logo

logo

logo

logo

logo

التقويم في العصور الكلاسيكية

تقويم في عصور كلاسيكيه

-

 التقويم

التقويم

التقويم الأرشاقي

التقويم الحميري

تقويم الولاية العربية

التقويم السلوقي على النقوش

التقويم السلوقي على النقود

التقويم في العصور الكلاسيكية

التقويم الأولمبي

تقويم نبوخذ نصر Nabonassaros

التقويم الروماني

التقويم الميلادي

التقويم السلوقي

 

 

التقويم في العصور الكلاسيكية

إن أبسط تعريف للتقويم من الوجهة التاريخية والفلكية هو أنه نظام يقوم على مبدأ حساب السنين وتعدادها بدءاً من تاريخ محدد متفق عليه مرتبط بحدث تاريخي معيّن سواء كان حقيقياً أم مفترضاً يستند إلى الظن والاعتقاد.

ويتفق هذا التعريف إلى حد كبير مع ما جاء لدى البيروني في كتابه «الآثار الباقية عن القرون الخالية» حيث يقول: «والـتأريخ هي مدة معلومة تُعدّ من لدن أول سنة ماضية كان فيها مبعث نبي بآيات وبرهان،أو قيام ملك مسلط عظيم الشأن،أو هلاك أمة بطوفان عام.... أو انتقال دولة أو تبدل ملة أو حادثة عظيمة... تعرف بها الأوقات المحددة عنها في جميع الأحوال الدنياوية والدينية».

ومن المعروف أن كل أحداث التاريخ ووقائعه تجري عبر الزمن، ولابد من فهمها وإدراك أهميتها من معرفة موقعها في سياق هذا الزمن؛ وبالتالي مدى بعدها أو قربها من العصر الحاضر. وهذا هو موضوع علم (حساب) الزمن أو التزمين (الكرونولوجيا) الذي يهدف إلى معرفة ترتيب الأحداث والوقائع التاريخية وتحديد تسلسلها الزمني، ويساعد بالتالي على تحويل التواريخ والمعطيات الزمنية من العصور الماضية إلى ما يقابلها من تواريخ في التقاويم المستعملة في العالم المعاصر، وعلى رأسها التقويم الميلادي والتقويم الهجري. ومن أجل ذلك لا بد من فهم خصوصية حساب الزمن عند القدماء،أي فهم طبيعة التقاويم القديمة.

والتقويم الميلادي المستعمل حالياً على نطاق عالمي ليس في الحقيقة سوى التقويم اليولياني الذي أعلنه يوليوس قيصر Iulius Caesar في روما عام ٤٥ ق.م والذي يعتمد على التقويم المصري، وهو تقويم شمسي (أي إنه يستند إلى حركة الشمس الظاهرية في السماء )، وكان أهم التقاويم الشمسية في العصور القديمة. غير أن معظم الشعوب القديمة كانت تعتمد في حساب الزمن على الدورة القمرية وتستعمل بالتالي تقاويم قمرية، كان أهمها وأكثرها دقة وتطوراً التقويم البابلي. وكانت كل التقاويم الإغريقية القديمة والتقويم المقدوني وكذلك الروماني (أي التقاويم الكلاسيكية) إنما هي تقاويم قمرية. وبعد معرفة طول السنة الشمسية بدقة في بابل (منذ القرن الثامن ق.م على أقل تقدير) وانتقالها فيما بعد إلى الإغريق بدأت المحاولات للتوفيق بين السنوات الشمسية والقمرية وإيجاد علاقة ثابتة فيما بينها. وقد تبين نتيجة الأرصاد الفلكية أن مدة ٨ سنوات شمسية تعادل على وجه التقريب ٩٩ شهراً قمرياً وبالتالي يكفي إضافة شهر قمري من ثلاثين يوماً ٣ مرات في كل ثماني سنوات للحصول على التوافق المطلوب وهكذا تم وضع الدورة الثمانية Oktaëteris التي تتضمن ثلاث سنوات كبيسة من ١٣ شهراً.

ولكن منذ عام ٣٨٣ ق.م استعيض منها الدورة التسع عشرية Enneakaidekaëteris المؤلفة من ٢٣٥ شهراً قمرياً مع سبع سنوات كبيسة في الأعوام (٣/ ٦/ ٨/ ١١ /١٤/ ١٧/ ١٩) وهذه الدروة في غاية الدقة؛ إذ لايبلغ الفارق بين سنتها والسنة الفلكية سوى أقل من ٧ دقائق. وقد استخدمت هذه الدورة منذ بداية التقويم السلوقي.

