logo

logo

logo

logo

logo

أغسطس (الإمبراطور-)

اغسطس (امبراطور)

- Auguste

أغسطس (الامبراطور-)

 

   

وُلِد غايوس أوكتافيوس  Gaius Octavius عام 63ق.م في روما لأسرةٍ أرستقراطية ثريّة، فقد كان أبوه عضواً في مجلس الشيوخ Senatus قبل أن يصبح والياً على مقدونيا، وكان يوليوس قيصر خال أمّه، فنشأ بعد وفاة أبيه - وهو في الخامسة من العمر- في كنفه، وصحبه في حلّه وترحاله، فمنحه وهو شاب يافع لقب الشريف الروماني Patricius، ثم جعله Pontifex أي عضواً في مجلس الكهنة  في روما، كما جعله في وصيّته ابناً له بالتبنّي لأنه لم ينجب ولداً، وأوصى له بجز كبير من أملاكه. فلمّا علم أوكتافيوس باغتيال قيصر عام 44ق.م عاد على عجل من مدينة أبولونيا Apollonia في شمالي اليونان حيث كان يتابع تعليمه وتدريبه العسكريّ، وقررّ بعد أن اطلع على محتوى الوصيّة أنْ يضمّ اسم قيصر إلى اسمه، فصار يُدعى منذ ذلك الحين "غايوس يوليوس قيصر أوكتافيانوس" .Gaius Iulius Caesar Octavianus ولم يلبث - بعد الصراع الدّامي الذي تلا الاغتيال - أن عُيّن بمقتضى "القانون التيتي" Lex Titia الذي صدر في روما عام 43ق.م مع أنطونيوس[ر] Marcus Antonius زميل قيصر ولبيدوس Marcus Aemilius Lepidus  قائد الخيّالة في مجلسٍ ثلاثي حاكم  Triumviratus ذي صلاحياتٍ مطلقة حتى نهاية عام 38ق.م، فاقتسم ثلاثتهم السلطة في أقاليم الامبراطورية، واستطاعوا القضا على اثنين من منافسيهم الأقويا شاركا في اغتيال قيصر؛ وهما بروتوس Marcus Iunius Brutus وكاسيوس  Cassiusفي معركة "فيليبي" Philippi (في مقدونيا) عام 42ق.م. غير أنّ النزاع المسلّح على السلطة استؤنف عندما حاصر أنطونيوس زميله أوكتافيانوس في برنديزيوم Brundisium في جنوبي إيطاليا، وانتهى التفاوض بينهما في أثنا الحصار إلى الاتفاق في خريف عام 40ق.م على أن تخضع الولايات الشرقية لسلطة أنطونيوس؛ وولاية إفريقيا لسلطة لِبيدوس، وسائر الولايات الغربية لسلطة أوكتافيانوس، ووثّقت ذلك الاتفاق المصاهرةُ بين الرجلين بزواج الأول بأوكتافيا Octavia أخت الثاني. أما الفصل الأخير من هذا الصراع فقد بدأ إثر زواج أنطونيوس بكليوباترة [ر] Cleopatra ملكة مصر عام 37ق.م، إذ أهداها جزيرة قبرص وأجزا من سورية مما أثار مخاوف القادة الرومانيين وجعلهم ينفضّون عنه لينضموا إلى غريمه أوكتافيانوس الذي نحّى لٍبيدوس عام 36ق.م من عضوية المجلس الحاكم - الذي كانت ولايته قد جُدّدت - بتعيينه كبيراً للكهنة  Pontifex Maximus، فصار المجلس بذلك ثنائياً. ثم طلّق أنطونيوس زوجته أوكتافيا عام 32ق.م في أثينا حيث كان يتهيأ للقتال مع أخيها المقيم في روما، وجرت المعركة البحرية الكبرى بين الرجلين في أكتيوم [ر] Actium غربي اليونان في العام التالي   (31ق.م) حيث ألحق أسطول أوكتافيانوس بقيادة صديقه ومساعده أغريبا Marcus Vipsanius Agrippa  هزيمة ساحقة بسفن خصمه أنطونيوس فانسحبت كليوباترة بأسطولها وتبعها أنطونيوس عائدين إلى مصر، فلمّا لحق أوكتافيانوس بهما إلى الإسكندرية عام 30ق.م فضّلا الموت انتحاراً على الأسر. وهكذا غدا أوكتافيانوس سيّد الامبراطورية من دون منازع، ومنحه مجلس الشيوخ لقب "أغسطس" Augustus الذي يناظر اليوم "صاحب الجلالة" مطلع عام 27ق.م، وأعطاه كذلك السلطة البروقنصلية Imperium Proconsulare ليغدو بذلك حاكماً مدنيّاً عسكريّاً مطلق الصلاحيات لأقاليم سورية ومصر وبلاد الغال وإسبانيا لمدّة عشرة أعوام، ثم رفعه فوق أقرانه بإعطائه "السلطة العليا" Maius  Imperium  التي تخوّله إلغا قرارات المسؤولين الكبار مهما علت مراتبهم، ثم وسّع صلاحياته البروقنصلية عام 23ق.م لتشمل الامبراطورية كلها، ومنحه سلطة "حماية الشعب" Tribunicia Potestas لضمان حقوق العامّة. وبادر أغسطس بعد انفراده بالحكم وتوطيد الأمن إلى إرسال حملات عسكرية إلى شمالي إسبانيا وحوضي الرّاين والدّانوب، فنجح في توسيع رقعة الامبراطورية لتصل حدودها إلى ضفاف هذين النهرين الكبيرين، ولكن الجرمان تمكنوا من هزيمة الجيش الروماني في جرمانيا عام 9م. أما الإخفاق الآخر في عهده فكان قبل ذلك في بلاد اليمن السعيدة Arabia Felix عام 25/24ق.م عندما أمر واليه على مصر إليوس غالوس  Aelius Gallus بقيادة حملة إلى هناك استعان فيها بالأنباط واليهود بغية السيطرة على "طريق البخور" وتجارة العطور والتوابل، وقد روى استرابون Strabon الذي رافق الحملة - لأنه كان صديقاً لغالوس - أحداثها التي انتهت بعد ستة أشهر إلى كارثة.

