logo

logo

logo

logo

logo

الدفن (طرق وشعائر-) في العصور الكلاسيكية

دفن (طرق وشعاير) في عصور كلاسيكيه

-

الدفن في العصور الكلاسيكية

المدافن

طرق الدفن

الطقوس والقرابين

 

مع وصول اليونانيِّين والرومان لم تتغير في البداية عادات الدفن التي كانت موجودة لدى شعوب المنطقة؛ فشكل المدافن وتحديد أماكن الدفن وطرقه بقيت مستمرة؛ إلا أن المعتقدات والأفكار الوافدة أثَّرت وامتزجت بما هو موجود. ذلك الأمر أدى إلى هجران بعض العادات السابقة وإبداع نماذج جديدة للدفن. وقد تنوعت عادات الدفن، واختلفت بين منطقة وأخرى، وأدت الطبيعة الجغرافية والمواد المتوفرة دوراً أساسياً بشكل المدفن وطريقة الدفن والطقوس الجنائزية والقرابين التي كانت توضع مع المتوفين.

-المدافن:

تعدّدت أشكال المدافن وتنوعت خلال العصور الكلاسيكية، وظهرت نماذج جديدة نتيجة لقدوم شعوب مختلفة؛ ففي اليونان والجزر اليونانية - مع أن العادة المعروفة منذ القدم تتمثل بدفن المتوفى في التراب- كانوا يمارسون بكثرة عادة حرق الجثة ووضع الرماد في آنية أو جرة داخل المدفن. هذه المدافن منها ما يأخذ شكل حفرة دائرية الشكل تعلوها مجموعة من الحجارة، ونوع آخر يأخذ شكل بئر، إلى جانب نموذج الحدائق الجنائزية التي كانت تتمثل بوجود سور حول منطقة معينة وفي داخلها مجموعة من القبور الفردية أو الجماعية تعلوها شواهد جنائزية، وعثر على العديد من أمثلتها في اليونان كما في مقدونيا، وأرّخت بالقرن 6-5 ق.م.

إلى جانب الأشكال السابقة وجدت أيضاً المدافن التي تعرف باسم التومولوس Tumulus، وهي تلة دائرية الشكل من التراب والحجارة، تضم في أسفلها حفرةً بسيطة أو حجرةً أو أكثر. كذلك هناك الأضرحة والصروح مختلفة الأشكال والأحجام.

لم تمارس في سورية خلال العصر الهلنستي عادة حرق الجثة المنتشرة في العالم اليوناني إلا نادراً، وأمثلتها قليلة جداً. وأظهرت المكتشفات الأثرية من هذه الفترة أن مدن الأموات (المقابر) كانت خارج الأسوار أو الأحياء السكنية، والمدافن ضمنها قبور فردية كما في تدمر (قبر فردي مؤرخ في نهاية القرن 3 ق.م)؛ أو على شكل مدافن أرضية منحوتة ضمن الطبقة الصخرية، مؤلفة من حجرة جنائزية وحولها قبور أو مصاطب، وعثر على نماذج منها في مدينة جبلة، كذلك عُثر على نماذج أخرى كما في جبل خالد، وهي قبور فردية أو مدافن جماعية منحوتة ضمن الجبل. هناك أيضاً نموذج النصب والشواهد التي تعلو القبور، وغالباً ما يرافقها نقش كتابي يشير إلى اسم المتوفى، وأحياناً نحت أو رسم لصورة المتوفى، وتصاوير رمزية متنوعة.

مخطط مدفن

أما خلال العصر الروماني فهناك الكثير من أكثر الأمثلة حفظاً، ويلاحظ ضمن هذه الفترة استمرارية في عادات الدفن؛ فالحضارة الرومانية تأثّرت بالحضارة اليونانية، وتبنَّت ما كان سائداً لديها؛ كانت عادة حرق الجثث معروفة عند الرومان منذ القدم وكانت منتشرة في المناطق الرومانية الغربية كافة، كما عثر في روما على العديد من المدافن التي ضمّت في داخلها أواني فخارية أو جراراً كبيرة كانت تحتوي على رماد المتوفين الذين تم حرقهم، مع العلم أنه بدءاً من نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلادي بدأت تقلّ عادة الحرق في أغلب مناطق الامبراطورية الرومانية.

