logo

logo

logo

logo

logo

بودلير (شارل-)

بودلير (شارل)

Baudelaire (Charles-) - Baudelaire (Charles-)

بودلير (شارل ـ)

(1821ـ 1867)

 

شارل بودلير Charles Baudelaire شاعر فرنسي، ولد في باريس، وكان في السادسة من العمر حين توفي والده الثري جوزيف فرانسوا الذي كان يمارس الرسم هاوياً، وغالباً بحضور طفله. وتزوجت أمه كارولين، بعد وقت قصير، من ضابط كبير اسمه جاك أوبيك أضحى في ما بعد سفيراً لبلاده. وخلَّف هذا الزواج في نفس الطفل شرخاً عميقاً لم يبرأ منه قط، وظلَّ يعد أوبيك دخيلاً، ولاسيما بعد أن وُضِع في مدرسة داخلية. ولعل حرمان الطفل المرهف الحس من حدب أمه قد ولَّد عنده تمرداً وعناداً، وانصرافاً إلى المطالعة، فلما أضحى شاباً، مال إلى الشعر وبرّز فيه بين أقرانه، غير أنه كان متلافاً، مسرفاً في عبثه وتبذيره، وحاولت أسرته  أن تثنيه عن مغريات باريس، فحملته على الرحيل من دون رغبة منه، في باخرة إلى الهند، ولكن الحنين إلى باريس لجَ بالشاعر، فآب إليها ليستأنف مجونه ولهوه، مما حمل أسرته، بتوجيه من زوج أمه، على أن تحد من استهتاره وتجعل أمر الإنفاق عليه من الثروة الطائلة التي آلت إليه من أبيه منوطاً بموافقة وصي شرعي، وكان هذا بخيلاً لم يهتم بمشاعر الشاب الشاعر الأنيق المعلق القلب بغانية خلاسيةٍ تدعى جان دوفال أرهقته بنزواتها. وعاش الشاعر حياةً مترعةً بالأسى، فقد أصيب بالزهري، ومني بالحرمان والعسر حتى وفاته.

من هذه الحياة المضطربة بين الحب المشبوب الخائب، والمرض، استوحى بودلير قصائده الرائعة التي تنتظم كّلها في ديوان وحيد، سماه «أزهار الشر» Les Fleurs du Mal أحدث عند نشره في عام 1857 جدلاً عنيفاً بين بعض فئات المجتمع الفرنسي المحافظة، وأقيمت على الشاعر وناشره دعوى، بحجة أن بعض قصائد الديوان تنافي الخلق القويم وتصدمه، بما تضَمنت من جرأة فاضحة في وصف الشهوة ومفاتن الجسد، وحكمت المحكمة على الشاعر بدفع ثلاثمئة فرنك، ودانت ستّ قصائد من الديوان، محرمة إعادة نشرها. ولئن خلف هذا الحكم في نفس الشاعر خيبة ومرارة من نحو، فلقد عمل من نحو آخر على أن يرفد الديوان بشهرة لم يظفر بها أيّ ديوان شعري في فرنسة. و ظل بودلير يتابع نشاطه الأدبي، فنشر مؤلفات في النقد الفني لفتت الأنظار إليه، وفاجأه مرض الفالج في بروكسل وهو بعد كهل، ومنها نقل إلى باريس طريح الفراش، عاجزاً عن الحركة والكلام، حتى قضى نحبه.

 إن أبرز ما قدم بودلير، في أدبه وحياته معاً، هو ذلك الصراع القائم بين الخير والشر اللذين كانا يتجاذبانه دوماً، وقد عبر هو نفسه عن طبيعة هذا الصراع بقوله: «إني أشعر، مذ كنت طفلاً، أن هناك نزعتين، تستبدان بنفسي، لأترجح حائراً، بين كراهية الحياة وبين الشغف بها إلى حد الوجد والنشوة». وحين كانت كراهية الحياة ترجح على وجدها فقد كان يشعر أنه فريسة للسأم المقيت الذي وصفه جان بول سارتر[ر] Sartre  في دراسته المستفيضة عن بودلير بأنه لم يكن سأماً فكرياً، بل سأماً حسياً عصبياً. وكان بودلير يدعو هذا السأم Spleen ويعني به السويداء الكئيبة القاتمة. وكان يلجأ بغية الانعتاق منها، إلى الحشيش والخمرة. وقد عبر عن قلقه المترجح بين الخير والشر، بصيغة أخرى، في قوله: «إن في قلب الإنسان نزعتين متضادتين، تنحو به أولاهما إلى الله وتنحو به ثانيتهما إلى الشيطان، فالتوجه إلى الله هو الرغبة في السمو درجة نحو المراقي الإنسانية، أما التوجه إلى الشيطان فهو الانحدار درجة نحو قاع الحيوانية».

أراد بودلير أن يراقب دخيلة نفسه، كما لو أنها منفصلة عنه، وكانت حياته كلها سلسلة من الإخفاق المستمر في أن يبصر ذاته على حقيقتها، وكان يكتفي، فيما هو يتأمل فيها، بأن يسبر بمبضعه الخفي الحاد مواضع الجراح ليفتحها ويحركها وينفضها بشعره ونثره.

وتأتى لأحداث عام 1848 التي ألهبت أوربة كلها، وفرنسة خاصة، أن تهب بودلير الفرصة السانحة ليطلق نقمته المكظومة من عقالها، ويفصح عن حماسته لمظاهر التمرد الشعبي العارم إزاء الهيمنة والحواجز الاجتماعية المصطنعة التي كان يكرهها، متنكباً بندقيته خلف المتاريس. وفكر في لجة الثورة أن يمضي إلى زوج أمه ليغتاله ويتخلص منه ـ كما اعترف بذلك في ما بعد ـ بيد أن مشاعره المتجاوبة مع أوار الثورة لم تلبث أن خمدت مع انطفاء تلك الانتفاضة.

إن هذا الموقف السياسي الذي ألتزمه بودلير، في تلك الحقبة العصيبة، يفسر طرفاً من النقمة التي كانت تمور في عطفيه إزاء مجتمعه الذي حرمه من كل ما كان يتوق إليه ويتمناه: الثروة والمجد والحب والوفاء والحنان الصادق. غير أنه لم يُعرف عن بودلير أي نشاط سياسي أو أي عمل اجتماعي ظاهر، فقد كان يعتقد مخلصاً «أن العمل السياسي والعمل الاجتماعي ينطويان على النفاق والكذب والوهم، أما الدين فلا يتأتى له أن يزجي الحل المرجو، لأن الله ـ في رأيه وعلى الرغم من إيمانه ـ لا يقدم للخاطىء التوبة المجدية المخلصة، بل يضيف إلى عذابه توقاً إلى الطهر، أشبه بالسراب». ولقد وجد في التأنق المفرط Dandysme ما يميزه من الآخرين، ليشعرهم بتفرده وسمو شخصه، كما ألفى، فيما هو يغالي بشعره ونثره، في الكشف عن خبيئة نفسه ووصمها بكل غميزة ونقيصة تنالان من خلقه، ما يرضي نزعة التحدي لديه ورغبة التمرد على مواضعات مجتمعه الظالم.

كان الفن وحده، شعراً كان أم نثراً، المجلى الوحيد الذي يبث فيه سورة غضبه ونقمته، كما يتألق فيه ويسمو على الآخرين، مؤكداً أن مصور الحياة الحقيقي هو الذي يستطيع أن ينتزع من الواقع جانبه الملحمي والأسطوري. وكانت الحياة الباريسية خصبة متنوعة، فاستوحى منها وسبر خفاياها، وعبر عن ذلك كله في مختلف آثاره: «الصالونات» Les Salons و«الفراديس المصطنعة» Paradis artificiels و«طرائف جمالية»Curiosités esthétiques وغيرها، وقد برز فيها بودلير ناقداً فنياً تشكيلياً ذا نظرة واعية، تعرف أن تتذوق وتقَوِّم وتبرز مكامن الجمال  الحقيقي في الفن. وقد عُرف عنه أنه كان يحب أن يختلف إلى مراسم الفنانين ليتحدث إليهم، وكان قلمه  يعرف كيف يحسر، في نقده، عن جمالية اللوحة وأسرار ألوانها و موسيقى أصباغها (كما كان يحلو له بهذا التعبير أن يضفي الموسيقى على اللون)، هكذا تيسر له أن يقوِّم آثار أنغر[ر] وكورو[ر] ودي لاكروا[ر] الذي كان يصفه بأنه أسمى قمة بين قمم التصوير في جميع العصور، ولم يقتصر نقده على الفنانين المصورين فحسب، بل تجاوزه إلى عمالقة النغم فكتب عن «تانهاوزر» Tannhäuser ومؤلفها الموسيقار الألماني فاغنر[ر] Wagner، فكان من أوائل الذين نبهوا إلى عبقريته الموسيقية.

