logo

logo

logo

logo

logo

الحديقة

حديقه

-

 ¢ الحديقة

الحديقة

 

الحديقة هي قطعة من الأرض يحيط بها حاجز أو جدار نظمها الإنسان وزرعها بالأشجار والورود، وأشاد فيها بعض الأبنية والقنوات والأشكال المعمارية المزخرفة، ونقل الكثير من عناصر الطبيعة إلى داخلها تحقيقاً لأهداف جمالية وروحية.

وقد أدت الحديقة دوراً بارزاً في حضارات الشرق القديم، ووجدت في المدن والقصور والمعابد والمنازل. ويأتي أول وصف لها من بلاد الرافدين في ملحمة جلجامش عندما دخل بطل الملحمة مع صديقه أنكيدو غابة الأرز في جبال الأمانوس وقتلا حارسها العفريت خمبابا. ويُظهرُ اللوح الحادي عشر من الملحمة في فقرته النهائية أن ثلث مساحة مدينة أوروك كان مخصصاً للحدائق. كما تذكر أسطورة ولادة سرجون [ر] الأكادي أن الذي انتشله من النهر هو البستاني الذي كان يعمل في حديقة القصر الملكي في مدينة كيش. وبعد ذلك تواصل القصص تواترها، فيتم تصوير الحديقة على أنها مكان ساحر بمناظره الطبيعية، وهناك إشارات إلى زراعة الأشجار والنباتات في مدرجات الزقورات، ومنها زقورة أور التي كان الهدف منها توفير التقدمات الدينية للآلهة.

عازف القيثارة في حديقة الملك سنحاريب - نينوى

كانت الحديقة في مصر تخدم الأهداف الدينية حيث كانت جزءاً لا ينفصل عن المقابر؛ ولهذا فقد اهتم الفراعنة بالحدائق وارتبطت عندهم بحياة ما بعد الموت، ولذلك يغلب على الحدائق الفرعونية وجود الماء الذي يمثل عندهم الحياة، وقد كان التصميم الهندسي لها مسطحاً ليظهر جمال حوض الماء ومجراه الذي يتوسط الحديقة، ومن حوله الأشجار والزهور، كما يحيط بالحديقة سور مرتفع وذلك لحجب مناظر الصحراء، وقد زرعت فيها أشجار النخيل والصفصاف والمشمش والرمان والزيتون وغيرها.

حدائق سنحاريب في نينوى تسقى بوساطة قنوات المياه

وتعد الحديقة المنحوتة على جدران مقبرة الفرعون سنفرو الملأى بالنباتات من أقدم ما وصفت به الحديقة، ويعود تاريخها إلى ٢٦٠٠- ٢٥٧٦ق.م. وقد سعى الفراعنة إلى إثراء حدائقهم بأنواع من النباتات التي لا توفرها البيئة المحلية المصرية فأحضروها من أماكن أخرى، كما تُظهر النقوش ذلك، والمعروف أن الملكة حتشبسوت (١٤٧٣-١٤٥٨ق.م) أوفدت بعثة إلى بلاد البونت في الجنوب لجلب بعض أنواع الشجيرات ومنها البخور من أجل الإله أمون [ر]، كما أشادت حديقة بين الكرنك والأقصر. واشتهر تحوتمس [ر] الثالث (١٤٧٩-١٤٢٥ق.م) بعنايته بالحدائق التي احتوت على كثير من البرك والأحواض وجداول الماء، علاوة على زراعة أشجارها على شكل صفوف مستقيمة، ومنها أشجار الدلب والطرفاء والنخيل التي استجلب بعضها من بلاد النوبة ومن فلسطين وسورية.

حدائق آشور بانيبال في نينوى حول قصره

وكانت الحدائق السورية خلال عصري البرونز الوسيط والمتأخر معزولة داخل جدران القصور كما يظهر في ماري [ر] وأوغاريت[ر]، وتمت زراعتها بأنواع مختلفة من الأشجار، وربيت فيها بعض أنواع الحيوانات البرية ومنها الغزلان. ووفقاً لنصوص ماري فقد أطلق على الحديقة اسم حديقة النخيل لزراعتها بهذه الأشجار، كما بنيت فيها بركة مزخرفة، وجرى دفن أفراد من العائلة المالكة تحت أفيائها. أما نصوص أوغاريت العائدة إلى القرن ١٤ ق.م فتتحدث عن قصر ملكي بني من الحجارة الكبيرة واحتوى على حديقة زرعت بالأشجار تتخللها بركة وقنوات وممرات، وهناك إشارات واضحة في الروايات الأسطورية إلى مهنة الحدائقيين الذين كانوا يُعدّونَ من موظفي القصر.