في الحقيقة لم تعرف العصور القديمة التقويم Era /Calendar بالمعنى الدقيق للكلمة إلا في وقت متأخر من تاريخها، واستخدمته في نطاق ضيق محدود. وكان كثير من التقاويم المعمول بها ذا طابع عرضي مؤقت لم يكتب له الدوام والاستمرار، كما أن بعضها يدين بوجوده إلى جهود العلماء والباحثين، ولم يجد طريقه إلى الاستعمال التام.ومع تنامي التطور الحضاري وازدياد الاتصالات بين الشعوب والدول والمدن المختلفة وسعيها إلى استجلاء ماضيها بدقة، وظهور الامبراطوريات الكبيرة، ومع تعاظم التدوين التاريخي؛ نشأت الحاجة إلى البحث عن طريقة للتأريخ يمكن استعمالها بصورة عامة ومعترف بها.

ويذكرعالم الفلك الإسكندراني إراتوستنيس القوريني (٢٨٤-٢٠٢ ق.م) Erathosthenes الملقب بأبي الكرونولوجيا أن الإغريق كانوا يستعملون في تواريخهم ١١ تقويماً على الأقل، أولها حرب طروادة، وآخرها موت الإسكندر؛ ولكن أشهرها بلا شك التقويم الأولمبي. كما أن البيروني تحدث في الآثار الباقية عن١٥ تقويماً، أولها مبدأ البشر، وآخرها تاريخ الخليفة العباسي المعتضد بالله، ومن أهمها تاريخ الإسكندر، وتاريخ هجرة النبيr.

ومن أهم أنواع التقاويم وأقدمها التقاويم السياسية المرتبطة بحدث تاريخي معيّن، ويتمثل أقدم أشكالها في تعداد سنوات الملوك، فيقال: في السنة كذا من حكم الملك كذا...يُلفى هذا في مصر القديمة مثل ما يُلفى في بلاد الرافدين والشام وكثير من الممالك.

كما أن بعض البلدان كانت تسمي السنة باسم كبار حكامها. فالآشوريون كانوا يؤرخون بموجب حكامهم السنويين الذين عرفوا باسم ليمو Limmu والأثينيون كانوا يؤرخون بأسماء أراخنتهم الملكيينArchontes Basilikoi ، والأسبرطيون بأسماء حكامهم Ephoroi، وكان الرومان يؤرخون بأسماء قناصلهم Consules. ولكن كل هذه الطرائق لم تكن في الحقيقة تفي بالغرض، وتحتاج إلى وضع قوائم متسلسلة بأسماء أولئك الملوك والحكام لتحديد التواريخ السابق منها واللاحق. ومن المعروف أن تلك القوائم لم تصل كاملة؛ وليست لكل العصور.

وهكذا فقد كان ثمة حاجة ملحة إلى إيجاد تقويم يقوم على اختيار سنة بذاتها واعتمادها تاريخاً رئيساً وأساساً ومنطلقاً لحساب السنوات التي تليها أو تسبقها. وأول هذه التقاويم كان التقويم السلوقي الذي نشأ في العصر الهلنستي، وصار مثلاً يحتذى لكثير من التقاويم السلالية الملكية.

كما يندرج في هذه الفئة التقاويم التي اتخذتها بعض المدن بمناسبة تحررها من سيطرة دولة كبرى وتمتعها بالحكم الذاتي؛ وتدعى تقاويم الحرية، أو استعملتها بعض المناطق والبلاد التي دخلت تحت سيطرة امبراطورية كبيرة، وهو ما يعرف بتقاويم الولايات. ومن هذه التقاويم السياسية التقويم اليولياني الروماني الذي انبثق منه التقويم الميلادي الحالي، وكذلك تقويم نبوخذ نصر البابلي وتقويم الملك يزدجرد الفارسي (٦٣٢ م).

وثمة كثير من الأمثلة على هذا النوع من التقاويم حتى في التاريخ الحديث؛ ولكن لم يكتب لها البقاء طويلاً،مثل تقويم الثورة الفرنسية الذي بدأ مع إعلان الجمهورية عام ١٧٩٢م والتقويم الفاشي في ايطاليا عند دخول الفاشيين روما عام ١٩٢٢م.

