logo

logo

logo

logo

logo

التجارة في العصور الكلاسيكية

تجاره في عصور كلاسيكيه

-

 التجارة

التجارة

 

 

 التجارة في العصور الكلاسيكية

- الملاحة والتجارة في المحيط الهندي منذ وفاة الإسكندر حتى ظهور الإسلام:

من المعروف أنّ امبراطورية الإسكندر [ر] تمزّقت إثر وفاته سنة ٣٢٣ ق.م فأنشأ البطالمة [ر] Ptolémées (٣٢٣-٣٠ ق.م) دولة في مصر، وسيطر السلوقيون[ر] Seleucides (٣١٢-٦٤ ق.م) على الشام وما تبع دولة الإسكندر شرقاً حتى الهند، ولكن الفرس البارثيين[ر] استخلصوا منهم هذا الشرق حتى تخوم العراق مع الشام في أواسط القرن الثالث ق.م، ونتج من هذا التجزؤ في السياسة أمران مهمان؛ أولهما: أن تجزؤ السيادة جعل الخليج بيد قوة مختلفة عن القوة المسيطرة على البحر الأحمر معادية لها، وثانيهما؛ الاضطراب والخصومات بين هذه القوى مكّنت القوى العربية المحلية في كل من شواطئ الخليج والبحر الأحمر من البروز وممارسة الدور الأعظم في الملاحة والتجارة في المحيط الهندي.

لم يكن اهتمام السلوقيين كبيراً بالتجارة البحرية، ولكنهم احتموا بجزيرة دلمون والمدن الواقعة على رأس الخليج كخاركس التي سموها أنطاكية وذلك لحاجتهم إلى بضائع الهند. فقد استوردوا منها الفيلة التي اعتمدوا عليها في حروبهم ولكن تجارتهم اعتمدت بالدرجة الأولى على الطريق البري الذي يملكون مفاتيحه ويسيطرون عليه.

لمّا سيطر البارثيون الفرس على العراق ورثوا من السلوقيِّين السيطرة على الطريق البري مع الهند، ومثلهم شجعوا التجارة عليه واعتمدوا على الواردات منه، أما الملاحة والتجارة البحريتان فقد بقيت بيد القوى المحلية، وإن انسحبت مراكزها الكبرى نحو الشمال لتتمركز على رأس الخليج في مدن «تيريدون» عند مصب الفرات، وخاركس عند ملتقى دجلة بنهر «يولايوس» (قارون) و«أبولوجوس» التي يرى غلازر Glazer أنها الأبلة عند العرب.

ويستنتج من رسائل صينية يعود تاريخها إلى مابين القرن الثالث ق.م وأوائل القرن الأول الميلادي، أن كلاً من خاركس والأبلة كانتا في هذه الفترة مركزاً لتجارة بحرية واسعة النطاق مع كل من الهند وجنوبي الجزيرة العربية، إذ كانت السفن تنطلق منها إلى الهند لتعود منها محملة بالنحاس والأبنوس ومختلف أنواع الخشب. أمّا باتجاه الغرب فإنّ السفن المنطلقة منهما- أي من خاركس والأبلة غرباً - فإنها كانت تطوف حول الجزيرة العربية، وتنهي رحلتها عند أيلة (العقبة) في خليج العقبة، لتُحَمِّل بضائعها فيما بعد براً عبر البترا [ر].

 
طريق الحرير 

لقيت الملاحة والتجارة في المحيط الهندي انطلاقاً من موانئ البحر الأحمر أو من مصر في ظل من حكم مصر منذ وفاة الإسكندر حتى القرون الميلادية الأولى ظروفاً مواتية أكثر، فالبطالمة - أسياد مصر وجز من الساحل السوري لأمد- استغلّوا لحد كبير موقع بلدهم ومينا َها الكبير الإسكندرية على مفترق الطرق بين آسيا وإفريقيا وبين البحر المتوسط والمحيط الهندي. وقد ظهر ذلك بوضوح أيام بطلميوس الثاني[ر] (٢٨٥-٢٤٦ ق.م) الذي اهتم بالدرجة الأولى بالحصول على الفيلة من إفريقيا والتي كانت تقوم في الحروب القديمة بدور المدرعات في الحروب الحديثة، خاصة أن خصومهم السلوقيين قد حصلوا عليها من الهند؛ فأقام لهذا الغرض مستعمرات على الشاطئ الحبشي تجمع فيها الفيلة، ثم تحمل في السفن لتحط في مينا «بيرنيكي» (الهرّاس في الوقت الحاضر إلى الشرق من أسوان) ويبدو من أعمال أخرى أنّ اهتمامات بطلميوس الثاني تجاوزت ذلك إلى محاولة اكتشاف الشاطئ الشرقي من البحر الأحمر، ولكن هذه المحاولة أثارت ردّاً عنيفاً من قبل الأنباط الذين كانوا يسيطرون على الطرف الشمالي من طريق القوافل الممتدة من جنوبي الجزيرة العربية، فشيّدوا سفناً تهاجم السفن البطلمية المبحرة عبر البحر الأحمر.

