logo

logo

logo

logo

logo

الخزف في العصر الإسلامي

خزف في عصر اسلامي

Ceramic - Céramiqce

 الخَزَف في العَصر الإسلامي

الخَزَف في العَصر الإسلامي

 

أثمَرَ اندماج فنون الحضارات الغربية والشرقية فنوناً جديدةً كالخزف الذي بلغَ ذروته في العصر الإسلامي، ليكون أهم الحرَف الفنيَّة التي مارسها الفنانون في ذلك العصر، وليصبح فيما بعد بديلاً عن أواني الذهب والفضة باستعمالهم لخزف البريق المعدني؛ مما جعلَه محَط اهتمام المؤرِّخين، فقد خلَّفت الدولة الإسلامية أواني وزخارف على مستوىً عالٍ من القيمة الفنيّة.

عُرف الخزف بالإنكليزية ceramic، وبالفرنسية céramique مأخوذة من اللاتينية keramos، وحمل الخزف أسماءً أخرى استُمِدت من مكان صنعه، فكان «الفاينس» Faïence نسبة إلى مدينة فينيسيا Faenza الإيطالية، كما حمل اسم «المالقي» نسبة إلى مدينة مالقا Malaga الإسبانية، وحَملت الألواح الخزفية اسم القيشاني أو القاشاني؛ نسبة إلى مدينة قاشان في بلاد فارس، وكثيراً ما حَمل الخزف اسم الصيني نسبة إلى الصين.

زهرية من دمشق (٥- ٦ هـ/١١-١٢م)

خزف متعدد الألوان تحت طلاء أخضر شفاف

جرة من الخزف برسوم سوداء

 تحت طلاء فيروزي شفاف - من دمشق

 

يطلق اسم الصلصال على العجينة التي يصنع منها الخزف، وهي مادة موجودة في الطبيعة، يتم تشكيلها وفق الشكل المطلوب باليد أو الدولاب أو القالب، ومن ثم تُشوى في أفران خاصة. فالطينة البيضاء التي تحوي مادة الأليومين، وتقل فيها نسبة أكسيد الحديد تُحرق بدرجة حرارة مرتفعة تصل إلى ١١٠٠ سنتغراد، ثم يُطلى السطح بالغضار، وعند عدم توفر الغضار الصافي (الكاؤلين) kaolin يلجأ الخزّاف إلى طلي سطح الإناء بمادة كتيمة بيضاء أو عاجية «البطانة»، ويمكن التحكم بلونها عن طريق إضافة الأكاسيد، فيحصل على بطانة زرقاء بإضافة الكوبالت، والخضراء بأكسيد النحاس، ثم تُرسم الزخارف بالفرشاة بعد تقسيم السطح إلى حقول لتتوزَّع ضمنها، وتعاد إلى الحرق الثاني بدرجة حرارة بطيئة في الفرن الذي يحوي بداخله حجْرة للرَص تتصل مباشرة ببيت النار، وتمنع التصاقها، ويستطيع الخزّاف التحكم بدرجة ألوان القطع في أثناء تصنيعها بإدخال آلة طويلة تحمل الأكاسيد نفسها، ينتج منها تفاعلات كيميائية، وبعد إخراج الأواني يتم غطسها بمحلول المرداسنج (ذرور زجاجي يُحلُّ بالماء)، وتشوى للمرة الثالثة فتسيل المادة الزجاجية المسماة الميناء glaze عليها وتكسبها جمالاً، وهي بلّورات السيليس الممتزجة بأُكسيد النحاس الزنجاري والتي تمَّ اكتشافها في الألف ٣ق.م في بلاد الرافدين ومصر القديمة، والدهانات نوعان: شفافة وغير شفافة. وصلت الأواني الخزفية إلى قمة إتقانها خلال العصور الإسلامية (العباسية، الفاطمية، الأيوبية، المملوكية، العثمانية).