أما الفئة الثانية فهي التقاويم الدينية وهي كثيرة أيضاً ولكن أشهرها التقويم الميلادي الذي يتخذ من عام ولادة السيد المسيح بداية له.وهناك التقويم العبري الذي ينطلق من حسابات لاهوتية في تحديد بداية مفترضة لخلق الكون في ٧/١٠/٣٧٦١ ق.م ومثله التقويم البيزنطي الذي يفترض بدء الخليقة في ١/٩/٥٥٠٩ ق.م. كما ينتمي إلى هذه الفئة التقويم الهجري الإسلامي الذي يعتمد على حادثة معروفة ومؤكدة تاريخياً بمنتهى الدقة-على غير ما هو حال التقاويم الأخرى- جرت في سنة ٦٢٢م.

وتشكل التقاويم الوضعية فئة ثالثة، وهي تدين بنشأتها إلى جهود العلماء والمؤرخين، ومن أشهرها التقويم الأولمبي والتقويم الروماني الذي ارتبط بتأسيس مدينة روما.

وفيما يلي أهم التقاويم الكلاسيكية القديمة والمشهورة تاريخياً وفلكياً وأثرياً:

التقويم الأولمبي:

أدى تنامي الحركة الفكرية والعلمية في العصر الهلنستي وازدياد الاهتمام بالتدوين التاريخي إلى البحث عن طريقة عملية سهلة ومعروفة للتأريخ. ويعود الفضل إلى علماء الإسكندرية- وعلى رأسهم إراتوستينس- في تحويل دورات الألعاب الأولمبية التي حددها أرسطو في عام ٧٧٦ ق.م إلى تقويم أولمبي بترقيمها بصورة متسلسلة وترقيم السنوات الأربع في كل دورة أولمبية. وأول مؤرخ استخدم التاريخ الأولمبي في مؤلفاته كان تيمايوس التاوروميني ( Timaios ٣٥٦-٢٦٠ ق.م). كما استخدمها المؤرخون بوليبيوس Polybios وديودور الصقلي Diodorus Siculus وفلافيوس يوسيفوس Flavius Josephus. لكن أشمل استخدام له كان على يد المؤرخ الكنسي الكبير إوسيبيوس القيساري Eusebios الذي اعتمده منطلقاً لتأريخ الأحداث والوقائع التي دوّنها في حوليته التاريخيةChronikon بدءاً من الأولمبيادة الأولى حتى الأولمبيادة ٢٤٩ (٧٧٦ ق.م-٢٢١م).

وتتجلى أهمية التقويم الأولمبي ودوره في الكرونولوجيا التاريخية القديمة في أن المؤرخين البيزنطيين استمروا في استخدامه في مؤلفاتهم حتى بعد إلغاء الألعاب الأولمبية في عام ٣٩٣م. لقد نشأ التقويم الأولمبي لأغراض تاريخية و أدبية، ولذلك لم يستعمل في تأريخ الوثائق والنقوش الأثرية إلا نادراً.

تقويم نبوخذ نصر Nabonassaros:

وهو أول تقويم سياسي يُعرف بدقة تامة والذي يبدأ يوم ٢٦ شباط/فبراير عام ٧٤٧ق.م، ووصل عن طريق النصوص المسمارية الفلكية، ثم انتقل من بابل إلى الإسكندرية وعلمائها، وعلى رأسهم بطلميوس القلوذي Ptolemaios (١٠٠-١٧٨م) الفلكي المشهور بكتابه «المجسطي » الذي استخدمه في قائمته الملكية المعروفة باسم «قانون بطلميوس (Ptolemy’s canon) التي تشمل فترة زمنية تزيد على ألف سنة بدءاً من ملوك بابل والفرس ثم الإسكندر وبطلميوس وملوك البطالمة وأخيراً أغسطس والأباطرة الرومان. ويعتمد على سنة شمسية مؤلفة من ٣٦٥ يوماً. وقد ذكره المسعودي في كتاب «التنبيه والإشراف» بقوله : «وكانت القبط بأرض مصر تؤرخ بأول السنة التي ملك فيها بخت نصر، وأولها يوم الأربعاء، وقد ذكر ذلك بطليموس في كتابه المجسطي». وكملحق بهذا التقويم يورد «المجسطي» تقويماً يسميه «من موت الإسكندر» والذي يبدأ في الأول من شهر تحوت(المصري) عام ٤٢٥ من تقويم نبوخذ نصر الذي يقابل يوم ١٢ تشرين الثاني/نوفمبر عام ٣٢٤ق.م. وتجدر الإشارة إلى أن نبوخذ نصر هذا هو الأول، وليس نبوخذ نصر الثاني الذي خرب بيت المقدس كما يقول البيروني، فإن بينهما زهاء مئة وثلاث وأربعين سنة.

