logo

logo

logo

logo

logo

البيونية

بيونيه

Bionics - Bionique

البيونية

 

البيونية bionics أو علم الأحياء الإلكتروني bioelectronics مجال علمي- تقني حديث نسبياً يسعى إلى تقليد الآليات الموجودة في الأحياء وإيجاد آليات عضوية-صنعية تربط بين العناصر المصنعة والأجهزة العضوية في الجسم الحي لتعويض الخلل فيها. نحت المصطلح من الإنكليزية من جمع المقطع الأول من كلمة biology أي علم الحياة، والمقطع الأخير من كلمة electronics أي الإلكترونيات، واستخدم أول مرة عام 1960 في ندوة عقدت في الولايات المتحدة الأمريكية.

تشترك في مجال البيونية علوم مختلفة، ويمكن القول إنه محاولات يقوم بها الفيزيائيون والكيميائيون والمهندسون والأطباء وعلماء الأحياء لتقليد ما تتمتع به الكائنات الحية من قدرات طبيعية، وكأنها نماذج يجب أن يستلهم الإنسان من تعضيها العالي الكمال. وثمة علاقة وثيقة بين البيونية والسبرانية cybernetics (أي علم الضبط والتوجيه)، من حيث إنهما ترميان، في النطاق الإلكتروني، إلى تطوير نماذج تتحكم في أجهزة إرسال المعلومة واستقبالها ومعالجتها، كتلك التي تتحكم في أجهزة القيادة والتنظيم الذاتي في الكائنات الحية. ومن هنا صار لمصطلح «مجال التحكم» cyberspace و«أعضاء التحكم» cyborg مكانتهما الأساسية في ضبط عمل الأجهزة البيونية وتوافقها مع العضوية الحية.

يمكن لقفازات مجهزة بحساسات بينية عصبية وحاسوب صغير تحديد ضغط الأصابع واليد ومعرفة شكل الغرض ونسيجه

وإن الموازنة بين الأجهزة التي تملكها الكائنات الحية والإنجازات العملية التي يطمح إليها الإنسان للتعويض عن الخلل فيها، تبيّن أن ما في الطبيعة هو أكثر إتقاناً مما ينتجه أبرع المهندسين إبداعاً، وأن الطبيعة تقتصد في وسائلها اقتصاداً يسترعي الانتباه، وأنها استغرقت ملايين السنين لتتوصل إلى أحسن الآليات تكيّفاً مع الطبيعة حفاظاً على الكائنات الحية وتكاثرها، وأن الاصطفاء تناول كمّاً هائلاً من الكائنات التي خضعت للتطور.

وقد توصل العلماء والباحثون من مختلف التخصصات في السنوات التسعين الماضية إلى تطوير مواد وأجهزة أُتقن صنعها إلى درجة صار بالإمكان استخدام بعضها لتحل محل أجزاء من الأعضاء الحية في جسم الإنسان. ويمكن لتلك المواد الخاصة، التي أضحت تسمى «المواد البيونية»، أن تقوم بعملها بتماس محكم مع النسج الحية، وبأقل رد فعلٍ مؤذٍ أو رافضٍ لها في الجسم. أما الأدوات والقطع التي تصنع من تلك المواد البيونية فيطلق عليها اسم «الأجهزة البيونية الطبية» أو المزدرعات (الغرسات) implants.

وكان أول زرع ناجح في جسم الإنسان قد تم في أوائل القرن العشرين لصفائح من المعدن تثبت أجزاء العظام المكسورة وتسارع في شفائها. وفي أوائل الخمسينات من ذلك القرن أدت الإنجازات التي تحققت في مجال هندسة المواد وتقانات الجراحة إلى إجراء تجارب لتبديل الأوعية الدموية، وأمكن في الستينات زرع صمامات صنعية في القلب وزرع مفصل الورك، وتتالت بعد ذلك إنجازات كثيرة تكاد تكون ضرباً من الخيال العلمي.