أثار ديوان «أزهار الشر» جدلاً وتطلعاً وإعجاباً ظل يتسع حتى عصرنا الحاضر، وقد لخص فكتور هوغو[ر[ رائد الإبداعية (الرومنسية) ـ وكان من المعجبين به ـ الشعور السائد نحو هذا الديوان بقوله: «لقد خلق في الشعر الفرنسي رعشة جديدة». وتنتظم معظم قصائد الديوان تحت عنوان «سويداء ومثل أعلى» Spleen et Ideal ويعني به سأم الشاعر وسويداءه من نحو، وظفره بمتع الحياة ولذاتها التي تأتى له أن يتذوقها من نحو آخر، فهناك أشياء شتى في ميسورها أن تخلق فكرة المثل الأعلى المنشود، على تناقض موضوعات Thèmes هذا المثل، كالدين والخطيئة والرذيلة وسراب الفراديس المتوهمة المصطنعة.

وقد جاء كتابه «قصائد من نثر» Poèmes en prose كما لو أنه تتمة لديوان «أزهار الشر»، متناغماً معه في النسق نفسه الذي أملته روح بودلير القلقة، ضمن رؤية مستجدة، تهمس فيها الأصوات وتتكلم الألوان وتتحدث الروائح، لتخلق الرعشة العجيبة، الحلوة، مفسحة آفاقاً رحيبة من الأفكار والخواطر الشفافة، وعلى نحو تلمح فيه وتوحي أكثر مما توضح وتفسر، إنها تلك الرعشة التي عناها هوغو، والتي عرف بودلير جيداً كيف يريقها في شرايين كلماته.

وقد كشف بودلير، مصادفة، بعض مؤلفات إدغار ألان بو[ر] Edgar A.Poe رائد الحداثة الأمريكي، في القصة والشعر، وكان لاطلاعه عليها أثر كبير في منحى شعره نفسه، وعكف على نقل أقاصيصه الخارقة، وبعض قصائده إلى اللغة الفرنسية.

كان موقف بودلير من الإبداعية (الرومنسية) السائدة في عصره، يماثل موقف رائد البرناسية[ر] تيوفيل غوتييه[ر] Théophile Gautier ـ حتى لقد أهدى إليه ديوانه عاداً إياه معلمه الأول ـ وذلك برفضه العاطفة النَواحة،المتدفقة في الإبداعية. وقد مال بودلير، في البدء، إلى مفهوم الفن من أجل الفن الذي رفعه البرناسيون، لأنه كان يميل إلى الأسلوب المحكم المصفى، مؤمناً بأن الشعر الحقيقي يتجلى بصياغته وموسيقاه اللفظية، وأن الجملة الشعرية تستطيع أن تنفض الإحساس بالرأفة أو المرارة أو الرهبة وغيرها، بإيرادها الألفاظ والمترادفات والحروف الملائمة في النسق المناسب، مما يخلق جو الإيحاء المبتغى المطلوب، وعلى نحو قد يتجاوز في دلالته المعاني التي تتضمنها الألفاظ وتحتويها. بيد أن بودلير ألفى، فيما بعد، أن مفهوم الفن من أجل الفن عقيم، جاف، خال من الحياة.