التقويم الروماني :

كانت السنة العادية (القمرية) عند الرومان تنقسم إلى ١٢ شهراً تضم ٣٥٥ يوماً، وكان يليها سنة كبيسة من ١٣ شهراً و٣٧٧ أو ٣٧٨ يوماً، وهكذا بالتناوب لمعادلتها بالسنة الشمسية. وكانت السنة تبدأ في شهر آذار /مارس؛ ولكن منذ عام ١٥٣ ق.م أصبحت تبدأ من كانون الثاني /يناير.

لم يكن يوجد في روما تقويم يتم بموجبه حساب السنين، وإنما كانت السنة تعرف بأسماء القناصل منذ قيام الجمهورية عام ٥٠٩ ق.م،لذلك دعت الحاجة الرومان إلى وضع قوائم بأسمائهم دعيت: قوائم القناصل Fasti Consulares؛ ولكن مع اتساع دولتهم واتصالهم بالشعوب والثقافات الأخرى التي سبقتهم في ميدان الحضارة شعر مفكروهم بأهمية وجود تاريخ محدد لحساب الزمن وقيام دولتهم؛ فدفعهم شعورهم الوطني إلى اتخاذ عام تأسيس روما بداية لتاريخهم،وهكذا نشأ التقويم المسمى «منذ تأسيس المدينة» (a.u.c.= Ab urbe condita) وقد اختلفت الآراء حول سنة التأسيس إلى أن ساد التاريخ الذي وضعه العالم الموسوعي الروماني فارو Varro (١١٦-٢٧ق.م) نتيجة أبحاثه ودراساته، وهو ٢١/٤/ ٧٥٣ق.م، والذي صار بداية التقويم الروماني (أو تقويم فارو) وقد استخدمه عدد من المؤرخين وعلى رأسهم ليفيوس Livius الذي سمي تاريخه الكبير»منذ تأسيس المدينة» Ab urbe condita وتجدر الإشارة إلى أن الاحتفالات الألفية بتأسيس مدينة روما جرت وفق هذا التاريخ في ٢١/٤/٢٤٧م في عهد الامبراطور فيليب العربي.

غير أن هذا التقويم الذي كان من ابتكار العلماء لم يكن له تأثير في الحياة العملية؛ فقد استمر التاريخ بأسماء القناصل الرومان حتى القرن السادس الميلادي.

كانت معرفة الأيام في الأشهر الرومانية تخضع لحسابات معقدة كما أن المواءمة بين السنتين القمرية والشمسية لم تكن دقيقة بما فيه الكفاية، وهكذا ظهرت عيوب التقويم الروماني واضحة جليّة في القرن الأول قبل الميلاد؛ مما دفع رجل الدولة الروماني الكبير يوليوس قيصر C.Iulius Caesar عام ٤٦ق.م إلى تكليف الفلكي الإسكندراني سوسيجنس Sosigenes بإصلاح التقويم فاعتمد السنة المصرية الشمسية المؤلفة من ٣٦٥ يوماً مع إضافة يوم في كل رابع سنة (كبيسة) بدلاً من السنة القمرية الرومانية، وهكذا نشأ التقويم المسمّى التقويم اليولياني الذي انتشر في العالم الروماني، وفاق كل التقاويم السابقة في دقته وسهولة تطبيقه، وسينبثق منه فيما بعد التقويم الميلادي.

وينبغي الإشارة هنا إلى أنه نشأ في العصر الامبراطوري الروماني نمط جديد من التأريخ إلى جانب سنوات القنصلية يتمثل في أن الامبراطور أغسطس وخلفاءه صاروا يعدون سنوات حكمهم تبعاً لتسلمهم السلطة التريبونية (وهي سلطة محامي الشعب الروماني)، ويظهر هذا النمط في المراسيم والنقوش والنقود.

كما ظهر في أواخر القرن الثالث الميلادي (٢٩٧م ) نمط آخر، ألا وهو التأريخ بحسب سنوات الإندقية (هي تعريب للكلمة اللاتينية Indictio (مع بعض التصرف) أما إندقتي فهي المقابل اللفظي للمصطلح) (وهي دورة ضريبية كل ١٥ سنة). وبقي هذا التقليد قيد الاستعمال في مصر وسورية حتى الفتح العربي، وفي الامبراطورية الرومانية الشرقية حتى سقوطها عام١٤٥٣م.

