logo

logo

logo

logo

logo

الإنشاد الديني

انشاد ديني

Psalms - Psaumes

الإنشاد الديني

 

الأنشودة الدينية ترنيمة أو تسبيحة مخصصة أصلاً لذكر الخالق أو مديح الأنبياء والأولياء والقديسين.

الأنشودة الدينية المسيحية

تعد سورية مهد الألحان الدينية - السريانية منذ القرون الأولى للمسيحية، ويعد القديس أفرايم السوري Ephreim (مار أفرام النصيبيني 306 - 373م) من أقدم كتّاب التراتيل الدينية زمن البيزنطيين، إذ كانت مدينتا أنطاكية والقسطنطينية في مقدمة مراكز انتشار التراتيل الدينية المسيحية. أما أقدم الأناشيد الدينية اللاتينية فكتبت محاكاة لتلك الأمثلة السورية واليونانية. وقد عمّت العالم المسيحي أناشيد القديس أمبروزو Ambroso (ت397م) مؤسس الغناء الأمبروزي، إذ كانت ملخصاً للكتابة المقدسة، وكان يستخدم فيها ألحاناً شائعة ويستند إلى قاعدة من حرية الإبداع. وقد احتفظ بعض الأناشيد الدينية بطابعه التقليدي فدخل الكنيسة، في حين استخدم بعضها الآخر نصوصاً جديدة وألحاناً أكثر حيوية من تلك التقليدية. وكان معظم الأغاني الدينية يغنى بصوت واحد في تقاليد الغناء الغريغوري [ر.الموسيقى]. ومع ظهور تعدد الأصوات polyphony، كتبت أناشيد ذات طابع غير ديني. وهكذا ولدت الأنشودة المتعددة الأصوات (البوليفونية) التي أبدع فيها كبار الموسيقيين الغربيين من القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر، مثل: دوفيه Dufay، وديبريه Des Prés، وبالسترينا Palestrina. ومع الأنشودة البوليفونية، تطورت الأنشودة الدينية المرافقة للأرغن وأسهم في هذا التطور العازفون على هذه الآلة والمؤلفون لها مثل فريسكوبالدي Frescobaldi وغيره. وفي القرن السادس عشر، اهتم قادة الإصلاح الديني البروتستنتي في ألمانية بالطقوس الدينية، فاستخدموا اللغة الجرمانية بدلاً من اللاتينية. وكان الكورال اللوثري Lutheran choral من أهم نماذج الأناشيد الدينية التي وضعت توافقات (اتفاقات) chords انسجامية بسيطة. وفي إنكلترة، أخذ تطور مماثل مكانته عندما انفصلت الكنيسة الأنغليكانية عن اللاتينية في رومة، فصيغت الأناشيد الدينية باللغة الإنكليزية في موضوعات إنجيلية وألحان متحررة. ومع قدوم القرن التاسع عشر لم يعد مفهوم الأنشودة دينياً بل أصبحت الأنشودة صيغة موسيقية غنائية احتفالية ذات موضوع دنيوي وطني وقومي أو يتصل بالطبيعة.

ومن أهم صيغ الغناء الديني: الأوراتوريو oratorio، والقداس mass، والموتيت motet.

والأوراتوريو مسرحية إلقائية غنائية دينية، وهي نوع من الإلقاء والحوار الغنائي الإفرادي والجماعي المصاحب بالآلات الموسيقية، وموضوعه ديني ودرامي. وهو شبيه بالأوبرا opera ولكن من دون أداء تمثيلي على المسرح وما يتبعه من ملابس وتزيينات مسرحية. والأصل اللاتيني لكلمة أوراتوريو هو «أوراتوريوم» oratorium وهو المكان الذي كانت تلقى فيه العظات والخطب الدينية الكنسية. وتعود بدايات الأوراتوريو إلى منتصف القرن السادس عشر في رومة وترتبط بالقديس فيليبّو نيري (1515-1595) S.Filippo Neri، ثم رافق ظهور الأوراتوريو بزوغ الأوبرا في بدايات القرن السابع عشر، إلا أنه لم يتميز من الصيغ الموسيقية الأخرى إلا في بداية الربع الثاني من القرن ذاته.