ولعلّ السّمة المميّزة للنظام الإداريّ المركزيّ الجديد في عهد أغسطس هي سلطانه المطلق على الولاة والحكام والجيوش ومديري الأجهزة الإدارية في الولايات كلها الذين كان يُحسن اختيارهم ويراقب أدا هم ويعاقب المسيئين منهم، فنقل الدولة بذلك من النظام الجمهوري إلى النظام الامبراطوري، بالرغم من أنه كان يدّعي أنه - كسابقيه من الحكّام - لا يعدو أن يكون "المواطن الأوّل" Princeps في الدولة أو "الرّئيس". أما لقب "الامبراطور" Imperator فقد كان من قبل لقباً خاصاً بالقادة العسكريين يكرّمهم به مجلس الشيوخ أو يطلقه عليهم الجند بعد نصرٍ مبين، وقد أحلّه أوكتافيانوس محلّ اسمه غايوس عام 40ق.م، فلمْ تكن له آنذاك تلك الدلالة التي حملها فيما بعد لبيان نظام الحكم. ولمْ يكتفِ بمراقبة ما يجري في  شتى الأقاليم من بعيد، بل كان يتفقّد أحوالها بنفسه، فقضى مُدداً  طويلة - بعد انفراده بالسلطة - في اليونان وبلاد الغال وإسبانيا، وزار الولايات الشرقية، حيث كافأ الإمارات التي وقفت إلى جانبه أثنا الصراع على السلطة وعاقب أخرى، فرفع "بيروت" إلى مرتبة "مستعمرة" Colonia وحطَّ مرتبة مدينتي صور وصيدا، وعزلَ ألكسندر بن شمسيغراموس [ر] Samsigeramus  من إمارة حمص، و ثبّتَ هيرودس الكبير [ر] Herodes على حكم يودايا Judaea حتى وفاته عام 4ق.م، وأعاد إليه مناطق أريحا ويافا وغزّة التي كانت وُهبْ لكليوباترة، ثم عزل ابنه أرخيلاوس[ر] عام 6م عن إدارة ما ورثه عن أبيه وألحقه بولاية سورية.

وقد حمدَ سكّان الدولة - شرقاً وغرباً - له صدّ الأخطار الخارجية، وإنها الحروب الأهلية، وعودة السلام والأمان برّاً وبحراً، وتنظيم الطرق والمواصلات والبريد، وضبط الأمور الماليّة وفي مقدّمتها عدم السماح لغيره بإصدار النقود الذهبيّة والفضيّة، وإلغا نظام العُشْر الذي أرهق الفلاحين.

وأبقى في المجال الاجتماعي على طبقات المجتمع الأربع: الشيوخ فالفرسان فالعامّة فالعتقا وأخيراً  العبيد، وتبنّى مبدأ قدسيّة الزواج، فشرّع قانونين لتقوية الرابطة الأُسَريّة وحثّ الأزواج على الإنجاب، أحدهما يكافئ الأُسَرَ كثيرة الأولاد ويعاقب كبار السنّ الذين لا يتزوجون أو المتزوجين الذين لا ينجبون، والآخر يعدّ الزنا جريمة تقتضي العقاب الشديد. وألغى فرض الإتاوات والعقوبات الماليّة التي كانت ترهق كثيراً من الناس ويتولى جبايتها متعهّدون جشعون ليحلّ محلّها نظام الضرائب المباشرة التي تُجبى بطريقةٍ منظّمة.

