد الشفاء من اعتلال دماغ ڤيرنيكه، ولكنّ لبعض حالاتها بداية مفاجئة من دون مرحلة منذرة من اعتلال دماغ ڤيرنيكه.

يتألف التشريح المرضي العصبي الوصفي لما يعرف غالباً بمتلازمة ڤيرنيكه- كورساكوف من خسارة عصبونات ونزوف نقطيّة وتَدَبُّق gliosis المادة الرمادية خارج البطينات وحول القناة السيسائية، إضافةً إلى علامات ضمور عام في قشر الدماغ يشمل بالتحديد الفصين الجبهيين لدى مرضى متلازمة كورساكوف. أما الصورة السريرية لمتلازمة كورساكوف فتتصف بما يلي:

- اضطراب ذاكرة شديد وخاصة القريبة ومحاولات المريض تغطية فجوات فقدان الذاكرة عن طريق التخريف (التلفيق) confabulation؛ أي تصوّر وقوع حوادث لم تقع أصلاً.

- توهان في المكان والزمان.

- ضعف القدرة على المحاكمة.

- عدم الاهتمام واللامبالاة والمزاج الساخر والمتغير.

- وجود وعي كامل.

وتبدي الدراسات أنّ نحو 25% من المرضى يشفون شفاءً تماماً؛ و50% يتحسنون مع الزمن؛ في حين أنّ 25% من المرضى لا يتحسنون.

ج- الخرف الكحولي :alcoholic dementia  قد يحدث الخرف نتيجة الإسراف في تعاطي الكحول سنوات طويلة وخاصة عند كبار السن والنساء الذين يشربون كميات كبيرة ومن دون فترات راحة. وقد أظهرت الدراسات بالتصوير المقطعي المحوسب وبالمرنان المغنطيسي وجود ضمور في المناطق القشرية وتحت القشرية وتوسع البطينات الجانبية والمسافة تحت العنكبوتية. ومن الناحية السريرية يشاهد تدهور القدرات العقلية واضطراب الذاكرة وضعف المحاكمة وعدم استقرار عاطفي وضعف في النواحي النفسية وعدم القدرة على تقدير المقتضيات الاجتماعية، وقد تتراجع بعض هذه الأعراض حين الامتناع عن تعاطي الكحول؛ ولكن نادراً ما تتحسن الحالات المتقدمة.

4-الاضطرابات النفسية المرافقة:

أ- الشخصية: يجعل سوء استخدام الكحول والاعتماد عليه الشخص أكثر تركيزاً على حاجته للحصول على الكحول، مما يؤدي إلى تراجع علاقاته مع الآخرين واهتماماته ومسؤولياته المعتادة، ويجب عدم الخلط بين هذه التغيرات في العلاقات والوظائف الاجتماعيّة وبين اضطراب الشخصية الذي قد يكون موجوداً قبل تعاطي الكحول.

ب- اضطرابات المزاج والاضطرابات القلقية: هناك علاقة معقدة بين استهلاك الكحول من جهة واضطرابات المزاج والاضطرابات القلقية من جهة أخرى؛ ففي إحدى جوانب هذه العلاقة، يشرب بعض المرضى - الذين يعانون اكتئاباً أو قلق الكحول - بإسراف في محاولة لتحسين المزاج أو لتخفيف القلق، وفي الجانب الآخر قد يؤدي تعاطي الكحول والاعتماد عليه إلى حدوث اضطراب اكتئابي أو اضطراب قلقي لم يكن موجوداً قبل التعاطي.

ج- السلوك الانتحاري: معدلات الانتحار عند الأشخاص الذين لديهم اعتماد على الكحول أعلى مما في الذين لا يتعاطون الكحول من العمر نفسه بنحو 6 أضعاف. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن نحو 8% من الأشخاص المقبولين لمعالجة الاعتماد على الكحول قد انتحروا في بضع سنوات من تخريجهم من المستشفى، أما عوامل الخطورة للسلوك الانتحاري فهي الاستمرار بالشرب، ووجود اكتئاب مرافق، ووجود مرض طبي مرافق، والبطالة، ونقص الدعم الاجتماعي.

د- الهلوسة الكحولية  :alcoholic hallucination حالة تتميز بهلوسة سمعية يسمع فيها المريض أصواتاً محقرة أو مهددة وهو بكامل وعيه، وتسبب له قلقاً وضجراً وخوفاً، وقد تستمر عدة أشهر بعد التوقف عن تعاطي الكحول، وهي ليست ناجمة عن الامتناع الحاد عن الكحول. وهناك جدل حول أسبابها؛ إذ يعدها بعضهم مضاعفة عضوية لتعاطي الكحول ويعتقد آخرون أنّ لها علاقة بالفصام، ولكنّ الدراسات الحديثة تشير إلى أنّ الهلوسة الكحولية هي ذهان عضوي محدث بالكحول ويجب تمييزه من الفصام وإنذاره جيد إذا توقف تعاطي الكحول.

هـ- سوء الوظيفة الجنسيّة: يؤدي تعاطي الكحول إلى حدوث سوء وظيفة الانتصاب وإلى تأخر القذف، وقد تسوء هذه الصعوبات حين يحدث لدى الزوجة اشمئزاز من الاتصال مع شريك سكران.

و- الغيرة المرضية: قد تحدث لدى الأشخاص المسرفين في الكحول أفكار مضخمة، تبلغ في حالات قليلة درجة الضُلال فيما يتعلق بعفة الزوج أو الزوجة.

المعالجة وإعادة التأهيل:

1-الكشف المبكر والمعالجة: قد يكشف العديد من حالات فرط استخدام الكحول وسوء استخدامه من قبل الأطباء العامين والاختصاصيين والجرّاحين حين يلتمس المريض المعالجة لمشكلة أخرى. وقد أظهرت دراسات التداخل الوجيز، المؤلف من 5-10 دقائق من النصائح البسيطة من قبل الطبيب العام في الممارسة العامة إضافة إلى كرّاسة تثقيفية، أن هذا التداخل قد يؤدي إلى نقص مهم في تناول الكحول في أثناء السنة التالية للتداخل. أما المرضى الذين لديهم مشاكل من تعاطي الكحول، وخصوصاً أولئك الذين يتم كشفهم بطرائق المسح المجتمعي، فقد يستفيدون من مقابلة تحريضية      motivational تتجنب المواجهة وتركز على مقاربات بسيطة ومباشرة يساعد الطبيب المريض بوساطتها على موازنة التأثيرات السلبية والإيجابية لتعاطي الكحول في حياته والمخاطر التي يسببها الكحول له ولعائلته مع عدد من الخيارات للتغيير.

2-الامتناع عن الكحول: قد ترافق الامتناع عن الكحول مراضةٌ مميزة ربما أدت إلى الوفاة إذا لم تعالج المعالجة الجيدة، ويمكن تدبير الامتناع عن الكحول عند أغلب المرضى في العيادة بصفة مريض خارجي، ولكن يُستطب القبول في المستشفى للعلاج في الحالات التالية:

- اعتماد شديد.

- سوابق فشل الامتناع في المجتمع.

- سوابق حدوث نوب اختلاج أو هذيان ارتعاشي نتيجة الامتناع عن الكحول.

- وجود مرض جسدي مرافق (سكري، فرط ضغط شرياني، الخ).

- وجود مراضة نفسية مشاركة.

- ضعف الدعم الاجتماعي.

تعد مشتقات البنزوديازبين العلاج المختار لمتلازمة الامتناع عن الكحول، وهي ذات تحمل متصالب مع الكحول ولها خصائص مضادة للاختلاج، ومستحضراتها طويلة أمد المفعول (مثل ديازيبام وكلورديازيبوكسيد) فعالة في الوقاية من نوب الاختلاج، ولا يوجد في مكتبة مراجعات كوكران برهان محدد على فعالية مضادات الاختلاج في سحب الكحول. ويجب إعطاء جميع المرضى الذين يُعالَجون للامتناع عن الكحول التيامين (ڤيتامين(B1  حقناً عضلياً وقاية من اعتلال دماغ ڤيرنيكه.

تعطى البنزوديازبينات في حال العلاج الخارجي مدة سبعة أيام في الحالات النموذجية، وتحدد الجرعة بناءً على شدة الاعتماد على الكحول وشدة أعراض السحب؛ فقد يتم تدبير الاعتماد الخفيف من دون دواء أو باستخدام جرعات صغيرة من كلورديازيبوكسيد (أو ديازيبام)، في حين تتطلب حالة الاعتماد متوسط الشدة جرعة أكبر بنحو 10-20 ملغ 4 مرات/يوم؛ تنقص تدريجياً على مدى أسبوع ومن دون الحاجة إلى متابعة المعالجة مدة أطول. أما الاعتماد الشديد فيتطلب معالجة متخصصة داخل المستشفى تستخدم فيها جرعات مرتفعة من البنزوديازبينات قد تصل حتى 250ملغ كلورديازيبوكسيد في اليوم الأول تنقص تدريجياً على مدى أسبوع. وحين حدوث اضطرابات إدراكية فإنها تستجيب عادةً لكلورديازيبوكسيد ولكن يمكن معالجة الهلوسة الصريحة بمضادات الذهان مثل هالوبيريدول. أما حين حدوث هذيان ارتعاشي فإن المعالجة تتطلب التشخيص الباكر والانتقال الفوري إلى وحدة عناية مشددة حيث يعطى ديازيبام وريدياً وتوجّه العناية إلى الاضطرابات الطبية مع تعويض الشوارد والسوائل وإضافة الڤيتامينات.

3-الوقاية من النكس: يجب عدم وصف البنزوديازبينات على نحو مستمر بعد معالجة متلازمة الامتناع الحاد عن الكحول، بل يستفاد في الوقاية من النكس من العلاجات النفسية الاجتماعية والمجتمعات العلاجية؛ ومن أدوية تساعد على استمرار الامتناع عن شرب الكحول؛ مثل:

أ- ديسلفيرام :disulfiram يثبط إنزيم ألدهايد ديهدروجيناز مؤدياً إلى تراكم أسيت ألدهايد بعد شرب الكحول مما يسبب تأثيرات جسدية كريهة تؤثر بوصفها عائقاً للاندفاع للشرب (صداع، رجفان، غثيان، قياء، توهّج وجه، تسرع قلب، هبوط ضغط شرياني) وقد تحدث لانظميات قلبية ووهط دوراني. ويبدو أن ديسلفيرام ينقص عدد أيام الشرب لكنه لا يزيد من نسبة الانقطاع عن الشرب، ويعطى بجرعة 800 ملغ في اليوم الأول من العلاج، وتخفض الجرعة على مدى 5 أيام إلى 100-200 ملغ/يوم.

ب- أكامبروسات :acamprosate  لم تؤكد بعد آلية عمل هذا الدواء الذي يؤثر في النقل العصبي المتعلق بغلوتامات وبالغابا. يخفف هذا الدواء التوق إلى الكحول وينقص عدد أيام الشرب ويزيد معدلات الامتناع، ولكن معظم المرضى يعودون إلى نوعٍ ما من الشرب، ويعطى بجرعة 666 ملغ 3 مرات/يوم مع الطعام؛ وبجرعة أقل للبالغين الذين يقل وزنهم عن 60كغ.

ج- نالتركسون :naltrexone هو دواء حاصر للمستقبلات الأفيونية، ويُعتقد أنه يحصر بعض تأثيرات الكحول المعززة لسلوك التعاطي وينقص من الميل إلى النكس بعد معالجة الامتناع، ولكن تأثيره في إنقاص سلوك الشرب مازال بحاجة إلى براهين علاجية متينة، ويعطى بجرعة 30 ملغ/يوم.

ثانياً- الأفيونيات:

عُرف الأفيون منذ آلاف السنين في عديد من الحضارات القديمة، والأفيون هو العصارة المستخلصة من زهرة نبات الخشخاش المعروف علمياً باسم Papaver somniferum، ويحتوي الأفيون الخام عشرين مركباً أفيوني الفعل  opioids أهمها المورفين والكودئين. ويؤلف المورفين نحو 10% من العصارة الأفيونية، ويعد أقوى المركّبات الطبيعية المنشأ من حيث تأثيره مسكناً للألم، وله استعمالات طبيّة عديدة أهمها تسكين الألم في الحالات الحادة مثل الذبحة الصدريّة. أما الكودئين فيؤلف نحو 5،0% من الأفيون الخام، وهو يمتص بسهولة من السبيل المعدي المعوي ويتحول في الجسم إلى مورفين. وقد بقي الأفيون الخام المادة المستعملة لأغراض طبية علاجية ولأغراض غير طبية حتى عام 1806 حين استخلصت منه مادة المورفين من قبل مساعد صيدلاني ألماني. وفي عام 1952 رُكِّب المورفين بطريقة كيميائية صرفة، ثم صُنِّعت مركبات أفيونية بطرائق كيميائية بحتة، ومن أهم تلك المركبات التصنيعية هدرومورفون hydromorphone  وأُوكسي كودون oxycodone وبروبوكسيفين propoxyphene وبنتازوسين pentazocine وميبيريدين  meperidine  وميثادون methadone  وليڤورفانول levorphanol وغيرها. ويعد الهيرويين heroin (أو دي اسيتيل مورفين (diacetylmorphine مشتقاً أفيونياً نصف صنعي يحضَّر من المورفين، وهو أكثر حلولية بالدسم من المورفين وأسرع عبوراً للحاجز الوعائي الدماغي، وله زمن بدء تأثير أقل؛ وقدرة مسكنة للألم أقوى، وهو يؤدي إلى حدوث اعتماد على نحو كبير، فقد استعمل في البداية لمعالجة إدمان المورفين؛ ولكن تبيّن أنّه أكثر إحداثاً للإدمان من المورفين، وحالياً لا يستعمل مطلقاً للأغراض الطبيّة وينحصر استعماله فقط في مجال سوء الاستخدام والاعتماد.

الوبائيات:

الهيرويين هو أكثر المشتقات الأفيونية ارتباطاً بالإدمان في البلدان المتقدمة؛ إذ تشير الإحصاءات في الولايات المتحدة أنّ الانتشار مدى الحياة  lifetime prevalence لتعاطي الهيرويين هو 1%، ويقدر عدد متعاطي الهيرويين فيها بنحو 600-800 ألف شخص، ونسبة الذكور إلى الإناث بينهم 3-1. يبدأ الأشخاص عادةً بتعاطي الهيرويين في المراهقة وبداية العشرينيات، وتراوح أعمار معظم الأشخاص الذين لديهم اعتماد على الهيرويين بين 30 و 40 سنة؛ ويبلغ معدل الزمن عند الذين يطلبون العلاج بين بدء الاعتماد وبين طلب العلاج 2-3 سنوات، ويقلع الأشخاص عن التعاطي بعمر 40 سنة، مع أن الكثير منهم يستمر بالاعتماد حتى عمر 50 سنة أو أكثر. ويكلف تعاطي الهيروئين الأشخاص الكثير من المال يومياً مما قد يجعلهم يلجؤون إلى النشاطات الإجرامية والبغاء للحصول على المال، وهذا ما يزيد من انتشار ڤيروس عوز المناعة البشري .(HIV) أمّا الاعتماد على المشتقات الأفيونية الأُخرى فيشاهد عادة في سياق علاجات طبيّة.

