logo

logo

logo

logo

logo

الزكاة

زكاه

Zakat - Zakât

الزكاة

 

هي خامس أركان الإسلام التي أجملها النبيr في قوله: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (رواه الشيخان)، وقد اقترن ذكرها مع الصلاة التي تمثل عماد الدين في اثنين وثمانين موضعاً في الكتاب الكريم.

شرعت في السنة الثانية من الهجرة النبوية لتحقيق أنواع من التوازن والأمن النفسي والخلقي والاجتماعي؛ لأن معناها الاصطلاحي يلتقي مع معناها اللغوي وهو الطهارة والنماء، فالمتصدق يشعر بالارتياح والسعادة والرضا حين يجد آثار رضا الخالق والمخلوقين وتتطهر نفسه من آفات الأنانية والشح والبخل، ويتعود الكرم والسماحة والسخاء، ويسهم مع سائر الميسورين في تحقيق التكافل الاجتماعي، ويمنع أسباب الجرائم والفساد والعدوان، باستئصال جذور الفاقة والحرمان.

فالزكاة المفروضة تمثل مع الواجبات المالية الأخرى، كصدقة الفطر والنذور والأضاحي والهدايا والفدية والكفارات الجانب الإلزامي للإنفاق والبذل الواجب في سبيل الله، وتعمل جنباً إلى جنب مع الإنفاق التطوعي في اجتثاث أسباب الفقر والحرمان، هذا الجانب الذي يبدأ في أدنى مراتبه بالتصدق المطلق بأي قدر ومن أي مورد كان، دل عليه قوله تعالى: )آلم، ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدى لِلمُتَّقِينَ الذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ( (البقرة 1ـ2 ـ3).

ثم يرقى بعد ذلك إلى بذل الفضول (الزائد) من الأموال، كما جاء في الصحيح: «من كان معه فَضْل ظهر، فليعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعُدْ به على مَنْ لازاد له». قال الراوي: «فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل».

ثم يرقى البذل على مستوى المؤاخاة واقتسام الأموال بين المتآخين، كما تحقق ذلك لأول مرة بين الأنصار وإخوانهم المهاجرين في المدينة المنورة.. ثم يرقى البذل إلى مستوى المواساة، وهي جمع الأموال ثم اقتسامها بين جميع أفراد الجماعة بالسوية، وفي هذا ورد قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الأشعريين ـ قوم من أهل اليمن ـ إذا أرملوا ـ صاروا في ضائقة وشدة ـ جمعوا ماعندهم من الأزواد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم».

ثم يرقى البذل التطوعي إلى القيمة المتمثلة في الإيثار، وهو التصدق بما هو محتاج إليه ابتداء من الكماليات إلى الحاجيات إلى الضروريات، وفيه خبر البيوت التسعة من أهل الصُّفَّة، وقد دار عليها رأس خروف مشوي حتى عاد إلى البيت الأول، وكل منها يؤثر جاره وأخاه على نفسه مع شدة حاجته إليه، وخبر الجرحى الثلاثة في معركة اليرموك حين تدافعوا جرعة ماء وهم في الرمق الأخير إلى أن ماتوا جميعاً ولم يشربها واحد منهم.

وهكذا عمل الجانبان، الإلزامي والتطوعي، على اقتلاع جذور الفقر والفاقة والحرمان وكل الآثار السيئة التي تترتب عليها. روى أبو عبيد في كتابه «الأموال» أن معاذ بن جبل بعث إلى عمرt بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر وقال: »لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم، فقال معاذ: «ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني»، فلما كان العام الثاني، بعث إليه بشطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بالصدقة كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك، فقال معاذ: «ما وجدت أحداً يأخذ مني».

ويقول يحيى بن سعيد: «بعثني الخليفة عمر بن عبد العزيز لجمع الزكاة في إفريقية فجبيتها وطلبت فقراء أعطيها لهم فلم أجد من يأخذها منا، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس فاشتريت بها رقاباً فاعتقتهم».

