logo

logo

logo

logo

logo

السنة (أهل-)

سنه (اهل)

Sunnis - Sunnites

السنة (أهل ـ)

 

هم أصحاب المنهج القويم الذين يلتزمون ما أنزل الله في قرآنه المجيد، وما أوحاه الله إلى رسوله الأمين من السنة النبوية، واتبعها الصحابة الكرام رضي الله عنهم قبل ظهور الابتداع في الدين والسياسة.

والدليل الواضح: ما أخرجه مالك في الموطأ، بلغه أن رسول اللهr قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله»، وما أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي: «... أوصيكم  بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل مُحْدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وهذا في ضوء الآيات القرآنية الكريمة الواردة في هذا الشأن مثل قوله تعالى: ]اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون[ (الأعراف 3)، وقوله سبحانه: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.[ (النساء 59)؛ وقوله عز وجل: ]وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ[ (التوبة  100).

وبدايات هذه الصفة ظهرت في عهد الإمام علي بن أبي طالب[ر] بعد حدوث موقعة صِفِّين، وانقسام الأمة الإسلامية سياسياً بسبب تآمر المفسدين والتعصب المذهبي، ولكن مصطلح «أهل السنة» لم يطلق إلا في العصر العباسي الأول على من يتمسك بالكتاب والسنة، في مقابل ظهور اسم المعتزلة الذي كان يطلق على من يأخذ بالكلام والنظر، وظلت الحال كذلك، إلى أن ظهر الإمامان: أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي في أواخر القرن الثالث الهجري، واضمحلت أمامهما كل الفرق الأخرى، فلم يعد بارزاً في الوسط الاجتماعي إلا مذهب أهل السنة الذي يضم جماهير المسلمين، ومذهب الشيعة الباقي إلى اليوم.

أهم عقائدهم

تمثِّل عقائدهم ظواهر القرآن والسنة، فهم يؤمنون بأركان الإيمان الستة وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقَدَر خيره وشره، ويدينون بأركان الإسلام الخمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً.

وينزّهون الله تعالى عن كل شريك في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهم أهل التوحيد الخالص، أي إن الله عز وجل واحد لا شريك له، فَرْد، صَمَدٌ (مقصود في الحوائج كلها) لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، متصف بالعلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام والحياة.

ويعتقدون بأن الجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان، وأن الساعة (القيامة) لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ويوقنون بسؤال منكر ونكير في القبر بعد الموت، وأن عذاب القبر للعصاة حق، ونعيمه للطائعين حق، والميزان حق، والصراط (بين الجنة والنار) حق، والحوض (حوض النبيr في الجنة) حق، وأن الله وحده يحاسب الخلائق أجمعين، وأن كلام الله قديم غير مخلوق، وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شـر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله تعالى، ولا يستغني أحد عن الله ربه، وأنه لا خالق على الإطلاق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة، والعباد لا يقدرون على أن يَخْلُقوا شيئاً ولو اجتمعوا له، وهم يُخلَقون، وأن الله وفّق المؤمنين لطاعته ولطف بهم، ولم يلطف بمن كفروا به، وأن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون لا غيرهم، ولا يكفِّرون أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه ولو كان كبيراً، كالزنا والسرقة وشرب الخمر والمسكرات، ويدينون بأن الله تعالى يقلِّب القلوب كيف يشاء. والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ولكن أصل الإيمان جوهر واحد، والإسلام[ر] أوسع من الإيمان، فليس كل إسلام إيماناً. وأهل السنة يحبون السلف الصالح من الصحابة والقرابة وآل البيت النبوي (بني هاشم وبني عبد المطلب) والتابعين لهم بإحسان، ويتولونهم أجمعين، ويثنون عليهم خيراً، ولاسيما الخلفاء الراشدين، ويشهدون بالجنة للعشرة المبشرين بها من النبيr. ولا يبتدعون في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا يقولون على الله مالا يعلمون، ويَدْعون لأئمة المسلمين بالصلاح والهداية، ويقرِّون بخروج الدجّال في آخر الزمان، ومن مات أو قتل مات بأجله. والأرزاق من الله تعالى لجميع عباده، والله عز وجل يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون إليه، وما كان وما يكون، ويعلم بالجزئيات والكليات. ويُخرج الله عصاة المؤمنين من النار، بعد تعذيبهم بمشيئة الله، فلا يُخلَّد مرتكب الكبيرة في النار، ويغفر الله لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء، ويقبل التوبة من عباده، ويعفو عن السيئات، ويتبرؤون من أهل الأهواء والضلال، ويرون أن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويغريه بالمعاصي، من غير سلطان له ولا تأثير على عباد الله الصالحين. ويثبتون «الكرامة» لأولياء الله الصالحين، تمييزاً لها من المعجزة وهي الأمر الخارق للعادة، التي يجريها الله تعالى على يد الأنبياء والمرسلين لإثبات صدقهم، ويأخذون بكل ما جاءت به السنة النبوية من عقائد، سواء السنة المتواترة وأخبار الآحاد، ويعتقدون بظواهر النصوص الموهمة للتشبيه دون وقوع في التشبيه الفعلي، كاعتقاد وجود الوجه والعين واليد لله تعالى، كما جاءت بها النصوص الشرعية، بلا كيف معين، ولا تحديد، ولا تجسيم، ولا تشبيه بالبشر: ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ (الشورى: 11) وأن الله استوى على عرش ملكه استواء يليق به، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا حصر، لقوله تعالى: ]الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[ (طه: 5).