الفارماكولوجيا العصبيّة:

تحدث التأثيرات الأولية للأفيونيات بوساطة المستقبلات الأفيونية؛ فمستقبلات ميوتتواسط في تسكين الألم وتثبيط التنفس وارتفاع المزاج والإمساك وتثبيط المناعة والاعتماد، وتتواسط مستقبلات (كابا) في تسكين الألم والإدرار والتركين، أمّا مستقبلات (سيغما) فمن المحتمل أنّها تتواسط في تسكين الألم. وقد اكتشف في عام 1974 الإنكيفالين  enkephalin  وهو ببتيد داخلي له تأثيرات مشابهة للأفيون، وقاد هذا الاكتشاف إلى معرفة ثلاثة أصناف من الأفيونيات الداخلية في الدماغ هي الأندورفينات والانكيفالينات والداينورفينات، وتبيّن أنّ لهذه المورفينات الداخلية شأن مهم في النقل العصبي وفي كبت الألم؛ إذ إنّها تتحرر على نحو طبيعي من الجسم حين يتعرّض لأذيّات حادة. وإضافة إلى ما سبق فإنّ للأفيونيات تأثيرات مهمة في أنظمة النقل العصبي الدوبامينية والنورأدرنالية، فقد أشارت دراسات عديدة أنّ الخواص الإدمانية للأفيونيات تتم بوساطة دارة المكافأة الدوبامينية، كما أظهر تصوير الدماغ المقطعي بالإصدار البوزيتروني عند أشخاص معتمدين على الأفيونيات نقصاً في الجريان الدموي الدماغي في عدة مناطق من الدماغ.

المراضة المرافقة:

يقدر أنّ نحو 90% من الأشخاص الذين لديهم اعتماد على مشتق أفيوني لديهم اضطراب نفسي إضافي، والاضطرابات النفسيّة الأكثر شيوعاً هي الاكتئاب الجسيم والاضطرابات القلقية (اضطراب الهلع، رهاب المجتمع، رهاب الميادين، اضطراب الوسواس القهري)، كما أنّ نحو 15% من الأشخاص المعتمدين على مشتق أفيوني يحاولون الانتحار مرة واحدة على الأقل. وهذا الانتشار الكبير يجعل من الضروري أن تشتمل البرامج العلاجية للاعتماد على الأفيونيات على علاج المراضة المرافقة.

طرق التعاطي:

تعتمد طرق تعاطي الأفيونيات على نوع المشتق الأفيوني؛ فالأفيون يُدخَّن والمشتقات الأفيونية المتوافرة بأشكال صيدلانية يتم تعاطيها إما فموياً (مثل بروبوكسفين أو أوكسيكودون) وإما حقناً (مثل بنتازوسين أو  بيتيدين). أما الهيرويين فيتم تعاطيه بالاستنشاق مباشرة عبر الأنف، أو باستنشاق الدخان الناجم عن حرقه على ورق قصدير، أو بالحقن وريدياً أو تحت الجلد، ويصعب عادة تحديد جرعة الهيرويين التي يتعاطاها الشخص من القصة السريرية لسببين: أولهما أن المريض لا يستطيع تحديد تركيز الهيرويين في المادة التي يشتريها ويتعاطاها، وثانيهما أن المريض قد يُقر بتعاطي جرعات أكبر من الهيرويين طمعاً بجرعات أكبر من الميتادون أو العلاجات الأخرى.

التأثيرات السريرية:

يؤدي تعاطي الأفيونيات إلى حدوث شمق euphoria عالٍ ولاسيما في الذين يتعاطونها وريدياً (يصفه المتعاطون وكأنه رعشة جنسية تشمل كامل الجسم)، وتشتمل الأعراض المرافقة على شعور بالدفء وبالهدوء وبالثقة بالنفس، وثقل في الأطراف، وجفاف فم، وحكة، وتوهج بالوجه خاصة بالأنف، وقلة الشعور بالألم والجوع والعطش والرغبة الجنسية، وخمول وتركين ونعاس وبطء نفسي حركي. وقد يؤدي تعاطي الأفيونيات عند الأشخاص المبتدئين إلى اكتئاب جزئي وإلى الغثيان والقياء. وتشتمل التأثيرات الفيزيولوجية للأفيونيات على تثبيط تنفسي وتضيق الحدقة وبطء حركة الجهاز الهضمي والإمساك وتشنج العضلات الملس في الحالبين والقناة الصفراوية. وقد أظهرت دراسات عديدة في النساء اللواتي لديهنّ اعتماد على المشتقات الأفيونية تزايد حالات الإجهاض، وموت الجنين داخل الرحم، والانسمام الحملي، وتأخر نمو الجنين مع زيادة نسبة حدوث التشوّهات، وحدوث اضطرابات نفسية متعددة في الأطفال المولودين. والتأثير الجانبي الأكثر شيوعاً والأخطر لتعاطي الأفيونيات هو احتمال انتقال ڤيروس  HIV وڤيروس التهاب الكبد   BوC  حين استعمال محاقن ملوثة من قبل أكثر من شخص. وقد يؤدي تعاطي الأفيونيات عند بعض الأشخاص إلى ارتكاسات تحسسية تتظاهر بصدمة تأقية ووذمة رئة قد تكون مميتة إذا لم تتم المعالجة مباشرة. وقد يتناول الشخص جرعة مفرطة overdose من الأفيونيات بسبب سوء التقدير أو لمحاولة الانتحار، أو نتيجة نمط تعاطٍ غير منتظم يفقد المريض فيه تحمل المادة، أو نتيجة تعاطي الأفيونيات متشاركاً مع مثبطات الجملة العصبيّة المركزية الأُخرى مثل الكحول والبنزوديازيبينات. وتشتمل العلامات السريرية للجرعة المفرطة للأفيونيات على بطء التنفس والسبات وانخفاض الحرارة وبطء القلب وهبوط الضغط، وتحدث الوفاة بسبب توقف التنفس، ويجب أن يشك أولاً بتشخيص جرعة أفيونيات مفرطة حين وجود ثلاثي سريري يتألف من سبات وحدقات دبوسيّة وتثبيط تنفس.

الاضطرابات المرتبطة بتعاطي الأفيونيات:

1-التحمل والاعتماد: يؤدي تعاطي الأفيونيات مدة طويلة إلى حدوث التحمّل والاعتماد، ولا يحدث التحمل على نحو متساوٍ لكل تأثيرات الأفيونيات، فغالباً ما يستمر الإمساك؛ في حين يحدث تحمل عالٍ جداً لبعض التأثيرات التي قد تتطلب زيادة الجرعة 100 ضعف للحصول على التأثير المعتاد، فقد يحتاج المصابون بالسرطان - مثلاً- في المراحل النهائية إلى نحو 200-300 ملغ/يوم من المورفين؛ في حين أن جرعة 60 ملغ قد تسبب الموت. يبدأ تحمل الشمق في أثناء الأسبوعين الأولين من التعاطي؛ لذلك يلجأ المتعاطون إلى زيادة الجرعة وقد يستطيع الأشخاص الذين يتعاطون الهيرويين الوصول إلى 0.5 غ/يوم في عشرة أيام من التعاطي. ويختفي التحمل سريعاً بعد الامتناع لذلك قد تكون جرعة ما قبل الامتناع مميتة إذا أخذها المتعاطي بعد الامتناع المرافق للإقامة فترة من الوقت في المستشفى أو في السجن مثلاً.

2-الانسمام: يحدث الانسمام بالأفيونيات مباشرةً بعد تعاطيها ويؤدي إلى حدوث تغيرات سلوكية سيئة التكيّف، أو تغيرات نفسية كالهياج النفسي الحركي، أو تبدل المزاج، أو خلل المحاكمة، أو اضطراب الأداء المهني أو الاجتماعي، إضافة إلى العلامات التالية: تضيق الحدقة، وتثاقل الكلام، النعاس أو السبات، ونقص الانتباه والتركيز، وانخداعات سمعية أو بصرية أو لمسية، وأهلاسات مع سلامة اختبار الواقع (يعرف المريض أنها ناجمة عن تعاطي الأفيونيات). ويحدث أحياناً هذيان delirium  يدعى "هذيان الانسمام بالأفيونيات" ويشيع حدوثه عند الأشخاص الذين يتعاطون جرعات عالية من الأفيونيات أو يتعاطون الأفيونيات مع مواد فعّالة نفسياً أُخرى؛ أو في الأشخاص المصابين بأذية عصبية مركزية كالصرع، كما يمكن أن يحدث أحياناً ذهان يدعى "الذهان المحدث بالأفيونيات" يتميز بظهور ضُلَالات أو أهلاسات.

3-السحب: يؤدي تعاطي الأفيونيات فترة طويلة إلى تغير عدد المستقبلات الأفيونية التي تتواسط بعض تأثيرات التحمل والامتناع، ومع أن الاستعمال طويل الأمد يرتبط بزيادة حساسية العصبونات الدوبامينية والكولينية والسيروتونينية، فمن المحتمل أن تكون تأثيرات الأفيونيات في العصبونات النورأدرينالية هي الوسيط الأولي لأعراض الامتناع عن الأفيونيات الذي يؤدي إلى فرط فعالية ارتدادية في تلك العصبونات. وقاعدة عامة حول بداية أعراض السحب ومدته فإن سحب المواد التي لها نصف عمر قصير يؤدي إلى أعراض سحب شديدة ولمدة قصيرة، أما سحب المواد التي لها نصف عمر طويل فإنه يؤدي إلى أعراض سحب متوسطة الشّدة ولكن لمدة أطول. تبدأ متلازمة الامتناع عن المورفين والهيرويين بعد 6-8 ساعات من آخر جرعة بعد فترة 1-2 أسبوع من التعاطي المستمر، وتبلغ المتلازمة ذروتها في اليوم الثاني أو الثالث وتتلاشى في 7-10 أيام؛ ولكن قد تستمر بعض الأعراض ستة أشهر. وتبدأ متلازمة الامتناع عن الميبيريدين بسرعة وتصل ذروتها بعد 8-13 ساعة وتنتهي في 4-5 أيام، وتبدأ متلازمة الامتناع عن الميتادون بعد 1-3 أيام من آخر جرعة وتنتهي في 10-14 يوماً.

تشتمل متلازمة سحب الأفيونيات على تشنجات عضلية شديدة وآلام عضلية، وإسهال غزير، وتشنجات بطنية، وسيلان أنف ودُماع، وانتصاب أشعار، وتثاؤب، وحمّى توسع حدقة، وتسرّع قلب، وارتفاع ضغط الدم، وعدم انتظام حرارة الجسم (فرط حرارة وانخفاض حرارة)، ورجفان وغثيان وقياء، وتململ، وهياج واكتئاب. ويحدث توقٌ شديد إلى الأفيونيات حين التوقف المفاجئ عن التعاطي عند شخص لديه اعتماد على الأفيونيات، ونادراً ما يحدث التوق عند الأشخاص الذين يستعملون مسكنات الألم الأفيونية من أجل مرض عضوي أو بعد الجراحة. وهناك أعراض متبقية - كالأرق وبطء القلب، وعدم انتظام حرارة الجسم، والتوق إلى الأفيونيات - قد تستمر لأشهر. ونادراً ما تهدد أعراض سحب الأفيونيات الحياة، ونادراً ما يحدث الموت ما لم يكن هناك مرض عضوي مرافق كآفة قلبية مثلاً.

4-اضطرابات المزاج المحدثة بالأفيونيات: قد يبدأ اضطراب المزاج في أثناء الانسمام بالأفيونيات، وقد تكون الأعراض ذات طبيعة هوسية أو اكتئابية أو مختلطة.

5-اضطراب النوم وسوء الوظيفة الجنسية: فرط النوم المحدث بالأفيونيات اضطراب أكثر شيوعاً من الأرق المحدث بها. أما سوء الوظيفة الجنسية الأكثر شيوعاً فهو العنانة.

المعالجة وإعادة التأهيل:

تتطلب معالجة الاعتماد على الأفيونيات تداخلاً متخصصاً، ويجب دائماً على الأطباء العامين الاتصال بالمراكز المتخصصة قبل محاولة العلاج.

1-فرط الجرعة: يجب توافر مجرى هواء التنفس والحفاظ عليه، وقد يتطلب الأمر اللجوء إلى التهوية الآلية، ويُعطى نالوكسون naloxone  -وهو حاصر نوعي للأفيونيات-  وريدياً بجرعة بدئية مقدارها 0.8 ملغ لكل 70 كغ من وزن الجسم فتظهر علامات التحسن مباشرة (زيادة معدل التنفس، توسع حدقة)، وإن لم تحدث الاستجابة يكرر إعطاء النالوكسون بفواصل عدة دقائق، ويجب مراقبة المريض عدة ساعات بعد إعطاء النالوكسون؛ لأنّ تأثيراته قصيرة الأمد (30-60 دقيقة)، وقد يحتاج المريض جرعات إضافية منه.

2-السحب وإزالة السميّة:

أ- ميتادون :methadone هو مشتق أفيوني صنعي يستخدم للأشخاص المعتمدين على الأفيونيات من أجل إزالة السميّة قصيرة الأمد (7-30) يوماً؛ وإزالة السميّة طويلة الأمد (حتى 180 يوماً)، وللصيانة ( العلاج بعد 180 يوماً) يعطى فموياً بجرعة من 20-80 ملغ/يوم مرة واحدة. ويُعطى في أثناء الامتناع كلونيدين بجرعة 0.1-0.3 ملغ 3 مرات/يوم، وهو ناهض للمستقبلات ألفا 2 الأدرينالينية في الجملة العصبيّة المركزية، وله فعّالية في إخماد الأعراض الناجمة عن تأثر الجملة العصبية المستقلة. وإنّ برامج الصيانة بالميتادون طويلة الأمد (عدة أعوام) أكثر فعاليّة من البرامج قصيرة الأمد (أقل من سنة) في إنقاص التعاطي المحظور للأفيونيات ولها فوائد متعددة، فهي:

 - تنقص من خطورة الأمراض المعدية (الخمجية) التي تنتقل من خلال المحاقن الملوثة (ڤيروس HIV،  ڤيروس التهاب الكبد B و.(C

- تنقص من الأفعال الإجرامية وتجعل المرضى ينهمكون بنشاطات إيجابية ومربحة.