أحد نماذج الدعائم الجنائزية

 

خلال هذه المرحلة بدأ ظهور نماذج جديدة من المدافن وعادات الدفن لم تكن معروفة خلال المرحلة السابقة، وهي تختلف بين منطقة وأخرى؛ فالبرج الجنائزي في تدمر غير معروف في مواقع أخرى من سورية أو خارج سورية من الفترة نفسها، كما أن البرج الجنائزي الدائري المعروف في فلسطين ليس له نماذج مشابهة. ونظام الدفن داخل صفوف المعازب Loculi المركبة بعضها فوق بعض، والموجود في المدافن التدمرية ليس هو نفسه في المدافن المعاصرة ضمن المناطق الأخرى، مع العلم أن نماذج أقدم منه معروفة جيداً في مدافن الإسكندرية. كما انتشرت بكثرة خلال هذه الفترة عادة الدفن داخل المدافن الأرضية، وهي معروفة من الفترات السابقة؛ إلا أنه خلال العصر الروماني ظهرت في أغلب المواقع والمدن بأشكال عديدة وأحجام مختلفة، وضمّت في داخلها عناصر معمارية جديدة كالتوابيت سواء الحجرية أم الفخارية، وعلى نحو نادر المعدنية. هذه التوابيت غالباً ما كانت تحمل زخارف وتزيينات ومشاهد، منها ما هو مرتبط بحياة المتوفى وأخرى بعالم الموت ورحلة المتوفى إليه. وأمثلتها معروفة في تدمر وفيها التريكلينيوم Triclinium (ثلاثة توابيت تأخذ شكل حدوة الفرس تقليداً لنموذج المائدة الرومانية)، والمنحوتات الجدارية كما في مناطق الفرات مثل إيمار وشاش حمدان ودوراأوربوس والباغوز.

نموذج المعازب ضمن المدافن التدمرية

علاوة على ما سبق هناك أيضاً نموذجٌ لصروح جنائزية كبيرة مؤلفة من عدة طوابق تشبه في شكلها ومخططها المعابد والمنازل؛ وصروح أخرى نحتت واجهاتها ضمن الجبال وزخرفت بطريقة متقنة كما في مدافن البتراء. في نهاية القرن الرابع الميلادي تبدأ بالظهور تغييرات في شكل المدافن، والسبب في ذلك يعود إلى انتشار الديانة المسيحية؛ هذا الأمر أدى إلى هجران العديد من نماذج المدافن التي كانت شائعة خلال الفترات السابقة.

 وأهم الأشكال التي انتشرت تتمثل بالقبور الفردية البسيطة التي لا تضم أيَّ مظهر من مظاهر الترف والغنى التي كانت منتشرة خلال العصر الروماني؛ ففي تدمر على سبيل المثال لا تُلفى دلائل تؤكد أن السكان أعادوا استخدام الأبراج أو غيرها خلال العصر البيزنطي، وقد عُثر على مقبرة مستقلة جديدة خارج الأسوار ضمت نموذجاً واحداً للمدافن، وهو القبور الفردية.

آنية فخارية تمثل مواضيع الموت
مدفن فخاري

وممّا تجدر الإشارة إليه أنه عُثر على قبور فردية أحياناً ضمن توابيت فخارية من الفترة نفسها بالقرب من المدافن الرومانية أو في داخلها. النموذج الآخر الأكثر شيوعاً في شمالي سورية؛ هو المدفن الأرضي المكون من حجرة جنائزية تأخذ شكل صليب وحولها حجرات الدفن على شكل قبور حجرية معقودة تُعرف باسم أركوسوليوم Arcosolium.