وعن عليt قال: قال رسول اللهr: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعرُوا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً». ولا غرابة بعد هذا أن يجمع الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الخليفة أبي بكرt على قتال مانعي الزكاة.

من أدلة فرضيتها

من القرآن الكريم: قوله تعالى: )خُذ مِن أَمَوالِهِم صَدَقَةً تُطَهِرُهُم وَتُزَكِيهِم بِهَا( (التوبة103) ومن الحديث الشريف، جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه والياً على اليمن قوله صلى الله عليه وسلم:«... وأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراؤهم، فإن هم أطاعوك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم...»،رواه الشيخان).

وقد ورد الوعيد على تركها، والترغيب بفعلها في نصوص كثيرة، فمن الوعيد قوله تعالى: )... وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّة ولَا يُنفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَومَ يُحمَى عَلَيهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكوَى بِهَا جِبَاهُهُم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُم هذَاَ مَا كَنَزتُم لِأنفُسِكُم فَذُوقُوا مَا كُنتُم تَكنِزون( (التوبة34ـ35) ومن الترغيب: قوله صلى الله عليه وسلم: «ما تصدَّق أحد بصدقة من طيِّبِ ـ ولا يقبل الله إلا الطيِّب ـ إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يُربي أحدكم فَلُوَّه ـ ولد الفرس ـ أو فصيله ـ ولد الناقة». (رواه الشيخان) وزاد الترمذي: تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل )يَمحَقُ اللهُ الرِبَاْ وَيُربِي الصَدقَاتِ واللهُ لايُحِبُ كُلَّ كَفَّارٍ أَثيمٍ( (البقرة 276).

الأموال التي تجب فيها الزكاة أنواع، وهي:

1ـ النقود بجميع أنواعها من الذهب أو الفضة أو الأوراق النقدية على اختلاف أجناسها.

2ـ عروض التجارة: وهي تشمل كل ما يعرض للبيع والاستثمار من أموال، ويدخل فيها سائر الأغذية والأدوية والأجهزة والأدوات والأثاث والمراكب والكتب والمساكن والأراضي وأدوات الزينة والورود والحيوانات وسائر الأصناف الداخلة في سوق التجارات.

3ـ الأنعام: وتشمل الإبل والبقر والجاموس والماعز والأغنام.

4ـ المحاصيل الزراعية وثمار الأشجار والكروم.

5ـ المعادن والثروات المستخرجة من باطن الأرض.

6ـ الركاز: أي الأموال المدفونة في الأرض وقد انقرض أهلها.

7ـ العسل: المستخرج من خلايا النحل في الحقول أو الجبال، في رأي بعض الفقهاء خلافاً للجمهور.

أوصاف الأموال الواجب فيها الزكاة:

1ـ لابد أن تكون زائدة عن حاجة الإنسان وحاجة عياله، فإن كانت مشغولة بها، كالمسكن الخاص والأثاث المستعمل والطعام والشراب المعدّ للاستهلاك والكتب اللازمة للمطالعة والدراسة والمراكب الشخصية والأدوات اللازمة له في بيته أو مكتبه أو حرفته وصنعته فهي خارجة عن نطاق التكليف.

2ـ أن تكون نامية حقيقة أو تقديراً: والنماء الحقيقي، بأن تزيد كماً وكيفاً بالحجم والعدد والوزن عن طريق التجارة أو التوالد أو الزراعة أو التسمين. والنماء التقديري:هو قابلية المال للزيادة فيما لو استثمر بالفعل، كالنقدين وسائر الأوراق النقدية فيما لو ادخرها مالكها ولم يستثمرها بالفعل لا بالتجارة ولا الزراعة ولا الصناعة فإنها تعدّ نامية حكماً، لأنها أثمان بالخلقة، ويجب زكاتها ولو لم تستثمر، وكما لو كان عنده أكثر من نصاب من عروض التجارة بقيمة نصف مليون مثلاً وفي نهاية العام وجد قيمتها ثلث مليون بخسارة مائتي ألف تجب الزكاة على الباقي،على الرغم من وجود الخسارة، لأنها أموال تجارة تزيد على النصاب، والنماء فيها مقَّدر.