بقيت التجارة البحرية مع جنوبي بلاد العرب وشرقها بأيدي العرب في هاتين المنطقتين، وقد ذكر اليوناني (أنارخيدوس) الذي وصف الملاحة في البحر الأحمر نقلاً عن شهود عيان «أنه لا يبدو أنهّ ثمة شعباً أغنى من السبأييِّن وأهل جرها كانوا وكلا كل شي يقع تحت اسم النقل بين آسيا وأوربا»، وربما تجاوز العرب مصر أيضاً ليوسعوا تجارتهم عبر المتوسط إلى جزره وشماله، فقد وصل التجار اليمنيون إلى جزيرة ديلوس في بحر إيجة في القرن الثاني ق.م بدليل وجود نقوش معينية وسبأية مكرَّسة لآلهة من بلاد العرب الجنوبية.

لم يستطع البطالمة كسر الاحتكار العربي للملاحة والتجارة عبر المحيط الهندي إلا أواخر القرن الثاني ق.م، عندما تم للبطالمة اكتشاف أسرار الملاحة في المحيط الهندي، برحلة (هبالوس) Hippalus وصارت سفنهم تصل إلى الهند من طريقين: الأول يسير بحذا السواحل العربية والإيرانية ليصل آخر المطاف إلى حوض السند في الشمال الغربي من الهند، ويمخر الطريق الآخر عباب البحر لينتهي إلى الشاطئ الغربي من الهند أي شاطئ مالابار، وقد وقِّتت الرحلات على النحو المتلائم مع وجهة هبوب الرياح وشدّتها، بحيث تبدأ الرحلة في شهر تموز وتنتهي بنهاية شهر أيلول.

إنّ نجاح البطالمة في كسر الاحتكار العربي للتجارة مع البلدان المطلة على المحيط الهندي لم يكن يعني إطلاقاً تحطيم التجارة العربية في هذا المحيط، بل بقي العرب يشاركون مشاركة نشطة وبقيت موانئهم على البحر الأحمر تعج بالحركة، كانت ليوكي كومي (الحورا ) سوقاً للنبط حسب قول «بريبلوس» (Periplus دليل البحر الأحمر) في النصف الأول من القرن الأول، وبحسب قول الكاتب نفسه كانت (موزا أو مخا) مجموعة من الأسواق المزدحمة بأصحاب السفن والملاحين العرب، وفي شغل شاغل بأمور التجارة.

أدَّت الفوضى أواخر عصر البطالمة إلى تدني الحاجة إلى المواد الكمالية الواردة من الشرق الأقصى، حتى إنّ عدد السفن المبحرة للهند سنوياً لم يتجاوز العشرين سفينة حسب قول الجغرافي استرابون[ر] Strabon، لكن استقرار الحكم الروماني أواخر القرن الأول ق.م والقرن الميلادي الأول رفع عدد السفن إلى مئة وعشرين، كما أنّ وجود بقايا لنقود رومانية ومعبد لأغسطس على شواطئ مالابار تدل كلها على استقرار جالية رومانية فيها.