- تقلل من خطورة إصابة الأجنة وحديثي الولادة ووفاتها.

ولكنّ السيئة الرئيسية لاستعمال الميتادون هي أنّ المرضى يبقون معتمدين على المخدر، لكن الميتادون يسبب شمقاً أقل، ونادراً ما يسبب اكتئاباً عندما يستعمل فترة طويلة.

ب- ببرينورفين :buprenorphine هو مركب صنعي، ناهض جزئي للأفيون، وله ولع شديد بالمستقبلات ميو، وهو علاج فعاّل للصيانة ولا يختلف عن الميتادون في معالجة إزالة السميّة، ويستخدم أحياناً من أجل سحب الميتادون أو لتسهيل العبور من الميتادون إلى حاصرات مستقبلات الأفيونيات.

ج- لوفيكسيدين  :lofexidineهو مركب غير أفيوني مرخص لتدبير أعراض سحب الأفيونيات في المرضى الذين يبلغ معدل استخدامهم الهيرويين اليومي حتى جرعة 0.5 غرام، أو المرضى الذين يتعاطون أدوية متعددة، أو الذين هم في مرحلة نهائية من سحب الميتادون.

3-الوقاية من النكس: تستخدم للوقاية الدوائية من النكس حاصرات المستقبلات الأفيونية التي تحصر تأثيرات الأفيونيات من دون أن تسبب تأثيرات تخديرية ودون أن تسبب الاعتماد، والنالتروكسون هو الدواء الموثق من أجل معالجة الاعتماد على الأفيونيات، وهو يعطى بجرعة 50 ملغ/يوم بعد فترة مناسبة خالية من تعاطي الأفيونيات، ولكنّ السيئة الرئيسية لهذه المعالجة هي صعوبة ضمان مطاوعة المريض في الاستمرار بتناول الدواء.

4-المعالجة النفسيّة وإعادة التأهيل: تستطب المعالجات النفسيّة من أجل الاضطرابات الناجمة عن تعاطي الأفيونيات، وتتم إعادة التأهيل ضمن المجتمعات العلاجية مثل "مدمنون مجهولون" .Narcotics Anonymous

ثالثاً- القنبيات  :cannabinoids

هو الاسم الذي اصطلح عليه لتسمية مجموعة من المستحضرات الهندية الأصل تشتق من القنب الهندي Indian hemp الذي عرف مدة طويلة من الزمن مصدراً لصناعة خيوط القنب وحبالها، وأطلق عليه فيما بعد الاسم اللاتيني Cannabis .sativa وهناك أصناف عديدة من هذه النبتة تزيد على الخمسين صنفاً تنمو في ظروف مناخيَّة مختلفة وتختلف فيما بينها، كما تختلف نوعية المستحضر وفعاليته في النبتة الواحدة تبعاً لاستخلاصه من الساق أو من الأوراق أو من الأزهار، ويطلق على المادة المستخلصة منها أسماء مختلفة باختلاف البلدان، من هذه الأسماء "الحشيش" في معظم الدول العربية، و"الكيف" في المغرب، و"الماريغوانا" في أمريكا وأوربا، و"الماكونة" في أمريكا الجنوبية، و"البانج" في الهند، و"الداجا" في إفريقيا. ومهما كان نوع المستحضر ومصدر استخلاصه من أجزاء النبتة فإنَ المادة الرئيسة الفعّالة المستخلصة هي المركب الكيميائي تترا هدرو كانابينول (THC) tetrahydrocannabinol، وهي المادة المسؤولة عن الأعراض التي تصيب المتعاطي، وأكثر ما يكون تركيزها في إفرازات الزهرة ثم ينخفض تركيزها تدريجياً في أوراق النبتة وساقها. يستخرج الحشيش من القنب الهندي، أما الماريغوانا فتستخرج من القنب المكسيكي، ويحتوي الحشيش على 5-10 أضعاف ما تحتويه الماريغوانا من المادة الفعَالة .THC 

الوبائيات:

يعد تعاطي القنبيات أكثر شيوعاً من كل المواد المحظورة في معظم بلدان العالم؛ إذ تستخدم محاصيل القنب في بعض أجزاء شمالي إفريقيا وآسيا بطريقة تعاطي الكحول في المجتمع الغربي. وينتشر استخدام القنبيات المتقطع في أمريكا الشمالية وبريطانيا؛ ففي الولايات المتحدة يقدر أن نحو 90.8 مليون من البالغين بعمر 18 سنة فما فوق قد استعملوا الماريغوانا مرة واحدة على الأقل في حياتهم، ونحو 13% منهم هم مستخدمون  منتظمون، ويبلغ معدل الاستخدام من قبل الذكور ضعف المعدل لدى الإناث بأعمار 26 سنة فما فوق، وتضيق هذه الفجوة بين الجنسين في الأعمار الأكبر والأصغر، ولا يوجد اختلاف بين الجنسين بعمر 12-17 سنة. والجدير بالذكر أن هناك علاقة قوية بين تدخين التبغ وبين تعاطي القنبيات، كما تعدّ القنبيات خطوة أولى نحو إدمان الهيرويين في كثير من أنحاء العالم ولاسيما في المراهقين والشباب، ويقدر معدل هذا التصعيد من تعاطي القنبيات إلى مخدرات أقوى بنحو 3% سنويا بين متعاطي القنبيات المنتظمين.

الفارماكولوجيا العصبية:

 يحتوي  نبات القنب على أكثر من 400 مادة كيميائية، منها 60 مادة ترتبط كيميائياً بالمادة الرئيسية الفعالة؛ وهي 9- دلتا تترا هدرو كنابينول  (9-delta-T.H.C) التي تتحول في الإنسان بسرعة إلى 11-هدروكسي-9- دلتا تترا هدرو كنابينول  (11-hydroxy-9-delta-T.H.C)  وهو المستقلب الفعال في الجملة العصبية المركزية. وقد تم تمييز مستقبلة نوعية للكنابينول وتحديدها وتوصيفها، هي المستقبلة القنُّابيّة cannabinoid receptor التي تنتمي إلى عائلة المستقبلات المرتبطة بالبروتين G وتوجد بكثافة في النوى القاعدية والحصين hippocampus والمخيخ؛ وبتركيز منخفض في قشر الدماغ، ولا توجد في جذع الدماغ، مما يفسر ضعف تأثير القنبيات في الوظائف التنفسية والقلبية.

طرق التعاطي:

أكثر طرق التعاطي انتشاراً هي التدخين مع التبغ سواء مع تبغ السجائر أم عن طريق الغليون أو النرجيلة أو الجوزة أو غيرها، وقد تؤخذ عن طريق الفم بمزجها بالأطعمة كالحلويات والكعك والعسل وتؤكل أو تغلى مع الشاي أو القهوة وتشرب، ويفوق تأثير القنبيات بطريق التدخين تأثيرها عن طريق الفم بثلاثة أضعاف.

التأثيرات السريرية:

يظهر تدخين القنبيات تأثيرات الشمق في دقائق وتصل إلى ذروتها في 30 دقيقة وتستمر 2-4 ساعات، وتختلف التأثيرات بحسب الجرعة وطريقة التعاطي وتوقعات الشخص ومزاجه والوضع الاجتماعي. ويصف المتعاطون أنفسهم أحياناً بأنهم سعداء؛ ولكن يبدو أن القنبيات مثل الكحول تضخم المزاج الموجود سابقاً سواء ابتهاجاً كان أم اكتئاباً، كما يصفون زيادة المتعة بالخبرات الفنية وتشويه إدراك الزمان والمكان. والتأثيرات الجسدية الأكثر شيوعاً للقنّبيّات هي توسع الأوعية الدموية للملتحمة (العين الحمراء) وزيادة الشهية للطعام وجفاف الفم وتسرع القلب تسرعاً طفيفاً.

التأثيرات الجانبية:

تظهر التأثيرات الجانبية الخطيرة في الذين يتعاطون القنبيات على نحو مزمن؛ وأهمها سوء الهضم، والهزال، ونقص القدرة على مقاومة التعب، والتهاب الملتحمة المتكرر، والتهاب القصبات التنفسية، والاستعداد للنوب الاختلاجية، وتأذي الصبغيات، والعيوب الولادية، وضعف الارتكاس المناعي، وتغيرات في تراكيز التستوستيرون، واضطراب الدورة الطمثية.

الاضطرابات المرتبطة بتعاطي القنبيات:

1-التحمل والاعتماد: تبرهن البحوث على حدوث التحمل والاعتماد النفسي للقنّبيّات في الأشخاص المتعاطين جرعات عالية فترات طويلة من الوقت، ولكن تضعف قوة هذه البراهين في الذين يستخدمون جرعات صغيرة في فترات متقطعة.

2-الانسمام بالقنبيات: تزداد حساسية متعاطي القنبيات للمنبهات الخارجية، وتبدو لهم تفاصيل إضافية جديدة تجعل الألوان زاهيةً أكثر من ذي قبل، ويبطئ إدراك الزمن، وقد يحدث لدى المتعاطي تبدد الشخصية والغربة عن الواقع [ر. الفحص والتشخيص في الطب النفسي]، وتضعف المهارات الحركية مما يؤثر في قيادة المركبات وتشغيل الآليات الثقيلة، وقد يحدث هذيان الانسمام بالقنبيات الذي يتصف بضعف واضح في الاستعراف وفي مهارات الأداء، وقد تضعف الذاكرة والإدراك وزمن الارتكاس والتناسق الحركي والانتباه حتى بجرعات القنبيات المعتدلة.

3-الاضطراب الذهاني المحدث بالقنبيات: يشاهد هذا الاضطراب في البلدان التي يتناول فيها الأشخاص كميات كبيرة من القنبيات ذات القدرة العالية، والأكثر شيوعاً هو حدوث تفكير زوري عابر. وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يتعاطون كميات كبيرة من القنبيات هم على خطورة أكبر لإصابتهم بالفصام، ولكن ما زال هذا الأمر موضع جدل.

4-الاضطرابات القلقية المحدثة بالقنبيات: تعد الاضطرابات القلقية تشخيصاً شائعاً لحالات الانسمام بالقنبيات، وهي قصيرة الأمد ومحرضة بأفكار زورية غالباً، وقد ترافقها نوب هلع.

5-متلازمة اللادافع :amotivational syndrome مع أن هذه المتلازمة رافقت استخدام القنبيات الكثيف والطويل الأمد، لكنها ما تزال موضع جدل فيما إذا كانت متعلقة بتعاطي القنبيات أم أنها تعكس سمات خاصة لدى مجموعة من الأشخاص بغض النظر عن تعاطي القنبيات. وتتسم هذه المتلازمة باللامبالاة والبلادة واللاانفعالية والتراخي وفقد الطاقة والخمول وعدم رغبة الشخص بالقيام بواجباته في المنزل أو في العمل أو في أي وضع يتطلب منه الانتباه والتماسك.

المعالجة وإعادة التأهيل:

يستند علاج تعاطي القنبيات إلى مبادئ علاج تعاطي المواد الأخرى وهي الامتناع والدعم، ويمكن تخفيف أعراض الامتناع عن تعاطي القنبيات بمداخلات مباشرة كالقبول في المستشفى؛ أو مراقبة المرضى الخارجيين مراقبة لصيقة بتحري المادة في البول؛ إذ يمكن كشف القنبيات ضمن مدة تصل إلى 4 أسابيع عقب تناولها. وتكون أعراض سحب القنبيات محدودة وخفيفة على نحو عام وتظهر فقط حين التوقف فجأة عن تناول جرعات عالية، وهي تشتمل على التهيج والضجر والتململ والأرق والقهم، ويمكن إعطاء مضاد قلق للتخفيف من هذه الأعراض. أما الدعم فيمكن تحقيقه بوساطة العلاج النفسي الفردي والجماعي والأسري، ويجب أن يكون التثقيف حجر الزاوية لكل من برنامجي الدعم والامتناع، والأشخاص الذين لا يعدون تعاطي القنبيات مشكلة يكون لديهم دافع التوقف عنها ضئيلاً.

رابعاً- المهدّئات أو المنوّمات:

تشتمل المهدئات sedatives أو المنومات hypnotics على أصناف دوائية متنوعة ومتغايرة التركيب الكيميائي لها تأثيرات مثبطة للجملة العصبية المركزية مرتبطة بالجرعة وتبدأ بالتركين وإزالة القلق مروراً بالتنويم لتبلغ التخدير والسبات. تستطب هذه الأدوية في الطب النفسي بوصفها منومات ومزيلات قلق، ولها استخدامات طبية أخرى مضادات للاختلاج ومرخيات عضلية أو أدوية مساعدة في التخدير، ولها تحمل متصالب مع الكحول، كما أنها قد تسبب اعتماداً نفسياً وجسدياً، وهي تشتمل على البنزوديازبينات والباربيتورات ومواد مشابهة للباربيتورات.

1-البنزوديازبينات  :benzodiazepines

هي أدوية لها خصائص مزيلة للقلق ومركنة ومضادة للاختلاج ومرخية للعضلات وجميعها مفيدة في الممارسة السريرية، وقد حضِّر أول مركب منها عام 1960 وعرف باسم كلورديازبوكسيد، ويتوافر حالياً عدد كبير منها، ويختلف بعضها عن بعض على نحو أساسي بعمرها النصفي وبفاعليتها potency، وتصنف ضمن المجموعات الأربع التالية:

أ- أدوية عالية الفاعلية وقصيرة فترة التأثير: البرازولام alprazolam، ميدازولام midazolam، لورازيبام lorazepam، إستازولام estazolam، تريازولام .triazolam

ب- أدوية عالية الفاعلية وطويلة فترة التأثير: كلونازيبام .clonazepam 

ج- أدوية منخفضة الفاعلية وقصيرة فترة التأثير: أوكسازيبام oxazepam، تيمازيبام .temazepam 

د- أدوية منخفضة الفاعلية وطويلة فترة التأثير: ديازيبام diazepam، كلورديازبوكسيد chlordiazepoxide، كلورازيبات clorazepate، فلورازيبام flurazepam، هالازيبام halazepam، كوازيبام .quazepam 

للبنزوديازبينات مزايا واضحة وعديدة قياساً على الأدوية الأقدم منها؛ فبمقارنتها بالباربيتورات مثلاً تتمتع البنزوديازيبينات بـ:

- هامش جرعة أكبر بين حلّ القلق والتركين.