والشفاعة ثابتة للرسولr في الآخرة بإذن الله، خلافاً للمعتزلة، والإنسان يفعل أفعال الشر بالاكتساب دون أن يخلقها، وأعمال العباد مخلوقة لله ومقدورة له. وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأمر الله نافذ في كل حال، لقوله تعالى: ]إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ (النحل: 40). وأصل الهداية والضلال بيد الله تعالى حسبما يعلم من أحوال البشر سلفاً قبل الخلق، لقوله سبحانه: ]مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون[ (الأعراف: 178) وما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. ولا يجوز الخروج والعصيان على أئمة المسلمين المعروفين بالصلاح والتقوى، ولا القتال في الفتنة، ويصدِّقون بحديث المعراج، ويبيحون الصدقة عن موتى المؤمنين والدعاء لهم، والله ينفعهم.

فرق أهل السنة

مدارس أهل السنة والجماعة بالاستقراء ثلاث:

1ـ أهل الحديث والأثر: وهم الذين يعتمدون على الأدلة النقلية أو السمعية من الكتاب والسنة والإجماع.

2ـ أهل النظر العقلي في العقائد وهم الأشعرية والماتريدية.

3ـ أهل الوجدان والكشف وهم الصوفية، ومبادئهم كأهل النظر العقلي في الحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية.

أما الأشاعرة: فهم أتباع الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري[ر] الشافعي إمام أهل السنة، ولد بالبصرة سنة 260هـ، وتوفي سنة 324هـ، قام بعد ترك مذهب أهل الاعتزال بإبطال آراء المعتزلة الذين حملوا على الفقهاء والمحدثين، وسمي أتباعُه (الأشاعرة) بأهل السنة والجماعة، لإثباتهم ما وردت به السنة النبوية، وانتشر مذهبهم في بلاد العراق وخراسان والشام وبلاد المغرب وإفريقيا، وآراؤه هي ما تقدم بيانه عن أهل السنة.

وأما الماتريدية: فهم أتباع الإمام أبي منصور محمد بن محمد الحنفي الماتريدي، نسـبة إلى «ماتريد» بسمرقند التي ولد فيها، وتوفي سنة 333هـ، تتفق أكثر آرائه مع الأشـعري، مع فروق جزئية.