آشور بانيبال مع زوجه في الحديقة يتناولان الخمر

ولم تقتصر الحدائق على المعابد والقصور، فقد أقيمت الحدائق الآشورية داخل المدن وخارج أسوارها، وساد فيها التصميم غير المنتظم الذي يظهر الإيحاء الطبيعي عليها بدلاً من الخطوط المستقيمة، وكانت واسعة لتلائم أغراض الصيد أو القيام بممارسة أنواع مختلفة من الألعاب للترويح عن النفس، واستجلب لها الملوك مختلف أنواع النباتات والحيوانات الغريبة التي تم جمعها خلال الحملات الحربية، أو تلقوها هدايا دبلوماسية.

وقد تفاخر الملوك بتكريس جزء من مدنهم للحدائق، فعملوا على جرّ المياه إليها من مناطق بعيدة واستحضروا مختلف أنواع الأشجار والنبات والحيوان من كل مكان ووضعوها فيها. وتحفل نصوص الألف الأول ق.م ومنحوتاته بذكر الحدائق وتصويرها في مقرات إقامة ملوك شمالي بلاد الرافدين التي زرعت فيها الكثير من أنواع النباتات، ومنها الكرمة وأشجار الفاكهة، وأنشئت فيها البرك والقنوات والممرات والأكواخ، ورعاها موظفون مختصون.

وتؤكد النصوص قيام الملك تجلات - بلاصر [ر] الأول (١١١٤- ١٠٧٦ق.م) بإنشاء حديقة حيوان وضع فيها الكثير من الحيوانات والنباتات التي استحضرها من أماكن بعيدة. كما أشاد الملك آشور- ناصر بال [ر] الثاني (٨٨٣-٨٥٩ ق.م) حديقة في عاصمته كلخ [ر] (نمرود)، استجلب لها الماء من نهر الزاب الأعلى بوساطة قناة «باتي حيجالي» Patti-hegalli، تم شقها في الجبال الصخرية لإرواء الأشجار والنباتات التي أحضر بعض أنواعها من بلدان بعيدة؛ الأمر الذي جعل من هذه الحديقة مشهداً ساحراً كما يعبر الملك نفسه عن ذلك في أحد النصوص: «في هذه الأرض المرتفعة هناك الكثير من أنواع الأشجار والنباتات منها الأرز، السرو، الصنوبر، العرعر، اللوز، النخيل، الأبنوس، الزيتون، البلوط، شجرة الطرفاء، السنديان، الرمان، نبات التنوب، الكمثرى، السفرجل، التين، العنب.. القناة تسقط من الأعلى إلى الحدائق، العبير يملأ ممرات النزهة، الماء يتدفق متلألئاً مثل نجوم السماء في الحديقة المبهجة. رمان الحديقة تزينه العناقيد مثل عناقيد العنب.. آشور ناصر بال في حديقة منعشة مبهجة ملأى بالفاكهة».

أسود تستريح في ظل أشجار حديقة نينوى (٦٤٥ ق.م)

وأحضر الملك آشور- ناصر بال الثاني العديد من الحيوانات من بعض المناطق السورية، فقد أخذ القردة من «قطنو»، واصطاد من صيدا وصور وجبيل وماخالاتو ومايزو وأمورو وأرواد ١٥ أسداً و٥٠ شبلاً ونمراً واحداً، ثم وضعها بأقفاص ونقلها إلى حديقة قصره في كلخ لتربى هناك مع قطعان من الثيران والفيلة والأسود والنعام والقرود والحمر الوحشية والغزلان والأيائل والدببة الإناث والنمور وعدد آخر من حيوانات الجبال والسهول، وجعل مشاهدتها والتمتع بها أمراً متاحاً لجميع سكان المملكة.