التقويم الميلادي:

نشأ هذا التقويم تدريجياً منذ القرن السادس الميلادي عندما قام أحد الرهبان المسيحيين -ويدعى ديوينسيوس إكسيجوس Dionysius Exiguus (المتوفى عام ٥٤٠م)- بحساب تاريخ مولد السيد المسيح، وعدّه بداية التاريخ المسيحي، وهكذا ولد التقويم الميلادي الذي اعتمد على التقويم اليولياني حتى عام 1582 عندما جرى تعديله في عهد البابا غريغور الثالث عشر XIII Gregor (بسبب وجود زيادة زمنية طفيفة في احتسابه)، فأصبح يعرف باسم التقويم الغريغوري المستعمل اليوم على نطاق واسع في مختلف أنحاء العالم، ويبلغ الفارق حالياً بينه وبين التقويم اليولياني (المعروف بالتقويم الميلادي الشرقي )13 يوماً.

التقويم السلوقي:

هو أشهر تقويم عرفته سورية في العصور الكلاسيكية؛ ومن أهم التواريخ التي عرفها التاريخ القديم وأوسعها انتشاراً وأكثرها عراقة وأصالة.فقد ولد ونشأ في كنف التقاليد البابلية العريقة ويتميز بالدقة والثبات والاستمرار؛ مما جعله من أهم وسائل التأريخ في الوثائق الملكية والعقود والنقوش والنقود والآثار والأزياج الفلكية وسواها على مدى ألف عام ونيف. أما منطلقه فكان عودة سلوقس]ر[ Seleukos المظفرة إلى ولايته بابل في صيف عام ٣١٢ ق.م والتي عدّها هو وخلفاؤه من بعده عيد ميلاد الامبراطورية السلوقية والتقويم السلوقي.

وبسبب الاختلاف القائم بين السنة المقدونية التي تبدأ في فصل الخريف والسنة البابلية التي تبدأ في فصل الربيع نشأت صيغتان لهذا التقويم عرفت الأولى باسم الصيغة المقدونية التي انتشرت في سورية وغرب الامبراطورية، والتي تبدأ في الأول من شهر ديوس Dios المقدوني (=تشرين الأول/نوفمبر) عام ٣١٢ ق.م. أما الثانية فعرفت بالصيغة البابلية. وبما أن التقاليد الملكية البابلية لم تكن تبدأ بتأريخ عهد أيّ حاكم جديد إلا مع رأس السنة البابلية الجديدة؛ فإن سنة سلوقس الأولى بدأت في نيسان عام ٣١١ ق.م،أي بعد ستة أشهر من بدايتها المقدونية. وفي كل الأحوال فان تحويل السنة السلوقية سواء كانت مقدونية أم بابلية إلى ما يقابلها في السنة الميلادية يقود إلى وضع تواريخ مزدوجة؛ وبالتالي فإن السنة السلوقية الأولى تقابل العام ٣١٢/٣١١ ق.م بحسب الصيغة المقدونية والعام ٣١١/٣١٠ ق.م بحسب الصيغة البابلية بسبب اختلاف بداية السنة بين هذه التقاويم الثلاثة.

لقي التقويم السلوقي نجاحاً كبيراً، وعم استعماله ليس ضمن الامبراطورية السلوقية فحسب، وإنما خارج نطاقها حتى بعد سقوطها. وهكذا يُلفى في بلاط الملوك الفرثيين وفي بلاد الرافدين وممالك آسيا الصغرى، مثلما يُلفى في مدينة تدمر التي بدأ صعودها بعد انهيار المملكة السلوقية التي لم تعرف على مدى تاريخها الموثق تقويماً آخر سواه، كما استخدمه الأنباط وعرب الجنوب الحميريون وغيرهم. وأهم التقاويم الكلاسيكية التي تأثرت بالتقويم السلوقي، ونسجت على منواله :

التقويم الأرشاقي:

لقد قلد الفرثيون البارثيون[ر[ السلوقيين في طريقة تأريخهم وتعداد سنوات الحكم الملكي، فكان تقويمهم الأرشاقي ليس سوى حساب حكم السلالة انطلاقاً من عام ٢٤٧ ق.م؛ عندما أعلن أرساكيس Arsakes قيام المملكة. كانت السنة الفرثية تبدأ في الأول من نيسان، أي إنها سارت وفق التقاليد الفلكية البابلية التي كانت سائدة في بلاد الفرس منذ أيام الأخمينيين. وفي رسالة وجهها الملك أرطبان الثالث إلى مدينة سلوقية (سوزا) هناك التاريخ الأرشاقي في رأس الرسالة ٢٦٨(= ٢١م)، وفي متن الرسالة تاريخان سلوقيان سابقان، هما ٣٣٠ و٣٣١، وهذا يدل على أن المدن الإغريقية التي خضعت للفرثيين بقيت تستعمل التقويم السلوقي.