ومجمل الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية هو خلاف في فهم المراد ببعض النصوص أو في المأخوذ من بعض النصوص، ولا ترتقي إلى مسـائل أصول الإيمان وقواعده، ولا تمس صفات الله تعالى بنفي الثابت منها أو التحريف منها. وكل ما وعد الله به واقع ونافذ، ومن وعده: فتح باب الرجاء والأمل للفساق والعصاة بالعفو والمغفرة يوم القيامة بمشيئة الله تعالى.

ـ ويلاحظ أن مذهب أهل السنة هو التوسط والاعتدال بين طريقين حادّين فيما يأتي:

أولاً: المشبِّهة (المجسِّمة) الذين نسبوا الله تعالى إلى الجسمية، وأسندوا إليه سبحانه كثيراً مما يسند إلى الجسم، والمعطِّلة الذين نفوا صفات الله تعالى التي وردت في كتاب الله وسنة رسولهr، فقد أثبت أهل السنة لله تعالى كل الصفات التي أثبتها لنفسه مع التنزيه.

 ثانياً: في مسألة الجبر والاختيار: فالجبرية قالوا إن الله أجبر عباده على أقوالهم وأفعالهم من غير اختيار، والقَدَرية ذهبوا إلى الاختيار المطلق، وقال أهل السنة إن الخلق خلق الله، والكسب للإنسان (أو العبد المخلوق)، أي إن الإنسان يملك اختياراً وإرادة، والتكليف بالتكاليف الشرعية مرتبط بالكسب وهو الاقتران بين الفعل المخلوق من الله، وبين اختيار الإنسان.

ثالثاً: في مسألة الشفاعة: المعتزلة نفوا الشفاعة من أصلها، والإمامية أثبتوها للنبيr ولجميع الأئمة الاثني عشر، وأهل السنة قالوا إن الشفاعة مقصورة على الرسول عليه الصلاة والسلام، ولمن أذن الله له بها من أهل الإيمان والصلاح.

رابعاً: في مسألة الحسن والقبح للأشياء والأفعال: المعتزلة قالوا: إن الحسن والقبح عقليان، لا شـرعيان، والجبرية قالوا: إنهما شـرعيان، واتفق أهل السـنة من الأشـاعرة والماتريدية على أنه لا تكليف قبل ورود الشرع، وإن اختلفوا في إدراك مناط الثواب والعقاب في بعض الأفعال وكونه شرعياً أو عقلياً، مع الاتفاق حتى مع المعتزلة على أن العقل يدرك الحسن والقبح في شيئين: إطلاق الحسن على ما يلائم الطبع كالحلاوة والعذوبة أو صفة الكمال كالعلم والصدق، وإطلاق القبح على منافر الطبع كالمرارة والخشونة، وعلى صفة النقص كالجهل والكذب.

خامساً: في مرتكب الكبيرة: قال الخوارج: إن مرتكب الذنوب الكبيرة كالزنا والسرقة وشرب الخمر كافر مخلَّد في النار، فضيقوا دائرة الإيمان. والمرجئة الذين وسّعوا دائرة الإيمان قالوا: لا تضر مع الإيمان معصية، والمعتزلة قالوا: إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين. وقال أهل السنة: إن الإيمان شرط لقبول كل عمل صالح، والسيئة يجزى بمثلها، وعفو الله تبارك وتعالى لا حدّ يقيده، وطاعات الإنسان ومعاصيه منسوبة إليه.

سادساً: في مسألة التَّقِيَّة: غلب على الخوارج الطبيعة البدوية فأخذوا بموقف المجابهة والصراحة، فحرَّموا التقية مطلقاً. والشيعة أجازوها مطلقاً، بإظهار الموافقة وإخفاء المخالفة، وأهل السنة قالوا: إذا خاف الإنسان على نفسه وماله، هاجر من موضعه إلى حيث يأمن على نفسه، وإلا أخذ بها بقدر الضرورة حتى يتمكن من الفرار بدينه.

وقد أشار القرآن إلى التقية في معاملة الأعداء فقط في الآية: ]إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ...[ (آل عمران: 28)، أي في حال الخوف من ضرر الأعداء كالقتل مثلاً، تجوز موالاة الأعداء في الظاهر بقدر دفع الضرر عنا.

