logo

logo

التقانات الحيوية | الاستنساخ

استنساخ

Cloning - Clonage

 الاستنساخ

الاستنساخ

استنساخ الحيوانات

تطبيقات الاستنساخ

 

 

الاستنساخ cloning - ويعرف أيضاً بالتنسيل- هو توليد نسخة جينية genetic replica مطابقة للكائن الحي، تحمل الصفات الوراثية نفسها للكائن الذي أخذت منه. يضم مفهوم الاستنساخ طيفاً واسعاً من العمليات الحيوية التي تشترك بالنسخ الدقيق والأمين للمادة الجينية، سواء كان مصدر تلك المادة قطعة من الدنا DNA تحمل جيناً محدداً أم خلية حية أم نسيجاً أم كائناً حياً كاملاً، ويؤدي هذا الأخير إلى توليد كائن جديد مطابق في كلٍ من التكوين الوراثي genetic composition والنمط الظاهري phenotype. وهكذا يمكن عدّ الانقسام الخيطي mitosis - الذي يحدث طبيعياً لدى خلايا نسيج في طور النمو أو التعويض الخلوي - أحد أشكال الاستنساخ كونه يؤدي إلى إنتاج خلايا تطابق الخلية الأم بشكل تام في مادتها الوراثية، حيث ينجم عن انقسام اللاقحة zygote ما يقرب من 200 مليار خلية تشكّل جسم الإنسان البالغ جميعها متطابقة من حيث المعلومات الوراثية. مع ذلك يحدث التمايز differentiation لاحقاً نتيجة تباين التعبير الجيني لتلك الجينات بحيث تختلف وظائف الخلايا وأنماطها الظاهرية تبعاً لحاجة النسيج الذي تقطن فيه. ويمكن تعريف النسيلة clone بأنها الوحدة التي يمكن استنساخها لتعطي خلايا أو كائنات جديدة مطابقة لها. وعلى سبيل المثال؛ يتوزع في جسم الإنسان نحو مليار نوع من نسائل الخلايا البائيّة B Cells المناعية، يفرز كل منها نوعاً مختلفاً من الأضداد antibodies. وعند تحريض أيٍّ من تلك النسائل بالمستضد antigens النوعي لها، تشرع تلك النسيلة دون غيرها بالانقسام لتعطي مئات الآلاف من النسخ جميعها مطابقة لتلك النسيلة. أما بالنسبة إلى الكائن الحي؛ فتُعدُّ التوائم الصنوية (المتطابقة)identical twins مثالاً دقيقاً عن الاستنساخ الطبيعي، مؤدياً إلى التطابق الكلي في المادة الجينية بين كل من التوءمين، ويمكن عدّ كل منهما نسخة عن الآخر. وقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة ثورة تقانية في تطبيق الاستنساخ التجريبيexperimental cloning الذي توسّع مفهومه ليشمل استنساخ الدنا والخلايا إلى أن وصل إلى استنساخ الحيوانات منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي.

استنساخ الحيوانات

بدأ الاستنساخ التجريبي للحيوانات محاولة لفهم آليات تطور الأجنّة، حيث تخضع البيضة المخصبة التي تنتج الجنين إلى برمجة دقيقة تمكّنها من الانقسام بشكل منتظم إلى خلايا عديدة، تخضع بدورها إلى إعادة برمجة reprogramming بحيث تتمايز لتعطي مختلف أنماط خلايا جسم الحيوان.