وتظهر النصوص والمنحوتات ولع سرجون الثاني (٧٢١-٧٠٥ ق.م) الواضح بالحدائق التي وجدت في قصره بالعاصمة دور- شاروكين [ر] (خورس أباد)، وتبدو فيها مشاهد الأشجار والنباتات والسرادق والأسود والهضاب الصناعية والبحيرة وفيها القوارب. ويذكر سنحريب (٧٠٤-٦٨١ق.م) اهتمامه بحدائق العاصمة نينوى، ووصف في نقش له تفاصيل إنشاء قنوات لمد المياه من عدد من الجبال لتصل إلى الأماكن العالية في حديقة أنشأها هناك وزينها ببعض الأبنية والقناطر الحجرية والمنحوتات، واستخدم في التمديدات أنابيب صنعت من البرونز، ويمكن الوصول إلى هذه الحديقة من قصره من دون عناء. وهناك رقيم طيني وجد في بابل يعرض بدقة التنظيم الذي كانت عليه حديقة الملك مردوك-بلادان (٧٢١-٧١٠ ق.م)، ويحدد أماكن وجود النباتات وأسماءها. ومن بابل أيضاً يذكر أحد النصوص حديقة احتوت أشجار السرو والعرعر في المعبد الذي خصّصه الملك الكلداني نبوخذ نصر [ر] الثاني (٦٠٥- ٥٦٢ ق.م) للإله مردوك. أما حدائق بابل المعلقة التي نسب بناؤها إلى الملك نفسه فهناك من رأى أنها كانت محاكاة لطبيعة أرض ميديا (شمالي إيران) المرتفعة، رغم أن التنقيبات الأثرية الألمانية في الموقع، ونقوش نبوخذ نصر نفسه لم تثبت فرضية وجود هذه الحدائق، وهناك اعتقاد أنها لم تُشد في بابل وهذا ما تؤكده المصادر اليونانية.

لوح يظهر تلقيح النخيل في بلاد الرافدين (٨٠٠ ق.م)

اشتهرت الحدائق الفارسية بشكلها المربع، واحتوت قنوات متعامدة تلتقي في مركز الحديقة حيث توجد بئر الماء، وزرعت فيها أشجار الفاكهة والنباتات والزهور المختلفة، واقتبس الإغريق حدائقهم من التقاليد الفارسية وأطلقوا عليها «حدائق الفلاسفة» لازدهارها في عهد الفلاسفة القدامى الذين أكسبوها طابعاً جديداً، فكانت الحديقة الإغريقية مصدراً لخدمة أحاسيس الإنسان وفكره بدلاً من اقتصارها على إنتاج الغذاء أو الترفيه أو الغرض الديني. أما الحدائق الرومانية فهي تشابه الحدائق الإغريقية، وتم دمج الطرازين معاً وسميا بالحديقة الإغريقية الرومانية على الرغم من بعض الاختلاف بينهما، ومن ذلك تميز الحديقة الرومانية بسيادة العمارة والنحت واستعمال مقاعد الجلوس لأول مرة، علاوة على وجود قنوات المياه والنوافير. وقد تابع الحكام السلوقيون في سورية السير على التقاليد الفارسية في إشادة الحدائق، وهذا ما فعله سلوقس الأول في عاصمتيه أنطاكية [ر] وسلوقية [ر] دجلة. كما تم تشييد حديقة كبيرة في مدينة دلفي المقدسة (جنوب أنطاكية) فيها الكثير من الأشجار والنوافير والجداول، وكانت تقام فيها بعض الاحتفالات، وقد تم تزيينها في العصرين الروماني والبيزنطي بأروع لوحات الفسيفساء. واشتهرت سورية خلال هذين العصرين بالحدائق التي تحيط بالقصور والأبنية الفخمة والتي ظلت تقليداً متبعاً في العصور الإسلامية اللاحقة وخاصة منها العصر الأموي (٤١-١٣٢هـ/٦٦١- ٧٥٠م ) على الرغم من تأثره بالحديقة الفارسية.