3ـ من الأموال ما يشترط فيه بلوغ نصاب معين، فلا تجب الزكاة فيما دونه كالنقود والعروض التجارية، والأنعام بالاتفاق، والزروع والثمار عند بعضهم، ومن الأموال ما يشترط فيه الحول، فلا تجب الزكاة قبل تمامه، كالنقود والعروض والأنعام ومنها ما يشترط له الحول كالمعادن والركاز بالاتفاق.

4ـ اشترط الحنفية في الأنعام على وجه الخصوص أن تكون سائمة (ترعى في المراعي المباحة)، وأن يقصد من رعيها الدر والنسل والزيادة، فلو كانت علُوفة وهي التي لا ترعى في المراعي العامة معظم الحول وإنما يتكلف صاحبها نفقات رعيها، وكذا لو كانت سائمة للحمل أو الركوب أو العمل بالفلاحة والسقي وما إلى ذلك، فلا زكاة عليه خلافاً للمالكية إلا إذا كانت بغرض التجارة ففيها الزكاة بالاتفاق.

5ـ اشترط الحنفية أن يكون المال الواجب فيه الزكاة مملوكاً ملكاً تاماً بأن يكون تحت يده، قادراً على التصرف فيه، ولم يتعلق به حق للغير، فلا زكاة في المال إذا كان مستغرقاً بالديون، أو كان غير قادر على التصرف فيه، أو غير مملوك له ملكاً تاماً كالمال المرهون، والمال بيد المكاتب (الذي كاتبه سيده للتحرر على أقساط)، والديون التي ينكرها المدين، أو كان عاجزاً عن الوفاء بها أو المال الضائع في مكان لا يطمع في الوصول إليه، ولم يشترط ذلك آخرون وهم الشافعية، فأوجبوا الزكاة في مال المدين على الدائن، لأنه مالك للمال، وعلى المدين، لأنه في يده كما أوجبوا الزكاة في مهر المرأة المؤجل.

6ـ القدر الواجب إخراجه في الزكاة يختلف تبعاً لنوع المال، ففي النقود وعروض التجارة ربع العشر، وفي المحاصيل الزراعية التي تسقى بماء السماء العشر، وفي التي تسقى بالآلات وتحتاج إلى نفقات نصف العشر وفي المعادن والركاز: الخمس وفي الأنعام أعيان منها، وأجاز الحنفية إخراج القيمة خلافاً لجمهور العلماء.

7ـ اتجه نظر جمهور العلماء إلى مال الزكاة، فإذا بلغ النصاب المقدر لكل مال وجبت فيه الزكاة بصرف النظر عن مالكه، على حين اشترط الحنفية أن يكون مالكه بالغاً عاقلاً، فإن كان صغيراً أو مجنوناً لم تجب في ماله الزكاة، لأنها عبادة وهما غير مكلفين بها. وحجة الجمهور أن النبيrخطب الناس فقال: «ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (رواه الترمذي والشافعي والدارقطني).

مصارف الزكاة

1ـ مصارف الزكاة ثمانية حددها قول الله تبارك وتعالى: )إِنَمَّا الصَدَقاتُ لِلفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ والعَامِلينَ عَلَيهَا والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم وَفِي الرِّقَابِ والغَارِمِينَ وَفِي سَبِيِل اللهِ وابنِ السَّبِيل( (التوبة60).