تعود بداية محاولات الاستنساخ التجريبي إلى العالم الألماني هانز سبيمان Hans Spemann في بدايات القرن العشرين، وذلك حينما أظهر بوسائله البسيطة أن نقل نواة إحدى خلايا القسيم الأرومي الجنيني blastomere لجنين الضفادع من خلية منوّاة إلى خلية أخرى غير منوّاة قد أدّى إلى تنامي الخلية التي اكتسبت النواة لتعطي شرغوفاً سليماً. وبعد ذلك كثرت المحاولات لتطبيق المبدأ ذاته على الحيوانات الثديية بهدف استنساخ الحيوانات ذات الأنماط المورثية genotypes الأمثل، الأمر الذي سينعكس بالضرورة على انتخاب أفضل سلالات تلك الحيوانات وتحسين أنواعها. إلا أن تلك المحاولات باءت بالإخفاق، غالباً بسبب اختلاف تطور جنين الضفادع - الذي يتغذّى تلقائياً في الوسط المائي- عن تنامي أجنة الثدييات التي تتطلب تغذية مستمرة تأتيها من المشيمة والحبل السري داخل الرحم. استمرت تلك المحاولات إلى أن أثبت العالم البريطاني إيان ويلموت Ian Wilmut عام 1996م إمكان عمل ذلك؛ بأن أنتج أول حيوان ثديي بطريقة نقل النواة الجسمية somatic nuclear transfer، وليس عن طريق التكاثر الجنسي sexual reproduction الطبيعي. كان ذلك الحيوان هو النعجة دوللي Dolly التي أظهرت تطابقاً تاماً مع النعجة الأم، إن من حيث الشكل أو التكوين الوراثي(الشكل1)، فقد قام بزرع خلايا ظهارية من الغدد الثديية للنعجة «الأم» من عرق أغنام تسمّى بـ Poll Dorsets (بيضاء لون الوجه) في المختبر، ومن ثم اختيرت إحدى تلك الخلايا وسحبت منها النواة. في الوقت نفسه؛ أخذت بيضة مخصّبة نتجت من تكاثر جنسي طبيعي لأغنام من عرق Scottish Blackface (سوداء لون الوجه) وسحبت منها النواة أيضاً لتتحوّل إلى خلية غير منوّاة enucleated cell، ثم حقنت داخلها نواة الخلية الثديية لعرق Poll Dorsets بحيث تم دمج النواة وسيتوبلازما الخلية غير المنوّاة بوجود شرارة كهربائية. ونتيجة لذلك؛ تكوّنت بيضة مُخصّبة تحوي نواةً وسيتوبلازما تتبعان عرقين مختلفين من الأغنام، وتبع ذلك انقسام الخلايا الجذعية الجنينية لتشكّل الجنين embryo. طوّر ويلموت ومعاونوه 277 جنيناً بطريقة نقل النواة هذه، وتم زرعها في أرحام أمهات بديلة surrogate mothers لإناث أغنام Blackface، ثم نقلت 29 من الكيسات الأُريميةblastocysts التي تطورت من أصل العدد الكلي إلى أرحام بديلة لإناث Blackface أخرى، وحصل الحمل عند واحدة من تلك الإناث لتلد النعجة دوللي ذات الوجه الأبيض.

الشكل (1): الاستنساخ التكاثري: توليد كائن حي بدءاً من خلايا جسمية في الطورG0

أمكن نجاح عملية استنساخ النعجة دوللي التي أظهر وجهها الأبيض أن خلاياها تمتلك التكوين الوراثي للخلايا التي انتزعت منها النواة وليس لخلايا البويضة المخصبة منزوعة النواة. وقد كانت ملاحظة أحد مساعدي ويلموت - أن خلايا الثدي التي استخدمت نواتها كانت في معظمها في الطور G0، أحد أطوار الدورة الخلوية- عاملاً أساسياً في نجاح الاستنساخ. وتفسير ذلك؛ أن الخلايا في هذا الطور تتميز بصفتين اثنتين؛ أولاهما: أن الخلية تمتلك صيغة صبغية ضعفانية diploid، وثانيهما: أن المادة الصبغيةchromatin لخلايا هذا الطور تكون عرضة لإعادة البرمجة ما يمكِّن الخلية من بدء انقسامها ومتابعتها لمسار التطور الصحيح، في حين تكون نوى الخلايا في أثناء الأطوار الأخرى للدورة الخلوية (G1، S، G2، M) غير مناسبة لإعادة برمجة تلك الخلية عند نقلها إلى خلايا غير منوّاة. ولدى إدراك ذلك؛ قام فريق ويلموت باستبعاد عوامل نمو خاصة خلال زرع الخلايا الظهارية الثديية، مما أدّى إلى أنّ معظم تلك الخلايا استقرّت في الطور G0، وأعطى فرصة لنجاح الاستنساخ، حيث نجح في النهاية لدى واحدٍ فقط من أصل 277 جنيناً تم تشكيله كما ذكر سابقاً.