- ميل أقل لإحداث تحمل واعتماد، وكمون إدماني أقل.

- معدل أعلى لمتوسط الجرعة المميتة نسبة الى متوسط الجرعة الفعّالة.

وتستخدم البنزوديازيبينات على نحو أساسي بوصفها أدوية حالّة للقلق ومنومة ومضادة للصرع وأدوية تخدير؛ إلى جانب استخدامها في سحب الكحول، وقد انتشر استخدامها بسرعة وحلّت محل الباربيتورات وأصبحت من أكثر الأدوية التي توصف من قبل الأطباء، ولكن التنبه لخطورة الاعتماد عليها أنقص وصفها وعاد لا يسمح باستعمالها إلا بموجب وصفة طبية رسمية وتحت إشراف طبي بحسب ما جاء في اتفاقية العقاقير النفسيّة عام 1971م.

الوبائيات: ينتشر استخدام البنزوديازيبينات على نحو واسع؛ إذ يقدر أنّ نحو 10% من الناس في أوربا وأمريكا يستخدمونها أدوية مزيلة للقلق ومنومة، ويستخدم 6% من الناس هذه الأدوية على نحو قانوني، ويقدر مدى انتشار تعاطي البنزوديازيبينات بنحو 3%. وأكثر فئة عمرية لهذا التعاطي هي من 26-34 سنة، ويقدر متعاطو البنزوديازيبينات نحو ربع إلى ثلث مراجعي مراكز الإسعاف لمشاكل مرتبطة بتعاطي المواد. وفي حين يتعاطى بعض الأشخاص البنزوديازيبينات وحدها؛ فإن الأشخاص الذين يتعاطون الكوكائين غالباً ما يستخدمون البنزوديازيبينات لتخفيف أعراض الامتناع، كما أن الأشخاص الذين يتعاطون مشتقات الأفيون يستخدمون البنزوديازيبينات لتعزيز التأثيرات الشمقيّة. وبسبب سهولة الحصول عليها؛ يستخدمها أيضاً الأشخاص الذين يتعاطون المنبهات والمهلِّسات لتخفيف أعراض القلق التي تحدثها هذه المواد.

الفارماكولوجيا العصبيّة: تنتج التأثيرات السريرية للبنزوديازيبينات من قدرتها على تسهيل عمل الغابا GABA؛ وهو الناقل العصبي الرئيس المثبط في الدماغ، فهي ترتبط بالمستقبلات GABAa في موقع محدد مما يؤدي إلى زيادة أُلفة المستقبل إلى الناقل العصبي داخلي المنشأ، ويؤدي ذلك إلى زيادة جريان شوارد الكلور المشحونة سلبياً إلى داخل العصبون وهي عملية تثبيطية تزيد من استقطاب العصبون. وتضعف التأثيرات في مستقبلات  GABAa بعد الاستخدام المديد للبنزوديازيبينات فيصبح جريان شوارد الكلور إلى داخل العصبون أقل مما كان قبل استخدام البنزوديازيبينات، ويبدو أن هذا التنظيم التنازلي للمستقبلات هو نتيجة انخفاض في فعالية المزاوجة بين موقع ربط الغابا وتفعيل قنوات الكلور.

الحرائك الدوائية:pharmacokinetics   يمتص معظم البنزوديازيبينات على نحو جيد لدى إعطائها فموياً على معدة فارغة، ويصل كثير منها إلى ذروة مستوياته المصلية في غضون 1-3 ساعات، ويتأثر امتصاصها تأثراً كبيراً بمضادّات الحموضة. وتستقلب البنزوديازيبينات شائعة الاستخدام (باستثناء لورازيبام وأُوكسازيبام وتيمازيبام) بوساطة الإنزيمات المكروزومية الكبدية لتشكل نواتج فعّالة دوائياً، وتندمج هذه المستقلبات الفعّالة في حمض غلوكورونيك لتشكل غلوكورونيدات غير فعّالة؛ وهي أكثر انحلالاً بالماء من المركبات الأم لذلك فهي تُطرح بسرعة مع البول.

تختلف البنزوديازيبينات بسرعة بدء تأثيرها العلاجي مما يتيح خيارات واسعة ومهمة لتلبية حاجات المرضى، ويصل ديازيبام - وهو مركب سريع الامتصاص - إلى ذروة مستوياته المصلية في ساعة واحدة بعد جرعة فموية مفردة، أما مدة التأثير فتختلف بحسب العمر النصفي للدواء المستخدم.

طرق التعاطي: يتم التعاطي عن طريق الفم إما على نحو متقطع بالمناسبات للحصول على تأثير معين في فترة محددة على نحو منتظم (للحصول على حالة تسممية متوسطة أو شديدة)؛ ويشاهد التعاطي المتقطع عادة عند شاب يستخدم المادة للحصول على تأثير ما مثل الاسترخاء في المساء أو الشعور بالشمق فترة قصيرة من الوقت، وإما على نحو  منتظم وهو غالباً ما يشاهد في الأعمار المتوسطة والطبقات الوسطى الذين غالباً ما يحصلون على المادة من عدة أطباء بوصفات للأرق أو القلق. والتعاطي عن طريق الوريد هو شكل شديد من أشكال سوء استخدام البنزوديازيبينات، ويرافقه تحمل سريع واعتماد ومتلازمة امتناع شديدة، ويكون المتعاطون بهذا الطريق عادة من البالغين الشباب المتورطين على نحو شديد بتعاطي مواد إدمانية غير مشروعة، وينجم عن التعاطي بهذا الطريق مضاعفات ناجمة عن الحقن تشتمل على انتقال ڤيروس HIV، والإصابة بأخماج وبالتهاب النسيج الخلوي وبتفاعل تحسسي وبعقابيل وعائية بسبب الحقن الخاطئ في الشريان.

الاضطرابات المرتبطة بتعاطي البنزوديازيبينات:

أ- التحمل والاعتماد: المشكلة الدوائية الرئيسية للبنزوديازيبينات سريرياً هي ميلها إلى إحداث التحمل والاعتماد، تظهر حالة التحمل والحاجة إلى جرعة أكبر بعد مرور 10-14 أسبوعاً من الاستعمال المتواصل والمعتدل. وتفسر ظاهرة التحمل لهذه المركبات بأنّها نتيجة تكيّف مستقبلات البنزوديازيبين مع هذه المركبات؛ ونتيجة انخفاض النشاط الوظيفي لمستقبلات GABA المثبطة والمرتبطة بمستقبلات البنزوديازيبين. وكثيراً ما يحدث الاعتماد على البنزوديازيبينات نتيجة استخدامها الطبي؛ إذ قد يصبح نحو ثلث الأشخاص الذين يعالجون بأحد البنزوديازيبينات أكثر من ستة أشهر معتمدين عليه، وتزيد خطورة حدوث الاعتماد باستخدام المركّبات ذات العمر النصفي القصير أكثر مما تحدث عنها باستخدام المركّبات ذات العمر النصفي الطويل. وقد ينجم الاعتماد عن توافر البنزوديازيبينات بوصفها أدوية شوارع بسبب تأثيراتها المحدثة للشمق وتأثيراتها المهدئة، ومع ذلك فإنّها تعد أقل بكثير إحداثاً للاعتماد من الأفيونيات والكحول والكوكائين.

ب- الانسمام: يحدث الانسمام بالبنزوديازيبينات في الذين يتناولون مقادير كبيرة منها؛ أو في بعض الذين يتناولون هذه المركبات على المدى الطويل حتى بجرعات معتدلة وذلك نتيجة تراكم هذه المركبات ومستقلباتها في الجسم. ويرافق الانسمام بالبنزوديزيبينات عدم تثبيط بالسلوك يتظاهر بسلوك هجومي عدواني أو سلوك جنسي غير مناسب؛ ولاسيما حين تستعمل البنزوديازيبينات مع الكحول. وتظهر إضافة إلى ذلك علامات أُخرى أهمها الكلام المتثاقل والرنح وعدم تناسق الحركات والمشية غير المتزنة وخلل الانتباه والتركيز وخلل الذاكرة والذهول stupor أو السبات. وللبنزوديازيبينات بعكس الباربيتورات والأدوية المشابهة للباربيتورات هامش أمان واسع حين تُؤخذ بجرعات عالية أو مفرطة بسبب ضعف التثبيط التنفسي الذي تحدثه البنزوديازيبينات؛ فنسبة الجرعة القاتلة إلى الجرعة الفعّالة هي 200-1. ويصبح فرط الجرعة خطيراً حين يشرك استخدام البنزوديازيبينات بمواد مهدئة منومة sedative أُخرى مثل الكحول؛ إذ قد تسبب جرعة صغيرة من البنزوديازيبينات الموت في مثل هذه الحالات. ويعد فلومازينيل flumazenil مضاداً نوعياً للبنزوديازيبين يعكس تأثيرات البنزوديازيبينات وينقص الوفيات الناجمة عن الانسمام بها.

ج- الامتناع: ترافق الاعتماد على البنزوديازيبينات متلازمة امتناع (سحب) withdrawal تعتمد في شدتها على مدى الجرعة التي يتعاطاها الشخص وعلى مدة التعاطي، ولكنّ استخدام البنزوديزيبينات حتى بجرعات خفيفة ومدة قصيرة قد يتبعه متلازمة امتناع متوسطة الشدة فجرعة 10-20 ملغ/يوم من الديازيبام المتناولة على مدى شهر مثلاً قد تتبعها متلازمة امتناع حين قطع تناول الدواء. ويدل بدء أعراض الامتناع على العمر النصفي للدواء المستخدم، وتبدأ الأعراض عادةً بعد 1-2 يوم من آخر جرعة للأدوية قصيرة الأمد و2-5 أيام للأدوية طويلة الأمد، وتصل ذروتها بعد عدة أيام من بدئها، وتتلاشى ببطء على مدى 1-3 أسابيع. وتشتمل أعراض الامتناع على الأرق والقلق ورجفان اليدين والغثيان والقياء والتعرّق والتشنج العضلي وتعكر المزاج والهياج النفسي الحركي وعدم تحمل الضوء المتوهج أو الأصوات العالية وانخداعات أو هلوسة بصرية أو لمسية أو سمعية عابرة ونوب اختلاجية (بجرعات 50 ملغ/يوم أو أكثر من الديازيبام)، وقد يحدث هذيان يدعى هذيان سحب البنزوديزيبينات.

د- الخرف الدائم: يمكن أن يؤدي تعاطي البنزوديازبينات إلى حدوث اضطراب ذاكرة دائم، وقد تكون الحالات أحياناً تحت سريرية، وهناك حالات من نوب فقدان ذاكرة ترافق تعاطي بنزوديازبينات قصيرة الأمد فترة قصيرة. كما قد يحدث خرف دائم ولكن ليس من المؤكد إذا كان هذا الخرف ناجماً عن تعاطي البنزوديازبينات نفسها أو بسبب صفات خاصة في الشخص مرافقة للتعاطي.

هـ- الاضطراب الذهاني: قد تحدث أعراض ذهانية نتيجة الانسمام بالبنزوديازبينات أو سحبها، وهي أكثر شيوعاً في الباربيتورات منها في البنزوديازبينات، وتظهر الأعراض بعد أسبوع تقريباً من الانقطاع عن التعاطي، وهي تشتمل على هياج وضُلَالات وأهلاسات غالباً ما تكون بصرية وتكون في بعض الأحيان لمسية أو سمعية.

و- اضطرابات أخرى: قد يؤدي تعاطي البنزوديازبينات إلى اضطرابات المزاج واضطرابات قلق واضطرابات النوم وسوء وظيفة جنسية وغيرها من الاضطرابات الأخرى.

المعالجة: تتضمن معالجة الاعتماد على البنزوديازبينات سحبها التدريجي بمدة ثمانية أسابيع على الأقل بالمشاركة مع الدعم النفسي. وتكون أعراض الامتناع أكثر شدة  حين تكون البنزوديازبينات ذات عمر قصير وقدرة عالية، لذلك يقترح غالباً تحويل هؤلاء المرضى إلى بنزوديازبينات مديدة التأثير مثل الديازيبام قبل البدء بسحبها، والقاعدة العامة هي خفض جرعة البنزوديازبينات بمقدار الثُمن كل أسبوعين، ولكن إذا أبدى المريض أعراض سحب مزعجة أمكن المحافظة على الجرعة أو حتى زيادتها مؤقتاً حتى تستقر الأعراض. وقد يصعب تحديد جرعة ابتدائية مناسبة حين تعاطي المريض لجرعات كبيرة من البنزوديازبينات، ولكن يجب على نحو عام ألا يعطى المريض أكثر من 40-60 ملغ/يوم، على أن يتم إنقاص هذه الجرعة تدريجياً إلى النصف على مدى ستة أسابيع.

قد يعاني بعض المرضى حين خفض جرعة البنزوديازبينات إلى النهاية أعراض امتناع مزعجة تستقر عادة في الأسابيع القليلة التالية، ولكن قد يستمر القليل من المرضى في معاناة أعراض تشبه أعراض السحب عدة أشهر أو حتى سنوات بعد قطع البنزوديازبينات (متلازمة الامتناع المديد). وأشارت تقارير عديدة إلى أن الكاربامازيبين قد يكون مفيداً في علاج سحب البنزوديازبينات.

الوقاية: تقوم الوقاية من إساءة استخدام البنزوديازبينات والاعتماد عليها على تقييد وصفها؛  فالعلاجات النفسية لمعظم اضطرابات القلق فعالة، كما تفيد المقاربات غير الدوائية في معالجة الأرق، وإذا وصفت البنزوديازبينات فيجب أن تكون لفترة قصيرة ومن أجل تخفيف الأعراض التي تسبب العجز أو الانزعاج الشديد. وقد تكفي النصائح المقدمة من الطبيب العام لأن تحث ما بين 20-40% من متعاطي البنزوديازبينات على إنقاص الجرعة اليومية أو حتى قطعها.

2-الباربيتورات  :barbiturates

تُشتق البنية الكيميائية للباربيتورات من حمض الباربيتوريك غير الفعّال دوائياً، وتستعمل الباربيتورات إما أدوية مهدّئة ومنوّمة (مثل باربيتال  (barbital وإما أدوية مضادّة للصرع (مثل فينوباربيتال (phenobarbital وإما أدوية مخدِّرة (مثل بنتوباربيتال (pentobarbital، وقد تضاءل وصف الباربيتورات كثيراً على مدى العقدين الأخيرين؛ إذ فُضِّلت عليها البنزوديازبينات ومضادات الاكتئاب الأحدث ولاسيما أن الباربيتورات تُحدث تحمُّلاً واعتماداً ومتلازمة امتناع شديدة؛ كما أنها تسبب الموت بالجرعات المفرطة، وبذلك أصبح استخدام الباربيتورات نادراً بما في ذلك الاستخدام المحظور.