والعاملون عليها: هم الجابي والساعي لتحصيلها والعاشر والكاتب والمحاسب وغيرهم. والمؤلفة قلوبهم: هم الذين تدفع لهم الزكاة ليدخلوا في الإسلام، والذين دخلوا على ضَعْف ويراد تثبيتهم، أو الذين يراد دفع أذاهم، ومَنْعُ عمرt صرف هذا السهم إليهم لايعني نسخه، وإنما هو فهم راعى فيه روح النص وأن الذين طلبوه لم ينطبق عليهم معنى التأليف المقصود في النص. أما الرقاب: فهم العبيد الذين يحررون بمال الزكاة. والغارمون: هم الذين لزمتهم ديون، أو تحملوها بسبب الإصلاح بين الناس وحل المنازعات ولإطفاء نار الفتنة. وفي سبيل الله: المراد به المجاهدون، أو المنقطعون للجهاد، أو المنقطعون في طريق الحج أو للدعوة إلى الله تعالى بالحال والمقال والقلم. وابن السبيل: يراد به المسافر في الأغراض المأذون بها والمشروعة أو للطاعات وانقطعت به النفقة، فلم يجد ما يوصله إلى غرضه أو بلده.

2ـ اشترط الفقهاء لصحة الزكاة التمليك للفقير، فلا تكفي الإباحة ولا المسامحة ولا الإسقاط عن المدين، وذلك لقوله تعالى: {وآتوا الزكاة}، وبناء على هذا الشرط لا يجوز إنفاقها في تجهيز ميت أو تكفينه، ولا صرفها في بناء المساجد والمشافي والمدارس ولا القناطر والجسور. وقد اتجه بعض المتأخرين إلى إطلاق معنى (في سبيل الله) ليشمل كل ما يحقق النفع العام ولو بلا تمليك لأحد.

3ـ واشترطوا في المستفيد منها الإسلام، فلا يصح إعطاؤها للكافر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» إلا المؤلفة قلوبهم، فلا يشترط فيهم الإسلام خلافاً للشافعية.

4ـ منع أبو حنيفة صرف الزكاة للأصول كالأب والجد وللفروع كالابن والبنت ومانزل منهما، ولمن بينهما زوجية وذلك للاشتراك في المنافع عادة بين هؤلاء. وقد رخص الشافعي والصاحبان من الحنفية دفع الزوجة زكاتها لزوجها إن كان معسراً؛ لأنها لا تجبر على نفقته.

محمد هشام برهاني

مراجع للاستزادة:

 

ـ محمد أمين بن عمر بن عابدين، رد المحتار على الدر المختار (المطبعة الكبرى ببولاق، مصر 1272هـ/1855م).

ـ علي بن خلف المنوفي المالكي المصري، كفاية الطالب الرباني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (مكتبة الخانجي، مصر 1407هـ/1987م).

 


التصنيف : الشريعة
النوع : دين
المجلد: المجلد العاشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 372
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 38
الكل : 11015789
اليوم : 4526

التكيف النفسي

التكيف النفسي   التكيف ajustment adaptation عملية دينامية مستمرة، يهدف بها الفرد إلى أن يغير سلوكه، ليحدث علاقة أكثر توافقاً وتوازناً مع البيئة، كما تدل على مفهوم بيولوجي استخدم في نظرية التطور والبقاء، فالكائن الحي القادر على التكيف مع البيئة، ومفاجآتها يستطيع الاستمرار في البقاء، أما الذي يخفق في التكيف فمصيره إلى الزوال، وتشمل البيئة كل المؤثرات والإمكانات والقوى المحيطة بالإنسان التي يمكن أن تؤثر في جهوده للحصول على التوازن النفسي والبدني في معيشته. مجالات التكيف تتداخل مجالات التكيف، ويمكن تقسيمها إلى الفئات الآتية: ـ التكيف البيولوجي: ويقوم على تكامل الأعضاء الفيزيولوجية وأدائها الوظيفي لدى الكائن الحي، ضمن ما يطلق عليه عتبة التكيف الحسي. ـ التكيف الإيكولوجي: وهو تعايش الشخص مع شروط البيئة وتعامله معها بسلوك مناسب من المقاومة والتقبل. ـ التكيف الثقافي الاجتماعي: ويتعلق بطبيعة التنظيم الاجتماعي والثقافي وعلاقات أفراده وجماعاته. ـ التكيف النفسي المعرفي: ويتم عن طريق الإدراك والتفكير والقيام بعمل معرفي، ويؤدي إلى التكامل بين العمل البنيوي والوظيفي. ـ التكيف النفسي الانفعالي: ويشمل كل نشاط يتعلق بغدد الإنسان الداخلية وعواطفه وانفعالاته. ـ التكيف الفلسفي الأخلاقي ـ الروحي: ويعني تصرف الإنسان وفق فلسفات خاصة تعلمها في بيئته، وتجعله يفسر الظواهر والأشياء والمواقف وفق معتقداته الفلسفية والأخلاقية والروحية. هذا ويصعب الفصل بين هذه المجالات في الحياة الفعلية. مكونات التكيف اهتم بياجيه Piaget بالتكيف والتنظيم العقلي عند الأطفال، واستخدم منهجاً شبه عيادي في البحث، استقى فيه معلوماته من الملاحظات عن النمو العقلي لدى الأطفال من حيث المحتوى والبنية والوظيفة، وفسر النمو من خلال عمليتي التنظيم والتكيف، فالتنظيم له مستويان: بيولوجي وسيكولوجي، ويعبر المستوى البيولوجي للتنظيم عن الأفعال المنعكسة، في حين يعبر المستوى السيكولوجي عن تطوير البنية البيولوجية أو تعديلها نتيجة الاحتكاك والتفاعل مع البيئة. ويتحقق التكيف لديه من خلال عمليتي التمثل assimilation والمطابقـة accommodation، ويتم التمثل من الخارج إلى الداخل، ضمن سلسلة من الخطط مثلما يتمثل الطفل الطعام والخبرات الجديدة. وفي الطفولة المبكرة (2-5) سنوات يركز الطفل على نفسه، ولذلك يقوم بفاعلية التمثل أكثر من المطابقة مستخدماً الكلمات والرموز، ويبني الخطط التمثلية في ألعابه الإيهامية ويحورها حتى تصبح مقبولة لوجهة نظره، وتتزايد خطط المطابقة في الطفولة المتأخرة (6-12) سنة، إذ تختفي الألعاب الإيهامية التمثيلية وتظهر فيها أشكال المطابقة مع البيئة الاجتماعية وبعدها تعود فعالية التمثل إلى السيطرة، في المراهقة (13-18)، وفي آخرها يتوازن التكيف بالتمثل مع التكيف بالمطابقة، إذ يعدل الخطط نتيجة تمثل الخبرات الجديدة داخل البنية. وتظهر فعالية المطابقة في الاستكشاف والاستطلاع والتعلم بالمحاولة والخطأ، إذ يقوم الإنسان بتوليفات للخطط، ويستمر بالتجارب والبحث عن معلومات إلى أن يصل إلى خطط جديدة ناجحة، ومن خلال تفاعل عمليتي التمثل والمطابقة، يتمثل الطفل خبرات جديدة أو يكيف خططه عن