عاشت دوللي بشكل طبيعي حتى السادسة من العمر. مع ذلك؛ فقد تطور لديها عام 2001م التهاب مفاصلarthritis إلى أن أعلن نفوقها في شباط/فبراير 2003 م. وتابع عدد كبير من الباحثين تطوير دوللي، وأبدى بعضهم مخاوفهم بمجرد ولادتها بسبب امتلاك خلاياها لتيلوميرات telomeres أقصر بـ 02% من الطول الطبيعي، مما قد ينعكس ربما على طول عمر الكائن الحي. في الواقع تشير العديد من الأبحاث إلى ارتباط طول عمر الكائن الحي بطول تيلوميرات الصبغيات في نوى خلاياه، كما ثبت أن أطوال التيلوميرات تقصر عادةً مع كل انقسام خلوي. وبينما أخذت خلايا الثدي من النعجة «الأم» التي كانت حينها أساساً بعمر السادسة - أي إن خلايا الثدي تلك لم تكن فتية - فقد خضعت تلك الخلايا إلى مزيد من الانقسام خلال عملية الزرع في المختبر قبل انتزاع النواة، وربما تسبب ذلك في زيادة قِصَر التيلوميرات. مع ذلك؛ فمن غير المعروف إذا كان سبب الموت المبكّر لدوللي هو قصر تيلوميرات صبغياتها أم بسبب كونها نسيلة نتجت عن نقل النواة الجسمية. إلاّ أن مصير حيوانات أخرى استُنسِخت لاحقاً بعد دوللي قد يشير إلى خلل ما غير معروف حتى الآن في برمجة خلايا الحيوانات المستنسخة يؤدي إلى اضطرابات صحيّة. وقد عانت عدة حيوانات من بينها أبقار استنسخت بعد عام 2000 م أعوازاً مناعيةً شديدةً، كما أشارت تقارير أخرى إلى أن معدّل بقيا survival الأجنة المستنسخة في الرحم هو فقط 10 % من الطبيعي، في حين لا يزال المعدل الكلي لنجاح الاستنساخ هو 1- 3 % فقط!

تطبيقات الاستنساخ

يشمل مفهوم الاستنساخ إضافةً إلى الكائن الحي استنساخ الجينات والخلايا. وهكذا فقد اتسع طيف تقنيات الاستنساخ ليشمل تطبيقات عديدة من بينها:

1- انتخاب أفضل السلالات الحيوانية والنباتية بالاستنساخ التكاثري reproductive cloning، الذي يُعدّ من أهم تطبيقات الاستنساخ، ولاسيما لدى مربي الحيوانات، ممن لديهم رغبة شديدة في تحسين العروق والسلالات الحيوانية ذاتها، كحالة مربي الخيول مثلاً، أو تحسين القدرة الإنتاجية لبعض عروق المواشي، كإنتاجية مشتقات الحليب وكميات اللحوم وأنواعها.. إلخ. ترتبط هذه الصفات جميعها بالتكوين الوراثي الذي يمكن التحكّم به عن طريق انتخاب أفضل تلك السلالات واستنساخها عبر نقل نواها الجسمية للحصول على نسائل متطابقة تمتلك أفضل الصفات المرغوبة. ومن المنطقي أن يسري الأمر ذاته على مربي النبات مثل الحصول على أجمل نباتات الزينة، وأكثر سلالات المحاصيل إنتاجاً أو تأقلماً مع بيئات معينة، وأفضل الخضار والفواكه شكلاً وطعماً.. إلخ.

إضافةً إلى ذلك؛ يمكن بوساطة تقنيات الاستنساخ الحفاظ على الحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض نتيجة قلة عددها وانخفاض معدل الخصوبة لديها، مما لا يمكّن تلك الأنواع من الاستمرارية بوساطة تكاثرها الجنسي الطبيعي. أمّا بالنسبة إلى استنساخ الإنسان human cloning نفسه؛ فقد وُضعت ضوابط أخلاقية بالغة الصرامة لمنع أي محاولات لتحقيق ذلك، إضافةً إلى التحدّيات العلمية والعملية الهائلة التي سيواجهها أي فريق عمل يشرع بهذا الاتجاه.

2- فهم أوسع لآليات انقسام الخلايا وتمايزها:

تمثّل الحيوانات المستنسخة نماذج فريدةً قد تمكّن المختصين من فهم آليات التطور وبرمجة الخلايا مما يؤدي إلى انقسامها أو تمايزها، ويتبع ذلك القدرة على التحكّم في الانقسام العشوائي للخلايا السرطانية، أو في توجيه الخلايا غير المتمايزة - كالخلايا الجذعية الجنينية والبالغة- إلى التمايز باتجاه أحد الأنماط الخلوية في جسم الإنسان، وأخيراً إعادة برمجة بعض الخلايا المتمايزة إلى خلايا شبيهة بالخلايا الجذعية ومن ثم تحريضها على التمايز لتعويض نسيج تالف نتيجة أذية ما لدى الإنسان. ويمثّل هذا الأخير حقلاً جديداً من العلوم المبتكرة يدعى بحقل الخلايا الجذعية عديدة القدرة المحرَّضة induced pluripotent stem cells (iPSCs).