التقويم الحميري:

وهو يشبه التقويم السلوقي في نشأته، ويبدو أن اليمنيين بدؤوا باستخدامه منذ عام ١١٥ ق.م، وهو تاريخ قيام دولة حمير (التي عرفت باسم سبأ وذي ريدان)، وقد عثر على كثير من النقوش المكتوبة بخط المسند مؤرخة وفق هذا التقويم، وآخر نص مؤرخ به يعود إلى سنة ٦٦٩(=٥٥٤م). كما استخدمه أبرهة عامل الحبشة على اليمن في اللوحة التي نصبها تخليداً لإصلاح سد مأرب المشهور. ومن المرجح أن الحميريين تعرفوا التقويم السلوقي من خلال صلاتهم التجارية مع بلاد الشام، فأدركوا فوائد التقويم، واتخذوا من قيام دولتهم مبدأ لتأريخهم وتقويمهم الذي دام ما يقرب من سبعة قرون، ويكون بذلك أطول تقويم عرفته بلاد العرب قبل الإسلام.

تقويم الولاية العربية:

ويعرف أيضاً باسم تقويم بصرى التي أصبحت عاصمة الولاية العربية التي أعلنها الرومان بعد قضائهم على مملكة الأنباط عام ١٠٥ م، وتراوح بدايته بين عامي ١٠٥ و١٠٦م. ويُلفى هذا التقويم على نقشين من حران العواميد مرة باسم تقويم البصراويين، والأخرى باسم تقويم الولاية، وكلاهما يحملان التاريخ ٢٩١(= ٣٩٧ م). وبما أن أهل بصرى كانوا يبدؤون السنة في مطلع الربيع فإن بداية تقويمهم تقابل ٢٢ آذار/مارس سنة ١٠٦م، وبالنظر إلى مكانة بصرى وعلاقاتها التجارية الواسعة، فقد انتشر استعمال هذا التقويم بين عرب العراق وبادية الشام مثلما أيضاً عند الصفائيين كما يظهر في كتابات طور سيناء النبطية، وأشهر النصوص المؤرخة بهذا التقويم نقش النمارة العائد لشاهدة قبر ملك العرب امرئ القيس والمؤرخ في ٧ بكسلول سنة ٢٢٣(أي ٧ كانون الاول/ديسمبر سنة ٣٢٨م). وقد بقي العمل بهذا التقويم حتى القرن السابع الميلادي كما يثبته نقش من حران باللغتين الإغريقية والعربية يحمل تاريخ الولاية ٤٦٣ الذي يقابل ٥٦٨ ميلادية.

التقويم السلوقي على النقوش:

تعدّ النقوش من أهم المصادر التاريخية التي توثق استعمال التقويم السلوقي وتبين مدى انتشاره في المكان والزمان. ويكفي الإشارة إلى أن ما يزيد على نصف عدد النقوش المؤرخة (٢٥٠/٤٠٠) في المجلدات الأربعة الأولى من مدونة النقوش الإغريقية واللاتينية في سورية (IGLS) التي تضم نحو ألفي نقش مؤرخة بحسب التقويم السلوقي. وأول نقش يحمل تاريخاً سلوقياً جاء من مدينة أنطاكية Antiocheia وهو مؤرخ بالسنة ١٠٠ التي تقابل السنة ٢١٢/٢١١ ق.م، وآخر نقش جاء من منطقة أفامية، وهو مؤرخ بالسنة ٩١٦ السلوقية (=٦٠٥م)؛ أي إنه دون في العصر البيزنطي.

كما أن مدينة دمشق والمنطقة المحيطة بها كانت تؤرخ وثائقها وفق التقويم السلوقي، وقد أثبت الباحث هنري سيريغ Henri Seyrig بما لا يقبل الشك أن النقوش التي تشير إلى أعمال البناء والترميم في معبد جوبيتر الدمشقي والمؤرخة بالأعوام (٣٢٧/٣٤٩/٤٠٢) ينبغي احتسابها وفق التقويم السلوقي، وليس أي تقويم آخر،أي إنها تعود إلى القرن الأول الميلادي. وتجدر الإشارة إلى أن أحد النقوش المدونة على واجهة قصر ابن وردان (IGLS 1842) مؤرخ كالتالي: » في شهر نوفمبر في الإندقية الثالثة عشرة من سنة ٨٧٦ « ؛أي إنه يعود إلى سنة ٤/٥٦٥ م. يلاحظ هنا استخدام التقويم الروماني المتمثل بالإندقية وبشهر نوفمبر بدلاً من الشهر المقدوني إلى جانب السنوات السلوقية.