طريق توسيعها أو مزجها، حتى يتمكن من مواجهة المواقف الجديدة، وبذلك تكون خططه مرنة للغاية، لكنها تظل محتفظة بطابعها ككليات منظمة، يسميها بياجيه الخطط، وبها يواجه الأحداث، ومتغيرات البيئة، أو كلما وسع الإنسان من نطاق عمله وأدائه. التكيف الناجح والتكيف المخفق (التكيف الإيجابي والتكيف السلبي) ليست كل المحاولات التي يقوم بها الفرد في سبيل التكيف ناجحة دوماً، وتختلف درجة النجاح من موقف لآخر بحسب ظروف المواقف، وتوافر الوسائل الملائمة، فإن كانت الاستجابات التي يقوم بها الفرد موصلة للهدف من دون أن يترتب عليها خسارة له أو للمجتمع، يوصف التكيف بأنه ناجح. أما التكيف غير الناجح فهو التكيف الذي لا يوصل إلى الهدف، فالفرد الذي يعيش في بيئة باردة وينتقل إلى منطقة حارة يتخذ عدداً من التدابير لحماية عضويته من التغير في البيئة الطبيعية، فإذا نجحت تلك التدابير يوصف بأنه تكيف ناجح، وإن أخفقت يوصف بأن تكيفه غير ناجح أو مخفق. العوامل الأساسية في التكيف 1ـ العوامل الجسدية: قد يحدث سوء التكيف بسبب الشروط الفيزيولوجية في بناء الجسم، وإن عدم إشباع الحاجات العضوية الأساسية يجعل صاحبها عرضة للاضطراب والتوتر وعدم التوازن. 2ـ العوامل النفسية: يتأثر التكيف بخبرات الطفولة والحاجات الأساسية المشتقة والقدرات العقلية وموقف الإنسان من نفسه: آ ـ خبرات الطفولة: تتكون قدرات الفرد وخصائص شخصيته وأنماط سلوكه في مرحلة الطفولة المبكرة، أي في السنوات الخمس الأولى من العمر التي تنتقل آثارها إلى المراحل التالية من عمر الإنسان، وتكوّن الهيكل الأساسي لبنية شخصيته، وفيها تتكون العقد النفسية والعصابات والمخاوف المرضية وما يترتب عليها من جنوح الأحداث والتخلف المدرسي، في المراحل اللاحقة من العمر. ب ـ الحاجات المشتقة: ويُقصد بها الحاجات التي تنشأ بنتيجة التعلم، وتكون في خدمة الحاجات الأساسية. وقد رتب ماسلو Maslow  الحاجات بحسب أهميتها مبتدئاً بالحاجات الأساسية: كالحاجة إلى الطعام والشراب (الفيزيولوجية) الحاجة إلى الأمن والحاجة إلى الحب والانتماء والتفاعل والحاجة إلى المكانة والتقدير واحترام الذات والحاجة إلى تحقيق الذات والحاجات الجمالية. ج ـ القدرات العقلية الخاصة: قد يعاني الأفراد الذين تكون قدرتهم الذكائية منخفضة من سوء التكيف، فيصابون بالإحباط والخيبة، وقد يعاني المتفوقون من التلاميذ حالات الملل والضيق بسبب ارتفاع قدراتهم عن مستوى غالبية الزملاء، لذلك دعت التربية الحديثة إلى التعلم الفردي أو الذاتي داخل المدرسة وخارجها حتى يتعلم كل تلميذ وفق سرعته الذاتية في التعلم، ووفق حاجاته ونجاحه في التعلم. د ـ موقف الإنسان من نفسه: إن معرفة الإنسان لنفسه، وما يمتلك من إمكانات، ورضى الإنسان عن نفسه، يمكّنه من أن يرسم مستويات طموح واقعية خاصة به تتناسب وإمكاناته، إذ إن الكثير من متاعب الأفراد تنجم عن تطلعهم إلى أعمال تفوق إمكاناتهم، أي إن مستويات الطموح لديهم لا تمكنهم من الوصول إليها. لذلك يتغير مستوى طموح الفرد في حياته من خلال سلسلة النجاح والإخفاق التي يجدها في تعلمه وفي حياته اليومية. 