التوتر السطحي
توتر سطحي
Surface tension -
التوتر السطحي
كنج الشوفي
ينشأ التوتر السطحي surface tension نتيجة اختلاف محصلة قوى التماسك بين الجزيئات الموجودة عند سطح السائل والجزيئات الموجودة في عمقه، فتظهر جزيئات السطح وكأنها غشاء متوتر مشدود ليحتوي الجزيئات الداخلية، ومنه جاءت التسمية. وهي ظاهرة فيزيائية سطحية يمكن ملاحظتها بكثرة في الطبيعة، ولاسيما في السوائل المتوازنة والساكنة؛ إذ يمكن أن تختلف بعض خصائصها الفيزيائية عن باقي جزيئات السائل. يفسِّر التوتر السطحي عدة ظواهر ومشاهدات يومية. على سبيل المثال: تجمُّع الندى في شكل كرات تقريباً على ورق الأشجار، أو سلوك الطبقة السطحيّة لأي سائل كغشاء مرن يمكّن من سير الحشرات على الماء؛ ويجعل الأشياء المعدنية الصغيرة كالإبر تطفو على سطح الماء وكذلك أجزاء ورق القصدير. ويفسر اختلاف قوى التماسك بين جزيئات السائل عن تماسكها مع جزيئات الوعاء الذي يحوي السائل؛ اختلاف سلوك بعض السوائل باختلاف مادة الوعاء الذي يحويها فيبللّها أو لا يبللّها. فالماء مثلاً يبلل سطح بعض المواد مثل الزجاج، في حين يتخذ شكل كرات ولا يبلل أسطح مواد أخرى مثل الشمع. وهو يفسِّر أيضاً ارتفاع الماء في الأنابيب الشعريّة الزجاجية، في حين ينخفض مستوى سطح الزئبق فى الأنبوبة الشعرية عن المستوى الذي تغمر فيه.
لفهم هذه الظاهرة لا بد من فهم طبيعة القوى التي تجعل مكونات السائل متماسكة بعضها مع بعض؛ وكذلك القوى بين جزيئات السائل وجدران الوعاء الصلب الذي يحوي السائل.
بحسب النظرية الجزيئية يحدث التوتر السطحي بسبب وجود قوة محصلة غير معدومة لقوى التجاذب بين جزيئات السائل. في معظم السوائل يخضع كل جزيء (A) داخل السائل وسطياً لتأثير قوى تجاذب متساوية من جميع الاتجاهات ناجمة عن جزيئات السائل المحيطة به، ولذا تكون القوى المؤثرة فيه متعاكسة مثنى مثنى؛ أي تكون محصّلة هذه القوى تساوي صفراً
، (الشكل 1). في حين تخضع الجزيئات (B)الواقعة عند سطح السائل لتأثير قوى تجاذب من جميع الجزيئات المحيطة عدا الجهة العليا بسبب عدم وجود جزيئات للسائل فوق تلك الطبقة. مما يسبب وجود قوة محصلة غير معدومة تكون جهتها نحو داخل السائل، هذه القوة تكون شدتها عظمى في حال كون الجزيئات الواقعة على سطح السائل تماماً، ومن ثمّ تجعل سطح السائل يميل إلى التقلص والانحناء نحو الأسفل محاولاً إنقاص مساحة سطح هذا السائل.
![]() |
|
الشكل (1) |
تنشأ القوة التي تعمل على إحداث توتر في السطح؛ أي قوة التوتر السطحي
، فتعمل بصورة مشابهة لقوة توتر غشاء مرن تعاكس تأثير قوة شاقولية عليه (الشكل 2).
![]() |
|
الشكل (2). |
تسمى قوى التجاذب التي تعمل بين جزيئات السائل نفسه عادة قوة التماسك، في حين تسمى قوى التجاذب التي تعمل بين جزيئات السائل وجدران الوعاء الموجود فيه السائل قوى التلاصق.