أما النقوش التدمرية فإنها تشكل نمطاً فريداً في بابها، فهي مدونة ليس فقط بالآرامية التدمرية، وإنما كذلك باللغة الإغريقية أو اللاتينية. وقد ظهرت نقوش مزدوجة اللغة، بل وأحياناً ثلاثية اللغة – وإن كانت نادرة جداً– وهي ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى التقويم السلوقي؛ لأن النصوص التدمرية أرخت بالشهور السورية البابلية بينما أرخت النصوص الإغريقية بالأشهر المقدونية المقابلة لها؛ مما يسمح بإجراء التوافق والمقارنة فيما بينها، ولا سيما وأن بعضها مؤرخ باليوم والشهر والسنة. وكثير من هذه النقوش مؤرخة، ولا تستعمل سوى التقويم السلوقي. ومن أقدم ما اكتُشِف نقش مؤرخ بشهر كانون والسنة ٣٠٤ التي توافق شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام٩ ق.م، وآخرها يحمل التاريخ السلوقي ٦٣٩ المقابل لسنة ٣٢٨ ميلادية.

ويعد نقش التعرفة الجمركية أهم هذه النقوش وأشهرها على الإطلاق.وقد دون باللغتين التدمرية والإغريقية.ويبدأ النص الإغريقي كما يلي: (السنوات ٤٤٨ شهر اكسانديكوس ١٨...) «قرار مجلس الشيوخ، اليوم الثامن عشر من شهر اكسانديكوس عام ٤٤٨ سلوقي»، الذي يقابل ١٨ نيسان/أبريل عام ١٣٧م. ويلاحظ أن التواريخ تأتي في مستهل النقوش المدونة بالإغريقية، في حين كانت توضع في خاتمة النقوش المدونة بالتدمرية الآرامية عادة. كما يلاحظ أيضاً أن السنوات السلوقية تكتب هكذا من دون أي تعريف أو إشارة تميزها؛ مما يدل على أن مدلولها كان معروفاً وبديهياً للتدمريين الذين لم يستعملوا تقويماً آخر غير التقويم السلوقي الذي كان بمنزلة تقويم دولي للشرق بأكمله؛ وبالتالي فإنه كان يلبي متطلبات التجارة التدمرية الدولية التي امتد مجالها من إيران شرقاً حتى البحر المتوسط غرباً.ويستفاد من أسماء الشهور السورية والمقدونية الواردة في النقوش التدمرية أن السنة التدمرية كانت تبدأ بشهر هوبربريتايوس المقدوني،الذي يقابل شهر تشريتو التدمري (ويوضح الجدول الملحق أسماء الشهور التدمرية والمقدونية والغربية وتسلسلها ).

أما النقوش النبطية فمعظمها غفل من التاريخ، وقليل منها يحمل تواريخ محددة. وقد جرت العادة عند الأنباط أن يؤرخوا نقوشهم ووثائقهم تبعاً لسنوات حكم ملوكهم؛ ولكنهم أرخوا أيضاً بالتقويم السلوقي، كما أرخوا بتقويم بومبيوس (الذي اعتمد في بعض المدن السورية بدءاً من عام ٦٤ق.م) أو بتقويم بصرى وبتواريخ محلية معروفة لديهم.

كما ظهر التقويم السلوقي في مملكة الحضر العربية التي قامت في موقع مهم للقوافل التجارية بين نهري دجلة والفرات قرب الموصل، وعرفت باسم Hatra في المصادر الكلاسيكية. ومن أقدم النصوص المؤرخة التي عثر عليها في مدينة الحضر نقش للملك سنطروق بن نصرومري مؤرخ بسنة ٣٨٨ السلوقية الموافقة لسنة ٧٧ الميلادية.

التقويم السلوقي على النقود:

كانت النقود السلوقية من أهم المجالات التي برز فيها استخدام التقويم السلوقي، وهي في الحقيقة من أهم المصادر التاريخية التي تعرِّف به وتوثِّقه؛ مثلما تعرف بمجموعة كبيرة من التقاويم التي استخدمتها كثير من المدن السورية في العصرين الهلنستي والروماني للتعبير عن حريتها واستقلالها، وكذلك عن ولائها لهذا الحاكم أو ذاك. وقد استعرض هنري سيريغ في إحدى دراساته تقاويم اثنتي عشرة مدينة سورية، وبيّن أهمية هذه التقاويم في الدراسات التاريخية.