3ـ العوامل الاجتماعية: إن انتماء الفرد إلى فئة اجتماعية أو جماعة يدفعه إلى الأخذ بالمظاهر السلوكية الغالبة في تلك الفئة أو الجماعة والتقيد بقيمها، وقد يكون ذلك عاملاً من عوامل سوء التكيف وتسهم الأوقات التاريخية العصيبة التي تمر بها الجماعة، والتي يرافقها اضطراب وفوضى وقلق وانعدام للأمن في شذوذ الأفراد والتعرض لحالات الجنوح والعدوان، وقد ارتفعت هذه الحالات في أعقاب الحروب العالمية والإقليمية والأهلية. آليات التكيف الشعوري واللاشعوري في التحليل النفسي وضعت مدرسة التحليل النفسي التي أسسها سيغموند فرويد Freud آليات نفسية للتكيف: آليات التكيف الشعورية: هي آليات يستخدمها الفرد في مواجهة مواقف الحياة على نحو واع وإرادي، بحيث يسمح له الموقف بالتفكير والمحاكمة والتخطيط والمواجهة واستخدام كفاياته العقلية والمعرفية والحركية في إيجاد الحلول التي تكفل له تحقيق أهدافه. آليات التكيف اللاشعورية (الحيل الدفاعية): حين يواجه الفرد مواقف تهدد ذاته أو تعرضه لتجارب مشبعة بالقلق ويخفق في تأمين سبل المواجهة العقلانية الناجحة، فإنه يلجأ لاستخدام الحيل الدفاعية، وهي محاولات لاشعورية يقوم بها الفرد لحماية نفسه وتأكيد تكامل ذاته. وتتصف هذه الحيل والآليات بأنها محاولات للهروب من المواقف المثيرة للقلق، وتنطوي على تشويه لعناصر المعلومات البيئية، وقد يقوم بها الأسوياء وغير الأسوياء بصورة لا شعورية، وصنفها فرويد على النحو الآتي: 1ـ الكبت: حيلة دفاعية، تمنع الأفكار المؤلمة والمهددة للذات من الدخول إلى الشعور، فترسل إلى ساحة اللاشعور لتستقر هناك مع بقية الرغبات والاندفاعات المكبوتة بسبب قوانين الضبط الاجتماعية التي تمنع تحقيقها لتعارضها مع قيم المجتمع المنظم وأعرافه. 2ـ النكوص: ويعني ارتداد الفرد وعودته إلى أساليب طفلية أو بدائية في السلوك والتفكير والانفعال حين تعترضه مشكلة أو يواجه موقفاً مؤلماً. 3ـ الإسقاط: حيلة دفاعية ينسب فيها الفرد عيوبه ونقائصه إلى الآخرين، بعد أن يبالغ في تقديرها، فالبخيل يصف غيره بالبخل. 4ـ التقمص: ينزع الشخص في هذه الحيلة الدفاعية إلى دعم قيمته الذاتية أو حمايتها، وذلك بتوحيدها مع سمات شخص آخر يملك هذه الخصائص والسمات، ولا يكون التقمص دائماً نحو السمات الموجبة، بل يتجه في الكثير من الحالات نحو السمات السالبة، ومثال التقمص: تقمص الطالب شخصية أبيه أو معلمه، وكتقمص الفتاة لأمها. والتمثيل هو أحد أشكال التقمص الاصطناعي. 5ـ التعويض: يهدف التعويض إلى تغطية الضعف أو إخفائه، بتأكيد بعض السمات المرغوبة فيها في مجال ما، بوساطة الأفراد في مجال آخر، ومثال ذلك الفتاة القصيرة التي تحاول ارتداء أحذية تزيد من طولها. 6ـ التبرير أو التسويغ: تشير هذه الحيلة الدفاعية إلى الحالات التي يهرب فيها الشخص من تحمل مسؤوليته عن عمل شائن، فهو لا يتنكر للعمل المشين بل يجد الأعذار والمسوغات لإخفاقه أو هروبه ليقنع ذاته والآخرين بأن أسباباً عقلانية كانت وراء الإخفاق. 7ـ الأخيلة والأوهام: يستخدم الفرد أحياناً الأخيلة والأوهام وسيلة دفاعية، يتكيف بها مع الواقع وإشباع حاجاته. والأخيلة أشكال من التركيب تضم مجموعة من الصور ترتبط مع إشباع الحاجات، ويغلب فيها أن يكون المحرض والمثير أنواع الخيبة والإخفاق في الحياة الواقعية. وليست كثرة الأحلام، كأحلام اليقظة وأحلام النوم المنطوية على صور الطعام والأغذية إلا نوعاً من تحقيق ما خاب الجائع في تحقيقه في ساعات يقظته وسعيه وراء الرزق، وقد تكون الأخيلة بناءة ومنتجة. 