حاول الرومان تحطيم النشاط العربي على تجارة المحيط الهندي عبر البحر الأحمر، وعلى شواطئه بالاحتلال لمراكزها، فقد وجهوا حملة «إيليوس غالوس» لتحقيق هذه الغاية في عامي ٢٥-٢٤ ق.م ولكنها منيت بالإخفاق، وقد نجحوا فيما بعد في وضع ممثل لهم في عدن بالتحالف مع أمير ظفار الحميري، في الوقت الذي كان فيه الحميريّون ينتزعون السيادة على اليمن من السبأيِّين شيئاً فشيئاً، لكنّ هذا النجاح لم يتحقق إلا جزئياً، كما أنّ انتها فترة الازدهار الروماني أدّى إلى اضمحلال تجارتهم في المحيط الهندي خلال القرن الثالث الميلادي، بدليل أنه لم يتم العثور على أثر للعملة الرومانية في الهند بعد عهد الامبراطور كركلا (٢١٢-٢١٧ م).

بدأت بالظهور خلال القرن الثالث الميلادي عوامل تغيير في المنطقة، تتلخّص بحلول الساسانيِّين[ر] محل البارثيين في حكم الامبراطورية الفارسية منذ عام ٢٢٥ م، كما تحوّل مركز الامبراطورية الرومانية سيدة المتوسط نحو الشرق، وبلغ التحول ذروته بنقل العاصمة إلى القسطنطينية عام ٣٣٠ م، وقد احتدم الصراع بين الامبراطوريتين في ميادين عدة، وكانت التجارة من أهم هذه الميادين، فقد نجحت مساعي الفرس الهادفة لإحكام سيطرتها على تجارة الشرق الأقصى، خاصة تجارة الحرير براً وبحراً. وكان العرب أول من قاوم هذه المساعي، لإضرارها بمصالحهم، وقام عرب البحرين والساحل ورا ها بالإغارة على أراضي الامبراطورية الساسانية عام ٣١٠ م، وردّ الامبراطور الفارسي «سابور الثاني» بعد سنوات قلائل باحتلال البحرين وقتل الكثير من سكانها وإنزال جالية فارسية فيها، وهذا ماساعدهم على إحكام سيطرتهم على تجارة الخليج التي وصفها المؤرخ اللاتيني، «أميانوس مارسيلينوس»[ر] في ظلِّهم بالقول: إنَه أي الخليج كان يعج بالملاحة وإنّ السفن البحرية كانت تنهي رحلاتها في «تريدون» وكان بعضها يدخل دجلة ويصل حتى طيسفون (المدائن). وامتد النفوذ الفارسي مع امتداد خطوط التجارة بين الهند والخليج شرقاً وغرباً، بدليل قيام معابد فارسية على شواطئ مالابار وفي جزيرة سوقطرة، كما أن اسم الصين ساد بين العرب بالفارسي «تسينيستان».

وفي جهات البحر الأحمر كانت المنازعات بين العرب تعمل عملها في إضعاف دورهم بتجارته، إذ انجلى الصراع بين الحميريين والسبأيين عن فوز الحميريين بسيادة اليمن، إلا أنهم خرجوا ضعافاً من هذا الصراع، واضطروا إلى ترك ميدان سيادة البحر الأحمر وما ورا ه نحو المحيط الهندي، لينفرد به أهل إكسوم، ولكن العرب نجحوا في التعويض عما فقدوه جزئياً في البحر بالسيطرة على الطريق البري المار عبر أراضيهم في غربي شبه الجزيرة من اليمن حتى تخوم الشام، ومارس هذه السيادة كلُّ من قريش في مكة والغساسنة والمناذرة على طرفي بادية الشام.

بهذا ساد الفرس والإكسوميون (الأحباش) في التجارة مع الشرق الأقصى، والتي كانت تحمل منتجات من الهند والصين وإليهما، ولكن السفن المنطلقة من المنطقة العربية سوا أكانت فارسية أم إكسومية كانت لا تتجاوز الهند وسيلان شرقاً، في حين كانت سفن الصينيين وكل شعوب الشرق الأقصى تحمل منتجات بلادها على سفنها ولا تتجاوز سيلان في سيرها غرباً، حيث يتم التبادل بين الطرفين.

