logo

logo

logo

logo

logo

أريستوفان

اريستوفان

Aristophanes - Aristophane

أريستوفانِس

(نحو 488- نحو 380 ق.م)

 

يُعَدُّ أريستوفانِس Aristophane أعظم كتّاب الملهاة اليونانية القديمة Kömödia التي كانت تغص بالنكات والمبالغات والنقد السياسي اللاذع.

وكان من طبقة ملاك الأراضي في أثينة, وعبّر عن سخط طبقته من جراء تدهور الأحوال في أثينة نتيجة لأهوال الحرب مع إِسبرطة ولتخبط الفئة الحاكمة التي تولّت زمام الأمور في عصره. كما عبّر عن تطلعات طبقته إِلى العودة بأثينة إِلى عصرها الزاهي السابق, سواء من ناحية أمجادها العسكرية وانتصاراتها على إِسبرطة أم من ناحية تماسك نظامها السياسي واستقرار نظامها الاجتماعي, ومن هنا كانت وقفته المحافظة إِزاء مختلف تطورات الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في عصره. ويعتقد أنه ألَّف نحو خمسين مسرحية تغطي جوانب الحياة الأثينية في زمنه, ولم يبق منها إِلا إِحدى عشرة ملهاة هي: «الأخارنيون» Acharnians (425ق.م), و«الفرسان» The Knights (424ق.م), و«الزنابير» Wasps (422ق.م), و«السلام» The Peace (421ق.م), و«الطيور» The Birds (414ق.م), و«ليزيستراتِه» Lysistrate (411ق.م), و«النساء في أعياد الثيموفوريا» Thesmophoriazousae (411ق.م), و«الضفادع» The Frogs (405ق.م), و«برلمان النساء» Ecclesiazusae (392ق.م), و«بلوتوس» (إِله الثروة) Plutus (388ق.م).

وفي تلخيص عبقرية أريستوفانِس يمكن القول إِنه أعظم عقل انتقادي في تاريخ المسرح اليوناني, بل هو مُرسي أسس النقد الساخر في المسرح الضاحك. وبقدر ما كان نقده جريئاً حيّاً كان كذلك متسعاً يكاد يشمل مختلف مرافق الحياة في عصره.

وقد انتقد أريستوفانِس تدهور الأحوال السياسية في أثينة وتلاعب السياسيين بعواطف الشعب من خلال الخطابات الديماغوجية والوعود الكاذبة وتقلب الأهواء. ويدخل في هذا الباب هجاؤه المقذع للعسكريين الذين يعلقون مصالحهم الخاصة على فرصة الحرب, ويزينون خوضها للناس ويوهمونهم بأنها السبيل الوحيد لتحقيق المصالح الوطنية والأمجاد القومية, في حين أنها, في حقيقتها, لا تجلب سوى الدمار والويلات والخراب. ومن هنا يمكن أن يعد أريستوفانِس من أعداء الحرب ومن أنصار السلم, مما يذّكر كذلك بموقف قرينه أوربيدس[ر].

وتناول في هجومه الأفراد والمؤسسات السياسية, فصبّ جام غضبه على كليون زعيم أثينة الذي بلغ أوج المجد في تلك المرحلة بسبب ما أحرزه من انتصارات حربية. وقُدّم الشاعر الناقد إِلى المحاكمة نتيجة تهجمه على هذا الزعيم السياسي واسع النفوذ. وإِلى جانب ذلك تعرّض لمجالس أثينة بنقد جارح, ولم يُعْفِ المجالس العامة كمجلس الشيوخ والجمعية العمومية والمحاكم من هذا النقد.

وانتقد أريستوفانِس كذلك تدهور الأخلاق وانحطاط العلاقات الاجتماعية في عصره, وركز على الفساد الجنسي والإِباحية المتفشية في شبيبة أثينة, وطالب باستعادة القيم الأخلاقية كالنبل والصدق والطهر, وبث روح العمل الجاد والإِخلاص بين المواطنين. وتبدو أخلاقيته محافظة وعقلانية, ولكنها ليست بالضبط أخلاقية دينية, وتتمثل جلية في موازنته بين قرينيه أسخيلوس[ر] وأوربيدس في ملهاة «الضفادع».