ومن أشهر نماذج الأوراتوريو:«الميلاد» لباخ J.S.Bach، و«الخليقة» و«الفصول» لهايدن Haydn، و«طفولة السيد المسيح» لبرليوز Berlioz.

ويعد القدّاس من أهم الصيغ الموسيقية الدينية للكنيسة الكاثوليكية اللاتينية، وهو يتألف من قسمين رئيسين: الخاص، والعادي. أما الخاص فيتألف من أقسام تختلف تبعاً للأعياد أو المناسبات الدينية التي تحددها الكنيسة. أما العادي فيتألف من الأقسام الغنائية الثابتة والرئيسة التي لا تتغير مناسباتها الدينية في العام (عدا الأسبوع المقدس). وهذه الأقسام تشمل: «يا رب ارحمنا» Kyrie ، و«المجد لله» Gloria، و«الإيمان» Credo، و«التقديس» Sanctus، و«التبريك أو المباركة» Benedictus، و«حمل الرب» Agnus Dei. وهذه الأناشيد ذات نص لاتيني وتتبع طريقة الغناء ذي الصوت الواحد أو الغناء الغريغوري. وقد قررت الكنيسة الكاثوليكية مؤخراً، أن يترجم النص اللاتيني إلى اللغة المحلية للبلد الذي يتلى فيه القداس. وأول مثال للقداس كان قداس «نوتردام» Mass of Notre-Dame للموسيقي غيّوم دوماشو (1300 - 1377) Guillaume de Machaut، وكان هذا القداس مؤلفاً من سلسلة من الموتيت بأسلوب تعدد الأصوات. ومنذ القرن الثامن عشر، تطور بعض أجزاء القداس مثل «الإيمان» الذي أصبح شبيهاً بـ «المغناة» (الكانتاتا) cantata المكونة من أغان إفرادية وثنائية وجماعية. ومثال ذلك: القداس من مقام «سي» si لباخ. وعندما يؤلف القداس من أجل الميت يدعى «قداس الموتى أو القداس الجنائزي» requiem. ومن أمثلته: القداس الجنائزي لموتسارت Motzart ومثيله لفيردي Verdi.

أما الموتيت فغناء ديني متعدد الأصوات تنشده الجوقة الغنائية من دون مصاحبة الآلات الموسيقية، ويعد واحداً من نماذج «التسلل» fugue. ويزدحم عصر النهضة بمؤلفي الموتيت الذين كتبوا عدداً لا يحصى من هذه الصيغ الموسيقية مثل جوفاني بالِسترينا، ودي لاسّو (1532-1594) O.di.Lasso.

الإنشاد الديني الإسلامي

يهدف الإنشاد الديني الإسلامي إلى إظهار مواطن الجمال والتناسق الكامل وراء التعبير الأدبي أو الفني أو الموسيقي بإيقاع مؤثر مع نسيج من ألحان ترهف الحس وتسمو بالروح نحو الخالق، ولذلك استخدم الصوفيون هذا اللون الرفيع من الألحان في الإنشاد الديني في حلقات الذكر لتأثيره المباشر في العاطفة والنفس البشرية. وقد تأثر الإنشاد الديني الإسلامي بمؤثرات متنوعة في البلاد العربية وطرأ عليه قدر من التطور. وتنوعت الأناشيد الدينية عبر العصور وصبغت بلون البلد الذي نمت فيه، وألبست كلماتها الثوب اللحني اللائق بها، فكانت أنشودة روحية تمثل المعاني التي حملتها تلك الكلمات السامية.

بدأ ترتيل القرآن الكريم منذ فجر الإسلام. وكان الأذان بداية للألحان الدينية الإسلامية، وقد ظهر بلحن بدائي بسيط ثم تدرّج إلى ما هو عليه اليوم. وكان بلال بن رباح، مؤذن الرسول r، أول منشدي الأذان. واعتمد الأذان على السجع والتنغيم والأداء في مقام الرصد (الراست) أو الحجاز [ر.الموسيقى العربية] في أغلب الأحيان، إلا أن ألحان الأذان ليست وقفاً على هذين المقامين.