- طرق الدفن:

هُجرت أشكال الدفن -على نحو جزئي- التي سادت قبل العصر اليوناني، وعرفت عادة الحرق ووضع الرماد في آنية مخصّصة لذلك، ومن ثم نقلها إلى المدفن. وفي العديد من الحالات تبين وجود بقايا الرماد لأكثر من متوفَّى في الآنية نفسها، يعلوها شاهدة جنائزية نُقش عليها نص يحمل اسم زوج وزوجته. ومن النماذج المعروفة التي يجري بها دفن المتوفى من دون حرق؛ يظهر أن اليونانيِّين اتبعوا طريقة دفن المتوفى على ظهره، ويداه مضمومتان فوق البطن، أو ممدودتان بشكل ملاصق للفخذين، وغالباً ما يكون الرأس متجهاً إلى الأعلى، كما أنه لا يُحدَّد اتجاه معيّن لوضع الجسد، وهذا الأمر مرتبط بأماكن الدفن نفسها وآلية توزعها داخل المدفن.

واجهة مدفن برجي في تدمر مدفن يرحاي التدمري في المتحف الوطني بدمشق

استمرت عادة الحرق خلال العصر الروماني؛ إلا أنها كانت قليلة الاستخدام في سورية، واختلفت طرائق الدفن بين مكان وآخر، ووفقاً لشكل المدفن ومكانه؛ فعلى سبيل المثال خلال القرن الأول الميلادي في العديد من المدافن يُلاحظ أن المتوفى يدفن فوق مصطبة مباشرة داخل المدفن الأرضي، وفي حالات أخرى ضمن قبر فردي حُفر في أرضية الحجرة الجنائزية. وكان الجسد بوضعية الاستلقاء على الظهر، وفي حالات قليلة بشكل جانبي. كذلك هناك أمثلة عثر عليها أظهرت وجود مصاطب جدارية ومعازب أرضية وجانبية؛ وكانت تضم في داخلها هياكل عظمية لأكثر من متوفى في آن معاً بطريقة الاستلقاء على الظهر. ومن الطرائق المتبعة تجميع العظام ضمن بئر صغيرة أو حفرة داخل المدفن؛ بهدف الحصول على المكان المخصَّص للدفن بعد أن يتم نقل العظام القديمة.

مدافن تدمر البرجية

وفي حالات قليلة اتُّبعت طريقة تحنيط الموتى المعروفة على نحو جيد في مصر، وقد عثر على عدة أمثلة منها في تدمر. وأهم ما يمكن ذكره عن طرائق الدفن في تدمر هو نظام المعازب الجدارية، حيث إن كل صف منها كان يتسع لدفن ستة أشخاص على الأقل. وطريقة الدفن ضمن هذه المعازب كانت بوضعية الاستلقاء على الظهر واليدان ممدودتان، والرأس موجه إلى الأعلى أو جانبي. وانتشرت خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديَّين طريقة الدفن داخل التوابيت الحجرية، وبشكل أقل التوابيت الفخارية.

 وفي سورية عثر على نماذج غنية ومتنوعة منها، وغالباً ما كانت تحمل على واجهاتها رسوماً وزخارف تزيينيّة ورمزية. وبعد انتشار الديانة المسيحية اختلفت طرائق الدفن؛ فأماكن المدافن اتخذت مكانها خارج المدن في الجهة الشرقية، ومدخل المدفن اتخذ اتجاهه في كثير من الأحيان نحو الشرق أيضاً، وهذا الأمر ارتبط بالمعتقدات الجديدة.

مدفن وشاهدة لها واجهة معبد - سوق وادي بردى

مدفن دير السيدة في صيدنايا من العصر الروماني

 وانتشرت فيما بعد عادة الدفن ضمن أماكن العبادة (الكنائس والأديرة) بهدف التقرب من الله، وهذه الأماكن لم تكن لعامة الناس؛ وإنما كانت مقتصرة على شخصيات دينية وطبقات محددة من المجتمع.