أدرك الجراحون منذ أول زرع لصفيحات العظام المشكلات التي قد تنتج من فقد المزدرعات قيمتها قبل أوانها لخلل ميكانيكي أو تآكل مادتها أو عدم توافق الأنسجة معها. وما يزال تصميم تلك الأدوات واختيار مادتها ودرجة توافقها الحيوي مع الأنسجة من أصعب المشكلات التي تعترض الباحثين. ومع التقدم الذي أصابته العلوم الطبية وتحسن المضادات الحيوية أضحت الأخطار التي تتعرض لها صحة الإنسان والناتجة من الأمراض المختلفة قليلة. ولأن متوسط العمر المتوقع في ازدياد فإن التنكس المرضي مع التقدم في السن أضحى مشكلة حرجة، ويعني ذلك زيادة إصابات الأعضاء والمفاصل وغيرها من الأجزاء الحساسة في الجسم أو تلفها بمرور الزمن وضرورة تبديلها إذا ما بقيت للجسد القدرة على متابعة العيش. وتضطلع المواد البيونية اليوم بدور رئيسي في الحلول محل كل جهاز أساسي في الجسم أو تحسين أدائه سواء كان عظمياً أو دورانياً أو عصبياً أو غير ذلك. وثمة مزدرعات أضحت اليوم شائعة منها الأجهزة والأدوات العظمية كالركبة الصنعية والمفصل الوركي ومزدرعات العمود الفقري ومثبتات العظام، ومنها المزدرعات القلبية كالصمامات الصنعية والناظمات القلبية pacemakers،، ومزدرعات العين والدماغ، وزرع النسج الرخوة مثل زرع الثدي وحقن الكولاجين لتحسين شكله، ومنها زراعة الأسنان عن طريق زرع جذور للأسنان وبناء العظم في الفكين، ومنها كذلك محاولات تطبيق مفهومات البيونية في المعالجة الطبية لحالات الاكتئاب والعجز الجنسي وتحسين وظائف الذاكرة والتعلم وربط الأعصاب.

الأعضاء الحسية

يتفوق الكائن الحي تفوقاً بارزاً على الآلة في مجال تلقي المعلومة ومعالجتها، فهو يلتقط المعلومات الصادرة عن محيطه وبيئته وعن وسطه الداخلي بأعضائه الحسية، فتُنقلها الأعصاب بشكل رسائل مرمَّزة codes حتى مراكز الإسقاط العصبية أو «المحلِّلات analyzers» حيث تجري عمليات معقدة من الدمج أوالتكامل integration والترابط association تعالج، في زمن قصير جداً وباستهلاك قدر ضئيل جداً من الطاقة، تدفقَ المعلومات الذي تقدمه المستقبلات في كل لحظة. فإما أن تُختزن النتائج في الذاكرة وإما أن تنقل إلى الطرق العصبية التي تسوق الأجوبة إلى الأعضاء المنفذة effectors، وهذه تشمل أساساً الجملة العضلية التي توجه السلوك comportment وتُكيفُه، والجملة الغدية التي توطد التوازنات الاستتبابية الداخلية في الجسم التي اضطربت اضطراباً مؤقتاً.

1- توصل الباحثون إلى صنع أنف مصغر من رقاقة واحدة تستعمل لتحري صلاحية الأطعمة.وربما توصلوا في المستقبل إلى زرع مثل هذه الرقاقة لدى إنسان فقد حاسة الشم.

2- تمثل هذه الرقاقة لساناً إلكترونياً يمكن بوساطته تذوق نوعية المشروبات أو نقاء الماء.

3- رقاقة مكروية إلكترونية تزرع في العين إلى حد ما لدى فاقدي البصر بسبب الشبكية.

تلتقط المستقبلات الحسية في الكائنات الحية إشاراتٍ مختلفة الطبيعة: كهرمغنطيسية أو ميكانيكية أو سمعية أو كيمياوية، فتُحول الطاقة الواردة إلى طاقة كهربائية وتُسقِط رسائل مرمَّزة على المراكز النوعية. وما تتصف به هذه المستقبلات من حساسية واصطفائية هو مادة أساسية في بحوث المعنيين بالبيونية.