صحن من الخزف مزين بزخارف نباتية سوداء متناظرة على مهد أبيض تحت طبقة زجاجية شفافة

إناء من الخزف بطلاء قصديري وبريق معدني

عثر على هذا النوع في سورية في القرنين ٥/٦ هـ

رسم في القاع طائر ضمن خلفية من الزخارف النباتية، ونفذت من الخارج كتابة بالخط النسخي هي:

«المال والسعادة والسلام والعزة والإقبال والدولة»

ويساعد الخزف على تأريخ المواقع الإسلامية، وعُرفَ في منطقة الشرق الأوسط من خلال أعمال التنقيب بأنَّه من أجمل تحف الفن الإسلامي، وهو قسمان:

- بلاطات الخزف بأشكالها المختلفة، ككسوة الجدران في كثير من المباني، كالبيوت والمساجد والمدارس والتكايا والترب..

- الأواني بكافة أنواعها وأشكالها المختلفة.

أنواع الخزف الإسلامي:

١- الخزف ذو الزخارف البارزة high-relief:

أضيفت العناصر الزخرفية فوق سطح الإناء المستوي. يُنسب إلى سورية في القرنين ٣-٤هـ/٩-١٠م، وانتشر في العصر العباسي في «العراق- سامراء»، و»تونس- سوسة»، وبلغ ذروة الإتقان في الموصل في القرن ٦هـ/١٢م.

كشطت أرضية الإناء لتكشف عن سطحه الأصلي، وتبقى العناصر بارزة وعليها الدهان، كذلك ظهرت أوانٍ مشابهة لخزف عصر «تانج» الصيني، بيضاء رقيقة الجدران، تحمل الصفات نفسها، عرفتها فارس بين القرون 4 - 6هـ/10 - 12م.

وثمة نوع ذو زخارف بارزة، ومتعدد الألوان المعروف باسم سلطان أباد Sultanabad wares، عُرف في الري وقاشان؛ التي تميَّزت أيضاً بالزخارف البارزة المغطاة بألوان مذهَّبة ورسوم فوق الدهان في القرنين 7 - 8هـ/13 - 14م.

2 - الخزف ذو الزخارف الغائرة Low- relief:

نفِّذت زخارفه بأختام منقوشة، طُبعت على عجينة الإناء الليِّنة، عناصرها هندسية أو نباتية، عثر عليه في سامراء والفسطاط في العصر العباسي.

نُفذت زخارفه أيضاً بالحفر الغائر قبل الطلاء بالميناء، نقله المسلمون عن البيزنطيين والفرس، أغلب الأواني ذات عجينة وطلاء أبيض، منها ماهو مدهون باللون الأزرق أو الأخضر، عثر عليه في مصر في العصرين الفاطمي والأيوبي، وآخَر زخارفه مدهونة باللون الأسود، تعددت عناصره بين نباتية وحيوانية وخرافية، أو لوِّنت زخارفه وأرضيته بلون أزرق، وغُطِّي بأكمله بدهان أزرق فاتح، انتشر في فارس بين القرنين 5 - 7هـ/11 - 13م.

إناء الباريللو
 مزين بحقول طولانية هندسية
إناء الباريللو
مزين بأوراق نباتية
خزف مملوكي خزف مملوكي
 تقليد خزف سلطان أباد

3 - الخزف المحزوز تحت الدهان packed under the paint

من أقدم أنواع خزف العصر الإسلامي، يغطي الدهان الحزوز مع وجود بقع وخطوط لونية، تأثر بالخزف الصيني، وأهم مراكزه فارس، ويعود إلى القرنين 2 - 3هـ/8 - 9م.

بعد طلاء الآنية بالبطانة الفاتحة ترسم عليها الزخارف، ثم تكشط المساحات الخالية حتى تصل إلى عجينة الإناء ذات اللون الوردي، فيبدو الإناء وكأنه يحوي لونين من الزخارف، وبعدها يطلى بطبقة البريق الشفاف ويشوى. وقد عُرف في القرنين 10 - 11هـ/16 - 17م، وانتشر في دمشق في العصرين المملوكي والعثماني، سمي بخزف سكرافيتو sgraffiato، وعُرف في فارس باسم الجبري champlevé ware. وهو نوعان: الأول عثماني: زنجان Zinjan، وهو الخزف المرسوم تحت الطلاء underglaze بألوان متعددة، والثاني مصري: الفسطاط، القرن 6هـ/12م، وزخارفه تشبه زخارف خزف البريق المعدني وهي محزوزة، وعناصرها كتابية، وعليه رنوك مملوكية، ينسب إلى مصر 8هـ/14م، ويماثله الإناء المصنوع في الرقة والمحفوظ في متحف فكتوريا وألبرت بلندن، زيِّن بأشرطة من الكتابات.

خزف فارسي

خزف سلجوقي

أصناف الخزف:

1- وحيد اللون Monochrome: وهو أقدم أصناف الخزف، عُرف في الامبراطوريتين الرومانية والساسانية، واستمر إلى العصر الأموي، وانتشر في العصر السلجوقي. شملَ الرقيق والغليظ غير المزخرف، أو المزيَّن بزخارف محدودة. زُجّج بعدة ألوان، كالأزرق الذي وجد في دمشق وحماة والرقة، والأخضر في حلب، والأحمر في الرقة والرصافة.

٢- متعدد الألوان polychrome: ألوانه الأخضر والأحمر والأزرق (بدرجات مختلفة)، والأسود على أرضية عاجية تحت طبقة زجاجية خضراء فاتحة شفافة، وزخارفه نباتية وهندسية وحيوانية، وقد راج في سورية منذ القرن 6هـ/12م، واشتهرت بإنتاجه دمشق وحماة والرصافة والرَقة.

٣- الخزف ذو البريق المعدني: من أهم الاكتشافات الإسلامية المتميزة تقنية الخزف ذي البريق المعدني Lustre-painted ceramic. كان أول ظهور له في العصر العباسي، صُنعت الأواني من الصلصال الأصفر النقي، وغُطي بطبقة من الميناء القصديرية، ورسمت عليه الزخارف بالأكاسيد المعدنية بعد تسويتها للمرة الأولى، ثم شويت مرة ثانية بدرجة حرارة أقل من الأولى، وبذلك تحولت الأكاسيد المعدنية باتحادها مع الدخان إلى طبقة معدنية رقيقة، وأصبح لونها ذهبياً يتدرج من البني إلى الأحمر، أو من النحاسي إلى الأصفر المخضر بحسب التركيب الكيميائي لنوع الدهان. وتعددت زخارفه بين هندسية ونباتية وأشكال حيوانية وآدمية وطيور. وعَثر عليه المنقبون ضمن حفريات سامراء القرن ٣هـ/٩م، وفيما بعد في المدائن والفسطاط، ووجِد ضمن قصور الأمراء العباسيين وفي مدينة الزهراء بالأندلس في القرن ٤هـ/١٠م، وفي فارس وشمالي إفريقيا، وانتشر في كافة البلاد الإسلامية بين القرنين ٥-٩هـ/١١-١٥م.

كسرة من إناء ذي بريق معدني لونه عسلي وكحلي - دمشق جرة من الخزف ذي البريق المعدني الأزرق والذهبي - الرقة إبريق من العصر الأيوبي، مزين يطلاءٍ ذي بريق معدني بني- الرقة

وتميز خزف الرقة بالكتابات الكوفية والرسوم ذات البريق المعدني، كما أُنتِجت السلطانيات والقدور ذات الزخارف البارزة والمتعددة الألوان، تَشابَهَ معها خزف الرصافة لكنه اختلف في اللون البني المائل إلى الحمرة أو الأرجواني، كما عَرَفت بلاد الشام أوعية البارلّو Albarelloفي العصر الأيوبي، المخصصة لحفظ الأدوية السائلة (سميت بأوعية الصيادلة)، منها مزخرف بكتابات بالخط الكوفي والنسخي، أو بزخارف نباتية، وكائنات حيّة، وجِدت في دمشق وتكريت والموصل.

وهو من أرقى الأصناف وأغناها، مزيَّن بزخارف صهباء ذات بريق معدني، أخذت مادة الزخرفة من أكسيد الفضة، ونُفِّذت الزينة فوق الميناء، راج في سامراء منذ القرن 3هـ/9م، ثم ازدهر في الرقة وفارس والفسطاط، وحافظ على مكانته في بلاد الشام حتى القرن 8هـ/14م. ومنه ماهو مزيَّن بزخارف سوداء تحت ميناء خضراء شفافة أو زرقاء زنجارية شفافة، اشتهرت به دمشق والرقة، أو مزيَّن بزخارف زرقاء على مهد زبدي أو أبيض تحت ميناء شفافة غير ملونة، وصنف شبيه زخارفه سوداء وخضراء، أو سوداء وزرقاء.

ونظراً لأهمية الأواني الخزفية المشرقية احتفظت المتاحف العالمية - كالمتحف البريطاني، واللور في باريس، والإسلامي في الكويت- بقدور رائعة كُتب عليها: «صنع دمشق على يد الفنان يوسف»، التي استعمل فيها اللون الأزرق الكوبالت والأرجواني، والأسود للتحديد، واللون الأخضر بدرجاته.

التطور التاريخي لظهور الخزف في مختلف العصور الإسلامية:

اكتسبت الدولة الأموية فنون الحضارات التي ضمَّت أراضيها إلى بوتقتها، فبدأت أولى المدارس الفنية منذ القرن ٢هـ/٨م، وبدأت تظهر قطع خزفية مزيَّنة بكتابات عربية، كبعض السُرُج والجِرار المكتشفة في الأردن وسورية، وفي قصر الحير الشرقي عُثر على قطع أثرية تعود إلى العصر الأموي.

وأبرز طرز فن الخزف في العصر العباسي ٣هـ/٩م الذي قام في سامراء والفسطاط، وبدا تأثره بالفن الساساني واضحاً، ولكنه شكَّل نقطة تحوّل في تاريخ الفن الإسلامي باستعمال الفنانين للبريق المعدني، كما برعوا في تنفيذ التصميمات البارزة والغائرة، وأضافوا لمسة جمالية على الأواني الخزفية باستخدامهم الخط العربي. وانتشرت الأواني وبدأت تُصدَّر إلى الخارج، وأصبح الخزف العباسي يضارع الخزف الصيني.

مشكاة عثمانية

 ( القرن ١٠هـ/ ١٦ م)

 

خزف إزنيك في العصر العثماني آنية من الخزف العثماني - إنتاج إزنيك

وفي مدينة ألفار ٤٧٥هـ/١٠٨٢م عثر الباحث نسيب صليبي وبعثته الأثرية سنة ١٤٠٣هـ/١٩٨٢م على جرار خزفية مدهونة باللون الأزرق الداكن شبيهة بالتي عُثر عليها في قصور هارون الرشيد في الرقة في الفترة نفسها، كما عثر على معالم معمارية متفرقة تضم كسراً خزفية ترقى إلى العصور العباسية والأيوبية.

وفي القرن ٤هـ/١٠م عُثر في مدينة الزهراء على خزف رقيق، وعُرفت الأندلس بالجرار المعروفة بجرار قصر الحمراء، وكانت مالقا مصدر هذا النوع في القرن ٧هـ/١٣م، أما غرناطة فقد تفردت جرارها باستخدام اللون الأزرق الكوبالتي في الزخرفة إلى جانب البريق المعدني، وحَملَ بعضها شارات ملوك غرناطة.

تقدمت صناعة الخزف في العصر الفاطمي ٤-٦هـ/١٠-١٢م بإضافة إبداعات جديدة، من خلال التنويع في الأكاسيد والزخارف، فتعددت المناظر المرسومة المستوحاة من الطبقة الأرستقراطية، كالصيد والموسيقى والرقص والحيوانات، وظهرت على الأواني تواقيع صانعيها.

عُرفت أواني القيروان وصقلية وبجاية والفسطاط بزخارفها السمراء. وفي حلب عُثر على سلطانية ذات بريق معدني من صنع دمشق، محفوظة في متحف متروبوليتان، ومن أشهر الخزّافين الفاطميين مسلم وسعد.

امتاز الخزف في العصر الأيوبي ٦-٧هـ/١٢-١٣م برقَّته وجمال تزجيجه، وأرضيته الخضراء ذات الزخارف السوداء، وظهرت التماثيل الخزفية ذات البريق المعدني.

وأنتجت قاشان والري ونيسابور الخزف ذا اللون الأزرق، ورُسِمت عليه أشكال آدمية سوداء تحت طلاء زجاجي شفاف Black silhouette figural ware.

أما عن الخزف المملوكي - ٨هـ/١٤م- فقد عُرف في دمشق ما يسمى بخزف غيبي، نسبة للخزّاف الدمشقي غيبي التوريزي؛ أحد أشهر الخزافين في القرنين ٨-٩هـ/١٤-١٥م، وانتقل إلى مصر وعلَّم حرفة الخزافة، وأصبح لديه أتباع ينسبون إليه. وَقَّع على أعماله بأكثر من أسلوب، ورسمَ تحت الطلاء باللون الأزرق على خلفية بيضاء، كما رسم على الفخار زخارف نباتية، وهو شبيه بخزف سلطان أباد والخزف الصيني (سيلادون). وقد اشتهرت به بلاد الشام، وحملت القطع تواقيع الفنانين، كـ»غزال» من القاهرة و»الهرمزي» من فارس... وظهرت الشعارات المملوكية على الأواني، مثل: «الكأس والمقلمة والبقجة».

تميَّز الفن الصفوي بغنى الأشكال الزخرفية وتلوينها، وكانت الخزفيات ذات زخارف نافرة بطريقة القرطاس أو الباربوت Barbotine، وظهر خزف «كويجي» نسبة إلى قرية بالقوقاز، وكذلك برعت نيسابور وسمرقند بصناعة هذا الخزف.

تميَّزت دمشق قبل الوجود العثماني بالبلاطات الخزفية المنفذة في تربة التوريزي بدمشق.

وظهر الخزف في العصر العثماني (القرن 8 - 13هـ/14 - 19م)، بجمالية خاصة وقسِّم قسمين:

1 - البلاطات الخزفيّة: وهي الأسبق، بدأ إنتاجها في عصر السلاجقة، واتخذت أشكالاً متعددة، كالبلاطات المربعة والمستطيلة والسداسية، أو الأشكال النجمية السداسية أو المثمنة، وتطورت حتى وصلت إلى أقصى مراحل الكمال الفني في القرن 9هـ/15م. وشاع استعمالها في فارس والعراق، ولا تزال تكسو جدران العديد من المساجد والمدارس والترب والقصور، واستخدِم التذهيب في زخرفة إطارات هذه البلاطات.

كما شغلت إزنيق وكوتاهية في القرن 10هـ/16م مراكز مهمة لصناعة البلاطات الخزفية بتقنية الرسم تحت الطلاء، مع استخدام الألوان الأزرق الزهري والفيروزي والأخضر لتزيين جدران المساجد والقصور والمباني الرسمية.

2 - الأواني الخزفية: تنافست مراكز إسلامية عديدة على إنتاج أنواع مميزة، مثل: دمشق والرقة وحماة والقاهرة، وكثرت الزخارف والكتابات بالكوفي والثلث.

بدأ التأثر بالخزف الصيني ولا سيما النوع المعروف بالأبيض والأزرق، وتعدُّ إزنيق Isnik وكوتاهية في تركيا من أهم مراكز صناعة الخزف في ذلك العصر، وتشابه معه خزف دمشق.

ابتكر الفنان العثماني أشكالاً متنوعة، مثل السلطانيات ذات الأغطية الهرمية، والدوارق الأسطوانية، وعثر في كوتاهية على مشكايات تعود إلى القرن 9هـ/15م.

مشكاة خزفية - صنع إزنيك

وفي القرن11هـ/17م أُنتجت السكريات وزمزميات الحجّاج، والأواني ذات الأعناق الطويلة والفناجين، وبذلك أصبحت عبارة فنجان كوتاهية تطلق على كل خزف كوتاهية.

وكان للتأثيرات الأندلسية والإيطالية والعثمانية أثر بارز في ازدهار الصناعات الخزفية في تونس في القرن13هـ/19م، وقد نفذت زخارفها بألوان البنفسجي والأخضر والأصفر، وبعضها مزدوج على أرضية بيضاء.

وفي الفترة نفسها عَرفت بلاد فارس أشكالاً عديدة من الخزفيات المتميزة باللمعان، نتيجة تغطيس الأواني في الماء المملَّح قبل التزجيج، ويُذكر أنها عرفت صناعة الخزف عن طريق القوافل التجارية (طريق الحرير) التي كانت تحمل الخزف الصيني؛ فقد استعمل الخزافون الصينيون الألوان الباردة في البداية، ولمَّا تعرفوا فنون الإسلام وحضارتهم أخذوا عنهم الألوان الحارّة والزاهية، ووشَوا الآنية بالذهب والفضة، وانتقل أسلوبهم إلى اليابان وشعوب الغرب وبعض مناطق الشرق، ومن أهم المراكز المُنتجة للخزف أيضاً: نيسابور والبصرة والكوفة وبغداد والرقة ودمشق والقاهرة وكاشان وتبريز وأصفهان وشيراز.

المباني الإسلامية التي نفذت فيها اللوحات الخزفية:

تُعد ألواح الخزف الملوَّن من أفخر أنواع الخزف الذي برع المسلمون في صناعته، ويكون على شكل بلاطات مستوية بأشكال متعددة، نُقش على كل منها مواضيع زخرفية متكررة أو مختلفة، ورُصت لتكوِّن موضوعاً زخرفياً كبيراً متناسقاً متعدد الألوان. ارتبطت الألواح بالعمارة الدينية خاصة، وكانت البلاطات الجدارية في المحاريب غنيَّة بالزخارف التي تزيِّنها الكتابات البارزة ذات اللون الأزرق الزهري.

تميَّز جامـع عقبة بن نافع في القيروان ٩هـ/١٥م بمحرابه المبني بالآجر الخزفي، يليه مسجد رستم في اسطنبول.

بلغت البلاطات الخزفيَّة أوج ازدهارها في القرن ١١هـ/١٧م، ويعود الفضل للمعمار العثماني خوجة سنان الذي كان يصمِّم ويشرف على بناء المساجد، وتكسية جدران المباني ببلاطات الخزف التي مثَّلت حدائق مشجَّرة، خلال خلافة السلطان سليمان القانوني.

محراب جامع عقبة بن نافع ومنبره في القيروان - تونس

تطورت صناعة البلاطات الخزفية في آسيا الصغرى في القرون ٨-١١هـ/١٤-١٧م. ومن أهم معالم الفن الخزفي في بورصة الجامع والضريح الأخضر؛ وفي كلٍ منهما محراب خزفي، كما برع الخزافون العثمانيون في فن الخزف المرسوم تحت الطلاء under glaze pottery. وتميَّز الخزف العثماني من خزف بلاد الشام باستعمال اللون الأحمر القاني بدلاً من الأحمر الداكن، كما ظهر أوَّل تزيين بالبلاطات الخزفية في القصور الأتابكية في الرقة، وانتقلت إلى باقي مدن بلاد الشام في العصرين المملوكي والعثماني، لتزيِّن القصور والمساجد والمدارس، فامتاز خزف دمشق بتنوع موضوعاته، وفيما بعد نُقل العمال الدمشقيون إلى أدرنة والقدس، ولهم آثار خزفية تُرى في المسجد الأقصى، وبناء قبة الصخرة في العصر الأموي، تكسوه الفسيفساء من الخارج التي استُبْدِلت في العصر العثماني بألواح الخزف الملون، قام بها العمال المحليّون الذين أنجزوا الزخارف الفسيفسائية في الجامع الأموي بدمشق.

كما زيَّنت البلاطات ذات الأشكال السداسية جامع الأمير غرس الدين التوريزي وتربته في العصر المملوكي 9هـ/15م، واشتهر حرم المسجد بروائع الزخارف الخزفية التي تغطي أسفل الجدران حتى ارتفاع متر ونصف.

ومازالت أكثر الألواح الخزفية الدمشقية تغطي عدداً من المباني التي أنشئت في العصر العثماني، منها مجمع الدرويشية 979هـ/1571م، وهي مزيَّنة بزخارف وكتابات قرآنية منفَّذة بخطَّي الثلث والتعليق، وجامع الـسنانيـة المشهور بمئذنته المزيَّنة بالطوب المزجَّج باللون الأخضر والأزرق.

لوح خزفي في المتحف الوطني بتونس بلاطات خزفية في تونس
مجموعة من بلاط الخزف متعدد الألوان تشكل قوساً عليها نص كتابي في تربة خلف جامع لالا باشا زخرفة قاشانية نباتية في التكية السليمانية بدمشق

أما حمام القيشاني ٩٨٠هـ/١٥٧٢م، ففيه لوحة كبيرة تمثِّل ثلاث مشربيات تضم أزهاراً وأغصاناً على خلفية نباتية، وعلى الرغم من كونه ينسب إلى الوالي درويش باشا، ومعاصراً لجامع الدرويشية فإنه سُمي بهذا الاسم للألواح الخزفية التي تكسوه.

هذا فضلاً عن ألواح الخزف الدمشقي الذي يغطي جدران جامع الشيخ محيي الدين بن عربي وتربته، وجدران تربة السلطان صلاح الدين الأيوبي، التي تحوي مجموعة من البلاطات الخزفية، عليها نص كتابي مع خلفية من الزهور والنباتات. وتبدو زخارف التكية السليمانية 10هـ/16م في لوحات مقوَّسة من البلاطات الخزفية فوق النوافذ والأبواب.

صحن من خزف العراق - القرن ٤هـ/١٠م طبق من الخزف ذي البريق المعدني - خلفية نباتية - من العصر الفاطمي
صحن من العراق - العصر العباسي - القرن ٣هـ/٩م طبق خزفي من العصر الفاطمي - القرن ٥ هـ/١١م

وتزين زاويةَ سعد الدين الجباوي في حي الميدان بدمشق لوحتان خزفيتان مؤلفتان من بلاطات مربعة ومستطيلة، ومن لوح كتابي وألواح مقوسة، كذلك يحوي المتحف الوطني بدمشق مجموعة نادرة من الألواح الخزفية الملونة تحت الطلاء ذات صيَغ متنوعة.

جرة خزفية من مكتشفات الرقة تعود ألى العصر العباسي جرة من الخزف من العصر الأيوبي

تمثال فارس من خزف الرقة - العصر الأيوبي - خزف متعدد الألوان (متحف دمشق الوطني)

تمثال لرجل تركماني يحلب جاموساً ( من خزف العصر الأيوبي)

وكان للخزافين المسلمين أكبر الأثر في تطوير هذه الصناعة وإضفاء الجمال عليها، فكان نتاج الحضارة الإسلامية غنيّاً في صناعة الخزف، الذي أصبح مادة تدرَّس عن طريقة صنعه ووسائل تنفيذه، وعليه فقد أدى الخزف دوراً أساسياً في تزيين المنشآت، شأنه شأن الخشب المنقوش والبرونز، وشغل في الفنون التطبيقية مكاناً لا يقل أهمية عنهما.

نموذج لأحد تكوينات بلاطات الخزف القاشانية ف
ي جامع التوريزي وتربته بدمشق

سوزان أحمد الجفَّان

 

مراجع للاستزادة:

- أحمد المفتي، فن صناعة الخزف (دار طارق بن زياد، 1999م).

- منى المؤذن، خزف دمشق الإسلامي المحفوظ في المتحف الوطني بدمشق- من القرن 13-18م (المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق 2013م).

- مجموعة مؤلفين، الفنون الخزفية من خلال مجموعات المتحف (المتحف الوطني للآثار، 1995م).

- عفيف البهنسي، "القاشاني الدمشقي"، مجلة الحوليات الأثرية، المجلد 35، 1990م، ص 9-66.

- أحمد الصاوي، أزنيك عاصمة الخزف التركي (الاتحاد، 2013م).


التصنيف : آثار إسلامية
المجلد: المجلد السادس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 560
الكل : 30706784
اليوم : 65938