كان للحدائق في العصر الإسلامي مجموعة وظائف، منها الجمالي والبيئي والروحي، ومنها ما يتعلق بإنتاج الغذاء أو المواد الصيدلانية للعلاج، واستلهموا عند إنشائها أحياناً الكثير من الوصف القرآني للجنة وما فيها من أشجار ومياه، وقد تعطي لوحات الفسيفساء التي تغطي الجامع الأموي بدمشق [ر] تعبيراً متقدماً لهذه الجنة. ومن سمات الحديقة الإسلامية إحاطتها بالأسوار، ووجود عناصر مائية فيها، وتوفر الأشجار والزهور والظلال، واستخدام الزخارف الهندسية والطبيعية في عمارتها.

وأثبتت التحريات الأثرية في قصر خربة المفجر [ر] (قرب أريحا في فلسطين) وجود حديقة واسعة داخل أسواره في وسطها بركة ماء ونافورة، وتم تزويد الموقع بالمياه بوساطة قناة تم حفرها من نبعي عين الديوك وعين النعيمات الواقع على بعد ٨ كم.

بُني قصر الحير الشرقي [ر] لأغراض عسكرية تحصينية في منطقة زراعية ريفية مروية، وخطط لتأمين الغذاء والماء على نحو يحقق اكتفاءً ذاتياً، وهذا ينطبق على معظم القصور كما تظهر الأبحاث. وقد عثر في داخل القصر على بركة كبيرة لتجميع المياه وشبكة من القنوات توصل إلى المساحات المخصصة للزراعة. أما قصر الحير الغربي [ر] فيتكون من عناصر زراعية كالبستان المسور (أبعاده ١٠٥٠×٤٤٢م)، والسد والبركة، وعناصر معمارية كالطاحون والخان والحمام وغيرها. وقد تم جر المياه إلى القصر من سد خربقة الواقع على بعد ١٦كم جنوب غربي القصر عبر قناة تم حفرها تحت الأرض. وعلى العموم فقد غطت الجدرانَ وأرضياتِ القصور الأموية الكثيرُ من لوحات الفسيفساء والفريسك التي رسمت عليها مشاهد طبيعية لأشجار مثمرة وحيوانات ونساء.

وازدهرت الحدائق في العصر العباسي، فاحتوت مدينة سامراء في العراق على قصور الخليفة وثكنات الجيش والأسواق والمسجد وعدد كبير من الحدائق والبيوت الخاصة التي بنيت في الفناء الداخلي. لكن الأهم من ذلك هو قصر الجوسق الذي بناه الخليفة المعتصم في المدينة، فظهرت فيه الحديقة لأول مرة بمقاييس كبرى لم تعرف من قبل، فبلغت مساحة الجوسق الخاقاني ٤٣٢ هكتاراً، بينها ١٧٢هكتاراً من الحدائق تتضمن بركاً كبيرةً وممرات ومقصورات وأدراجاً، كما بنى المعتز قصر بلكواره في سامراء على غرار الجوسق، وفيه عدة حدائق احتوت على ممرات وبرك مربعة الشكل. وفي الأندلس كان هناك الكثير من الحدائق التي احتوت على المقصورات والممرات والشرفات التي أحيطت بالأشجار والأزهار التي رويت من الينابيع المتدفقة من التلال المحيطة. وكانت أهم الحدائق تلك التي في قرطبة والزهراء والتي بني قصرها قرابة ٣٢٥هـ/٩٣٦م متأثراً بقصري سامراء الجوسق وبلكواره.

وتطورت الحديقة الأندلسية فبنيت عشرات الحدائق بداية القرن الرابع عشر، أهمها جنّة العريف التي كانت مقراً صيفياً لملوك بني الأحمر في غرناطة، وهي حديقة أقيمت على منحدر تحوي قناة ماء وممراً مبلطاً.

محمود حمود

مراجع للاستزادة:

- شفيق أمين بعارة، الحديقة في العمارة الإسلامية، أطروحة ماجستير(جامعة النجاح، نابلس، فلسطين ٢٠١٠).

- S. Dalley, Ancient Mesopotamian Gardens, Garden History 21, (1993),pp. 1-13.

- A. L. Oppenheim, On Royal Gardens in Mesopotamia, Journal of Near Eastern Studies 24, (1965), pp. 328- 33.

 


التصنيف :
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1111
الكل : 45376703
اليوم : 65475