ويمكن القول إن أول أنشودة دينية إسلامية كان مطلعها:

طلع البدر علينا

من ثنيّات الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعا لله داع

وذلك إثر وصول النبي r المدينة مهاجراً من مكة واستقبال أهل المدينة له احتفالاً بنجاته وقدومه إليها. واستمرت الأناشيد الدينية، في التاريخ العربي الإسلامي، تتنوع مع واقع كل موطن وترتدي حلته الخاصة به.

وقد عُني المسلمون بالغناء الديني الإسلامي وإن لم يتبع هذا الغناء صيغة موسيقية معينة كالغناء الكنسي الأوربي، وكان الارتجال في أدائه هو الصفة الأولى في كثير من الأحيان. ومع ذلك، فقد شاع هذا الغناء على هيئة أناشيد دينية في المناسبات والأعياد الدينية، واتخذ أهمية كبيرة في كثير من الأقطار العربية الإسلامية، ولاسيما في المغرب العربي: تونس والجزائر والمغرب. وكانت قصائد المديح النبوية تنشد أحياناً وفق ألحان شائعة بسيطة جميلة السير اللحني. وكان لتوسع الاحتفالات في مولد الرسول r أن ظهرت المدائح النبوية بملامح موسيقية بسيطة بمرافقة الدفوف الإيقاعية وتطورت فيما بعد إلى موشحات دينية مغناة في إنشاد جماعي وإفرادي، إذ يقوم من بين الجماعة منشد يملك صوتاً جميلاً وقوياً يترأس فرقة المنشدين، ليؤدي منفرداً بعضاً من قصة المولد فالموشحات والمدائح النبوية، ثم تقوم فرقة المنشدين بترديد «المذهب» (ويكون عادة البيت الأول من الموشح أو القصيدة) مرات ليتاح لرئيسها الاستراحة والاستعداد من جديد لمتابعة الإنشاد. وهذه الظاهرة المرتبطة بمناسبات دينية شائعة في بلاد الشام وغيرها من البلاد العربية. ولا تقتصر هذه العادة على تلاوة «وصلة» من المدائح النبوية في ذكرى المولد، بل يحتفى بها أيضاً في مناسبات الأعراس وحفلات الختان وفي شهر رمضان المبارك والاحتفالات الشعبية الأخرى.

وكان لنزوح اللاجئين الأندلسيين إلى أقطار المغرب العربي، في القرن السادس عشر، أثر كبير في تطور موسيقاها. ففي الجزائر، أدخلت بعض القصائد المؤلفة في مدح الرسول الكريم r على ألحان من الغناء الأندلسي القديم والشهير مثل: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» التي تنشد في رمضان قبل صلاة التراويح، وهي على لحن قطعة من الغناء الأندلسي «خدمني سعدي بالأنس والعيش الخصيب»، أو على ألحان شبيهة بالألحان التركية مثل لحن «الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». وقد شجعت هذه التجربة الفنية الدينية عدداً من المشايخ ورجال الدين على تطبيق ألحان التراث على قصائد المتصوفين مثل: جلال الدين الرومي، وأقبل عليها الكثيرون.

وفي المغرب، كما في تونس، تحولت بعض ألحان «النوبات» الأندلسية إلى إحلال الكلمات الصوفية محل المدائح النبوية كما في قصيدة «البُردة» للبوصيري وعززتها الفرق المدائحية في المغرب المسماة بـ«المُسمعين»، وفي تونس بـ«أصحاب الطريقة القادرية». وكانت الأعياد الدينية من أغنى المناسبات التي تصدح فيها الموسيقى بحضرة ملوك الدولة ورجال السلطة في القرن السابع عشر الميلادي. وكان المنشدون يتوافدون على مكان الاحتفال من سائر المدن المغربية ويبدؤون بإنشاد البُردة والهمزية وغيرهما من المدائح النبوية في ليلتين متعاقبتين حتى الفجر، ثم يرتلون «بانت سعاد» ويسردون بمناسبة تلك الليلة ما تيسر من مختارات القصائد المولدية التي قدمت من فحول الشعراء لمن يحتل المكانة العليا في السلطة. وكان الشيخ أبو المحاسن الفاسي يحيي ليلة المولد النبوي في داره، فيحضر عنده المنشدون يؤدون أشعار الشيخ الششتري ملحنة دون آلات موسيقية وعلى عادة أهل فاس. وكان أبو المحاسن يرى أن المولد أعظم أفراح المسلمين وأعيادهم التي لا يخالف السماع فيها أصل الشرع الديني.