لذلك تنجز هذه القوة عملاً عند محاولة زيادة مساحة سطح السائل؛ ممّا يلزم رفع عدد من جزيئات السائل من داخله باتجاه السطح الخارجي له. والعمل المبذول على هذه الجزيئات معاكس لقوى التجاذب بين الجزيئات التي سببت انحناء سطح السائل نحو الأسفل. وبناء على ذلك فإن كل جزيء من جزيئات السطح يملك طاقة كامنة إضافية إضافة إلى تلك التي يملكها أي جزيء واقع داخل السائل. هذا الفرق في الطاقة الكامنة بين جزيئات السطح والجزيئات الواقعة داخل السائل يُسمى بالطاقة الكامنة السطحية.
ومن ثمّ يمكن تعريف التوتر السطحي بأنه العمل اللازم بذله أو الطاقة اللازمة لزيادة سطح سائل بمقدار واحدة المساحة من سطح هذا السائل مع بقاء درجة حرارة السائل ثابتة، ويمكن التعبير عنه رياضياً بالعلاقة (1):
حيث يمثل
معامل التوتر السطحي،
العمل المقدم،
مساحة سطح السائل.
كما يمكن تعريف معامل التوتر السطحي بأنه القوة العمودية المؤثرة بواحدة الطول من سطح السائل. يمكن البرهان على أن التعريفين متطابقان نظراً لأن أبعاد المقدارين متكافئان تماماً؛ أي إن أبعاد الطاقة بواحدة المساحة تكافئ أبعاد القوة بواحدة الطول، وهي نيوتن/متر؛ والتي تمثل واحدة قياس معامل التوتر السطحي.
استناداً إلى ذلك فإن معامل التوتر السطحي يعرف بالعلاقة (2):
حيث يمثل F القوة المؤثرة، و L الطول.
في الواقع يعود سبب هذا التعريف إلى إحدى طرائق قياس المعامل الذي يوضحها الشكل (3). تغمر الأداة الموضحة في الشكل بالسائل المراد قياس توتره ثم ترفع فيتشكل غشاء من السائل ذي السطحين، ويقاس توتره السطحي بقياس القوة F التي تجعل السلك القابل للتدحرج على سكتين متوازناً؛ ليعاكس جر السائل للسلك نحو اليسار مع ملاحظة أن للسائل سطحين في هذه الحالة، وعلى ذلك تكون المعادلة (3):
وبهذه الطريقة يبرهن على تكافؤ التعريفين، وذلك بحساب الطاقة المصروفة لزيادة السطح على أنها حاصل ضرب قوة في انتقال.
![]() |
|
الشكل (3) طريقة لقياس معامل التوتر السطحي. |
ومن أبرز ظواهر التوتر السطحي في السوائل ما يعرف بالخاصة الشعرية في الأنابيب الشعرية، حيث يلاحظ عند غمس أنبوب شعري من أحد طرفيه في سائل متوازن موجود في وعاء واسع ارتفاع السائل في الأنبوبة. على سبيل المثال يرتفع الماء في الأنبوب الشعري فوق سطح السائل الموضوع في الوعاء الأصلي المحتوي على السائل، في حين يمكن أن تنخفض سوية الزئبق عن السوية الأصلية في الأنبوب الشعري في حالة الزئبق (الشكل 4). كما يلاحظ أيضاً أن شكل سوية سطح السائل في الأنبوب الشعري يختلف باختلاف نوع السائل. تؤدي ظاهرة التوتر السطحي وخاصية الأنابيب الشعرية دوراً أساسياً في عملية صعود الماء والغذاء في جذور النباتات.