التحمُّل والاعتماد: يحدث تحمُّل الباربيتورات بسرعة أقل من الأفيونيات، لكنه حين يحدث يكون خطراً جداً؛ لأن التحمل للتأثير المهدئ يحدث لمدى أكبر من التأثير المثبّط للمراكز الحياتية، وبذلك يزداد خطر الجرعة العالية غير المقصودة. ويتناول العديد من الأشخاص المعتمدين على الباربيتورات هذه الأدوية فموياً، وهم عادةً متوسطو العمر أو مسنون كانوا قد بدأوا بتناول هذه الأدوية لأنها وُصِفت لهم لاستخدامها منوِّمات، ويتعاطى بعضهم الباربيتورات وريدياً بحلّ الكبسولات، وهم عادةً يافعون ويتعاطون أدويةً وريديةً أخرى.

متلازمة الامتناع: الإيقاف المفاجئ للباربيتورات في المعتمدين عليها خطيرٌ جداً وقد يؤدي إلى هذيان يشبه الهذيان الارتعاشي الذي يحدث بعد سحب الكحول، وقد يؤدي إلى نوب صرعية وأحياناً تحدث الوفاة بسبب وهط قلبي وعائي. تبدأ متلازمة الامتناع بقلق وضجر واضطراب نوم وقهم وغثيان ثم تتطور الأعراض إلى قياء وحمى ورجفان وانخفاض ضغط الدم وتوهان وأهلاسات ونوب صرع كبير.

المعالجة: يجب أن تكون معالجة الامتناع دائماً داخل المستشفى إلا إذا كان المريض يتعاطى جرعة خفيفة ولا توجد لديه قصة صرع فيمكن عندها أن تتم المعالجة خارج المستشفى، ويجب تجنّب مضادات الذُّهان لأنها قد تخفض عتبة الاختلاج.

خامساً- الكوكائين  :cocaine

هو المادة الرئيسة المتوافرة في أوراق نبتة الكوكا، وهي شجيرة تنمو في  أمريكا الجنوبية وتسمى علمياً Erythroxylon coca.  عُزل الكوكائين أول مرة عام 1860، وأول ما استخدم مخدراً موضعياً عام 1880، وما يزال يستخدم في التخدير الموضعي ولاسيما في جراحات العين والأنف والحنجرة حيث يستفاد من تأثيراته المسكنة والمقبضة للأوعية، وهو المخدر الموضعي الوحيد الذي له خاصيّة المقبِّض الوعائي. استخدم الكوكائين في ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته لعلاج العديد من الأمراض، وأقدم فرويد شخصياً على تجربة تعاطي الكوكائين وافترض أنَ الكوكائين يستطيع إطفاء التوق الذي يعانيه مدمن المورفين واستطاع أن يشفي زميله من إدمان المورفين ولكنه حوّله إلى إدمان الكوكائين. وكان الكوكائين المادة الفعَالة في شراب "الكوكا كولا" حتى عام 1902 حين استبدل به الكافيين مع الإبقاء على النكهة والطعم السابقة للمشروب. وفي عام 1914 عرفت تأثيراته الجانبية وتأثيراته الإدمانية وصنف مادة مخدرة، ووُضع تحت الرقابة الدوائية استناداً إلى معاهدة الأفيون الدولية الموقّعة في لاهاي عام 1912م.

مستحضرات الكوكائين وطرق تعاطيها:

1-أوراق نبتة الكوكا: تمضغ أوراق الكوكا الطازجة وذلك من قبل السكان الأصليين للبلدان المنتجة لنبتة الكوكا، وهذه الطريقة نادراً ما تؤدي إلى الاعتماد على الكوكائين أو إلى اضطرابات عقلية.

2-معجون الكوكا: يستخلص من أوراق الكوكا وذلك بإضافة مذيبات عضوية (مثل الغازولين)، ويدخن بالغليون وأحياناً بلفافات بعد مزجه بالتبوغ أو بالقنبيات (الحشيش، الماريغوانا)، وتستعمل أيضاً في البلدان التي تنبت فيها شجرة الكوكا.

3-مسحوق كوكائين هايدروكلورايد :cocaine hydrochloride  هو أكثر المستحضرات المستعملة خارج البلدان المنتجة لنبتة الكوكا، وهو مسحوق ناعم الملمس بلّوري أبيض اللون عديم الرائحة يشبه ندف الثلج، ويستعمل عن طريق الاستنشاق من المنخرين أو عن طريق الحقن الوريدي بعد إذابة المسحوق بالماء.

4-الكراك :crack هو شكل عالي الفاعلية للكوكائين، يصنع بإضافة كاشف (مثل الأمونيا، كربونات الصودا) إلى مسحوق كوكائين هايدروكلورايد فيتحرر من مركب هايدروكلورايد وينتج  الكوكائين القلوي free base أو ما يعرف بالكراك الذي يتصف بأنّ له درجة اشتعال حرارية منخفضة تجعله صالحاً للتدخين، وهو يُحدث تأثيراته في المتعاطي بسرعة كبيرة في عدة ثوان.

الوبائيات:

كان تعاطي الكوكائين في البداية محصوراً في المجتمعات التي تنتج نبتة الكوكا، ولكنّ إنتاج مستحضرات مختلفة من الكوكائين سهّل تصديرها إلى مناطق مختلفة فاتسع تعاطيه على نحو أكبر ولاسيما في الولايات المتحدة وأوربا الغربية وأمريكا الجنوبية؛ ففي الولايات المتحدة استخدم الكوكائين مدة سنة 5.9 مليون شخص (نحو 2.5% من السكان) بأعمار 12 سنة وما فوق، واستخدمه مدة أشهر أكثر من 2.1 مليون شخص (نحو 0.9%). وتدل الدراسات على أن الذكور أكثر تعاطياً من الإناث بمرتين، كما تدل على أن أعلى معدلات تعاطي الكوكائين والكراك والاعتماد عليه تكون في أشخاص بأعمار 18-25 سنة.

ينتشر تناول أوراق الكوكائين الخضراء على نحو عام بين مختلف الأعمار في البلدان المنتجة لنبتة الكوكا، أما الكوكائين الصافي فأكثر انتشاراً بين أفراد الطبقة الوسطى والغنيَة في المجتمع، وفي السنوات الأخيرة انتشر الكوكائين بين أفراد الطبقة الفقيرة ولاسيّما بين المراهقين والشباب أيضاً نتيجة رخص ثمن بعض مستحضراته وخاصّة الكراك، ولا تتوافر في بلادنا إحصائيات موثوقة عن نسبة الانتشار ولكنّها من المؤكد أقل بكثير من نسبة الانتشار في العالم الغربي.

الفارماكولوجيا العصبيّة:

الفعل الرئيسي الفارماكوديناميكي pharmacodynamic للكوكائين والمرتبط بتأثيراته السلوكية هو حصر تنافسي لاسترداد الدوبامين إلى النهايات العصبيّة قبل المشبكية، مما يؤدي إلى زيادة تركيز الدوبامين في المشابك synapses العصبيّة وبالتالي زيادة فعّاليته. وقد أظهر التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني PET في مرضى يتعاطون الكوكائين اشتداد فعّالية النظام الدوباميني الميزولمبي عند حدوث توق شديد للكوكائين، كما يؤدي الكوكائين إلى نقص الجريان الدموي الدماغي ونقص استهلاك الغلوكوز في بعض مناطق الدماغ. ومع أنّ التأثيرات السلوكية تُعزى على نحو رئيس إلى حصر استرداد الدوبامين، فإنّ الكوكائين يثبط أيضاً استرداد النورأدرينالين والسيروتونين. تحدث تأثيرات الكوكائين مباشرةً بعد التعاطي وتستمر وقتاً قصيراً نسبيّاً (30-60 دقيقة)، لذلك يكرر المتعاطون الجرعات للحفاظ على التأثيرات، أما مستقلبات الكوكائين فيستمر وجودها في البول حتى 10 أيام.

التأثيرات السريرية:

يعد الكوكائين من أقوى منبهات الجهاز العصبي المركزي، فبعد تعاطي كمية قليلة من الكوكائين يشعر الفرد بالشمق والابتهاج والثقة بالنفس وفرط تقدير الذات وزيادة الإدراك العقلي واللباقة في الحديث وقوة الذاكرة وتحسن ملحوظ في المهام العقلية والفعالية الحركية واضمحلال التعب، ولكن هذا التأثير المنشط يستمر فترة قصيرة (45 دقيقة - ساعتين) يصاب الفرد بعدها بانهيار مفاجئ ينقله إلى حالة من الاكتئاب الجزئي والإحساس بالحزن والكآبة والخمول والكسل، مع أعراض قلق وارتعاش، وتتلاشى هذه الحالة في 24 ساعة. وغالباً ما يتناول المتعاطي الكوكائين بجرعات متكررة لكي يحافظ على تأثيراته مما يزيد من التأثيرات السمية للكوكائين في النواحي النفسية والعضوية.

التأثيرات الجانبية:

التأثير الجانبي الشائع لتعاطي الكوكائين عن طريق الاستنشاق من المنخرين هو احتقان أنفي دائم وحدوث التهاب في مخاطية الأنف وتورمها ونزفها وتقرحها، وقد يؤدي التعاطي فترة طويلة إلى انثقاب الحاجز الأنفي. ويؤدي تعاطي الكراك عن طريق التدخين إلى ضرر الرئتين، أما تعاطي الكوكائين الوريدي فإنّه يسبب خمجاً في مكان الحقن وانسداداً وعائياً دموياً وانتقال ڤيروس .HIV وتشتمل المضاعفات العصبية الصغرى لتعاطي الكوكائين على خلل توتر dystonia حاد وعرّات وصداع شبيه بالشقيقة، أما المضاعفات الكبرى فهي وعائية دماغية واختلاجية وقلبية:

1-التأثيرات الوعائية الدماغية: أكثرها شيوعاً الاحتشاءات الدماغية غير النزفية وهجمات نقص تروية عابرة.

2-الاختلاجات: تحدث الاختلاجات في 3-8% من الأشخاص الذين يتعاطون الكوكائين ويراجعون مراكز الإسعاف، ويعد الكوكائين أكثر مادة فعّالة نفسيّاً تسبب الاختلاجات، وهي عادة ما تكون نوبة واحدة وأحياناً عدة نوب أو حالة صرعية.

3-التأثيرات القلبية: الاضطرابات الأكثر شيوعاً احتشاء العضلة القلبية واضطرابات نظم القلب، كما قد يحدث اعتلال عضلة قلبية نتيجة التعاطي فترات طويلة.

4-الموت: قد يؤدي تعاطي جرعات مفرطة من الكوكائين إلى الموت ويكون ذلك بسبب الاختلاجات أو تثبيط التنفس أو احتشاء العضلة القلبية أو مرض وعائي دماغي، كما قد يحدث الموت نتيجة تعاطي مزيج من الأفيونيات والكوكائين.

الاضطرابات المرتبطة بتعاطي الكوكائين:

1-التحمل والاعتماد: ساد الاعتقاد مدة طويلة أن مستحضرات الكوكائين هي مستحضرات ترفيهية ولا تسبب الإدمان، ولكن تبين فيما بعد أنّ للكوكائين خواص إدمانية قوية بسبب قوته بوصفه معززاً إيجابياً للسلوك والاستمرار بتعاطيه فترات طويلة يؤدي إلى حدوث التحمل ونشوء حالة الاعتماد.

2-الانسمام: يحدث التسمم بالكوكائين نتيجة تناول جرعات كبيرة منه وأغلب ما يحدث ذلك نتيجة لسوء التقدير لمقادير الجرعات المتناولة وقوتها، وتشتمل أعراض الانسمام وعلاماته على تغيرات سلوكية أو تغيرات نفسية هي: الشمق أو التبلد الوجداني، وفرط التيقظ والحذر، وخلل المحاكمة، وخلل الأداء المهني أو الاجتماعي، والقلق، والتوتر، وسلوكيات نمطية، وهياج نفسي حركي أو تعويق، وأفكار عظمة، وأفكار مرجعية، وشكوك زورية قد تؤدي إلى سلوك عدواني، واضطرابات إدراكية مثل الانخداعات أو الأهلاسات السمعية والبصرية، إضافة إلى تسرع القلب أو تباطئه ، وتوسع الحدقة، وارتفاع الضغط الشرياني أو انخفاضه، والتعرق أو القشعريرة، والغثيان أو القياء، والإحساس بحشرات تزحف تحت الجلد، والضعف العضلي، والألم الصدري أو اللانظميات القلبية، وعسر الحركة أو عسر المقوية، والنوب الاختلاجية، وتثبيط التنفس، والسبات.

وقد يحدث هذيان يدعى هذيان الانسمام بالكوكائين وهو شائع الحدوث في الذين يتعاطون جرعات كبيرة من الكوكائين فترات طويلة أو الذين يتعاطون الكوكائين بعد مزجه بمواد أُخرى فعّالة نفسيّاً، مثل الأمفيتامين أو الأفيونيات أو الكحول.

3-الامتناع: تحدث حالة انهيار بعد التوقف عن تعاطي الكوكائين أو بعد الانسمام الحاد به، تشتمل على الأعراض التالية: اكتئاب جزئي، وفقد استمتاع، وقلق، واستثارة وأحياناً هياج، وتعب، وفرط نعاس، وتوق شديد للكوكائين، وأفكار انتحارية، تنتهي هذه الأعراض بفترة 18ساعة في الأشخاص الذين يتعاطون كميات قليلة الى متوسطة من الكوكائين، أما في الأشخاص الذين يتعاطون كميات كبيرة فقد تستمر الأعراض أسبوعاً. وذكرت بعض الحالات التي استمرت متلازمات السحب فيها عدة أسابيع أو عدة أشهر. ويحاول الأشخاص الذين يعانون متلازمة السحب عادة معالجة أنفسهم بالكحول أو المهدئات أو المنومات.

4-اضطراب ذهاني: يحدث اضطراب ذهاني في نحو 50% من الأشخاص الذين يتعاطون الكوكائين، ويعتمد ذلك على الجرعة ومدة التعاطي وحساسية المتعاطي للكوكائين، وهو شائع الحدوث في الأشخاص الذين يتعاطون الكوكائين بالوريد والكراك؛ وفي الرجال أكثر من النساء.