3- الاستنساخ العلاجي

يشبه الاستنساخ العلاجي therapeutic cloning مثيله التكاثري من حيث التقنية المستخدمة ونقل النواة الجسدية، إلاّ أنهما يختلفان من حيث الهدف، فبينما يهدف الاستنساخ التكاثري إلى توليد كائن حي جديد ملائم للمواصفات المطلوبة؛ فإن منتج الاستنساخ العلاجي يكون غالباً على شكل خلايا ناضجة، أو نسج متعددة الأنماط تسمح بتزويد المريض بخلايا، أو نسج يمكنها تعويض النسيج التالف لديه، مثلما يحصل لدى مرضى الداء السكري من النمط الأول type I diabetes mellitus، ومرضى أذيات النخاع الشوكي نتيجة الحوادث، ومرضى داء باركنسونParkinson disease . ويمكن إجراء هذا النوع من الاستنساخ بإزالة النواة من بويضة مُخصبة وإيلاجها في خلية جسمية غير منوَّاة، يجري بعدها زرع الجنين في المختبر in vitro ، ومن ثم تحريض تمايز الخلايا الجذعية الجنينية تجاه أحد الأنماط النسيجية المرغوبة، مثل الخلايا العصبية أو خلايا عضلة القلب أو خلايا الدم (الشكل 2 ).

الشكل (2): الاستنساخ العلاجي: توليد خلايا ونسج حية بدءاً من خلايا جسمية في الطور G0

إن الاستفادة المباشرة من الاستنساخ العلاجي عن طريق نقل النواة الجسدية بهدف زرع النسج هي تجنب رد الفعل المناعي للجسم المضيف الذي غالباً ما يرافق أيّاً من عمليات زرع الأعضاء من متبرعين. إضافة إلى ذلك؛ فإن المعالجات الحالية لتلف بعض النسج - كالعضلة القلبية- لا تتمكّن من ترميم الخلايا التالفة نتيجة الاحتشاء infarction، في حين يمكن عن طريق هذا النوع من الاستنساخ العلاجي توليد خلايا قلب جديدة ذات قدرة وظيفية طبيعية لتعويض الخلايا التالفة. وتجرى حالياً العديد من الدراسات لتوليد خلايا بيتا معثكلية pancreatic beta cells لمعالجة الداء السكري، وخلايا عصبية ترمم أذيات انقطاع الحبل الشوكي.

ويمكن الاستفادة من الاستنساخ في تشخيص ومعالجة بعض أنماط السرطانات. يمكن تحقيق ذلك من خلال استنساخ خلايا سرطانية من النسيج الورمي لدى المريض نفسه، وذلك لتشخيص الخلل الحاصل في تلك الخلايا المؤدي إلى تحولها لخلايا ورمية، أو لدراسة مدى استجابة تلك الخلايا السرطانية خارج العضوية ex vivo لبروتوكولات وتوليفات دوائية محددة، وانتخاب أفضل تلك التوليفات في القضاء على الورم.

وأخيراً يبقى من بين الأهداف الأخرى للاستنساخ العلاجي فهم آليات التحكّم بالتعبير الجيني في الخلايا البشرية، والذي ينعكس بالضرورة على تحسين سبل التداخل الدوائي في علاج العديد من الأمراض، وخصوصاً أنّ الاستنساخ يُسهم في توفيرٍ غير مسبوق لنماذج مخبرية ونسج حية بشرية لم يكن الحصول عليها ممكناً طوال العقود الماضية التي اقتصر فيها البحث على النماذج الحيوانية المقاربة، ولكن ليس المطابقة للنموذج البشري.