![]() |
|
الشكل (4). |
يفسر حدوث ذلك بأنه عند غمر الأنبوب في الماء تنشأ قوة بين جزيئات السائل وجزيئات الزجاج تسمى قوة التلاصق adhesion بين الماء والزجاج، وهذه القوة أكبر من قوة التماسك cohesion بين جزيئات الماء نفسه، ممّا يسبب ارتفاع الماء داخل الأنبوب ملاصقاً لجدرانه فيقال عن ثنائية السائل ومادة الأنبوب بأنها مبللة wetted وإلا فالثنائية غير مبللة non wetted. ويستمر هذا الارتفاع حتى تتعادل قوة التلاصق مع وزن السائل المرتفع في الأنبوب فيثبت السائل عند هذا الارتفاع، ويكون سطح السائل في الأنبوب مقعراً؛ والسائل مبللاً لمادة الأنبوب. أما في حالة الزئبق فيحدث العكس؛ إذ تكون قوة التماسك بين الجزيئات أكبر من قوة التلاصق بين الزئبق والجدران فيحدث انخفاض للسائل داخل الأنبوب ويكون شكل سطح السائل في الأنبوب محدباً. يعتمد مقدار الارتفاع أو الانخفاض في الأنبوب الشعري بصفة أساسية على نوع السائل؛ وكذلك على طول نصف قطر الأنبوب وعلى نوع المادة التي صنع منها الأنبوب. ومن ثمّ يمكن الاستفادة من الخاصة الشعرية في تحديد قيمة معامل التوتر السطحي لأي سائل. والعلاقة التي تمكن من حساب قيمة معامل التوتر السطحي هي العلاقة (4):
![]() |
حيث: h ارتفاع السائل في الأنبوب الشعري،
كثافة السائل المعني،
نصف قطر الأنبوب الشعري،
زاوية الالتصاق بين السائل ومادة الوعاء، وهي الزاوية بين سطح الجسم الصلب والمماس لقطرة السائل (الشكل 5). وفي حال كان السائل المستخدم هو الماء المقطر أو الكحول تكون قيمة الزاوية معدومة؛ أي
ومن ثم يحدث ما يعرف بالتبلل الكامل للجسم الصلب بالسائل.
![]() |
|
الشكل (5). |
ومن ثمّ فإن قيمة معامل التوتر السطحي للسائل تتعلق بقيمة زاوية الالتصاق بين السائل والجسم الصلب المتماس معه، لذا فإن بعض السوائل عندما توضع على سطح صلب تسبب له عملية البلل - مثل الماء والزجاج - والتي تعرف أحياناً بظاهرة البلل، في حين أن بعض السوائل لا تسبب البلل للسطوح الصلبة مثل الزئبق والزجاج. ويعود السبب في ذلك إلى اختلاف قيم قوى التلاصق والتماسك التي سبق الإشارة إليها آنفاً.
من المعلوم أن إضافة بعض المركبات إلى الماء المقطر يسبب خفض قيمة التوتر السطحي للماء، وهذا يجعله مستخدماً على نحو واسع في عمليات التنظيف؛ إذ إن إضافة مساحيق مواد التنظيف إلى الماء يخفض من قيمة التوتر السطحي له وذلك بسبب حدوث ضعف في الروابط الهيدروجينية بين جزيئات الماء، ومن ثم إنقاص قوة الالتصاق بين الماء والمواد الدهنية الملتصقة بالمواد الصلبة المراد تنظيفها؛ مما يجعل الماء محيطاً إحاطة تامة بهذه الجزيئات الدهنية واقتلاعها تماماً.
تقدم ظاهرة التوتر السطحي تفسيراً لكثير من الظواهر الشائعة في الحياة والتي يظهر فيها سطح السائل كأنه غشاء مرن مشدود، فعلى سبيل المثال بعض الحشرات الخفيفة يمكنها الوقوف والسير فوق سطح الماء من دون أن تبتل؛ لأن سطح الماء يعمل كغشاء رقيق مرن يحاول أن يمنع أي جسم من اختراقه.
|
مراجع للاستزادة: - R.S. Burden, Surface Tension and The Spreading of Liquids, Cambridge University Press, 2014. - P. K. Kundu, Fluid Mechanics, Academic Press 2024. - J. E. McBee, Surface Tension,Cloyne Press 2025.
|
- التصنيف : الكيمياء والفيزياء - النوع : الكيمياء والفيزياء - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :





