logo

logo

logo

logo

logo

برزية (قلعة-)

برزيه (قلعه)

-

برزيــة (قلعة -)/حماة 

 

تقع قلعة برزية في الجهة الشمالية الغربية من محافظة حماة في شمال غربيّ قرية جورين؛ حيث ترتفع عن سطح البحر نحو 500م، وتُعدّ إحدى أكثر القلاع المحصنة والمنيعة في سورية الداخلية؛ نظراً لموقعها الجغرافي. فهي تتربع فوق أحد الجبال الساحلية الغربية والمعزول من الشمال والجنوب بواديين عميقين، وجوانبه تتسم بالوعورة الشديدة والانحدار حيث تطل على سهول العاصي والغاب المحصورة بين سلسلة الجبال الغربية المحاذية للبحر الأبيض المتوسط من جهة والبادية الشرقية من جهة أخرى، وهي تسيطر على الطريق الداخلي في سورية والمتجه (جنوباً-شمالاً) من دمشق مروراً بحماة وشيزر وأفامية، حتى حلب أو أنطاكية والساحل السوري.

 إن قمة الجبل التي تم بناء القلعة عليها تتألف من هضبة واسعة منحدرة من الغرب إلى الشرق، وتتماشى هذه الهضبة مع تضاريس المحيط الطبيعي وتشكل مضلعاً شبه منحرف قريباً من المثلث، والقلعة التي كانت مبنية على هذه الهضبة هي اليوم متروكة بشكل أطلال مهدمة تتوزع بقاياها بين النباتات البرية والصخر العالي الناتئ، من المؤكد أن قلعة برزية بحاجة إلى الكثير من الدراسات الميدانية من أجل معرفة المراحل التي مرت بها وفهمها، فالدلائل المعمارية متعددة ومتنوعة، منها البيزنطي الذي تؤكده بقايا الكنيسة، ومنها الأيوبي؛ وهو ما يتضح في بعض مرامي السهام والأبراج التي تم توسيعها وإعادة توظيفها (مثل المدخل)، وأيضاً هناك البقايا المعمارية المملوكية التي تظهر جلية في الأبراج الجنوبية.

وقد ذكرت القلعة في العديد من روايات المؤرخين العرب، فقد أورد ابن الأثير(555–630هـ/1160 – 1233م) لها وصفاً دقيقاً حيث قال: «وهي تقابل حصن أفامية، وتناصفها في أعمالها، وبينهما بحيرة تتجمع من ماء العاصي وعيون تتفجر من جبل برزية وغيره. وهذه القلعة لا يمكن أن تقاتل من جهة الشمال والجنوب البتة، ولا يقدر أحد أن يصعد جبلها من هاتين الجهتين، وأما الجانب الشرقي فيمكن الصعود منه؛ لكن لغير مقاتل لعلوه وصعوبته  وأما من جهة الغرب؛ فإن الوادي المطيف بجبلها قد ارتفع هناك ارتفاعاً كثيراً حتى قارب القلعة».

قلعة برزية

كما ذكرها بهاء الدين بن شداد حيث قال:

برزية: «هي قلعة حصينة في غاية القوة والمنعة على سن جبل شاهق يضرب بها المثل في جميع بلاد الفرنجة والمسلمين، يحيط بها أودية من سائر جوانبها، وذرع علوها كان خمسمائة ذراع ونيفاً وسبعين ذراعاً».

خلال المراحل التاريخية سميت القلعة باسم قلعة برزية – برزويه، وفي العديد من المصادر العربية كانت تسمى بـ مرزة، وفي فترة القرن الأول قبل الميلاد وعند سيطرة الرومان على المنطقة هناك ذكر لموقع كان يسمى بـ   (Lysias)، وهو يسيطر على بحيرة تقع قرب أفامية، وإن هذه البحيرة حددت من قبل المصادر العربية في القرون السادس والسابع والثامن الهجريّة/ الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر الميلاديّة بين برزية وأفامية حيث ذكر ابن الأثير وصفاً للمنطقة في سنة 584هـ/1188م حيث قال: «بحيرة تقع بين القلعتين تشكلت بسبب مياه العاصي والينابيع التي تتدفق من جبال برزية وأماكن أخرى».

وفي المضمون نفسه ذكر أبو شامة في القرن 7هـ/13م: «بين الاثنتين القلعتين توجد بحيرة تفصل الجانبين، وصيادوها المسلمون بأفامية».

وفي القرن  8هـ/14م ذكرها الدمشقي حيث قال: «برزية حصن منيع يضرب به المثل، وتحته بالقرب بحيرة أفامية، بحيرة يجتازها نهر العاصي لها سد».

إذاً يمكن الاعتقاد أن برزية في الفترة الرومانية هي نفسها Lysias التي أصبحت تابعة للرومان الذين استقروا في أفامية، واعتمدوا على كل المنطقة المحيطة بها لتغذية الجيش وتجنيد المساعدين لهم من السكان المحليين.

 

- اسم برزية لم يظهر بعد ذلك إلا في القرن الرابع الهجري /العاشر الميلادي في فترة الاجتياح البيزنطي؛ إذ تم فتح برزية التي كانت بيد البيزنطيين في الفترة  336- 338هـ/947-949م وفق رواية ابن العديم، وذلك من قبل سيف الدولة الحمداني أمير حلب حيث قال: «جرى بينه وبين الروم وقائع أكثرها له، وبعضها عليه، فمنها فتح حصن برزية سنة 337هـ /947 - 949م».

ولكن بعد عدة سنوات وبتصريح المؤلف نفسه استعاد البيزنطيون السيطرة على القلعة، ومن دون شك مكث الموقع بين أيدي البيزنطيين كغيره من المواقع كحصن بانياس وجبلة حتى سنة 583هـ/1090م؛ إذ سيطر السلاجقة على المنطقة وقام الحاكم السلجوقي لمدينة حلب بهدم الحصن وفق رواية ابن العديم أيضاً.

ويعتقد بعد ذلك خضوعها لسلطة الفرنجة (الصليبيين) الذين احتلوا تلك المنطقة، صارت القلعة آنذاك محكومة من قبل عائلة نبيلة تتبع رهبانية أنطاكية، وذلك حتى سنة 584هـ/1188م حين حاصرها صلاح الدين الأيوبي في شهر آب من ذلك العام، واستطاع السيطرة عليها في عدة أيام.

أما في العهد المملوكي؛ فقد كانت القلعة تابعة لمقاطعة طرابلس أيام حكم السلطان قلاوون، والذي قام بتحصينها في القرن 8هـ/ 14م.

وقد ضربت الزلازل القلعة عدة مرات حيث ما تزال آثار الانهدامات موجودة فيها، حتى إن العديد من مبانيها انهارت، وتراكمت حجارتها بعضها فوق بعض، وإن أغلب الأبنية الباقية هي أبنية غير مستقرة مهددة بالانهيار وتحتاج إلى تدخل ترميمي شامل يُنقذ ما تبقى من آثار هذه القلعة العظيمة المنسية.

البناء الحالي للقلعة هو مزيج مختلط من العمارة ناجم عن المراحل التاريخية المتلاحقة، وقد شكلت القلعة البيزنطية التي بنيت في أواخر القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي الأساس للمخطط المعماري العام للقلعة والذي اتخذ شكل مضلع قريب من المثلث.

تتكون القلعة من قسمين: الأول هو القلعة الداخلية العليا، والثاني هو القلعة الخارجية السفلى. وتدعم القلعتين الأسوار والأبراج من كل الجهات حيث سايرت الأسوار والأبراج خطوط المنحدرات الطبيعية الصخرية الحادة؛ مما شكل حاجزاً منيعاً جداً حمى القلعة من أي هجوم محتمل.

المسقط العام للقلعة وأبراجها

يقع مدخل القلعة في الجهة الغربية والتي هي أسهل جهة للوصول، وهو بين البرجين الأول والثاني، وهذا الباب قد خضع للعديد من التعديلات والتغييرات خلال مختلف مراحل ترميم القلعة في الفترات التاريخية السابقة، وباب القلعة ضخم وقوي ويتألف من عقد مرتفع، وفتحة الباب مكونة من الحجارة  الكلسية الضخمة، حيث يتم الدخول بين البرجين (1 - 2)، ثم يتم الانعطاف يميناً؛ ليُتمكن من دخول  القلعة عبر البرج /2/.