رأى بودلير أنه ينبغي للشاعر الملهم أن ينفذ إلى جميع العلاقات القائمة ما بين الإنسان والطبيعة، وأن عليه أن يضرب في غابات من الرموز الطيعة المنسجمة التي تفتح له آفاقاً من المعرفة لأسرار الكون، فيضحي شعره كما الموسيقى الهامسة قادراً على الإيحاء والإيماء، كما يتاح له أن يستجلي كل ما يتسق بين حواسه من تطابق وتراسل، فيما هو يرى إلى الأنغام والألوان والعطور تترقرق متناغمة متجاوبة بعضها يفضي إلى بعض متآلفاً منسجماً، وقد لخص  نظريته الطريفة في قصيدته «التراسل» Correspondance. وعد كثير من النقاد هذه القصيدة مدخلاً إلى فهم شعر بودلير وتذوق جماله الآسر.

كان ديوان «أزهار الشر» تعبيراً عن ثورة في الشعر الفرنسي، بل في الشعر الأوربي كله، بعد أن ترجم إلى معظم اللغات، وقد أضحى عام 1857 استهلالاً لعصر جديد في الشعر، فقد تأثر به رائد الرمزية مالارميه[ر] في قصائده الأولى، كما تأثر به رامبو[ر] عاداً بودلير، الشاعر الأعظم والمتنبىء الملهم، وأشار فيرلين[ر] إلى بودلير أنه أول من استنزل لعنة الشعر، وذاق حلوه ومره. أما بول فاليري[ر] فقد عدَه سيداً من سادة الكلمة التي تمتلك سيرورتها وتتضمن بقاءها دوماً، واعترف أندريه بروتون[ر] بأن السريالية، إنما تمتح من منهله السخيَ الثر. فقد تسنى لديوان «أزهار الشر»، أن يفرع الحدود ويتأثر بصوره الرائعة المستجدة الشائقة الفريدة جميع الشعراء الذين لمسوا ما فيه من جدة وسحر، وما تزال الدراسات النقدية تتوق حاسرة عما في شعر بودلير من رونق وأسر، وما تزال آثاره في النقد الفني، منفسحاً لكثير من الآراء والخواطر التي تفصح عن ذائقته الفنية الناضجة، الواعية، في استجلاء روائع اللوحات، وأطايب اللحن والنغم.

 

بديع حقي

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ باسكال بيا، بودلير، ترجمة صلاح الدين برمدا (وزارة الثقافة، دمشق 1985).

ـ لوك ديكون، بودلير، ترجمة كميل داغر (المؤسسة العربية للدراسات والنشر1985).

-CHARLES BAUDELAIRE, Oeuvres Complètes, bibliothèque de la Pléiade, NRF (Gallimard, 1954).

- JEAN  PAUL SARTRE, Baudelaire (Edition Gallimard, Paris 1947).

- PASCAL PIA, Baudelaire par lui-mème (Edition du Seuil, Paris 1954).


التصنيف : الآداب اللاتينية
النوع : أعلام ومشاهير
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 481
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1127
الكل : 35223015
اليوم : 127634

بيريث غالدوس (بنيتو)

بيريث غالدوس (بنيتو ـ) (1843 ـ1920)   بنيتو بيريث غالدوس Benito Perez Galdos، أحد أشهر الروائيين الإسبان في القرن التاسع عشر، ولد في مدينة لاس بالماس Las Palmas في جزر الكناري وتوفي في مدريد، وكان الابن الأصغر لأسرة ميسورة. تلقى تعليمه منذ طفولته في مدرسة إنكليزية في مسقط رأسه، وكان لدراسته تلك أثر استثنائي في تكوينه الأدبي الذي تظهر فيه بوضوح قراءاته للروائيين والمسرحيين الإنكليز. وفي عام 1862 انتقل إلى مدريد لدراسة الحقوق في جامعتها، ولكنه لم ينه دراسته الجامعية، لأن مجالس الأدب والمقاهي والكتابة للصحف وارتياد المجالس السياسية والتجول في الشوارع كانت تشد اهتمامه أكثر من قاعات المحاكم.
المزيد »