مستقبلات الأفعال الميكانيكية: إن الحلزون cochlea في أذن الإنسان وفي الثدييات الذي يحوِّل الموجات الصوتية إلى نبضات من التدفقات العصبية يمثل أشد الأجهزة حساسية. فمستوى عتبة الشدة الصوتية لأذن الإنسان يطابق طاقة مقدارها 10 ـ12إرغ، ومن أجل ذلك تكون اهتزازات الغشاء القاعدي في الأذن الداخلية صغيرة جداً.

وهناك حيوانات كثيرة تكون حساسة بالاهتزازات المنخفضة التواتر ولاسيما مستديرات الفم Cyclostomes والأسماك واليرقات المائية للضفدعيات. وتستجيب في هذه الحيوانات جملة «الخط الجانبي»، وهو مقر اللمس عن بعد، لاهتزازات مقدارها من 1 إلى 25 هرتز. وفي المدوزة Medusa تَشعر الحويصلات السمعية otocystes باهتزازات مقدارها من 8 إلى 13 هرتز تنشأ من احتكاك الأمواج بالهواء. ولقد بنى المهندسون «السوفييت» منذ ستينات القرن العشرين على هذا النموذج «أذناً صنعية» تتيح التنبؤ بعاصفة قبل خمس عشرة ساعة من وصولها.

وهناك في المقابل أنواع حيوانية كثيرة تكون حساسة بالاهتزازات العالية التواتر التي لايسمعها الإنسان. فبعض الثدييات التي تكيفت مع الحياة الهوائية كالخفافيش أو مجنحات الأيدي، أو مع الحياة المائية كالدلافين وخنازير البحر porpoises (حوتيات تشبه الدلافين) لها أجهزة تصدر إشارات سمعية تواترها أعلى من 150 كيلوهرتز وتستقبل مثل تلك الإشارات. وهذا «الصونار» الطبيعي sonar الناجع في كشف الفرائس عن بعد ومعرفة وجهتها يسوِّغ الفضول الذي يظهره الناس إزاء هذه الحيوانات. وإن معرفة الآليات الصحيحة  لقدرة هذه الحيوانات على التمييز مفيدة جداً للباحثين في مجالات كثيرة ولاسيما البيونية.

مستقبلات الأفعال الضوئية: إن استقبال الضوء photoreception حاسة موجودة على الشمول تقريباً في عالم الحيوان، ولكن القدرة على تعرف الأشكال وعلى كشف الحركات تنامت وتكاملت تكاملاً مستقلاً في ثلاث شعب كبيرة هي مفصليات الأرجل Arthropodes والرخويات Mollusca والفقاريات Vertebrates. وحلت كل زمرة منها مشكلات الرؤية على طريقتها الخاصة.

فمنها ما يدرك التحركات بتسجيل الإشارات الضوئية التي تصل إلى كل خلية من شبكية عينها، ومقارنة زمن وصولها إلى المركز المخي ودمج المعلومة، فتُقَدِّر بذلك سرعة الأهداف المرئية واتجاهها. و إن دراسة قيام هذه العين بعملها قادت بعض الاختصاصيين ولا سيما في معهد ماكس بلانك في توبنغن (ألمانية) إلى إنجاز مشعر بالسرعة أعد للطائرات.

وهناك تفاعل بيوني آخر مفيد دُرس في مجال البصريات هو عين ضفدعة إلكترونية. فالضفدع لا يستطيع تمييز فرائسه إلا إذا كانت متحركة، وشبكية عينه مقسومة إلى أربعة حقول قابلة للتأثر تكتشف بالترتيب: التضاد والتحدبات والحواف المتحركة والظلال. و إن سرعات إيصال التدفق والترتيبات العينية هي نوعية من أجل كل حقل. فإذا مر جسم في حقل الرؤية فإن التعتيم يؤدي إلى استجابة من مستقبلات الظل تنتقل بسرعة كبيرة إلى المخ وتؤدي إلى إيقاظه. وينصب اهتمام الحيوان آنذاك على الحافة المتحركة من الجسم. فإذا كانت هذه الحافة محدبة، وتعني فريسة محتملة، فإن كاشف الحواف الواضحة يتيح تحديداً للموقع كافي الدقة بغية الهجوم والتهام الفريسة. والعين الإلكترونية المبنية على هذا الطراز يمكنها، على قول منجزيها، أن تكون أداة نافعة في البحوث التي تهتم بمسائل «تعرُّف الأشكال«. وتمثل خطوة أولى نحو تحقيق أجهزة معقدة لمراقبة الأجسام المتحركة وتعرفها والتحكم في حركتها.

أما عين الإنسان فإن آلياتها قد خضعت لدراسات كثيرة جدًا، وما يزال بعضها يكتنفه الغموض. وإذا كان «الإنسان العاقل» ما يزال غير قابل للاستبدال مع ما تحقق من منظومات صنعية للكشف أو التحكم، فإن ذلك يفسَّر على الأخص بقدرة الدماغ البشري الخارقة على تعرف الأشكال الخاصة، الأمر الذي يتيح للإنسان تحديد هوية الأجسام ذات المغزى في ساحة رؤيته  من نظرة خاطفة واحدة. وعليه يجب على الدوام ألا تكتفي دراسة جملةٍ حسية بالمستقبل ونوعيته، ولكن يجب أن تضع في الحسبان مراكز الإسقاط النوعي ومراكز الإشراك حيث يُدمج نهائياً كل المعطيات الحسية. ومع ما تحقق من نجاح نسبي في مسألة تحسين الرؤية عند الإنسان بزرع العدسات وإصلاح الشبكية وتنبيه مراكز الإحساس البصري في الدماغ إلكترونياً، فإن الوصول إلى مساعدة الإنسان على استعادة البصر كاملاً وتعرف الألوان مازال بعيداً.

مستقبلات الأفعال الكيمياوية: إن إدراك بعض المواد الكيمياوية وتعرفها ناميان جداً في بعض الأنواع الحيوانية. فالمعروف أن فراشة التوت الذكر Bombyx mori تملك حساسية فائقة إزاء الرائحة الجنسية في الأنثى ناجمة عن مادة كيمياوية معروفة ويستجيب العضو الحساس لتركيزٍ على درجة كبيرة من الضعف.

وليست الأنواع المائية بأقل تجهيزاً من ناحية الاستقبال الكيمياوي. فسمك السلمون Salmon مثلاً يستجيب برد فعل نوعي لوجود الحمض الأميني السيرين اليساري L.serine في الماء بتمديد مقداره 10 - 11غ/ل.

والشم في الإنسان (وهو أقل حظاً من كثير من الحيوانات) يكشف عدداً كبيراً من جزيئات كيمياوية مختلفة جداً، واستجابته فورية، وقيامه الدائم بوظيفته ومستنده التشريحي المنمنم إلى أبعد حد ميزتان تمنحانه تفوقاً لا يقبل الجدل على أشد الأجهزة حداثة.

ومن المفيد جداً، من وجهة نظر البيونية، محاولة نسخ مستقبلات الأفعال الكيمياوية الطبيعية بغية الحصول على «أنوف اصطناعية» يمكن أن تغدو تطبيقاتها متعددة، لعل أهمها مساعدة فاقد حاسة الشم على تمييز الروائح. وقد بذلت في هذا المنحى محاولات شتى ولكن لم يستطع أحد حتى الآن تحقيق ما يتصف به الجهاز الحسي من دقة واستجابة فورية.

