logo

logo

logo

logo

logo

دمشق في العصور التاريخية

دمشق في عصور تاريخيه

-

 دمشق في العصور التاريخية

 

تعد دمشق إحدى أقدم المدن المأهولة في العالم، فقد جذبت غوطتها التي يرويها نهر بردى الإنسان إلى سكناها منذ عصور ما قبل التاريخ؛ حيث عثر على أبكر آثار الاستيطان العائدة إلى العصر الحجري الحديث في مواقع تل الرماد وتل أسود وتل غريفة وتل خزامى القريبة من دمشق، كما عثر في تل الصالحية ودير الخابية على آثار سكنى من عصر البرونز.

وقد ورد اسم أبوم/ أوبي Ubi/ Apum– وهي التسمية التي عُرف بها إقليم دمشق في العصور اللاحقة– بين أسماء البلدان والمدن المذكورة في نصوص اللعن الهيروغليفية المصرية العائدة إلى زمن المملكة الوسطى؛ مما قد يشير إلى وجود مدينة دمشق في الألف الثالث قبل الميلاد.

وأقدم نص يشير إلى وجود مملكة في حوض دمشق هو النقش الذي عُثر عليه حديثاً في تل سكا القريب من دمشق، والذي يتضمن رسالة بعث بها ملك هذه المنطقة إلى زمري لِم ملك ماري (١٧٧٥-١٧٦١ق.م).

يعود أول ذكر لاسم دمشق في الوثائق التاريخية إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد التي تحدثت عن حملات الملك تحوتمس [ر] الثالث على سورية و شاركت مملكة دمشق في التحالف الذي تصدى له في معركة مجيدو سنة ١٤٦٨ق.م؛ والتي نجم عنها خضوعها مع بقية دول المدن السورية للسيادة المصرية. كما ورد اسمها في نصوص تل العمارنة باللغة الأكادية كمدينة دولة باسم تمسقو Tamasqu أو دمشقا Dameshka (T-m-š-q) والذي قد يعني الحديقة المسقية أو الأرض الغناء (بعد إهمال الحرف الأول)، وذلك في ثلاث رسائل من عهد الملك أمنحوتب الرابع (أخناتون) تشير إلى أميرها بيرياوازا Biriyawaza.

منحوتة أبي الهول

وتجدر الإشارة إلى أن اسم دمشق ورد في المصادر السريانية بصيغتي دومسِق Dumasiq وَدرمسق Darmasq وتحولت في الإغريقية إلى Damaskos وفي اللاتينية واللغات الأوربية الحديثة إلى Damascus .

بقيت دمشق تحت السيادة المصرية بعد معركة قادش (١٢٧٥ق.م) عاصمة لإقليم أوبي حتى غزوة شعوب البحر في القرن الثاني عشر قبل الميلاد وظهور الآراميين على الساحة السياسية في بلاد الشام. كانت مملكة صوبا (ومقرها على الأرجح خلقيس/ تل عنجر في سهل البقاع) أولى الممالك الآرامية المعروفة تاريخياً في جنوبي بلاد الشام، وربما خضعت لها مدينة دمشق في عهد ملكها هدد عزر (وهو «برهدد» الأول) وابنه «برهدد» الثاني قبل أن ينتقل إليها مركز المملكة التي صارت تعرف باسم آرام دمشق.

منحوتة ابي الهول قي جدار الجامع الاموي

لا يُعرف الكثير عن بدايات هذه المملكة التي تتردد أخبارها منذ القرن العاشر قبل الميلاد في روايات العهد القديم والوثائق الآشورية– وهي مصادر معادية للآراميين– وتشير هذه الروايات إلى أن رزون بن اليدع (نحو ٩٦٥-٩٢٥ق.م) أسس سلالة حاكمة جديدة وجعل من دمشق عاصمة ملكه التي ورثت مملكة صوبا، وسمى نفسه ملك آرام. وسرعان ما أصبحت آرام دمشق أقوى الممالك الآرامية وأعظمها، وامتد نفوذها إلى فلسطين جنوباً وتجاوز نهر الفرات شمالاً وشمل سهل البقاع وحوران.

ومن أشهر الوقائع التاريخية لهذه المملكة أنها تزعمت حلفاً من اثنتي عشرة مملكة وإمارة سورية تصدت للملك الآشوري شلمنصر الثالث في معركة قرقار [ر] في سهل الغاب سنة ٨٥٣ق.م، ونجحت- كما يبدو- في وقف الزحف الآشوري على الرغم من انتصار شلمنصر الذي يصف القوات المشاركة في هذه المعركة ويدعي أنه قضى على ١٢٠٠ عربة حربية و١٢٠٠ حصان و٢٠ ألفاً من جنود أدد إدري (برهدد الثاني) ملك دمشق.

وصمدت الممالك السورية وعلى رأسها آرام دمشق ومملكة حماة أمام الهجمات الآشورية في السنوات التالية على الرغم من خسائرها الكبيرة. ثم اعتلى حزائيل عرش دمشق (نحو ٨٤٢-٨٠٥ق.م) بعد وفاة برهدد الثاني، وازدادت المملكة قوة في عهده.

واستأنف شلمنصر الثالث حملاته الحربية من جديد (٨٤١ق.م)، وادعى أنه هزم حزائيل وقتل ستة عشر ألفاً من جنوده، وهاجم حوران وحاز غنائم كبيرة؛ ولكنه لم يتمكن من دخول دمشق. أما حزائيل فنجح بعد ذلك في توسيع نفوذه نحو فلسطين ومناطق سورية أخرى ووصل حتى نهر الفرات بحسب النقوش الآرامية.