وهبة الزحيلي

 

 الموضوعات ذات الصلة:

 

الإسلام ـ الإسماعيلية ـ الإمامية ـ الشراة ـ القدرية ـ المعتزلة.

 

 مراجع للاستزادة:

 

ـ أبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة (مكتبة دار البيان بدمشق 1401هـ/1981م).

ـ أبو الفتح محمد الشهرستاني، الملل والنحل، جزءان (مطبعة البابي الحلبي، 1381هـ/1961م).

 

 

 


التصنيف : الشريعة
النوع : دين
المجلد: المجلد الحادي عشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 190
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 25
الكل : 11083993
اليوم : 1827

أونغاريتي (جوسيبي-)

أونغاريتي (جوسيبي ـ) (1888ـ1970)   جوسيبي أونغاريتي Giuseppe Ungaretti شاعر إيطالي ينحدر من أسرة توسكانية مهاجرة، فقد ولد في الاسكندرية بمصر وتوفي في ميلانو بإيطالية. يُعدّ من كبار شعراء إيطالية في القرن العشرين. كان صحفياً وناثراً، كما كان رجل ثقافة وأدب وتأمل، إلى جانب كونه رجل مقاهٍ وحوارات وأسفار. وكان مواطناً عالمياً: فهو مصري المولد، فرنسي الثقافة والفكر، إيطالي الأصل، جذوره ضاربة في أرض أجداده ومرتبطة بعاداتها وتقاليدها ارتباطاً لاتُفصم عُراه. استقر في باريس منذ عام 1910، وتابع في الكولّيج دي فرانس College de France محاضرات الناقد الأدبي الفرنسي غوستاف لانصون Gustave Lanson، ومحاضرات جوزيف بدييه[ر] Joseph Bedier أستاذ أدب العصر الوسيط، كما واظب على حضور محاضرات الفيلسوف الفرنسي هنري برْغُسن[ر] Henri Bergson. وقد تردّد أونغاريتّي مدَّة إقامته في باريس على أكثر الأوساط الثقافية والفكرية والفنية الطليعية نشاطاً آنذاك. كما اطلع على أعمال ثُلَّةٍ من الشعراء الفرنسيين الذين أثّروا تأثيراً بالغاً في مسيرته الشعرية، أمثال شارل بودلير [ر] Charles Baudelaire، وستيفان مالاّرميه[ر] Stéphane Mallarmé، وأرتور رامبو[ر] Arthur Rimbaud، وجول لافورغ[ر] Jules Laforgue وكثير غيرهم كانوا مايزالون مجهولين في إيطالية. كما التقى أونغاريّتي في باريس شاعراً إيطالياً مولوداً في الاسكندرية وهو فيليبو تومّاسو مارينيتّي Filippo Tommaso Marinetti الذي برزت في شعره النزعة «المستقبلية» Futurisme ومؤداها: الثورة على الماضي بكل أساليبه الفنية، ومحاولة ابتكار موضوعات وأساليب فنية وأدبية تتمشى مع عصر الآلة. وبعد أن ترك أونغاريتّي باريس واستقر نهائياً في رومة، احتفظ بصداقة وثيقة العرى مع كل من الأديبيَن الفرنسيَين جان بولهان Jean Paulhan ، وبنيامين كريميو Benjamin Crémieux. تأثّر أونغاريتّي تحديداً بالشاعر الفرنسي مالاّرميه، فنظم شعراً على منواله فاشتهُر أمره، واندرج اسمه في الرباعي الإيطالي الكبير إلى جانب الشعراء أومبرتو سابا[ر] Umberto Saba ومونتالي وكوازيمودو. وقد بشّر هذا الرباعي، الذي ظهر في مرحلة مابين الحربين العالميتين، بنهضة شعرية في إيطالية. نفخ أونغاريتّي في