4- إنتاج الكائنات المحوّرة وراثياً genetically modified organisms (GMOs):

أحدثت قابلية استنساخ جزيئات الدنا DNA cloning ثورة في علوم الأحياء، فقد مكّنت تقنيات استنساخ الدنا من تحديد تتالي الأسس النكليوتيدية، وهو ما مهّد لاحقاً لسَلسَلة المجين البشري human genome sequencing، ومن التعبير الجيني لآلاف من الجينات خارج بيئتها الطبيعية، سواء كان ذلك في المختبرin vitro أم في العضوية الحية in vivo. وإن من أهم تطبيقات هذا النوع من الاستنساخ إنتاج البروتينات الصناعية والدوائية بكميات تجارية تمكّنها من تلبية حاجة السوق المتزايدة لها.

يمكن أن يتم التعبير عن بروتين مرمَّز بأحد الجينات البشرية أو النباتية داخل خلايا طلائعيات النوى prokaryotes، وخاصةً في غياب الحاجة للتعديلات اللاحقة لترجمة البروتين post-translational modifications على سبيل المثال: تؤدي إحدى التقنيات المستخدمة إلى تحرير (قصُّ) الجين المرغوب من مكانه في موضع الصبغي chromosome locus، ويتم ذلك عبر استخدام واحد أو أكثر من إنزيمات التقييد restriction enzymes (الشكل 3 أ) التي تستخدم في قطع بلازميد بكتري bacterial plasmid - وهو جزيء دنا حلقي circular DNA - وتهيئته لتلقي الجين المرغوب المحرر. يُستخدم لاحقاً إنزيم الليغاز ligase، الذي يربط الجين المحرر مع البلازميد المقطوع ليشكّل ما يسمّى بالبلازميد المأشوب recombinant plasmid؛ وهو بلازميد يحتوي على جزيء دنا (جين) غريب. يُولج البلازميد المأشوب ضمن الخلية البكترية بتقنية تسمّى التحوّل transformation، وعندها يتم التعبير عن الرنا المرسالmRNA للجين المرغوب ومن ثم ترجمته ليعطي البروتين المطلوب. يتم في المخبر انتقاء أفضل نسائل الخلايا البكترية إنتاجاً للبروتين، وتمثّل عادةً تلك التي تلقّت العدد الأكبر من البلازميدات المأشوبة، وعندها يتم الحصول على نسيلة بكترية محوّرة وراثياً GMومنتجة لبروتين حيواني أو نباتي. تُستخدم التقنية نفسها اليوم لإنتاج بروتين الإنسولين الذي يعدّ الدواء الأهم في معالجة مرضى الداء السكري، ولاسيما المعتمد على الإنسولين insulin- dependent diabetes mellitus (IDDM).

تختلف منظومات التعبير الجيني في المختبر in vitro gene expression systems باختلاف قدرة هذه المنظومات على تلبية الهدف المرجو منها. فمثلاً؛ وفي حال كانت التعديلات اللاحقة للترجمة ضرورية لوظيفة البروتين المعبّر عنه، الأمر الذي لا تتمكّن الخلايا البكترية من القيام به، عندئذٍ يجب البحث عن منظومات أخرى للتعبير تؤدي إلى إنتاج بروتين فعّال. يمتد طيف هذه المنظومات ليشمل كثيراً من أنواع الخطوط الخلوية لحقيقيات النواة eukaryotic cell lines مثل؛ خلايا الخميرة yeast، خلايا الحشرات، خلايا الثدييات. ويتم اختيار النسائل الأفضل في إنتاج البروتينات من بين الخلايا المتلقية للدنا المأشوب.

مكّنت تقنيات الاستنساخ أيضاً من انتاج بعض البروتينات داخل العضوية الحية عن طريق توليد حيوانات أو نباتات محوّرة وراثياً وعابرة للجينات transgenic، تتلقى الدنا المأشوب باستخدام تقنيات متعددة وتشرع في التعبير عن جينه في أحد نسجه، ثم يتم جمع البروتين المأشوب وتنقيته على نحوٍ يسمح باستخدامه الصناعي أو الدوائي. وقد أطلق على إنتاج الأدوية عبر هذا المنحى اسم الصيدلة الجينية gene pharmacology. فعلى سبيل المثال؛ يمكن إنتاج هرمون النمو البشري وجمعه في حليب الماعز عبر توليد أنثى ماعز عابرة لجين هرمون النمو البشري، ومن ثم استنساخها بنقل بعض من نواها الجسمية إلى بيوض منزوعة النوى (الشكل 3 ب). تبدأ عملية الانتاج بتحرير جين هرمون النمو من الدنا البشري، ويُحقن الدنا الحاوي على الجين مجهرياً في نواة إحدى الخلايا المخصّبة الأنثوية للماعز. يُنقل الجنين المتشكل - الذي أصبح الآن محوّراً وراثيّاً- إلى رحم بديل ليكمل تطويره باتجاه أنثى ماعز بالغة ومحوّرة وراثياً. تُفرز أنثى الماعز المحوّرة وراثياً هرمون النمو في حليبها؛ حيث يتم جمع البروتين وتنقيته تهيئةً لاستخدامه كدواء.