ويؤكد الباحثون أن أقدم النقود السلوقية المؤرخة صدرت في عهد الملك أنطيوخوس الثالث الكبير (٢٢٣-١٨٧ ق.م) على النقود البرونزية التي سكّتها بعض المدن الفينيقية، ثم توالى ظهور التواريخ السلوقية على النقود الملكية ونقود المدن الكبيرة مثل أنطاكية وأفامية واللاذقية ودمشق. وأقدم نقد سكّته مدينة أنطاكية باسمها يحمل التاريخ السلوقي ١٤٤(= ١٦٩/١٦٨ ق.م) الذي يعود إليه الفضل في تحديد تاريخ منح هذا الامتياز للمدن السورية من قبل أنطيوخوس الرابع ابيفانيس (١٧٥-١٦٣ ق.م). أما مدينة طرابلس فأرخت النقود التي سكتها بتقاويم مختلفة، منها تقويم نيلها الحرية وتقويم بومبيوس وتقويم أكتيوم الذي عادت بعده إلى استخدام التقويم السلوقي بصورة نهائية حتى عهد الامبراطور الروماني إسكندر سفيروس (٢٢٢-٢٣٥ م). كما أن مدينة أفامية أرخت نقودها بالتقويم السلوقي، وأقدم ما ظهر منها يعود إلى عام ٢٣٧؛ أي ٦٥ ق.م. أما آخرها فيعود إلى سنة ٣٢٦ السلوقية (أي ١٤م).

كذلك كانت دمشق تؤرخ نقودها بحسب التقويم السلوقي، وأقدم نقد دمشقي يحمل التاريخ السلوقي ٢٧٥ (= ٣٧/٣٦ ق.م)؛ ولكنه يحمل أيضاً صورة الملكة كليوباترا البطلمية، التي غدت دمشق تابعة لها في زمن القائد الروماني ماركوس أنطونيوس، وهذا يؤكد تمسك المدينة بالتقويم السلوقي حتى بعد أن تغيرت تبعيتها السياسية، وبقيت تستعمله حتى عهد الامبراطور أنطونينوس بيوس (١٣٨-١٦١ م).

كما أن سائر المدن السورية المهمة الأخرى في سورية كانت تستخدم التقويم السلوقي على نقودها، منذ أن بدأت بتأريخها مثل اللاذقية وسلوقية بيرية وحمص وعكا وبيروت وجبيل وسواها.وقد امتد استخدامه كذلك إلى الإمارات المحلية التي قامت في أواخر العهد السلوقي مثل المكابيين والايتوريين الذين اتخذوا من خلقيس لبنان عاصمة لهم، وأرخوا نقودهم بالتقويم السلوقي.

لقد عرف هذا التقويم بمسميات عديدة، فسفر المكابيين يسميه « ملكية الهيلنيين»، والمؤرخ يوسيفوس يسميه « من ملكية سلوقس»،وفي النقوش يشار إليه بعبارة « العد السابق»، كما ورد باسم «سنوات الإغريق» أو « سنوات بعد الإسكندر». أما المصادر العربية القديمة فتسميه: «عهد الإسكندر ذي القرنين» (الطبري) أو «عهد ذي القرنين» (المسعودي) أو «وقت غلبة الإسكندر « (ابن الأثير) أو « تاريخ اليونانيين «(البيروني ).

كان التقويم السلوقي أول تقويم سلالي ملكي عرفه التاريخ وأطول التقاويم السياسية عمراً، فقد عاش قروناً طوالاً بعد زوال المملكة التي نشأ في ظلها. لقد كان ثمرة من ثمار التأثير الحضاري للمشرق العربي في الحضارة الهلنستية الكلاسيكية – مثلما هو الحال بالنسبة إلى التقويم اليولياني الميلادي – كما أنه ارتبط باسم سورية؛ شأنه شأن السلوقيين الذين عرفوا باسم ملوك سورية، وعرف تقويمهم باسم التقويم المقدوني – السوري، وهكذا سماه المسعودي وابن العبري « تاريخ السريانيين»، ويبقى بلا شك أشهر تقويم عرفته سورية في الحقبة الكلاسيكية.

محمد الزين

 

 


التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 587
الكل : 27114801
اليوم : 27477