بواكير إنتاجه روحاً جديدة في الشعر الإيطالي، وانطلق صوته غريباً عن قضايا الشعر الإيطالي السائد آنذاك، وتجاوز جميع محاولات ردود الفعل ضد المدرسة الدانّونزية المسيطرة التي أسسها وتزعمها الإيطالي غابرييله دانّونزيو[ر] Gabriele D'annunzio. كما خالف نهج الشاعر جوفانّي باسكولي[ر] Giovanni Pascoli، وبلور أسلوباً شعرياً جديداً في مبناه وفي معناه يمكن تلمس صداه فيما بعد عند الشاعر الفرنسي رنيه شار[ر] Rene Char. نظم أونغاريتّي ستة دوواين شعرية جمعها في خمسة مجلدات وهي على التوالي: 1ـ «غبطة الغرقى«L'Allegria dei naufragi  نظمه بين عامي 1914 و1916 ويحتوي بين دفتيه على ديوان صغير بعنوان «المرفأ الغائر» Il porto sepolto. وصف أونغاريتّي في ديوانه هذا أهوال الحرب ومآسيها، وعبّر فيه عن فرحة البقاء بعد انتهائها. ويُلمس في هذا الديوان شفافية التشاؤم البطولي الذي يطبع بطابعه مجموعة قصائد الديوان. 2ـ «الشعور بالزمن» Sentimento del tempo: نظم قصائده في الأعوام 1919-1937. عبّر فيه عن ضيقه بالعيش وتبرّمه به، واستحواذ فكرة الموت وهاجسه على نفسه، فبحث عن وطن حقيقي ضائع ومختبئ في ليل الزمان السحيق. كما بحث عن «البراءة الأولى». وتُظهر هذه الأحاسيس كلّها أن جرح النفي والاغتراب الذي كان يشعر به على الدوام لم يندمل بعد عنده. وقد زاد من حدة اغترابه عن وطنه آنذاك معارضته للفاشية وأفكارها، فشدّ الرحال من جديد وسافر إلى البرازيل ليدرّس فيها الأدب الإيطالي الحديث من عام 1937 حتى عام 1942. وقد بحث أونغاريتّي في ديوانه هذا عن أسلوب أكثر إتقاناً، وعن شكل شعري أكثر اتباعية. 3ـ «الألم» Il Dolore: نظم قصائده في الأعوام 1937-1946. في المدة التي درّس فيها أونغاريتّي في سان باولو وقعت أحداث جسام تركت بصماتها المأساوية على قصائد هذا الديوان. فقد توفي ولده في عام 1937 وكان له من العمر تسع سنوات، وأدمى قلبه احتلال النازيين رومة فصبّ أحزانه في قصائد فيها نُواحٌ يمزق القلوب.  4ـ «الأرض الموعودة» Terra Promessa:نظم  قصائده في الأعوام 1947-1950. شعر أونغاريتّي طوال حياته بأنه منفي؛ منفيٌّ في الأرض، هائم على وجهه، دائم التنقل والترحال، يحث السير أبداً نحو آفاقٍ جديدة. فقد وُلد في مصر التي تعجّ بشتى الأساطير، وبالسحر الذي يفتن الغرب. وقد بقي طوال حياته داعياً لهذه الازدواجية التي تجري في عروقه بين أصله الإيطالي ومولده المصري، ممزقاً بينهما؛ فبين بَهْرِه وهَلَعِه من الصحراء وتعلُّقه بسحر السراب وبحثه الدائم عن الواحات وترصده إياها، يتنازعه حنينه الذي ورَّثته إياه أمّه إلى أرض توسكانة Toscana. وقد اندمج هذان العالمان المتناقضان في ذهنه وروحه، فأبدع من وحيه ديوانه «الأرض الموعودة». وقد عبّر عن نفيه واغترابه في قصيدته القصيرة التي أهداها إلى صديقه العربي محمد شهاب، قرينه في الاغتراب وتوأم روحه. بحث أونغاريتّي بدأب وإصرار عن تلك الأرض السراب