في ظل هذه الأوضاع كان للفرس اليد الطولى والتجارة الأوسع حتى أنّهم احتكروا تجارة الحرير براً وبحراً، مما جعل البيزنطيين يجدون أنفسهم يدفعون الكثير من ذهبهم للفرس أعدائهم، فحاولوا كسر هذا الاحتكار بوساطة الإكسوميّين إخوانهم في الدين من ناحية ومنافسي الفرس في تجارة الشرق الأقصى من ناحية أخرى، وبعث الامبراطور جستنيانوس كما يقول المؤرخ البيزنطي (بروكوبيوس Procopius) وفداً إلى إكسوم طالباً منهم شرا الحرير وبيعه للبيزنطيين، ولكن الإكسوميين أخفقوا في تحقيق الطلب؛ لأنّ الجاليات الفارسية المقيمة في سيلان كانت تشتري كلَّ الوارد من الحرير. ردّ الإكسوميون على هذا الإخفاق بمحاولة إحكامهم السيطرة على النهاية الغربية لطريق تجارة الشرق الأقصى البحرية، وسيّر ملكهم حملة احتلت اليمن سنة ٥٢٥م ثم حاولوا أيضاً احتلال مكة المركز البري على طريق التجارة، لكن حملتهم المعروفة بحملة الفيل أخفقت، وتبعها إخفاق في اليمن ذاتها، إذ نجح الأمير العربي «سيف بن ذي يزن» مستعيناً بالفرس في طردهم.

طريق الحرير البري: هناك طريق بري مهم لا يشير إليه الكثير من الباحثين، وهو الطريق الذي أطلق عليه الباحث الألماني فرديناند فون ريختهوفن Ferdinand von Richthofen اسم طريق الحرير في القرن التاسع عشر بعد رحلاته المتكررة إلى الصين وما جاورها.

وطريق الحرير من أشهر الطرق التي ربطت بين شعوب العالم القديم، وهي شبكة مكونة من مجموعة من الدروب والمسالك والمسارات الممتدة من الصين (المصدر الأصلي للحرير الطبيعي) إلى روما.

يؤكد بعض المؤرخين أنّ شهرتها تعود إلى القرن الثاني ق.م ويرجع الآخرون نشأتها إلى عهد فتوحات الإسكندر المقدوني في القرن الرابع ق.م. وكان لهذا الطريق اتجاهان أساسيان: يعبر الفرع الشمالي من الصين إلى صحرا غوبي ويسير بمحاذاة تيان شان الواقعة على مقربة من التخوم الشمالية لصحرا تاكلا ماكان مارّاً بواحات ترفان Turfan وبعدها يصل إلى كاشغر في حين يتفرع الاتجاه الجنوبي عن دانهوانغ ثم يتجه إلى الشمال ثانية ليلتقي بالطريق الأول عند كاشغر.

وهناك طريق ثانوي يتفرع من الطريق الشمالي ليصل إلى شواطئ بحر الخزر عبر طشقند وسمرقند وبخارى، ثم تمتد شبكة الطرق هذه داخل الأراضي الإيرانية عبر محطات رئيسة أهمها طهران وهمذان وشيراز وكرمنشاه، ثم تصل فروعها إلى محطات عند شواطئ الخليج العربي وبلاد الرافدين، وتعبر إلى الأراضي السورية إلى تدمر وإلى حلب وإلى دمشق، وثم إلى المدن السورية الساحلية الواقعة بين أنطاكية وغزة ثم بحراً من صور أو غزة إلى روما.

إثر توسعات الإسكندر المقدوني انتشرت في امبراطوريته المترامية الأطراف اللغة والثقافة اليونانية إلى جانب الثقافات المحلية الأخرى من عربية وفارسية وهندية، وتمكن التجار المحليون خاصة التدمريون منهم من امتلاك ناصية اللغة اليونانية وتسخيرها لخدمة أغراضهم التجارية، وفي بداية العصر الروماني كانت هنالك ممالك وإمارات مستقلة نشأت على أنقاض امبراطورية الإسكندر نشبت بينها صراعات، فتأثرت المبادلات التجارية عبر طريق الحرير؛ مما أرغم تلك البلدان مؤقتاً على البحث عن طرق بديلة أو ركوب البحر، ولكن الأمر تغير كلياً في ظل الدولة العربية الإسلامية بعد الانتصار على الصينيّين سنة ٩٦هـ/ ٧١٥م في معركة تالاس بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي، فتم تأمين سلامة الطرق البرية وتزويدها بالحاميات والخانات للاستراحة وتبادل السلع وتعميق الصلات بين الشعوب المختلفة.

نجدة خماش

 

التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 584
الكل : 27115002
اليوم : 27678