الأعراض الأكثر شيوعاً هي التوهمات الزورية والإهلاسات ولاسيما البصرية والحسية، وقد يتظاهر الاضطراب الذهاني بسلوك جنسي بذيء وغريب أو سلوك عدواني عنيف وشديد مرتبط بمحتوى التوهمات الزورية أو الأهلاسات.

5-اضطراب مزاج واضطراب قلق: قد يحدث اضطراب مزاج نتيجة الانسمام بالكوكائين أو الامتناع عنه، ويكون اضطراب المزاج الناجم عن الانسمام عادة بشكل الهوس أو الهوس الخفيف hypomania، أما اضطراب المزاج الناجم عن الامتناع فيكون على شكل اكتئاب. وفيما يخص الاضطرابات القلقية التي قد تحدث نتيجة الانسمام بالكوكائين أو الامتناع عنه فأكثرها شيوعاً: الهلع، والوسواس القهري، والرهابات.

6-سوء وظيفة جنسية: يحدث سوء الوظيفة الجنسية نتيجة الانسمام بالكوكائين، وعلى الرغم من أن الكوكائين يستعمل منشطاً جنسياً أو وسيلة لتأخير الرعشة الجنسية فإن استعماله المتكرر قد يؤدي إلى حدوث العنانة.

7-اضطراب نوم: قد يحدث اضطراب النوم في أثناء الانسمام بالكوكائين ويتظاهر بعدم القدرة على النوم، كما قد يحدث في أثناء السحب ويتظاهر بنوم متقطع أو فرط النوم.

المعالجة:

1-إزالة السمّيّة: إن الأعراض العضوية الناجمة عن سحب الكوكائين أقل شدة من الأعراض الناجمة عن سحب المواد الأخرى مثل الأفيونيات والكحول والمهدئات، لذلك يمكن معالجة متلازمة الامتناع خارج المستشفى. ولا توجد أدوية موثّقة تنقص من شدة السحب، وقد تتطلب التهدئة بالبنزوديازبينات وفي الحالات الشديدة بمضادات الذهان، ويتم تدبير النوب الاختلاجية وارتفاع ضغط الدم بالطرق المعتادة، ويحتاج الشفاء عادة إلى  أسبوع حتى أسبوعين.

يستطب الاستشفاء الكلّي أو الجزئي في بعض الحالات من أجل إبعاد المرضى عن المجتمع الذي يحصلون منه على الكوكائين أو يتعاطونه فيه؛ إضافة إلى مراقبة مستمرة بتحليل البول ولاسيما في الأسابيع أو الأشهر الأولى.

2-الوقاية من النكس: لا توجد معالجة دوائية فعّالة لعلاج اعتماد الكوكائين ومعظم المرضى لا يأتون للمعالجة طوعياً بسبب تجربتهم الممتعة جداً مع المادة، كما أن المعالجة تكون صعبة بسبب التوق الشديد المترافق الذي يرافق الامتناع. ويبدو أن مضاد الاكتئاب ثلاثي الحلقة ديسيبرامين desipramine أو إيميبرامين imipramine قد يخفف من التوق إلى المادة. وتعتمد الوقاية من النكس على نحو رئيس على التدخلات النفسية الاجتماعية، وتشتمل على المعالجة الفردية والجماعية والأسرية.

سادساً- الأمفيتامينات  :amphetamines

هي مجموعة كبيرة من المركبات الكيميائية ومشتقاتها، ومشابهاتها بنيةً أو فعلاً، تؤثر مباشرةً في الجهاز العصبي المركزي وتحدث نتيجة لذلك زيادة واضحة في النشاط الجسمي والعقلي. وكان العقار أمفيتامين سلفات (بنزدرين (Benzedrine أول هذه الأدوية، وقد صنع عام 1887 وبدأ استخدامه في الممارسة الطبية عام 1932 دواءً استنشاقياً يباع من دون وصفة طبية لعلاج الربو والاحتقان الأنفي. وابتداءً من عام 1970 بدأ الحد من الانتشار الواسع للأمفيتامينات وأصبحت استطباباتها الحالية محصورة بالنوم الانتيابي وباضْطِراب نَقْصِ الانْتِباهِ مَعَ فَرْطِ النَّشَاط. والأمفيتامينات الرئيسية المستخدمة حالياً هي: ديكستروأمفيتامين، ميتأمفيتامين، متيل فينيدات، خليط ملحي من دكستروأمفيتامين وأمفيتامين. وبعيداً عن الاستخدامات الطبية قد تستخدم الأمفيتامينات لإحداث الشمق ولزيادة الأداء من قبل الطلاب الذين يدرسون للامتحان مثلاً وسائقي الشاحنات على خطوط سفر طويلة ورجال الأعمال والرياضيين في المباريات.

الوبائيات:

تُعد الأمفيتامينات أكثر العقاقير المحظورة استخداماً بعد القنبيات في الولايات المتحدة وبريطانيا وآسيا وأستراليا وعديد من دول غربي أوربا. وتستخدمها الشرائح الاجتماعية والاقتصادية كافة، وتزداد بين السكان البيض ذوي المهن التخصصية، ويقدر معدل وقوع الاعتماد وسوء الاستخدام مدى الحياة بـ 1.5%. وتصنع معظم الأمفيتامينات - على نحو محظور- للاستخدام بوصفها أدوية شارع يتم تناولها عن طريق الفم؛ أو استنشاقاً عن طريق الأنف؛ أو عن طريق الحقن الوريدي، وهناك شكل نقي للأمفيتامينات هو متيأمفيتامين (ويدعى الجليد ice) يستخدم استنشاقاً أو تدخيناً أو حقناً وريدياً، ويوصف بأن له تأثيرات قوية، ويرافق تعاطيه ارتكاب الجرائم على نحو شديد.

الفارماكولوجيا العصبية:

تبدي الأمفيتامينات التقليدية (أي دكسترو أمفيتامين، ميتأمفيتامين، ميتيل فنيدات) تأثيراتها الرئيسية عن طريق تحرير الكاتيكولامينات وبالتحديد الدوبامين من النهايات ما قبل المشبكية (دارة المكافأة الدوبامينية)، كما تؤدي الأمفيتامينات المصممة designer مثل   MDMAوMMDA  و MDEA  إلى تحرير الدوبامين والنورابينفرين والسيروتونين؛ وهي النواقل العصبية التي تتأثر على نحو رئيس بالمهلِّسات، لذا فإن التأثيرات السريرية للأمفيتامينات المصممة هي مزيج من تأثير الأمفيتامينات التقليدية وتأثيرات المهلِّسات.

التأثيرات السريرية والجانبية:

تمتاز جميع الأمفيتامينات بأنها سريعة الامتصاص فموياً وبأن مفعولها سريع، ويبدأ بمدة ساعة من تناولها فموياً، ومباشرة عندما تؤخذ بالحقن الوريدي، وتؤدي جرعات صغيرة منها في أشخاص لم يستخدموها سابقاً إلى زيادة الإحساس بالحالة الحسنة وحدوث شمق ومودة وتحسين الانتباه وزيادة الأداء في المهام المكتوبة واللفظية والأدائية، مع نقص التعب وحدوث قهم وارتفاع عتبة الألم. أما تعاطي الأمفيتامينات بجرعات عالية وفترات طويلة فإنه يؤدي إلى أعراض جسدية تشتمل على توسع الحدقة والحمى والتعرق والصداع والخفقان وتسرع القلب واضطراب نظم القلب (خوارج انقباض) وارتفاع الضغط الشرياني والغثيان والقياء والألم البطني والرجفان والرنح وصرير الأسنان، وتعد علامات سوء التغذية من مظاهر تعاطي الأمفيتامينات بسبب تثبيط مركز الشهية للطعام. وتتناسب تأثيرات الأمفيتامينات طرداً مع كمية المادة التي يتعاطاها الشخص؛ ففي الجرعات العالية يرتفع ضغط الدم ارتفاعاً شديداً ويحدث خناق الصدر ولانظميات قلبية وحوادث وعائية دماغية وأحياناً وهط قلبي دوراني وتكزّز؛ وفي الجرعات المفرطة تحدث أعراض عصبية كالنوب الصرعية والسبات وقد تحدث الوفاة.

أما التأثيرات النفسية والسلوكية لتعاطي الأمفيتامينات فتشمل فرط النشاط، والاكتئاب الجزئي، والأرق، والاستثارة، والهياج، وسرعة الانفعال، وتحدث بالجرعات العالية استجابات عدوانية وأفكار زورية وفقدان الثقة بالنفس وبالآخرين وهذيان وأعراض ذهانية.

الاضطرابات المرتبطة بالأمفيتامينات:

1-التحمل والاعتماد والامتناع: للأمفيتامينات خاصيّة التحمل؛ فالمتعاطي يزيد الجرعة باستمرار للحصول على التأثير المطلوب، وقد يحدث هذا التحمل بمدة بضعة أسابيع. وللأمفيتامينات قدرة سريعة على إحداث الاعتماد، ويعرف الاعتماد على الأدوية المنبهة من قصة نشاط فائق وحيوية عالية تتبدل إلى همود واكتئاب. وتحدث متلازمة الامتناع بشدات متفاوتة عند الانقطاع عن تعاطي الأمفيتامينات؛ وتتألف على نحو رئيس من انخفاض المزاج، ونقص الطاقة، وتعوق نفسي حركي أو هياج، وأرق أو فرط نوم وكوابيس ليلية، وزيادة الشهية للطعام، وقد يكون الاكتئاب شديداً في بعض الحالات - ولاسيما في الذين يتعاطونها بكثرة - فيرافقه قلق ورجفان وتعب وكوابيس مع توق شديد إلى المادة وسيطرة أفكار انتحارية.

2-الذهان المحدث بالأمفيتامين: تسبب الجرعات العالية والمطوّلة مظاهر ذهانية أهمها التوهمات الاضطهادية والأهلاسات السمعية والبصرية التي يرافقها أحياناً سلوك عدواني خطير، ويمكن تفريق الاضطراب الذهاني المحدث بالأمفيتامينات عن الفصام الزوري بعدة صفات تفريقية مرافقة للأول تشتمل على بروز الأهلاس البصرية وفرط النشاط وفرط الجنسانية sexuality ووجدان ملائم وتخليط. وأحياناً لا يمكن التمييز سريرياً بين الذهان المحدث بالأمفيتامين والفصام ولكن تراجع الأعراض في أيام قليلة أو اختبار عينة البول يعطي التشخيص الصحيح. والعلاج المختار للذهان المحدث بالأمفيتامين هو الاستخدام القصير الأمد لمضاد ذهان مثل هالوبيريدول.

المعالجة وإعادة التأهيل:

معالجة الاعتماد على الأمفيتامينات صعبة لأن التوق للعقار قد يكون شديداً، ويكون العلاج عادة في المستشفى لتدبير متلازمة الامتناع حيث تستخدم البنزوديازبينات، وقد يكون من الضروري معالجة اضطرابات محددة محدثة        بالأمفيتامينات مثل الاضطراب الذهاني واضطراب القلق بأدوية مثل مضادات الذهان ومضادات القلق فترة قصيرة. ويستعمل بوبروبيون bupropion بعد التوقف عن تعاطي الأمفيتامين للتغلب على حالة عسر المزاج التي تحدث بعد الانقطاع، كما تُستخدم المعالجات النفسية لمنع النكس.

سابعاً- الكافيين:

هو المادة الفعّالة نفسياً الأكثر استخداماً في العالم، ومع أن العديد من الدراسات وثّقت أمان الكافيين حين استخدامه بجرعات يومية نموذجية؛ لكن استخدامه بجرعات كبيرة قد يرافقها أعراض واضطرابات نفسية.

الوبائيات:

يوجد الكافيين في الأطعمة والمشروبات وأدوية الوصفات وأدوية تباع من دون وصفات، ويحتوي فنجان القهوة بشكل عام على 100-150 ملغ كافيين، ويحتوي الشاي على نحو ثلث هذا المقدار، ويحتوي العديد من الأدوية التي تباع من دون وصفة على ثلث إلى نصف مقدار الكافيين الموجود في فنجان القهوة، كما يحتوي الكاكاو والشوكولا والمشروبات الغازية على مقادير مختلفة من الكافيين. ويقدر ما يتناوله البالغ يومياً من الكافيين في الولايات المتحدة بنحو 200 ملغ؛ لكن 20-30% من الأمريكيين يتناولون أكثر من 500 ملغ كافيين يومياً، ويقدر معدل التناول اليومي للكافيين لجميع الأعمار بنحو 2.29 ملغ/كغ من وزن الجسم. ويختلف تناول الكافيين أيضاً بحسب العمر إذ يتناول الأشخاص بأعمار متوسطة مقادير أكبر من الكافيين، وليس هناك دليل يشير إلى أن استخدام الكافيين يختلف بين الرجال والنساء. ويلاحظ أن مدخني السجائر أكثر تناولاً للكافيين من غير المدخنين، كما تشير الدراسات إلى أن تناول الكافيين المنتظم قد يقوي تأثيرات النيكوتين، كما لوحظ تناول مقادير يومية عالية من الكافيين من قبل المرضى النفسيين؛ ولكن يميل المصابون باضطراب قلقي إلى تناول مقادير أقل منه، ولم تحدد الدراسات نمطاً لشخصية مرتبطة بتناول الكافيين ولكن قد يوجد تأهب وراثي لاستخدامه المتواصل.

الفارماكولوجيا العصبية:

الكافيين هو ميتيل كزانتين يمتص جيداً في السبيل المعدي المعوي ويصل إلى ذروة التركيز في الدم بفترة 30-60 دقيقة، ويبلغ عمره النصفي في جسم الإنسان 3-10 ساعات، ويستقلب في الكبد وتطرح مستقلباته مع البول. ويعمل الكافيين حاصراً لمستقبلات الأدينوزين مما يؤدي إلى زيادة تركيز الأدينوزين الدوري أحادي الفوسفات cAMP  داخل العصبونات الدوبامينية والأدرينالينية، وقد يتحرض نشاط الدوبامين.

التأثيرات السريرية:

تسبب الجرعات المنخفضة والخفيفة من الكافيين (20-200 ملغ/يوم ) في الإنسان تأثيرات تعرف بأنّها تأثيرات مرغوبة، وتشتمل على تأثير منشط للجهاز العصبي المركزي يظهر بصورة وضوح الفكر وصفائه وسرعة الاستجابة وقلة النعاس وزيادة التركيز والطاقة والدافع إلى العمل، وتأثير منشط للقلب وجهاز الدوران فتزداد سرعة القلب وقوة انقباضه ويحدث ارتفاع طفيف في ضغط الدم؛ ولها كذلك تأثير منشط في الجهاز البولي فيزداد إفراز البول وعدد مرات التبول. ويؤدي الكافيين إلى تقبض أوعية الدماغ تقبضاً شاملاً وما ينجم عنه من نقص في الجريان الدموي الدماغي، كما يؤدي إلى زيادة إفراز الحمض المعدي وزيادة الحركات الحويّة (التمعجية) في الأمعاء وزيادة سرعة الاستقلاب في الجسم.

يحدث الانسمام بالكافيين حين تناول جرعات كبيرة منه (أكثر من 250ملغ) وتشتمل الأعراض الشائعة على قلق ونزق وضجر وهياج نفسي حركي وغثيان وانزعاج هضمي وتعرق غزير ونفضات عضلية وتنميل في أصابع اليدين والقدمين. وقد يسبب تناول أكثر من (1غ) تلعثماً بالكلام وتشوشاً بالتفكير ومقاومةً للإجهاد وهياجاً ملحوظاً وطنين أذنين وأهلاسات بصرية خفيفة ولانظميات قلبية. أما تناول أكثر من (10غ) كافيين فقد يسبب نوباً اختلاجية مقوية رمعية وقصوراً تنفسياً وقد يؤدي إلى الوفاة. والكافيئينية caffeinism هي مجموعة الأعراض والعلامات التي تنجم عن الإفراط الحاد أو المزمن في تعاطي الكافيين (عادة أكثر من 500 ملغ/يوم)، ومن أهم مظاهرها النفسية القلق والأرق وتقلبات المزاج، أما أعراضها الجسدية فتشتمل على زيادة معدل ضربات القلب، وارتفاع الضغط الشرياني الانقباضي ارتفاعاً مؤقتاً، وزيادة إفراز الحمض المعدي مما يسبب آلاماً قرحية الشكل، وارتفاع السكر والشحوم في الدم.

الاعتماد والامتناع:

تشير الدراسات إلى أن الاعتماد على الكافيين قد يحدث مع الاستخدام المزمن ويكون عادة نفسيّاً أكثر منه جسديّاً، كما تشير عدة دراسات إلى أن حالة الامتناع عن الكافيين هي ظاهرة حقيقية ترتبط شدّة أعراضها بمقدار الكافيين المتناول وبفجائية التوقف. تبدأ أعراض الامتناع بعد 12-24 ساعة من آخر جرعة وتصل إلى ذروتها في 24-48 ساعة وتتلاشى بمدة أسبوع، والأعراض الأكثر شيوعاً هي الصداع والتعب، وتشتمل الأعراض الأخرى على: القلق، والنزق، وأعراض اكتئابية خفيفة، وضعف الأداء النفسي الحركي، والغثيان والقياء، وألم عضلي وتوق إلى الكافيين.

المعالجة:

الخطوة الأولى لتخفيف استخدام الكافيين أو إيقافه هي تحديد المريض مقدار الكافيين الذي يتناوله يومياً، ويجب عليه لذلك أن يعرف جميع مصادر الكافيين ويسجل المقادير المتناولة بدقة، ثم على الطبيب والمريض أن يقررا برنامجاً تدريجياً لتناول الكافيين يتضمن الإنقاص بمعدل 10% كل عدة أيام، ويجب أن يكون برنامج الإنقاص التدريجي فردياً لكل مريض على حده بحيث تنقص أعراض السحب إلى أدنى مستوى لها. يعالج الصداع والآلام العضلية التي قد ترافق الامتناع عن الكافيين بالأسبيرين، ونادراً ما يحتاج إلى البنزوديازبينات لتخفيف أعراض الامتناع، وإذا استخدمت فيجب أن تكون بجرعات صغيرة وفترة وجيزة 7-10 أيام على الأكثر.

ثامناً- المهلِّسات  :hallucinogens

هي مواد أو عقاقير طبيعية أو صناعية ليس لها استعمالات طبيّة ولها كمون إدماني عالٍ، تُحدث عند تناولها أهلاسات وتغيُّرات عقلية تشبه الأعراض التي تحدث في المرض العقلي ولذلك تدعى أحياناً مقلدات الذهان psychotomimetics. تشتمل المهلِّسات طبيعية المصدر على المسكالين mescaline (يستخلص من نبات صبيري في بلدان أمريكا الوسطى) والسيلوسايبين psilocybin  (يستخلص من نبات فطري ينمو في المكسيك) والدي ميتيل تريبتامين (DMT) dimethyltryptamine (يستخلص من نبات متوافر بكثرة في أمريكا الجنوبية)، إضافة إلى الهارمين harmine، والهارمالين harmaline، والإيبوغايين.ibogaine   أما المهلسات المحضّرة صناعيّاً فتشتمل على دي إثيل أميد حمض الليزرجيك (LSD) lysergic acid diethylamide، وفنسيكليدين .phencyclidine (PCP) و LSD هو أكثر المهلِّسات شهرة وعُرضة للبحث وسوء الاستخدام، وأشدّها قوة على الإطلاق، اكتشف بوصفه مهلساً عام 1938 وانتشر تعاطيه في الولايات المتحدة على نحو واسع ولكنّه انحسر في بداية السبعينات، أما PCP  فهو مسحوق أبيض يُعرف في الشارع باسم غبار الملائكة angel dust يستعمل فموياً أو بالتدخين أو بالحقن، وقد تمّ تطويره ليستعمل في التخدير ولكن استبُعد استخدامه بسبب تأثيراته السيئة كالهذيان والأهلاسات.

الوبائيات:

يرتبط تعاطي المهلسات مع إمراضية مرافقة أقل مقارنة ببقية المواد الفعالة نفسيّاً، وتشير الإحصاءات في الولايات المتحدة إلى أنّ نحو 10% من الأشخاص قد استخدموا المهلِّسات مرة واحدة على الأقل، أما معدل سوء الاستخدام مدى الحياة فهو 0.6%، وكان أعلى معدل للتعاطي بعمر 18-25 سنة؛ وعند الذكور أكثر من الإناث.

الفارماكولوجيا العصبيّة:

تختلف المهلِّسات في تأثيراتها الفارماكولوجية، وهي تؤثر في نظام السيروتونين، وما يزال تأثير LSD موضع جدل حتى الآن وما إذا كان ناهضاً أو مناهضاً، وترى الدراسات أنّه يعمل ناهضاً جزئياً لمستقبلات السيروتونين ما بعد المشبكية.

التأثيرات السريرية:

تستعمل المهلِّسات عن طريق الفم أو الاستنشاق أو التدخين أو الحقن الوريدي، وتبدأ تأثيرات LSD  بفترة ساعة وتصل ذروتها خلال 2-4 ساعات وتستمر 8-12 ساعة، وتشتمل التأثيرات الجسدية على تأثيرات مقلدة للودي (تسرع قلب، ارتفاع ضغط الدم، رجفان، فرط حرارة، تعرُّق، توسع حدقة). أما التأثيرات النفسيّة فتختلف بحسب مقدار الجرعة وشخصيّة المتعاطي وحالته المزاجية، وتشتمل على تشويهات في الإدراك الحسّي ولاسيما في حاسّتي السمع والبصر فتصبح أكثر صخباً ووضوحاً وقد يتداخل بعضها ببعض فيصبح الشخص قادراً على رؤية الصوت وسماع اللون، ويضطرب الإحساس بالزمان والمكان فيشعر الشخص أنّ الوقت يمر بطيئاً والأشياء تتحرك على نحو إيقاعي، وقد تحدث أهلاسات بصرية وأحياناً سمعية وحسية ويدرك الشخص أنّها طارئة وناجمة عن تعاطي المهلِّسات ولذلك تعد أهلاسات كاذبة. ويطلق على التجربة التي يمر بها المتعاطي اسم "الرحلة"، وقد تكون الرحلة إيجابية فيشعر الشخص بإثارات حسية صاخبة وفريدة تبعث النشوة في نفسه، وقد تكون سلبية فيعاني الشخص قلقاً وهلعاً واكتئاباً وشكوكاً زورية وسلوكاً عدوانياً وإيذاءً للذات أو للآخرين.

الاضطرابات المتعلقة بتعاطي المهلِّسات:

1-التحمل والاعتماد: يحدث تحمل المهلِّسات بسرعة بعد 3 أو 4 أيام من التعاطي المستمر، كما يزول بسرعة بعد الامتناع عن التعاطي. والتعاطي الطويل الأمد للمهلِّسات غير شائع لأنها لا تحدث الشمق الذي يعزز سلوك تكرار التعاطي، وعندما يحدث الاعتماد فإنه يكون اعتماداً نفسياً ولا توجد أعراض امتناع.

2-الانسمام: يتميز بظهور آثار سريرية جسدية ونفسية بعد التعاطي الحديث للمهلِّسات، ويجب التفريق بينه وبين الانسمام بمضادات الكولين والانسمام بالأمفيتامينات وأعراض الامتناع عن الكحول. والمعالجة المفضلة هي تطمين المريض بأن هذه الأعراض مؤقتة وستزول سريعاً. ويمكن أن يحدث في بعض الأحيان هذيان يدعى هذيان الانسمام بالمهلسات ولاسيما حين تعاطي مهلِّسات نقيّة أو مختلطة بمواد أُخرى، كما يمكن أن يؤدي تعاطي المهلِّسات إلى الموت في بعض الحالات بسبب قلبي أو بسبب وعائي دماغي ناجم عن ارتفاع الضغط أو فرط الحرارة، وقد يحدث أحياناً بسبب إيذاء النفس عندما تؤدي المهلِّسات إلى إضعاف المحاكمة؛ عندما يحاول المتعاطي الطيران مثلاً.

3-اضطراب الإدراك المستديم: تبين الدراسات أن نحو 15-80% من الذين يتعاطون المهلِّسات يعانون إرجاعات ذهنية flashbacks  لأعراض أهلاسية، وهي نوب عفوية عابرة من إعادة عيش عرض أو أكثر من الأعراض الإدراكية التي حدثت في أثناء تعاطي المهلِّسات (مثل حدوث أهلاسات لأشكال هندسية، أو إدراكات حركية زائفة في الحقول البصرية المحيطة، أو ومضات لونية، أو رؤية مصغرة، أو رؤية مكبرة أو غيرها)، وقد يحدث ذلك بعد أيام أو أسابيع أو أشهر من التوقف عن التعاطي، وتستمر النوبة من عدة ثوانٍ إلى عدة دقائق وتستمر أحياناً فترات أطول، وغالباً ما يكون الشخص مستبصراً بطبيعة هذه الأعراض على أنّها ناتجة من المهلِّسات، ويمكن أن يؤدي هذا الاضطراب أحياناً إلى مضاعفات مثل الاكتئاب والهلع والسلوك الانتحاري.

4-وإضافة إلى ما سبق قد يؤدي تعاطي المهلِّسات إلى اضطراب ذهاني (يتظاهر بتوهمات وأهلاسات؛ ولاسيّما في الأشخاص المصابين قبل التعاطي بشخصيّة فصامية أو قلق زائد أو اضطراب مزاج (أعراض هوسية مع توهمات عظمة أو أفكار ومشاعر اكتئابية أو مزيج من هذه الأعراض) أو اضطراب قلقي (مثل الهلع أو رهاب الميادين أو غيرها).

المعالجة:

يعالج الانسمام بالمهلِّسات بالدعم النفسي بتطمين المريض والتأكيد له أنّ الحالة التي يعانيها مؤقتة وناجمة عن المادة التي تعاطاها وسوف تزول سريعاً، وفي الحالات الشديدة يمكن استخدام البنزوديازيبينات (مثل ديازيبام) أو مضادات الذهان (مثل هالوبيريدول). وكذلك فإنّ علاج اضطراب الإدراك المستديم هو علاج ملطف ويشمل العلاج الدوائي بأحد البنزوديازيبينات الطويلة الأمد (مثل كلونازيبام) وبمضادّات الاختلاج (مثل كاربامازيبين). ولا يختلف علاج الاضطراب الذهاني المحدث بالمهلِّسات عن علاج الاضطرابات الذهانية الأُخرى التي تستخدم فيها الأدوية المضادة للذهان.

تاسعاً- النيكوتين:

 يشيع استخدام النيكوتين في كل أرجاء العالم، ولا يُعرف تماماً أين بدأ الإنسان يدخن التبغ ومتى، غير أنّ المعروف هو أنّ هذا الاستعمال انتقل من الهنود الحمر في أمريكا إلى أوربا عقب حملة كولومبوس لاكتشاف أمريكا في نهاية القرن الخامس عشر، ومن هذه البداية انتشرت عادة التدخين من أوربا إلى غيرها من القارّات والبلدان حتى أصبحت اليوم أهم العادات وأكثرها انتشاراً في العالم.

الوبائيات:

بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية ثمة مليار مدخن في العالم يدخنون 6000 مليار سيجارة كل سنة؛ مع زيادة واضحة في نسبة التدخين في البلدان النامية وتناقص في عدد المدخنين في بعض المجتمعات المتقدمة نتيجة الوعي الصحي. وللمستوى التعليمي علاقة وثيقة باستخدام التبغ؛ إذ تُقدر نسبة المدخنين بين البالغين الذين لم يتجاوزوا في تعليمهم المرحلة الثانوية نحو 37%، في حين تبلغ هذه النسبة 17% بين الذين أنهوا تعليمهم الجامعي. ويحاول 40% من المدخنين في الولايات المتحدة إيقاف التدخين كل عام، وينجح 5-10% منهم بالإقلاع عن التدخين بعد محاولة واحدة في حين ينجح 50% منهم بعد 5-10 محاولات. ولا تزال مشكلة التدخين من المشاكل الصحيّة الرئيسة في العصر الحديث؛ إذ يُقدَّر عدد الوفيات الناجمة عن تعاطي التبغ في العالم بثلاثة ملايين شخص سنوياً، أمّا أسباب الوفاة فمتنوعة أهمها أمراض القلب وسرطان الرئة والنُفاخ الرئوي .emphysema 

الفارماكولوجيا العصبية:

النيكوتين هو المركب الفعّال نفسيّاً في التبغ، وهو يؤثر في الجهاز العصبي المركزي بوصفه ناهضاً لمستقبلات الأسيتيل كولين النيكوتينية، ويصل إلى نحو 25% من النيكوتين المستنشق بالتدخين إلى الدم ثم إلى الدماغ في 15 ثانية، ويبلغ نصف عمر النيكوتين نحو ساعتين، ويعتقد أنّ النيكوتين يُنتج تأثيره المعزز الإيجابي لسلوك التدخين وخواصه الإدمانية بوساطة دارة المكافأة الدوبامينية، كما أنّه يزيد من تركيز الأدرينالين والنورأدرينالين، ويزيد إفراز الفازوبريسين وبيتا أندورفين والكورتيزول والهرمون الحاث لقشر الكظر .ACTH 

التأثيرات السريرية:

تؤدي التأثيرات المنبهة للنيكوتين إلى تحسُّن في الانتباه والتعلُّم والقدرة على حلّ المشاكل وزمن رد الفعل، كما أن تدخين السجائر يؤدي إلى إنقاص التوتر وارتفاع المزاج وخفض المشاعر الاكتئابية. وقد أظهرت الدراسات أن التعرض للنيكوتين فترة قصيرة يؤدي إلى زيادة الجريان الدموي الدماغي من دون تغيير في استقلاب الأكسجين الدماغي، أما التعرض للنيكوتين فترة طويلة فإنه ينقص من هذا الجريان.