في مدى ثلاثة عقود ستتوافر مزدرعات بينية عصبية في دماغ الإنسان تساعد في زيادة معارفه وتحسين ذاكرته وتفكيره

  مستقبلات الأفعال الحرارية: إن للكائنات الحية مستقبلات حساسة بالحرارة تكون في الإنسان متجمعة في بعض مناطق الجلد، وتشعره بأدنى التغيرات في درجة الحرارة. وهناك أنواع من الأفاعي ولاسيما الأفعى ذات الأجراس rattlesnake تكشف تغيرات حرارية من رتبة 0.001 درجة مئوية (إنها تشعر بيد الإنسان من مسافة 30سم من رأسها). وتعد  نموذجاً يستلهم منه المهندسون حلولاً جديدة لمسألة كشف الإشعاعات تحت الحمراء والإفادة منها في أمور مختلفة.

مستقبلات الأفعال الكهربائية: مع أن أكثر الحيوانات لا تشعر بالطاقة الكهربائية إلا كصدمة مزعجة، شريطة أن تكون كافية الشدة، فهناك على الأقل ثلاث فصائل من الأسماك تعيش في الأنهار المدارية في إفريقية وأمريكة الجنوبية  قادرة على أن تكشف أي تبدلات صغيرة تطرأ على الساحة الكهربائية في محيطها. فهذه الأسماك تصدر تفريغات كهربائية discharges نَسقية إيقاعية ضعيفة تستخدمها بفضل مستقبلات للأفعال الكهربائية حساسة جداً لتكشف أجساماً لها ناقلية مختلفة عن ناقلية الماء. وهذه الطريقة من الكشف وتعيين الموضع بإصدار حقول كهربائية ضعيفة واستقبالها ما تزال تبدي كثيراً من المجاهيل، ولكنها قد تستطيع الإسهام في تحسين بعض منظومات الكشف والتحكم.

التوجه في المكان والزمان: إن الطرائق التي تستعملها الحيوانات في توجهها معقدة ومختلفة. وإذا كان الباحثون يعرفون طرائق الكشف وتحديد الموضع القصير المدى فإن المعلومات أشد إبهاماً بكثير فيما يتصل بالتوجه الطويل المدى لعدة حيوانات مهاجرة، ذلك أنه يُدخل في أمره آليات معقدة جداً حتى حواس فرضية، كأن يكون لها حساسية بمتدرجات الحقل المغنطيسي الأرضي، أو حساسية بالموجات الهرتزية. ومن جهة أخرى فإن الملاحة الفلكية لبعض الطيور ولبعض الحشرات والإيقاعات والسلوك في عدة كائنات حية، كل ذلك يستلزم بالضرورة وجود «ساعات بيولوجية» لا يُعلم ضبطها ولا كيفية قيامها بعملها. ويحتمل أن يُغني تَقَدم المعلومات في هذا المجال تقنية منظومات التحكم والملاحة والبيونية.

الجملة العصبية والإلكترونيات

إن منظومات الاستعلام في الكائنات الحية لا تقتصر على ملتقطات حسية تُنَبَّه انتقائياً ببعض العوامل الفيزيائية أو الكيمياوية في العالم الخارجي. فالإشارات المُدْرَكة تترجم بعد ذلك إلى لغة مرمَّزة تنقلها الجملة العصبية ذات العلاقة إلى مراكز مكلَّفة حلَّ رموز تلك الرسائل، وتعمل فيها منظومات معقدة جداً للدمج والإحكام واختزان بعض المعلومات في الذاكرة ووضع الخطط المحرِّكة وإصدار الأوامر للقيام بسلوك معين.

وقد أثارت الصفات البارزة للجملة العصبية فضول البيونيين والسبرانيين. ويجهد اليوم عدد كبير من الاختصاصيين في حل رموز القوانين العامة التي تحكم قيام هذه الجملة بعملها والحوافز الخفية للعمليات الذهنية التي تميز فعالية الكائنات العليا. والفيزيولوجية العصبية هي من أكثر المجالات البيولوجية رفداً للبيونية. وكثيراً ما يوازنون بين المخ والحواسيب. ففي الحواسيب تتألف الإشارات من نبضات كهربائية قصيرة المدة جداً تٌقَدَّم المعلومات للآلة بلغة ثنائية، فيدل كل رقم معبرٍ عنه بتركيب من الأصفار ومن الواحدات على وجود  نبضة تيار كهربائي أو فقدانها.