وفي عهد المماليك في مصر، كانت الاحتفالات الدينية في شهر رمضان المبارك جزءاً مهماً من الاحتفالات بالشهر العظيم. فكانت تلاوة القرآن الكريم والمولد النبوي وابتهالات المؤذنين في المساء ووقت السحور، وكذلك مناداة المسحرين وتنغيماتهم موقعة على الطبل أو الدفوف لإيقاظ النائمين تخلق جواً احتفالياً دينياً كبيراً. ولم يقتصر الاحتفال بمولد الرسول الكريم r على ليلة واحدة، بل كان يستمر أيام شهر ربيع الأول بأكمله. وكان القراء المجودون والوشاحون ذوو الأداء الجيد يحتشدون لإقامة هذا الاحتفال لدى سلاطين المماليك. كما كان الأهالي يشاركون الحكام فيقيمون، في أحيائهم، السرادقات ويتنافس القراء والمنشدون في الإبداع في أداء الأناشيد الدينية المناسبة. وقد شملت الاحتفالات الدينية أيضاً، خروج المحمل إلى الحج، فكان يتلى القرآن الكريم في أثنائه وتنشد المدائح والتواشيح الدينية والأناشيد المولدية، وسمح للطبل وبعض آلات الإيقاع الأخرى بمرافقة الحجيج. وفي أناشيد الذكر، يلتزم المنشدون الإنشاد في طبقة القرار (الخفيض من الأصوات) من دون توقف حتى النهاية. غير أن المنشد المنفرد يصدح من جواب (ثمانية صوتية أعلى) التلحين، ويردد لفظ الجلالة «الله» أو جملة «لاإله إلا الله» أو كلمة «مَدَد» في طلب المعونة. وقد يرافق المنشد أو جماعة المنشدين عازف ناي بمصاحبة بعض الآلات الإيقاعية. وهكذا، أسهمت الموسيقى إسهاماً فعلياً في الطقوس الصوفية. وكذلك فإن التكايا والزوايا الصوفية المختلفة احتفظت بطابع الموسيقى العربية مع غزو الفنون الأجنبية لها.

وتبنى بعض أصحاب الطرق نوعاً آخر من الغناء الديني المرافق بضاربي بعض الآلات الإيقاعية كالدف والطبل والدرابكة تصاحبهم جماعة ممن برعوا في أداء حركات إيقاعية خاصة سميت بـ «الفتلة» أو «الزار». وفي «حمّى» الإنشاد الجماعي والضرب على الآلات الإيقاعية يبرز من الجوقة الغنائية منشد ليؤدي أبياتاً من شعر أحد الشعراء الصوفيين كالشيخ البوصيري، وابن الفارض، وجلال الدين الرومي وذلك على أنغام ألحان شعبية شائعة.

وتطور الغناء الديني، ولاسيما في مصر، منذ الربع الثاني من القرن العشرين، بتشجيع من الملحن محمد القصبجي لأم كلثوم، وذلك بأداء بعض الأغاني الدينية مصاحبة بالتخت الشرقي [ر.الفرقة الموسيقية] بدلاً من الاعتماد على الجوقة الغنائية أوالآلات الإيقاعية فحسب. وتلا ذلك ملحنون آخرون مثل: فريد الأطرش في أنشودة «عليك صلاة الله وسلامه» وهي من غناء أسمهان، وزكريا أحمد في أغنية «القلب يعشق كل جميل» من غناء أم كلثوم، وأغنية «الله أحد» من غناء ليلى مراد. وقد صيغت هذه الأغاني وفق الزجل والأغنية الشعبية. ثم بدأ الملحنون يتناولون بالتلحين قصائد الشعر الدينية، بدلاً من الأزجال، لكبار الشعراء مثل: أحمد شوقي في قصائده: «سلوا قلبي»، و«نهج البُردة»، و«وُلد الهدى»، وغيرها، وقد لحن السنباطي هذه القصائد وغنتها أم كلثوم.