التأثيرات الجانبية:

النيكوتين مركب شبه قلوي شديد السمّية؛ فجرعة 60 ملغ تؤدي في الكهول إلى الشلل التنفسي والموت (يتحرر 0.5 ملغ نيكوتين عند تدخين سيجارة واحدة)، وتشتمل أعراض الانسمام بالنيكوتين وعلاماته على: الغثيان، القياء، سيلان اللعاب، الشحوب، الألم البطني، الإسهال، الدوخة، الصداع، تسرع القلب، ارتفاع ضغط الدم، الرجفان، التعرق البارد، اضطراب الحسّ، التخليط، عدم القدرة على التركيز.

الاعتماد على النيكوتين:

يحدث الاعتماد على النيكوتين بسرعة بسبب تأثيراته في نظام الدوبامين في المنطقة السقيفية البطنية، ويتعزز هذا الاعتماد بوساطة العوامل الاجتماعية التي تشجع على التدخين في بعض الأوضاع؛ وبوساطة التأثيرات القوية لإعلانات شركات التبغ، وإضافة إلى ذلك اقترحت دراسات حديثة وجود أساس وراثي يقود نحو الاعتماد على النيكوتين.

الامتناع عن النيكوتين:

تظهر أعراض سحب النيكوتين بعد ساعتين من تدخين آخر سيجارة وتصل ذروتها خلال 24- 48 ساعة وقد تستمر أسابيع أو أشهر، وتشتمل الأعراض الشائعة على: التوق إلى النيكوتين، التوتّر، الهياج، صعوبة التركيز، النعاس اضطراب النوم، نقص معدل ضربات القلب وضغط الدم، زيادة الشهية للطعام وزيادة الوزن، نقص الأداء الحركي، زيادة التوتر العضلي.

المعالجة:

ترتبط التأثيرات الضارة الناجمة عن الاعتماد على النيكوتين فقط بالضرر الذي يسببه تدخين السجائر، لذلك فإن الهدف الرئيسي للعلاج هو قطع التدخين قطعاً تاماً، وإن معظم المدخنين يريدون التوقف عن التدخين ويحاولون ذلك عدة مرات، ويتوافر العديد من العلاجات الدوائية والنفسية الاجتماعية، وتتضمن العلاجات الرئيسية المرخّصة في المملكة المتحدة لقطع التدخين:

1-العلاج بتعويض النيكوتين  :nicotine replacement therapy جميع المستحضرات المتوافرة تجارياً فعالة، فقد أظهرت 32 تجربة معشّاة أن العلاج بتعويض النيكوتين ينقص بوضوح من شدة أعراض الامتناع عن النيكوتين ومن الدافع إلى التدخين، ويزيد من أرجحية الامتناع بنحو 1.5-2 مثلاً. وتطبّق هذه المعالجة مدة 8-12 أسبوعاً ويمكن الاستمرار بها بعد هذا الوقت من أجل منع النكس، وأهم المستحضرات المستخدمة الأقراص تحت اللسان، والعلكة واللصاقة والبخاخ الأنفي والمنشقة .inhaler 

2-بوبروبيون :bupropion هو مضاد اكتئاب لا نموذجي له تأثيرات دوبامينية ونورأدرينالينية، وقد أظهرت 19 تجربة معشّاة أن تأثيره يعادل ضعف تأثير الغفل في قطع التدخين، وينقص من شدة أعراض سحب النيكوتين والرغبة في التدخين. يبدأ العلاج قبل أسبوع إلى أسبوعين من وقت الانقطاع المخطط له بجرعة 150 ملغ/يوم مدة 6 أيام، ثم 150 ملغ مرتين/يوم فترة أقصاها 7-9 أسابيع.

3-ڤارينكلين  :varenicline هو ناهض جزئي لمستقبلات الأستيل كولين النيكوتينية تم ترخيصه مؤخراً من وكالة الأدوية الأوربية بوصفه دواء لقطع التدخين، وقد ثبت أنه يخفض أعراض سحب النيكوتين ويخفف الرغبة في التدخين، مثله في ذلك مثل تعويض النيكوتين وبوبروبيون، مما قد يساعد على منع النكس، ومضاد الاستطباب الوحيد له هو فرط الحساسية للدواء. يعطى بجرعة 0.5 ملغ/يوم في الثلاثة أيام الأولى، ثم بجرعة 0.5 ملغ مرتين باليوم من اليوم الرابع حتى اليوم السابع، ثم بجرعة 1 ملغ مرتين/يوم من اليوم الثامن حتى نهاية الأسبوع 12.

عاشراً- المذيبات الطيارة  :volatile solvents

المذيبات الطيارة أو النَشوقات inhalants هي مجموعة من المواد الطبيعية أو المصنعة التي لها خاصيّة إذابة بعض المواد الأخرى وإطلاق أبخرة نتيجة لذلك، ومن أهم المواد الغراء والمواد اللاصقة والتنر والبنزين والصمغ وغاز الاشتعال ومزيلات طلاء الأظفار ووقود القداحات وسوائل التنظيف ومنظفات الأحذية وغيرها من المستحضرات. أما المركبات الفعّالة في هذه المواد فإنها تتضمن التولوين toluene والأسيتون وbenzene trichloroethane  و  1-2-dichloropropane والهدروكاربونات المهدرجة.

تنبعث من جميع المذيبات الطيارة أبخرة يمكن استنشاقها عن طريق الأنف فتحدث تأثيرات آنيّة في الشخص الذي يستنشقها، وقد تحدث تأثيرات طويلة المدى ودائمة في الذين يتعرضون لاستنشاقها على المدى الطويل وبمقادير مفرطة.

الوبائيات:

يشيع تعاطي المذيبات الطيّارة عند الأطفال والمراهقين، ولاسيما الأطفال المتسربين من المدارس وأطفال الشوارع، فالمذيبات الطيّارة متوافرة بسهولة وعلى نحو قانوني وغير مكلفة، وتسهم هذه العوامل الثلاثة في زيادة تعاطي هذه المواد بين الأشخاص الفقراء وصغار السن، وتشير الإحصاءات في الولايات المتحدة إلى أن نحو 6% من الأشخاص قد استعملوا النَشوقات مرة واحدة على الأقل، ونحو 1% كانوا يستعملونها على نحو مستمر، وأن نحو 11% من البالغة أعمارهم 18-25 سنة قد استعملوا النَشوقات مرة واحدة على الأقل و2% كانوا يستعملونها على نحو مستمر، أما بالنسبة إلى الأعمار بين 12-17 سنة فنحو 7% استعملوا النَشوقات مرة واحدة على الأقل؛ و2% كانوا يستعملونها باستمرار، وكان أكثر من 80% من متعاطي النَشوقات من الذكور،  وقد تبين أن تعاطي النَشوقات أكثر شيوعاً بين المراهقين إذا كان لديهم أشقاء أو آباء يتعاطون مواد غير شرعية، أو كان لديهم اضطراب شخصيّة معادية للمجتمع أو اضطراب في التواصل مع الآخرين.

الفارماكولوجيا العصبية:

يتم تعاطي المذيبات الطيّارة بطريقة واحدة هي استنشاقها المباشر، ولكنّ المتعاطين يتفننون في أسلوب ذلك؛ فمنهم من يستنشقها مباشرة من العبوات، ومنهم من يبلل قطعة من القماش بهذه المواد ويستنشق أبخرتها عن قرب، ومنهم من يضع المواد في كيس من اللدائن ويضيّق فتحة الكيس ثم يقرّبه من الأنف ويستنشق محتواه بعمق، إضافة إلى أساليب أخرى. تمتص النَشوقات سريعاً عبر الرئة وتنتقل إلى الدماغ وتظهر تأثيراتها بمدة 5 دقائق وتستمر من 30 دقيقة إلى عدة ساعات بحسب طبيعة المادة المستنشقة وجرعتها، ويزداد تركيز كثير من المواد المستنشقة في الدم حين استعمالها بالتشارك مع الكحول بسبب المنافسة على الإنزيمات الكبدية. ويطرح نحو خُمس المواد المستنشقة من دون تغيير عن طريق الرئة بالزفير ويستقلب الباقي في الكبد، ويمكن كشف المواد المستنشقة في الدم بعد 4-10 ساعات من التعاطي، لذلك يجب سحب عيّنات دم في غرف الإسعاف حين الشك بتعاطي النَشوقات.

للنَشوقات تأثيرات دوائية حركية نوعية مشابهة لتأثيرات الكحول ولكنها لم تفهم على نحو كامل بعد، وتكون تأثيرات النَشوقات عادة مشابهة أو مضافة إلى تأثيرات مواد أخرى مثبطة للجهاز العصبي المركزي مثل الكحول والبنزوديازبينات، لذلك فقد افترضت الدراسات أنّ المواد المستنشقة تعمل بوساطة تنشيط نظام الغابا .GABA.

التأثيرات السريرية:

إنّ التأثير الغالب للنَشوقات هو تأثير مثبط  يشبه حالة الانسمام بالكحول؛ غير أنه أسرع لأنّ النَشوقات تدخل عن طريق الأنف والرئة، ولا تكون الجرعات الصغيرة الأولية مثبطة؛ بل تحدث الشمق والإثارة والإحساس بالسرور والثقة وتخفف النواهي أو تزيلها؛ وهي التأثيرات التي من أجلها يتعاطى الشخص النَشوقات، أما الجرعات العالية فتحدث أعراض الانسمام بالنَشوقات وهي أعراض عصبيّة تشتمل على كلام متثاقل، وعدم تناسق حركي، ومشية غير متّزنة، وضعف عضلي معمم، إضافة إلى أعراض نفسية تشتمل على الخوف، والانخداعات الحسيّة، والهلوسة البصرية والسمعية، واضطراب شكل الأشياء وحجمها أو تشوهها.

التأثيرات الجانبية:

يرافق تعاطي النَشوقات عادةً تأثيرات جانبية خطيرة وكامنة، فقد يحدث الموت نتيجة التثبيط التنفسي أو اللانظميات القلبية أو الاختناق أو بسبب الحوادث الناجمة عن القيادة في أثناء تعاطي النَشوقات. وتتضمن التأثيرات الناجمة عن الاستعمال المديد أذيّة كبدية وكلوية غير عكوسة، وأذيّة العضلات أذية دائمة، واستثارة، وتقلب المزاج، وضعف الذاكرة. ويرافق تعاطي المذيبات العضوية ارتفاع تراكيز النحاس والزنك والمعادن الثقيلة، ويرتبط ذلك بحدوث ضمور الدماغ وصرع الفص الصدغي ونقص معدل الذكاء وتغيرات في تخطيط الدماغ الكهربائي. وقد أجريت دراسات عديدة على الدهّانين والعمال المعرضين للمذيبات العضوية فترات طويلة فتبين أنهم معرضون للإصابة بضمور الدماغ وبنقص معدل جريان الدم الدماغي، كما أثبتت تقارير عديدة حدوث تأثيرات جانبية خطيرة في تطور الجنين حين تتعاطى الأم الحامل المذيبات الطيارة أو تتعرض لها. وتتضمن التأثيرات الجانبية الأخرى أعراضاً قلبية وعائية صدرية (مثل ألم الصدر، وتشنج القصبات) وأعراضاً هضميّة (مثل الألم الشرسوفي، والغثيان، والقياء، والتغوط الدموي) وأعراضاً وعلامات عصبيّة (مثل الصداع، والتهاب الأعصاب المحيطية، والأعراض المخيخية).

التحمل والاعتماد والامتناع:

تستمر معظم حالات تعاطي المذيبات الطيارة فترة قصيرة، وتتوقف تلقائياً قبيل بلوغ المتعاطي سن العشرين من العمر، ولكن يستمر تعاطي المذيبات الطيارة في بعض الحالات فترات طويلة مما يؤدي إلى حدوث حالة التحمل وإلى زيادة المقادير المستنشقة، ويكون الاعتماد على المذيبات الطيارة اعتماداً نفسياً، ولا يرافق التوقف عن التعاطي أعراض امتناع، ولكن تحدث في بعض الأحيان أعراض تشتمل على الغثيان والقياء والتعرق وتسرع القلب واضطراب النوم والهياج، وأحياناً توهمات وأهلاسات.

المعالجة:

مع الانتشار الواسع لتعاطي النَشوقات عالمياً فإن الدراسات لا تزال قليلة فيما يتعلق بطرق التدخل والتدبير، يشبه الانسمام بالنَشوقات - على نحو عام - الانسمام بالكحول، ولا يحتاج معالجة طبية إذ تتراجع أعراض الانسمام تلقائياً، ولا حاجة إلى الاستشفاء إلا حين حدوث مضاعفات مثل تشنج القصبات أو تشنج الحنجرة أو لانظميّات قلبية أو السبات. ويجب أن تركز العناية الأولية على الانتباه للعلامات الحيوية وعلى مراقبة مستوى الوعي وتأمين الدعم الحياتي اللازم، وحين حدوث هياج شديد يمكن السيطرة عليه بالهالوبيريدول، ويجب تجنب المهدئات والمنومات لأنّها قد تفاقم الأعراض.

قد ترافق الاضطرابات القلقية واضطرابات المزاج المحدثة بالنَشوقات أفكار انتحارية، لذلك يجب تقييم هؤلاء المرضى بحذر، ولا تفيد مضادات القلق ومضادات الاكتئاب في الطور الحاد ولكنها قد تفيد إذا استمر القلق أو الاكتئاب، وإضافة إلى ذلك يجب معالجة الاضطرابات النفسيّة المرافقة لتعاطي النَشوقات باستخدام مقاربات دوائية ونفسيّة واجتماعيّة.

 

 

 


التصنيف : الأمراض النفسية
النوع : الأمراض النفسية
المجلد: المجلد العاشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 114
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 609
الكل : 26997471
اليوم : 65220

قدري الأرناؤوط

المزيد »