ورعى أغسطس - ومعه صديقه ومساعده مايكيناس Maecenas Gaius و(70-8ق.م) - الأدبا والمؤرّخين، فظهر في عهده عدد من كبار الشعرا الرومان، ومنهم ڤرجيل Virgilius و(70-19ق.م) صاحب ملحمة "الإنيادة"، وهوراس Horatius و(65-8ق.م) الذي اشتهر بقصائده الغنائيّة، وأوڤيد Ovidius و(43ق.م -17م) مؤلّف قصائد "الأعياد" Fasti التي تصف أعياد التقويم الروماني وما يتصل بها من أساطير، وليڤيوس Titus Livius و(59ق.م-17م) مؤلّف "تاريخ روما". أمّا في العمارة فقد أكمل بعض المعالم الأثرية في روما التي تعود إلى عهد يوليوس قيصر ورمّم بعضها وأضاف إليها، ومن أشهرها "البانثيون" Pantheon أيْ مجمع الآلهة، وكامبوس مارتيوس Campus Martius؛ وهو ميدان الإله مارس قرب هضبة الكابيتول Capitolium، ومعبد أبولو الذي بناه أغسطس عام 28ق.م على تلّ البلاتين Palatinus حيث كان يقيم بعد انتصاره  في أكتيوم  شكراً لهذا الإله، ولذا كان أغسطس يتباهى بأنه دخل روما وهي مدينة من الطوب وتركها وهي مدينة من المرمر.

وتُظهر سيرة حياة أغسطس أنه كان رجلاً يتصف بالطموح وقوة العزيمة وعلو الهمّة وحُسن الإدارة؛ مما مكّنه من الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها مدةً طويلةً تجاوزت - منذ انفراده بالحكم عام 30ق.م حتى وفاته عام 14م- أربعة عقود، أعاد خلالها السلام والاستقرار والرّخا إلى الامبراطورية الرومانية، وأصلح الأجهزة الإدارية المدنيّة والعسكريّة في الولايات وفي العاصمة روما (مضيفاً إليها تلك التي تتولّى شؤون الإطفا والأمن والغذا )، وأقام نظاماً اجتماعياً يوفّق بين مصالح كل الطبقات، فكسب بذلك كله حبّ الناس وتعظيمهم وتقديسهم، وقد احتفى به سكان اليونان وآسيا الصغرى بعد انتصاره على أنطونيوس وحيّوه بصفته إلهاً ومنقذاً، ولكنه اكتفى بتأليه سلفه يوليوس قيصر فأقام له معبداً في السوق الرومانيّة Forum Romanum، في حين وافق على أن يكون تقديسه هو نفسه مقترناً بتقديس روما، فسمح بإنشا معابد تكرَّس لكليهما معاً في شتى الولايات، ليكون ذلك رابطاً بين الناس وكذلك بينهم وبين الامبراطور، فقد أدرك جدوى تحويل ذلك الرابط في الامبراطورية كلها إلى عقيدةٍ موحِّدة يكون الامبراطور نفسه محورها. فلمّا توفي أُحرقتْ جثته، وساواه مجلس الشيوخ بسلفه يوليوس قيصر بتسميته "أغسطس المؤلّه" .Divus Augustus غير أن دوميتيانوس[ر] Domitianus و(81-96م) كان أوّل امبراطور يحمل - وهو حيٌّ - لقب السيّد والإله Dominus et Deus  بعد أن صار الناس في روما يتقبّلون تأليه الحكّام.

 وإذا كان قد ضمن لنفسه مكانة مميّزة بين القادة العظما الخالدين على مرّ العصور فإنّ عامة الناس في شتى أنحا العالم  يذكرونه كلّ عام عندما يحلّ الشهر الثامن - وهو "آب"- من التقويم اليولياني أو الميلادي، فقد كان هذا الشهر هو السادس في التقويم الروماني، ولذا كان اسمه Sextilis، فلمّا مُنح أوكتافيانوس لقب أغسطس صار اسماً له.

ولقد اختار أغسطس  الشابَّ  مركللوس  Marcus Claudius Marcellus  - وهو ابن أخته أوكتافيا من زوجها الأول - خليفةً له عام 24ق.م لأنه لم يُنجب أولاداً ذكوراً من زوجاته الثلاث المتتاليات، وزوّجه ابنته جوليا Julia، ولكن الموت عاجله في العام التالي، فاختار أغسطس صديقه أغريبا زوجاً لابنته الأرملة، فأنجبت منه ولدين اثنين أعدّهما جدّهما ليكون أحدهما وريثاً له، غير أن يد المنون اختطفتهما وهما في ريعان الشباب في عامين متتاليين (3 و4م)، فلم يبقَ لأغسطس من خيار سوى تيبيريوس Tiberius، وهو ابن زوجته ليفيا من زوجها الأوّل، فكان هو الحاكم الجديد لينهي بذلك نظام أغسطس الرّئاسي ويستهلّ العصر الامبراطوري الفعلي الذي دام ثلاثة قرون.

 

رفعت هزيم

 

 

مراجع للاستزادة:

 - محمد محفل ومحمد الزين، دراسات في تاريخ الرّومان (جامعة دمشق، 2000م).

- P. GARNSEY & R. SALLER, The Roman Empire. (London, 1987).

- K. BUTCHER, Roman Syria and the Near East. (London, 2003).

 

 

التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد الثاني
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 586
الكل : 27119032
اليوم : 31708