أما نقل التنبيه في الجملة العصبية فهو عملية كيمياوية - كهربائية تتوضح بموجة زوال استقطاب depolarisation تنتشر على طول محور الخلية العصبية وتنتج من التبدلات في نفوذية الغشاء الخلوي إزاء الشوارد ions التي تتوزع، حين تكون الخلية العصبية في حالة الراحة، توزعاً غير متساوٍ على وجهي غشائها بفضل توازن دينامي. و تنطلق هذه العملية الكيمياوية ـ الكهربائية، التي تعبّر عن تنبه الخلية العصبية، من الطاقة الداخلية المدخرة في  الخلية. والعصب في هذه الحالة هو محول ثنائي ذو مخرجين: وجود إشارة أو عدم وجودها. وتتوضح درجة التنبيه فيه بارتفاع التواتر في تتابع النبضات. وتُنقل المعلومات بالعصب بطريقة تعديل تواتر النبضات، حيث تؤدي المشابك العصبية synapses دوراً كبيراً. ففيها يمر التنبيه من خلية عصبية إلى خلية أخرى، وبوساطتها تصبح الخلية العصبية في مساس عدة خلايا أخرى. وبعض المشابك تكون منبِّهة ويكون بعضها الآخر مثبطاً. ولا تشرع الخلية العصبية في عملها إلا إذا تجاوز التنبيه الذي يرد إليها عتبة معينة.

تؤدي الجملة العصبية بعضَ الوظائف بدرجة عالية من الثقة والأمان وتلك الإمكانية ترجع من غير شك إلى وفرة العناصر التي تستطيع إنجاز هذه الوظائف. وهي تخضع لمبدأ الحجز reservation المعروف جيداً في التقانة. إذ إن إيقاف عددٍ ما من العناصر عن العمل لا يلغي وظيفة معينة ولكن ينقص احتمال تحققها. ومع ذلك فإن هناك فرقاً جذرياً بين الجمل الحية والأجهزة التقنية. ففي هذه الأخيرة لا تُربط العناصر الرديفة إلا عندما تتوقف العناصر المستعملة، في حين أن العناصر كلها في الأحياء تستطيع على العموم أن تعمل في وقت واحد ولكن بمردود أقل، وتَوَقُّف عدد منها عن العمل يؤدي فقط إلى اشتداد عمل البقية.

تحتفظ الكائنات الحية بكميات هائلة من المعلومات على مدى زمن طويل جداً وتستعيدها عند الطلب. والآلية الصحيحة لهذه الخاصية، أي الذاكرة، ما تزال مجهولة. ويرى بعضهم أن الذكريات تدور باستمرار في دارات متذبذبة عصبية تشبه بعض الذاكرات الإلكترونية. في حين يرى آخرون أنها تُختزن في الخلايا العصبية بشكل بروتينات تحمل معلومات نوعية.

إن ملكة التدرب ولاسيما إمكان التجريد abstraction الذي يمنح الدماغ البشري قدرته الرائعة على تعرف الأشكال والأصوات، ويؤلف الميِّزة الرئيسة للذكاء التصوري conceptual intelligence تمكن الإنسان من تصور العلاقات بين عناصر معينة (الفهم) ومن تخيل إمكانات العمل (الاختراع).

والمخ منظومة ذاتية التكيف تُعد برامجها الخاصة بنفسها، ولهذا ما يزال الإنسان ضرورياً لا يستغنى عنه في كثير من مراكز القيادة والمراقبة التي تتطلب محاكمة عقلية أمينة موثوقة واتخاذ قرار سريع.