-الطقوس والقرابين:

إنّ أقدم النصوص اليونانية التي تأتي على ذكر الطقوس الجنائزية جاءت في «الإلياذة» عندما يصف هوميروس جنازة باتروكل Patroclus ابن عم أخيل Achilles وصديقه الذي قتل في حرب طروادة، حيث يذكر كيف جرت طقوس جنازته من خلال إلباسه ثياباً نظيفة معطرة وتجهيز المحرقة وتجميع الحطب، ومن ثم قصّ الشعر ورميه على الجسد حتى إن أخيل قام بذلك أيضاً، وهذا الطقس الرمزي يشير إلى أن قصّ الشعر هو تكريم للمتوفى. ومن الطقوس الأخرى التي تُذكر تقديم الأضاحيّ المتعددة وشرب دمائها، ووضع أسلحة المتوفى وبعض حاجاته، وقطعة نقد فوق كل عين وفي الفم، كي يستطيع المتوفى أن يقدمها لشارون ليساعده على عبور نهر ستيكس Styx بسلام نحو العالم السفلي.

ونقلت المصادر بعض المعلومات عن الطقوس التي قام بها الإسكندر لقائده وصديقه هيفيستيون Hephaestion الذي توفي بسبب المرض. وقد أعلن الإسكندر الحِداد بإعطاء أوامره لإطفاء النار المقدسة في أرجاء الامبراطورية كافة. كما أنه عمد إلى وضع الأسلحة مع الجثة، وأذاب الذهب والفضة فوق جسد صديقه (وهي عادة متبعة عند ملوك الفرس)، كما أنه قطع جدائل من شعره ورماها أيضاً مع الجسد مقلداً بذلك أخيل.

سرير جنائزي تدمري

أما فيما يخصّ الأشخاص الأقل مرتبة وعامة الناس فقد أوضحت النصوص أيضاً والتصاوير المنفذة فوق الأواني الفخارية الكثير من المعطيات عن الطقوس الجنائزية التي تبدأ بتنظيف جسد المتوفى، ووضع ملابس جديدة، وتتولى هذه المهمة نساء المنزل. ثم تأتي مرحلة الرثاء Threnos بالقرب من سرير المتوفى، والتي تقوم بها مجموعة من الأشخاص يُستأجرون لأجل ذلك، ويبدو أن هذا الطقس قُلِّص بسبب غلاء كلفته، وقد أشار القانون الذي وضعه صولون Solon الإغريقي (640 - 559ق.م) إلى ضرورة تقليص طقوس الرثاء. وفي أثينا كان يُنقل المتوفى بعدها بأبهة عظيمة إلى مقره النهائي إما محمولاً على أكتاف الرجال وإما فوق عربة يجرها حصانان أو أربعة. وفي حال كانت طريقة الدفن لا تشمل الحرق يُوضَع المتوفى في القبر مع العديد من أدواته الشخصية إلى جانب القطع النقدية وقطع من شهد العسل كي يتم تقديمها إلى سيربيروس Cerberus حارس بوابة العالم السفلي، كذلك يرافق هذه الطقوس تقديم الأضاحي وتقاسمها مع المتوفى والحضور ووضع الطعام في القبر؛ كيلا تضطر الروح إلى الخروج من القبر إن احتاجت إلى الطعام.

وتشير المصادر أيضاً إلى إجراء الاحتفالات وإحياء ذكرى المتوفى وفق مواعيد محددة، والهدف من هذه الاحتفالات التخفيف عن المتوفى وإرضاء الروح كيلا تترك العالم السفلي وتعود إلى الأرض. وضمن هذه الاحتفالات كان يجري أيضاً تقديم القرابين ووضع الطعام والشراب ضمن القبر.

أظهرت المكتشفات الأثرية العديد من اللقى التي كانت توضع مع المتوفى، والتي ذكرت ضمن النصوص، وقدمت هذه اللقى معلومات مهمة عن حالة المتوفى ومكانته، وغالباً ما كانت تشير أيضاً إلى العمل الذي كان يقوم به في حياته.