وهاجم أريستوفانِس كذلك أصحاب الفكر الجديد من السفسطائيين (المغالطين), وجرّح أفكارهم ورماهم بأقذع التهم, ولم يترك أي فرصة تمر في مسرحياته من دون أن يستثمرها لتسفيه الفلاسفة بوجه عام, وفي مقدمتهم سقراط[ر]. فمثلاً, في ملهاة «السحب», التي تعدُّ من أجمل ما كتبه أريستوفانِس, يهاجم الفلسفة في شخص سقراط ويضعه وجهاً لوجه أمام رجل عادي من الشعب ليُحدث الأثر الفكاهي الناتج عن المفارقة. إِن هذا الرجل العادي يرغب في أن يصير سفسطائياً لكي يتعلم كيف يتهرّب من دفع ديونه, وينظر بإِجلال إِلى سقراط, وخاصة حين يُخبره أحد تلامذته كيف أنه يشغل وقته في دراسات قيّمة وأسئلة مهمة مثل: «كم ضعفاً تبلغ المسافة التي يقفزها البرغوث بالنسبة إِلى طول إِحدى قوائمه؟», و«من أية ناحية من جسم البعوضة الطائرة يأتي الطنين؟». وتعتريه الدهشة عندما يرى الأستاذ سقراط متربعاً في سلة معلقة في الهواء كما يليق برجل فوق مستوى البشر العاديين, وعندما يسأله ماذا يعمل هناك في العلاء يجيب سقراط : «يجب أن أعلق دماغي وأمزج جوهر عقلي الخفي بالهواء ذي الطبيعة المماثلة كي أتمكن من النفاذ إِلى أمور السماء بوضوح, ولو بقيت على الأرض أتأمل من تحت الأمور السفلى لما استطعت اكتشاف شيء, لأن الأرض بجاذبيتها تجذب عصارة الدماغ إِليها كما يحدث في حالة بعض النباتات المائية الزاحفة».

وخلاصة ما تقوله «السحب» إِن سقراط يفسد شبيبة أثينة بأسئلته الفلسفية, ويستطيع المرء أن يتصور أن أريستوفانِس أضحك أهل أثينة كثيراً من سقراط ولكن على المرء ألا ينسى أن هذه التهمة نفسها هي التي أودت بحياة سقراط فيما بعد.

وإِضافة إِلى مبادرات أريستوفان الرائدة في مجالات النقد السياسي والاجتماعي والفكري فإِنه يُعدّ من رواد النقد الأدبي اليوناني ولاسيما في مسرحية «الضفادع» المبدعة, التي تعرَّض فيها للموازنة بين زميليه أسخيلوس وأوربيدس من حيث الشاعرية, والمكانة المسرحية, والموقف الأخلاقي, أي إِن موازنته تناولت الشكل والمضمون معاً.

ويبدو نقد أريستوفانِس أوسع أفقاً وأقل انحداراً مما ينسب إِليه عادة, فقد اشتملت مسرحياته الكوميدية المعروفة على نقد ساخر للكتاب والمفكرين في عصره, وانصبّت انتقاداته بوجه خاص على أوربيدس, واتصفت أحكامه بذوق متطور ورؤية نافذة, وذلك من خلال خطين نقديين مستمرين هما :كرهه لجميع أشكال المبالغة والتصنع, واهتمامه بالقيم الأخلاقية وإِدخالها في صميم الموازنة الأدبية. وتظل مسرحية «الضفادع» شاهداً حياً على الإِسهام المبكر للمسرح في النقد الأدبي.

أما طريقته في النقد المسرحي فيلخصها محمد حمدي إِبراهيم بما يلي: «لقد اخترع أريستوفانيس لغة كوميدية خاصة به من الكلمات ذات المعاني المزدوجة والإِيحاءات الخاصة والألفاظ المصكوكة والمركبة تركيباً عجيباً. كذلك تميزت أشعاره بالرصانة والإِبداع والخيال. وكان حواره طبيعياً يتميز بالحيوية, في حين كانت نكاته غليظة وجريئة بغض النظر عن كونها غير شهوانية. ويُعد أريستوفانِس من أبرع الكتاب في التندر أو الاقتباس الساخر parödia ...».

والملاحظ أن ترجمات أريستوفانِس إِلى العربية لا تتعدى «الضفادع» و«السحب» وبعض الشذرات, وذلك بسبب ارتباط الملهاة عادة بالعادات والمرددات واللهجات المغرقة في المحلية.

حسام الخطيب

الموضوعات ذات الصلة:

المسرحية - الملهاة - اليونان.

 

مراجع للاستزادة:

ـ محمد حمدي إِبراهيم, دراسة نظرية في الدراما الإِغريقية (القاهرة 1977).

ـ محمد صقر خفاجة, تاريخ الأدب اليوناني (القاهرة 1956).

ـ حسام الخطيب, تطور الأدب الأوربي ونشأة مذاهبه (دمشق 1981).


التصنيف : الآداب القديمة
النوع : أعلام ومشاهير
المجلد: المجلد الأول
رقم الصفحة ضمن المجلد : 986
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 62
الكل : 13712523
اليوم : 6282

تولسيداس (غوسوامي-)

المزيد »