وقد أعطت الأناشيد الدينية الإسلامية مفعولها النفسي في المناسبات المختلفة بما تحتويه من معانٍ سامية وعبارات راقية وأسلوب أدبي رفيع، وبثّت روح الشجاعة وعرض البطولات التاريخية والدينية عبر العصور.

وبتنوع الألحان الدينية الإسلامية في شتى الأعياد والأفراح والأتراح والمناسبات الدينية المختلفة أصبح لهذه الألحان أشكال متعددة، من أهمها (عدا ما ذكر سابقاً):

ـ القدود والموشحات [ر. الأغنية] الدينية: القدود الدينية هي أغان قديمة أو شائعة استبدل بنصها الأصلي نص ديني، على قد الوزن تماماً، فيه تضرع إلى الله أو مديح للرسول مع بقاء اللحن الأصلي على ما هو عليه. وتُعد القدود، والموشحات الدينية (وأغلبها على شاكلة القدود) الزاد الفني للسماع عند السادة الصوفيين.

ـ رقص السماح: هو رقص الحشمة والأدب المتوارث في سورية. وهو رقص جماعي للرجال ذو حركات إيقاعية بطيئة ومتوسطة السرعة. وقد تنوعت الآراء حول نشأة رقص السماح، فمن قائل إنه فارسي الأصل أو أندلسيّه أو وثني أو ديني صوفي. ويقول بعضهم إنه عرف أيام الجاهلية. لكن من المؤكد أن هذا الرقص قد ظهر في مدينة منبج (من محافظة حلب) مع فاصل دعاء الاستغاثة «اسقِ العطاش» لكاتبه الصوفي السوري عبد الغني النابلسي، وألحان محمد العبداوي، وتصميم أصول سيره وإيقاعاته بالأرجل لمحمد المنبجي، وذلك في القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر من الهجرة. كما يذهب بعضهم إلى أن مبتكر رقص السماح هو الشيخ عقيل المنبجي (ت550هـ).

ولعل كلمة «سماح» قد جاءت من أن هذا اللون من الرقص هو الذي سمح بمزاولته في التقاليد المتوارثة في المجتمعات العربية الإسلامية مقابل اللهو والخلاعة في الأنواع الأخرى من الرقص الدنيوي. ويبدأ رقص السماح عادة بالاستئذان من صاحب السجادة (رئيس الفرقة) أو من صاحب الدار للبدء بالرقص مع الإنشاد فيتصايحون: السماح، السماح، حتى يشير إليهم شيخهم بالإذن بالرقص. وهذا التقليد متبع في عدد من الطرق الصوفية والدينية في حلقات الذكر مثل المولوية والرفاعية وغيرهما.

ويتلازم الإنشاد الجماعي مع رقص السماح، مع تناوب في التهليل والإنشاد والذكر على وقع دبكات إفرادية خفيفة مع انحناء وتمايل حتى يصبح الراقصون في حالة «التنوير» وهي المرحلة الصاخبة في الذكر، فيأخذون بالشهيق والزفير وهم يتصايحون «حي، حي، الله، الله"، ويتمايلون ذات اليمين وذات الشمال أو ينحنون إلى الأمام بعنف. وتتخلل حركات الرقص خطوات نحو اليمين واليسار وإلى الأمام والوراء مع نقرات برأس القدم أو بالكاحل، ونهز الجسم للأعلى ثم للأسفل. وترافق اليدان، في حركات متنوعة، خطوات جسم الراقص.

ويعود الفضل في انتشار رقص السماح مجدداً، للفنان الشيخ عمر البطش الذي أدخل عليه العنصر النسائي فجمّله في تشكيلات فنية مبتكرة وحركات انسيابية جعلت منه رقصاً دنيوياً شعبياً.

ـ المولوية: ظهرت الطريقة المولوية وأناشيدها الصوفية على يدي مؤسسها جلال الدين الرومي الذي كان مشغوفاً بالرياضة وسماع الموسيقى ونظم الشعر وإنشاده. وقد ألّف كتاب «المثنوي» ضمّنه فلسفة طريقته وأصولها وتقاليدها، وجعل من كتابه هذا مرجع جماعة هذه الطريقة. وكان يعد آلة الناي الوسيلة المعبرة في تحري الحكمة والفلسفة في الطريق الإلهي، فرافق الناي مراسم المولوية في أدائها. وقد نظم الرومي في الناي يقول:

استمع للناي غنى وحكى

شفّه البين طويلاً فبكى

مذ رأى الغاب وكان الوطنا

ملأ الناي أنيني شجنا

ويتسم رجال المولوية بوحدة اللباس والمراسم في الطريقة والتقاليد في الأذكار بما يختلف عن سواها من الطرق الصوفية الأخرى. ولعل كلمة «مولوية» جاءت من لقب جلال الدين الرومي بـ «مولانا» الذي لازم اسمه. وقد أسس الرومي هذه الطريقة الصوفية الجديدة في مدينة قونية (تركية) وأصبح لها مكانتها في المحافل الإسلامية وعند سلاطين بني عثمان، حيث كان الرومي وخلفاؤه من بعده يقلدون السلاطين سيوفهم عند تنصيبهم على سدة الحكم.

وقد صار للطريقة المولوية تكايا وزوايا في معظم البلاد الإسلامية حتى عهد أتاتورك الذي أمر بإلغائها. إلا أنه مازال لهذه الطريقة أنصار في البلاد العربية الإسلامية وما زالوا يقومون بشعائرها وطقوسها وأذكارها للتقرب من الذات الإلهية.

وتعتمد مراسم رقص المولوية على الفَتْلة والدوران، إذ يبدأ الدراويش (الراقصون) أولاً بالسماح والاستئذان من شيخ الطريقة بالانحناء أمامه احتراماً وأيديهم مكتوفة على صدورهم ويصرخون بلفظة «هُوُ»، وتعني لفظ الجلالة، ويلثم الراقصون الأرض تواضعاً لله أمام الشيخ، ثم تبدأ الحركة بالدوران المستمر حول أنفسهم مع حركات الأيدي إلى العلاء تارة طالبين المدد والمغفرة من الله، ومرة على صدورهم رمزاً للخضوع والخشوع لله.

وتدور هذه المراسم عادة على نغمات الناي المرافق بنقرات الدفوف وتلاوة أشعارٍ من كتاب المثنوي.

وتستهل نوبة الرقص، وهي عمل فني روحي، بتمهيد من تقاسيم على الناي في نغمات شجية، فمقطوعة موسيقية تقليدية خاصة. ويفتتح الشيخ الفتلة الأولى ثم يرتاح في مكانه، ويحتدم  دوران الدراويش على إيقاعات سريعة وقد انتشرت تنانيرهم البيضاء على شكل مظلة تشدها زنانير محكمة على خصورهم. وتختتم النوبة بأوزان خفيفة ونغمات مفرحة يعودون بعدها إلى الشيخ لأداء الاحترام.

 

حسني الحريري، محمد الشيخاني

 

الموضوعات ذات الصلة

 

الأغنية.

 

مراجع للاستزادة

 

ـ عبد الرحمن الحجي، تاريخ الموسيقى الأندلسية (دار الإرشاد، بيروت 1969).

ـ مجدي العقيلي، السماع عند العرب (دار الحياة، دمشق 1973).

- NORBERT DUFOURCQ, La musique des origines a nos Jours (Ed. Larousse, Paris 1946).

- ROY NEMMING, Discovering Great Music (N.Market Press, N.Y.1990).


التصنيف : الموسيقى والسينما والمسرح
النوع : موسيقى وسينما ومسرح
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد : 898
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 567
الكل : 31525978
اليوم : 42383

الأبجدية

الأبجدية ربما كانت الأبجدية alphabet أعظم إنجاز حضاري عرفته البشرية في تاريخها القديم على صعيد الكتابة. ويُمثِّل هذا الإنجاز الحلقة الأخيرة لسلسلة من محاولات الكتابة التي بدأت بالتصويرية، أي برسم رموز ماديّة مرئيّة تمثل المسمّيات أو الأحداث والتصوّرات، على ما انتهى إليه الباحثون في آثار بلاد الرافدين ومصر. تَلَت ذلك مرحلة الكتابة المقطعية التي تقوم فيها علامات بأعيانها مقام مقاطع، أو تُقْصَر قِيَمُها برموزها الصوتية على الحرف الأول acrophony، وكان هذا النظام معقداً غامضاً، بيد أنه كان تمهيداً لنشأة الأبجدية.
المزيد »