الشكل (3)

(3- أ): إنتاج البروتينات في منظومة التعبير الجيني البكترية.

( 3-ب): إنتاج هرمون النمو البشري في ماعز مستنسخ ومحوّر وراثياً.

يمكن زيادة مردود العمل عبر نقل نواة جسمية للماعز المحوَّر وراثياً والعابر لجين هرمون النمو البشري إلى بيوض مخصّبة منزوعة النواة مأخوذة من ماعز معطي donor، وذلك لاستنساخ عدد كافٍ من الماعز المحوّر وراثياً لإنتاج الكميات المرغوبة من هرمون النمو. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن عدة مراكز عالمية تسعى الآن جاهدةً إلى إنتاج العديد من البروتينات العلاجية الأخرى لأمراض مثل؛ التليف الكيسي cystic fibrosis، وأمراض الدم والسرطانات، عبر استنساخ نباتات محوّرة وراثياً قادرة على إنتاج تلك الأدوية بكميات تجارية. أما على الصعيد الصناعي فقد تم إنتاج خيوط حرير العنكبوت spider silk بوساطة نقل جين حرير العنكبوت إلى الغدد الثديية لأنثى ماعز محوَّرة وراثياً، بحيث يمكن جمع البروتين وتنقيته من الحليب. كما يمكن الاستفادة من بروتين الحرير المأشوب في تصنيع بزات عسكرية مقاومة للرصاص؛ إذ إن قساوة الحرير أعلى بخمس مرات من الفولاذ، وهو في الوقت نفسه مادة عديمة الوزن فعلياًّ، وقابلة للتدرك الحيوي biodegradable. وقد سمّي حرير العنكبوت المنتج بهذه الطريقة بالفولاذ الحيوي biosteel.

مجد الجمالي

 

 

مراجع للاستزادة:

- T. A. Brown, Production of Proteins from Cloned Genes, in: Gene Cloning and DNA Analysis: An Introduction, Wiley-Blackwell, Oxford, UK. 2010.

- Y. Heyman, Cloning and Transgenesis in Cattle: Potential Applications, in: Biotechnology in Animal Husbandry, Academic Publishers, NY, USA, 2002.

- C. Kfoury, Therapeutic Cloning: Promises and Issues. MJM, 10 (2): 112-120. 2007.

- J. Panno, Ethics of Animal Cloning and Legal Issues, in: Animal Cloning: The Science of Nuclear Transfer, Facts On File Inc., NY, USA. 2005.

- J.Panno, Clone Named Dolly, in: Animal Cloning: The Science of nuclear Transfer, Facts On File Inc., NY, USA, 2005.

- X. Yang and S. L. Smith, ES cells Derived from Cloned Embryos in Monkeys: AJump Toward Human Therapeutic Cloning, Cell Research, 17:969-970. 2007.

 




التصنيف : التقانات الحيوية
النوع : التقانات الحيوية
المجلد: المجلد الثاني
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مستقل

البولة

 البولة البولة تحضيرها الخواص الفيزيائية الخواص الكيميائية تفاعل البيوريت استخدامات البولة البولة urea وتسمى أيضاً الكرباميد، كربونيل ثنائي الأميد، مركب عضوي. صيغتها وهي تؤدي دوراً مهماً في استقلاب (أيض) metabolism المواد الحاوية الآزوت (نتروجين) في الحيوانات، وهي المادة الرئيسية الحاوية الآزوت في بول الثدييات mammals. وينتج الجسم البشري 30-20 غ من البولة يومياً. اكتشفت البولة أول مرة في البول عام 1727 من قبل العالم الهولندي هيرمان بورهافه H. Boerhaave. البولة أول مركب عضوي اصطنع من مواد لاعضوية. ففي عام 1828 بخَّر فريدريك فوهلر F. Wöhler محلولاً مائياً لسيانات البوتاسيوم...

المزيد »