وقد بذلت محاولات كثيرة لتقليد هذه الوحدات المتمايزة في الجملة العصبية وكذلك التجمعات المعقدة للخلايا العصبية تقليداً صنعياً، لأن هذه التجمعات هي التي تتحكم في الفعاليات العليا للكائنات الحية، وقد تتيح معرفتُها تحقيق تقدم عظيم في معالجة المعلومات وفي تقنية الحواسيب وفي علاج إصابات الدماغ والأعصاب. وإذا ما أشير إلى نمنمة المخ البشري (من 10 إلى 15 مليار من الخلايا العصبية في حجم صغير جداً) وإلى الاقتصاد البالغ في قيامه بعمله (صرف طاقة من رتبة بضعة واطات) فيكون من السهل إدراك أهمية محاولات تقليد الآليات التي تتدخل في المراكز العصبية تقليداً صنعياً.

والمدرِكات سperception التي تصورها فرانك روزنبلات Frank Rosenblatt في مخبر كورنل للملاحة الجوية هي آلات ذاتية التكيف قادرة على التعلُّم. إلا أنها ما تزال في طور التجربة و تثير اهتماماً كبيراً من جراء التطبيقات المتعددة التي يمكن أن تتيحها.

الأعضاء المنفذة في المنظومات الطبيعية

تستحق الأعضاء المحركة انتباهاً خاصاً فهي تتمتع بقدرة بالغة النجوع، إنها منظومات عالية الكمال. فبفضل أعضاء محيطية للاستعلام، كالمغازل العصبية العضلية، تُعلَم الجملة العصبية المركزية على الدوام عن تنقلات الأطراف وأجزاء أخرى من الجسم. وبهذا فهي تضمن تدخلاً متناسقاً للمجموعات العضلية بغية إنتاج حركات محكمة إحكاماً دقيقاً مع الفعل المطلوب. وتعد العضلات نماذج مفيدة جداً للمهندس. فهي من جهة مقر تحول طاقة كيمياوية إلى طاقة ميكانيكية بمردود جيد، وهي من جهة أخرى تحقق إنجازات عالية مع ضمانة كبيرة في العمل.

البيونية التطبيقية

تعد البيونية جسراً يربط بين عالم الأحياء والعلوم التقنية والتطبيقية. بيد أن دراسة الحادثات والظواهر البيولوجية أشد صعوبة من دراسة الحادثات والظواهر الفيزيائية. ولهذا فإن البحث في الفيزيولوجية البشرية والحيوانية عامة وفي مجال البيونية خاصة يتقدم بخطا بطيئة، ويبدو متأخراً إذا ما نُظر إلى التقدم المذهل الذي تحقق حديثاً في ميادين أخرى.  وإذا كان الإنسان البيوني قابلاً للوجود نظرياً فإن الصعوبة الرئيسية في تحقيق ذلك تكمن في التغلب على البينية interface النسيجية في العضوية والمواد البيونية المستعملة، وفي التغلب على مشكلة الحجم التي تتفق مع حجم النسج عند البشر. وما تزال الطريق طويلة أمام فهم آليات المهارات الحركية والتحسس والإدراك والتعلم. فقد توصل العلم والتقانة إلى حل الكثير من غوامض عمل الخلايا ونواها ووظائفها منفردة ولكن العلم ما يزال قاصراً عن فهم آلية معالجة الأعصاب للمعلومات التي تتلقاها كالتفكير والذاكرة والتعلم.

فالمعروف أن منطقة «الحصين» hippocampus في الدماغ تقوم بوظيفة التعلم، ولكن من غير المعلوم تماماً كيف تقوم بهذا العمل وكيف تقوم أعصاب الحصين مجتمعة بصنع الذاكرة. ولا تتوافر لدى البشر إلى اليوم الأدوات أو المعارف التي تساعدهم على ذلك حتى في المخابر. 

وقد تتوصل البحوث ذات الصفة البيونية بعد مدة قصيرة أو طويلة إلى تطبيقات عملية، وعلى الإنسان في كثير من الحالات أن  يعمل على استثمار «براءات الاختراع» الموجودة في الطبيعة استثماراً مباشراً. فيفيد مثلاً من القابليات الخاصة لبعض الكائنات الحية سواء كانت متعضيات مجهرية أو كانت حيوانات عليا.