وفي العصر الروماني تشير المعطيات التاريخية والأثرية إلى استمرار الطقوس مع وجود بعض التغيرات، فعادة حرق المتوفى كانت متبعة كثيراً؛ خصوصاً من قبل الطبقات الاجتماعية رفيعة المستوى. أمّا الطبقات الدنيا وخصوصاً العبيد؛ فيُدفَنون عادة ضمن قبور جماعية من دون أن ترافق الطقوس عمليةَ الدفن.

منحوتة جنائزية لأسرة تدمرية
مدفن بيتي في تدمر

وهناك العديد من المصادر بهذا الخصوص، ومنها القانون الذي يعرف باسم الألواح الاثني عشر Duodecim Tabulae الذي تناول ضمن مواده الأمور الجنائزية وقوانين الدفن؛ فعلى سبيل المثال تمنع إحدى المواد وجود القبور داخل أسوار المدينة، كما تأتي بعض مواد هذا القانون على تحديد الملابس وعددها، والأجور التي يجب أن تدفع للنادبات وغيرهم ممن يُستعان بهم خلال الرثاء. إن إدراج هذه الطقوس ضمن القوانين يدل على مدى أهميتها في المجتمع الروماني القديم.

كانت الطقوس عند الرومان تبدأ أيضاً بتنظيف الجسد وتطييبه بالعطور، ووضع ملابس نظيفة. أما الخطوة التالية فكانت وضع المتوفى فوق سرير في قاعة الزوار Atrium مدة ثلاثة أيام، ووضع إشارة خارج المنزل لنشر خبر الوفاة. يلي ذلك إقامة المأتم ونقل الجسد إلى مكان الدفن ضمن تابوت محمول من قبل الأقارب أو الخدم، ترافقه في بعض الأحيان - إضافة إلى النائحات- فرقة موسيقية، وهذا الأمر مرتبط بالقدرات المادية للمتوفى ومكانته الاجتماعية. لاحقاً لدفن المتوفى أو حرقه ووضع القرابين تُستبعَد عائلة المتوفى مدة تسعة أيام، وتمنع من المشاركة في أيِّ فعالية أو نشاط حتى تتطهر. وخلال هذه المدة تستمر العائلة بتقديم القرابين ومن ثم تنظيف المنزل لإبعاد الأمراض التي يمكن أن تنتقل عبر الموت، وفي اليوم التاسع تُقدَّم الأضاحي إلى الأرواح إعلاناً لنهاية الحداد، ترافقه وليمة، ويسمح للعائلة بعودة الاختلاط بالسكان وممارسة نشاطهم.

وقد أظهرت المكتشفات الأثرية الكثير من المعلومات عن تلك الطقوس، فهي ممثلة فوق المنحوتات أو الرسوم الجدارية؛ ولاسيما داخل المدافن، وأمثلتها كثيرة في سورية ومصر وبلاد الرافدين والأناضول وغيرها من المناطق اليونانية والرومانية كما اكتشفت نماذج مختلفة للتقدمات التي كانت توضع مع المتوفى، وهي مشابهة لما كان يوضع في الفترات السابقة، مثل الأواني والأدوات الشخصية؛ إلى جانب الحلي والجواهر التي كان يرتديها المتوفى في حياته.

رسوم جدارية في المدافن التدمرية

وخلال العصر البيزنطي - ولاسيما في المرحلة المبكرة- لوحظ مزيج من الطقوس بين الوثنية وما أتى مع معتقدات الديانة الجديدة؛ فغالباً ما يجري في البداية الإبلاغ عن المتوفى من خلال النائحات، ويأتي الكاهن بعد تنظيف جسد المتوفى ليقوم بتطهيره ورش الماء ووضع الكفن الذي غالباً ما يكون من الكتان. وفي رحلة المتوفى؛ نحو الكنيسة يحمل المشاركون المشاعل وأوراق النخيل وهي رموز للفردوس المسيحي؛ إلى جانب استخدام البخور. ويجري في الكنيسة إنشاد المزامير والصلاة الخاصة بالموتى، ومن ثم يُنقَل المتوفى إلى المدفن، ويُشارك الطعام الجنائزي مع الموجودين، وتدفن معه بعض أواني الوليمة وأدواتها كالأباريق والقدور التي يحتاج إليها؛ إلى جانب الأدوات الشخصية، وفي بعض الأحيان يُوضع صليب لإبعاد الشياطين؛ إضافة إلى نقش رمز الصليب داخل المدفن.