التي كلّما ظن أنه وجدها تلاشت من تحت قدميه واختفت. وقد عبّر عن ذروة اغترابه في قصيدته «الأنهار» التي يتحدث فيها عن نهر سيركيو Serchio الإيطالي، والنيل المصري، والسين Seine الفرنسي. ثلاثة أنهار تحمل في جريانها ثلاثة منابع ثقافية، كان قلب أونغاريتّي يخفق بها ويرتوي منها. لقد وصل أونغاريتّي في ديوانَيه «الألم» و«الأرض الموعودة» إلى حدّ الإبهام والغموض وإلى مرحلة «الشعر الصرف».  5 ـ «صراخٌ ومناظر» وهو آخر دواوينه، نظم أشعاره في الأعوام 1950- 1954. تضم هذه الدواوين الخمسة قصائد عروضها أحد عشر مقطعاً. ولأونغاريتّي كتابات نثرية. فقد كتب مجلدات كثيرة عن ذكرياته، وكتب مقالات ودراسات شرح فيها تجربته في الهرب من «قلق العصر» عن طريق الصفاء التقني في النظم الشعري، واللوذ بالأحلام، والتلاشي في الأحاسيس. وهذه كلّها منابع للخلاص الإنساني يمكن أن يبلغ الشعر فيها شأواً بعيداً لايخلو من غموض وانسجام. كما كتب أونغاريتّي دراسات في التصوير والمصورين ولاسيما كتاباته عن المصور والرسام والنحات الفرنسي جان فوترييه[ر] Jean Fautrier. وله كتابان: «الفقير في المدينة» Il povero nella città نشره في عام 1949، و«مفكرة شيخ» Il Taccuino del Vecchio وقد نشره في عام 1960. كما نشر كتاباً في عام 1961 عن ذكرياته بعنوان «انطلاقاً من الصحراء» Il Deserto e dopo. وله ترجمات مهمة. فقد ترجم سونيتات Sonnets شكسبير[ر]، وقصائد للشاعر الإسباني غونغورا[ر] Gongora، كما ترجم للشاعر الفرنسي راسين[ر] Racine، وللشاعر والمصور الإنكليزي بليك[ر] Blake، وبعضاً من قصائد مالاّرميه، وقصائد للشاعر الروسي يِسّينين[ر]. شعر أونغاريتّي بأكمله وبعمقه مرآة لسيرته الذاتية والمناسبات التي عاشها. فهو لم يترك مناسبة أو تجربة إلاّ ونظم فيها شعراً. ويُعدّ هذا الشعر اعترافات متلاحقة، لكنه تمالك فيها نفسه وكبح جماحها من شطط الحقيقة وخفاياها اللاذعة أحياناً. وقد أغرب أونغاريتّي في نظم قصائده وعزف فيها عن كل ماهو ثانوي واحتفظ بالجوهري، فأسقط من شعره كل ماهو تزييني وسهل. يُعدّ أونغاريتّي  رائداً من رواد المدرسة الهرمسية أو الإبهامية Hermétisme التي اختارت الإبهام والغموض منهجاً لها. وشعره رصينٌ دقيق المعنى والفِكرة، ليس فيه تكلّف، وليس فيه حشو ولا إسفاف، وهو يعيد القارئ في شعره إلى ماضٍ بعيد، ماضي ماقبل الولادة، ماضي الإنسان البدائي، فيصل بذلك في شعره إلى مرحلة الأسطورة. لقد انزوى أونغاريتّي في أشعاره في «عزلة ساطعة» يهيمن عليها إحساس حاد بالصمت. وكان يغوص في الأزمنة السحيقة، وفي السكون المطلق، وفي الفراغ الذي ملأ كل شيء ولاشيء يملؤه.   نبيل اللو   مراجع للاستزادة:   - G.OSSOLA,Giuseppe Ungaretti, Mursia, (Milano 1975). - P. BIGONGIARI, la congiuntura Ungaretti-Breton-Reverdy,in LApprodo letterario, nº17, (1972). - Y. CAROUTCH,.Ungaretti (Paris 1980).
المزيد »