ويمكن في حالات أخرى إدخال العضو المفيد وحده في مجموع ميكانيكي أو إلكتروني وتركيب مكنة مختلطة مجهزة بعناصر بيولوجية عالية النمنمة منخفضة سعر التكلفة وموثوقة العمل.

ويمكن أن تستثمر الإشارات التي تبثها بعض النسج أو الأعضاء من أجل إدارة محرك أو جهاز إلكتروني أو مراقبتهما. وهذا ما تحقق مثلاً في «اليد ذات المفاصل الكهربائية الأحيائية» التي صُنعت في موسكو، وتستفيد من التواترات الكهربائية العضلية التي تُضخَّم وتُستجمع من المناطق الجلدية المجاورة للعضلات المتقلصة.

ويمكن أن يستلهم المهندسون عمل المنظومات الحية للخروج بأفكار جديدة. ويمكن أن يضرب مثلاً الجيروسكوب gyroscope ذو الصفائح المهتزة الذي صنعته شركة سبيرِّي راند (1979) Sperry Rand Corporation لحساسيته الشديدة بالموازنة مع الأجهزة الكلاسيكية، وقلة تعرضه للتلف بالتسارعات القوية، ويقوم مبدؤه على تقليد عمل زوائد متحركة في الحشرات ذوات الجناحين تسمى الثقالات أو أعضاء التوازن، وهي ترشد  الحشرات في أثناء طيرانها على تبدلات الاتجاه.

ويمكن أيضاً نسخ الأجهزة البيولوجية نسخاً صحيحاً تاماً. بيد أن من المناسب ألا يكون الإنسان في هذا النطاق شديد الطموح لأن أكثر النماذج الحية تُعمل آليات لا يدركها الإنسان ومواد ما تزال الكيمياء تجهل اصطناعها.

على أن الإنسان العاقل Homo sapiens بفضل  ذكائه الصوري قد استطاع التفوق على الحياة في بعض الميادين. وهكذا فإن العجلة (الدولاب) وهي من أمهر البنى التي تصورها الإنسان لنقل القوة، لم تستخدمها الحيوانات أبداً. ذلك أن العجلة ليس لها مع قُبِّها من الارتباطات المباشرة ما يشبه ما تتطلبه أجزاء جسم الحيوان من ارتباطات دائمة لتنقل السيالة العصبية والدم وغيرهما. إن كل جزء من جسم الحيوان يرتبط بالبقية بأوعية دموية وأعصاب ستتخرب بسرعة إذا ما أصابها فتل مستمر. وهكذا فإن الطبيعة لا تستخدم أبداً عجلة حقيقية، إنها تستخدم فقط رافعات levers تنتقل من الأعلى إلى الأسفل أو من اليمين إلى اليسار ولكنها لا تحقق أبداً دورات كاملة حول محور ثابت.

ويرى الباحثون أن البيونية إذا ما أرادت أن تتجاوز مظهرها النظري البحت وأن تستجيب للآمال التي عقدت عليها فيجب أن تصبح القضية المشتركة لاختصاصين مؤهلين بارزين في النطاقات البيولوجية وفي العلوم الرياضية والتقنية.

 

عبد الحليم سويدان

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

الأتماتية ـ الحاسوب ـ الحوتيات ـ الخفافيش ـ السيبرانية.


التصنيف : التقنيات (التكنولوجية)
النوع : تقانة
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 806
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 54
الكل : 11018017
اليوم : 6754

السهيلي (عبد الرحمن بن عبد الله-)

السهيلي (عبد الرحمن بن عبد الله-) (508ـ581هـ/1114ـ1185م)   أبو القاسم، أحد الأعلام البارزين الذين شاركوا في نهضة تراثنا الإسلامي وإنمائه، حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير، وُلد في مالقة، وعمي وعمره 17سنة، ونبغ، فاتصل خبره بصاحب مراكش فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنف كتبه إلى أن توفي بها.
المزيد »