تابوت الرستن - المتحف الوطني في دمشق

وتنتهي مراسم الدفن؛ إلا أن الإجراءات اللاحقة لا تختلف عما سبق، حيث تستمر زيارة القبر من قبل العائلة في أيام محددة كاليوم التاسع والحادي عشر والأربعين، وتغدو ذكرى التأبين في كل عام، وتعاد فيه الوليمة على القبر.

لقد احتلت الإجراءات الجنائزية أهمية كبرى لدى الإنسان، وهي لم تكن مجرد واجب عائلي؛ وإنما ارتبطت بالمعتقدات الدينية؛ فالأموات الذين لا تقام لهم الطقوس تبقى أرواحهم هائمة بين عالم الأحياء والأموات من دون استقرار؛ مما يعرض الأحياء لخطر التعرض للهجوم من تلك الأرواح. وهناك الكثير من التفاصيل التي لا يتسع المجال لذكرها في هذا البحث.

همام شريف سعد

 

مراجع للاستزادة:

ـ محمود حمود، شعائر الدفن وطقوسه القديمة في منطقة دمشق والجنوب السوري منذ العصور الحجرية وحتى العصر الآرامي (دمشق 2010).

ـ سلطان محيسن, عصور ما قبل التاريخ (دمشق ٢٠٠٣)

- زيدان كفافي، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة (العصور البرونزية والحديدية) (منشورات البنك الأهلي الأردني، عمان ٢٠٠٦م).

- نائل حنون، المدافن والمعابد في حضارة بلاد الرافدين القديمة؛ دراسة عن الشعائر والعمارة في النصوص المسمارية والآثار، جزآن (دمشق ٢٠٠٦م).

- خالد الأسعد، «مذكرة حول المقبرة البيزنطية المكتشفة في حديقة متحف تدمر»، الحوليات الأثرية السورية، م١٨، ج ١+٢، دمشق ١٩٦٨، ص ١٢٩-١٣٢.

- همام سعد، «أصول البرج الجنائزي التدمري، الحوليات الأثرية السورية»، م ٤٩-٥٠، دمشق ٢٠٠٦-٢٠٠٧، ص ٢٣- ٣٨.

- هنري سيريغ، «طعام الموتى والوليمة الجنائزية في تدمر»، الحوليات الأثرية السورية، م ١، ج ١، دمشق ١٩٥١، ص ١٢٧- ١٣٠.

- P. Akkermans, Villages in The Steppe: Late Neolithic Settlement and Subsistence in the Balikh Valley. Northern Syria, USA,1993.

- S. Campbell, A. Green, The Archaeology of Death in the Ancient Near East, (Oxford,1995), pp.29-34.

- L. Verhoeven, Ritual and its Investigation in Prehistory, Magic Practices and Ritual in the Near Eastern Neolithic, (Berlin,2002), (eds): Hans Georg K.Gebel and others, pp.5-40.

- A. Henning, Orient-Archaologie, Band 29, Die Turmgraber von Palmyra, Berlin, 2013.

- S. Campell & A. R. Green, The Archaeology of Death in the Ancient Near East (Oxford 1995). :

- M. Badawi, Huit tombes hellénistiques et romaines à Jablé, Syria, T. 84, 2007, p. 185- 204.

- C. Cousin, Le monde des morts, Paris, 2012.


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد السابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 0
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 552
الكل : 30706964
اليوم : 66118