مدخل القلعة

بنيت أسوار القلعة بالحجارة الكلسية القاسية المتوافرة في الموقع والجبال القريبة، وقد بنيت بشكل مساير لخطوط الانحدار وفي حوافها العلوية. وهذه الأسوار يمكن تقسيمها إلى أسوار خارجية مبنية بشكل ضخم وبحجارة كبيرة منحوتة بشكل جيد وخصوصاً من الجهتين الغربية والجنوبية؛ ولكنها أقل سماكة في الجهة الشمالية. وإن سماكة الأسوار تتبع موقعها ومدى إمكانية التحصين الطبيعي للموقع، وقد زودت الأسوار في أجزاء منها بمرامي سهام لزيادة إمكانية الدفاع في المسافات الواقعة بين الأبراج (مثال على ذلك مرامي السهام الموجودة بين البرجين 2 و3).

 وللقلعة نوعان من الأبراج: أولهما هي الأبراج الخارجية التي تتوضع على الأسوار وتدعمها، وهي ضخمة كالأبراج (1 - 2 - 3 - 5 - 15 - 16) التي تحمي الجهة الغربية، وأيضاً الأبراج ( 6 - 7 - 8) الواقعة في الجهة الجنوبية. أما الأبراج الصغيرة فتوجد في الجهة الشمالية حيث التحصين الطبيعي يوفر لها الحماية المطلوبة، ويوجد كذلك برجان صغيران (4 - 17).

وفي معرض الحديث عن الأبراج الخارجية لا بد من الإشارة إلى البرج /11/ الواقع في الجهة الشرقية من القلعة، وهو برج مطل على سهل الغاب، وتشير بعض الدلائل المعمارية إلى استخدامه كنيسة من قبل القرويين في الفترة البيزنطية.

أما النوع الثاني من الأبراج؛ فهي الأبراج الداخلية التي تدعم القلعة الداخلية، وتتميز بقوة البنيان، وهي مشغولة بالحجارة الكبيرة المنحوتة على نحو ممتاز، وتقوم على أساس صخري قوي (رأس الجبل الذي تقوم عليه القلعة)، وقد تم نحت الصخر لزيادة الارتفاع، وهذه الأبراج هي: (18 - 19 - 20 - 21)، وهي مرتبطة بالأبراج (2 - 3 - 15 - 16 - 17) مع الإشارة إلى أن البرج (20) يحتوي على دلائل تشير إلى استخدامه مسجداً في الفترة الإسلامية، وهو حالة نادرة من أنواع المساجد.

أما القلعة الداخلية التي تقع في الجزء الشمالي الغربي من القلعة، وتحميها الأسوار والأبراج؛ فهي مؤلفة من مستويين: المستوى الأول المنخفض، ويتكون من خزانات مياه محفورة بالصخر ومسقوفة بأقبية أسطوانية.

أما المستوى الثاني العلوي؛ فقد نحتت حوافه بالصخر بشكل حاد، وهي بالتأكيد تشكل نموذجاً للقلعة البيزنطية، وهذا القسم يحتوي على خزان ماء ضخم؛ إضافة إلى أبنية ذات طابع سكني.

مع العلم أن خزانات المياه متوزعة في أماكن متفرقة من القلعة (بين القلعة الداخلية والأسوار الخارجية)، وهي محفورة بالصخر ومسقوفة  بالقبوات.

مجد حجازي

مراجع للاستزادة:

-       بهاء الدين بن شداد، كتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1979).

-       ابن الأثير، كتاب الكامل في التاريخ، المجلد التاسع (دار الكتاب العربي، بيروت 1967).

-       بنجامين ميشوديل، تقرير البعثة الفرنسية 2001م بعنوان (حصن برزية/برزويه/قلعة مرزة) - .(2007,IFEAD)

 


التصنيف : آثار إسلامية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 569
الكل : 26896704
اليوم : 43984