8ـ التسامي: هو نوع من أنواع التحويل، وفيه يحول الإنسان طاقته من ميادين لا يرضى عنها المجتمع إلى غايات أو أغراض سامية، يوافق عليها وينظر إليها وإلى من يسعى وراءها نظرة احترام وتقدير، ويظهر التسامي أيام الطفولة حين يجد الطفل إجراء محموداً يقدره المجتمع فيوجه إليه الكثير من طاقته، ويجد فيه نوعاً من إشباع الحاجات والمتعة وقبول المجتمع ذلك النوع من السلوك وثناءه عليه،من ثم تعزيزه. وظيفة الحيل الدفاعية في التكيف النفسي اتضح أن الحيل الدفاعية وسائل لخفض القلق والتوترات المصاحبة للأزمات النفسية على اختلاف أنواعها ومصادرها، فهي تخفف من وطأة العقبات المادية والمعنوية التي تعترض الفرد، كما تقيه من معرفة عيوبه ونقائصه ونياته الدفينة الذميمة، فتقيه من مشاعر النقص والذنب، ومن استصغار نفسه واتهامها، فهي تعمل بطريقة آلية لاتسبقها رويّة أو تفكير، كما لايمكن ضبطها بالإرادة، وأغلبها فطري لايكتسبه الفرد عن طريق الخبرة والتعلم. التكيف النفسي والحضارة التكيف في أصله مستمد من علم الحياة، فعلماء البيولوجيا هم أول من استخدموا هذا المفهوم وعرفوه بأنه: (أي تغيير في الكائن الحي، سواء في الشكل أو الوظيفة يجعله أكثر قدرة على المحافظة على حياته أو بقاء جنسه) ثم انتقل هذا المفهوم إلى علم النفس واستخدمه علماء النفس للدلالة على مدى ملاءمة العضو لوظيفته. وعندما وصل التكيف إلى تفسير السلوك الاجتماعي، أصبح أكثر اتساعاً، فشمل كل مايقوم به الفرد من سلوك، ليوفق بين سلوكه ومطالب البيئة، ويمكن أن يوصف سلوك الإنسان التكيفي كردود أفعال لعديد من المطالب والضغوط البيئية التي يعيش فيها. ويعيش الإنسان في الحضارة الحديثة في بيئة يكثر فيها القلق والحيرة والارتياب والارتباك بين الناس بسبب التغير التقني والاجتماعي السريع، ولاسيما في أواخر القرن العشرين. وقد شجعت الأنظمة الرأسمالية السريعة التغير، التنافس المسعور بين الناس وأضعفت الصلة بين العامل وصاحب العمل، وأوهنت روابط الأسرة، وشجعت على السلوك لمصلحة الفرد، مما أشاع القلق واضطراب الصحة النفسية واختلال الصحة الخلقية. ولذلك لابد من تحصين الإنسان ووقايته من مساوىء الحضارة والاستفادة من فوائدها، لتحسين تكيف الإنسان المتوازن من خلال معرفته لنفسه وتعليمه حل المشكلات بالطرق الصحيحة وجعله صديقاً لنفسه، له هدف في الحياة، صريحاً في كل معاملاته، صبوراً متقناً لعمله. والتكيف الصحيح مع متطلبات الحياة سريعة التغير، يجعل المرء أكثر توازناً في علاقته مع نفسه وبيئته.   محمود ميلاد   الموضوعات ذات الصلة:   بياجيه ـ التحليل النفسي ـ التعلم ـ فرويد.   مراجع للاستزادة:   ـ نعيم الرفاعي، الصحة النفسية، دراسة في سيكولوجية التكيف (منشورات جامعة دمشق 1986). ـ يوسف ميخائيل أسعد، الشخصية الناجحة (نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة 1990). ـ د.م بيرد، جان بياجيه وسيكولوجية نمو الأطفال، ترجمة فيولا فارس الببلاوي (مكتبة الإنجلو المصرية، القاهرة 1977).
المزيد »