خلف حزائيل ابنه برهدد الثالث الذي شكّل حِلفاً ضمَّ ١٦ ملكاً للتصدي لملك حماة زاكير الذي استنجد بالملك الآشوري أدد نيراري الثالث (٨١٠-٧٨٣ق.م)؛ فاضطر الحلفاء إلى الانسحاب وتعقبتهم الجيوش الآشورية لإخضاعهم. وقد جاء في حوليات أدد نراري الثالث وصف لحملته ضد المدن السورية: «وسرت نحو دمشق وحاصرت مرئي برهدد في عاصمته دمشق... فخرّ عند قدمي وحصلت على ٢٣٠٠ تالنت فضة و٢٠ تالنت ذهب و٢٠٠ تالنت نحاس و٥٠٠ تالنت من الحديد، وأقمشة مزركشة وأقمشة كتانية وسرر عاجية ومقاعد عاجية مزينة بالذهب ومطعمة بالأحجار الكريمة، وخزنته وأمواله بكميات كبيرة في عاصمته وسط قصره».

تنقيبات ساحة القلعة حيث عثر على شواهد أثرية من العصر البرونزية

يدل هذا الوصف على غنى دمشق وقصرها الملكي وعلى قوة المملكة عسكرياً واقتصادياً في تلك الفترة (٨٠١ق.م)، لكن كثرة الحملات الآشورية وشدتها وما رافقها من خسائر مادية وبشرية جسيمة أدت إلى إضعاف المملكة، وأسهمت كذلك في تمرد الممالك الصغيرة التابعة لها. وهكذا اضطر الملك ردين (رصين) إلى إعلان خضوعه وولائه للملك الآشوري تجلات بلاصر الثالث (٧٤٥-٧٢٧ق.م) الذي قاد حملات حربية مظفرة مكّنته من بسط سيطرته على بلاد الشام بأكملها، ويذكر في أخبار حملته على دمشق كيف أنه قام بتخريب معظم بلدان المملكة ونهبها وقطع أشجار الغوطة واحتل مدينة جدرا (ربما عدرا) وحاصر مدينة دمشق عام ٧٣٣ق.م حصاراً شديداً حتى سقطت عام ٧٣٢ق.م، فأعدم ملكها وهجّر سكانها وحول مملكة آرام دمشق إلى ثلاث ولايات آشورية.

وهكذا انتهت مملكة آرام دمشق التي تناوب على حكمها سبعة ملوك على مدى قرنين وربع القرن، وكان لها دور مهم في تاريخ سورية القديم وتاريخ مدينة دمشق التي ازدهرت في حقبتها الآرامية وبرزت سياسياً وعسكرياً وحضارياً.

ترك الآراميون بصمات واضحة في نظام توزيع مياه بردى في دمشق وغوطتها بإقامة فروع وأنفاق زادت من إمكانية الاستفادة منه في إرواء المدينة وسقاية مزروعاتها. كما أقاموا صرحاً دينياً كبيراً يتجلى في معبد الإله هدد الذي حافظ على قدسيته في العصور التالية، وقد تأكد موضع هذا المعبد الآرامي على إثر اكتشاف حجر بازلتي عام ١٩٤٩م في الجهة الشرقية من أساسات الجدار الشمالي للجامع الأموي يحمل صورة أسد مجنح برأس إنسان (أبو الهول) يُعتقد أنه كان يزين معبد هدد في عهد حزائيل ملك دمشق.

لم يعثر إلا على القليل من الآثار المادية المتعلقة بدمشق وملوكها الآراميين، ومن بينها نقشان عاجيان؛ وُجد الأول في موقع أرسلان طاش (حداتو قديماً) في شمالي سورية، والثاني عُثر عليه في العاصمة الآشورية كلخ، وهما منسوبان إلى الملك حزائيل. وهناك نقش مدون على قطعة برونزية تشكل جزءاً من لجام فرس عُثر عليها في جزيرة ساموس اليونانية، ويعود إلى أواخر القرن التاسع قبل الميلاد ويشير إلى حزائيل وحملاته في شمالي سورية.

دلت دراسة بعض التلال الموجودة في شمال الشارع المستقيم وفي جنوبه- وبالاعتماد على النصوص التاريخية-على وجود مستوطنة آرامية. وأهم الافتراضات هي تلك الدراسة المهمة التي قدمتها دوروتيه زاك Dorothée Sack حول وجود مستوطنة كانت تقع في شمال الشارع المستقيم؛ وفي تلة واقعة في حي باب توما شرقي المدينة، مفترضة كذلك- على الرغم من الشكوك- أن التل الوحيد الواقع جنوب الشارع المستقيم قد يكون حصن البريص في المستوطنة الآرامية الواقع ربما مكان تل السماكة (تل النجارين).

وتغيب أخبار دمشق بعد سقوط مملكتها الآرامية وخضوعها للحكم الآشوري ومن بعده الكلداني ثم الأخميني إلا ما ندر، مثل تأكيد المؤرخ والجغرافي استرابون Strabon أنها كانت أشهر مدينة في المنطقة في عصر السيادة الفارسية. كما يستدل من إيداع الملك الفارسي خزينته الحربية فيها أنها كانت مدينة محصنة ومركز الولاية المسماة عبر النهر Aber Nahara والتي تضم بلاد الشام.

محمد الزين

 


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد السابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 0
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 465
الكل : 31416247
اليوم : 9738