logo

logo

logo

logo

logo

الهجري (هارون بن زكريا-)

هجري (هارون زكريا)

Al-Hadjari (Harun ibn Zakaria-) - Al-Hadjari (Harun ibn Zakaria-)

الهَجَري (هارون بن زكريا ـ)

(…ـ 300هـ/… ـ 912م)

 

أبو علي هارون بن زَكَرِيا الهَجَرِيُّ، أديبٌ لغويٌّ، ولعلَّ الهجريَّ نسبة إلى (هَجَر) وهي المدينة المعروفة الواقعة بإقليم البحرين، وعُرِفَ بعد ذلك بالأحساء من شبه الجزيرة العربية.   

يكاد الهجريُّ يكون مغموراً على الرَّغم من جلالة قدره في عصره وســعة معرفته، ذلك أن كتب التَّراجم لا تذكر عنه سـوى القول إنَّه: «هارون بن زَكَرِيا الهجري أبو علي، صاحب كتاب «النَّوادر المفيدة»، وبعض يسمِّيها الأمالي، روى عنه ثابت بن حزم السَّرقُسطي، ولقيه قاسم بن ثابت بالمغرب ولقيه غيرهما بالمشرق»، وهذا مبلغُ عِلْمِ كتب التَّراجم بهذا العَلَم، وتراجمه في المصادر على التَّرتيب التَّاريخي في: «معجم الأدباء» لياقوت الحَمَويّ و«إنباه الرواة» للقفطيّ و«الوافي بالوفيات» للصَّفدي، و«بغية الوعاة» للسّيوطي، وجُلُّها لا يخرج على ما ذُكِرَ آنفاً كالذي ذكره ياقوت الحَمَوي في معجم الأدباء بقوله: «هارون بن زكريا الهجري أبو عليّ النّحوي صاحب كتاب النّوادر المفيدة، روى عنه ثابت بن حزم السَّرَقُسْطِي وغيره، ولا أعلم من أمره غير هذا»، وقد استخلص الباحث المعروف (حمد الجاسر) أخبـار الهجري من ثنايا كتابه «التَّعليقات والنَّوادر».

يُعلَم قَدْرُ الهَجَريِّ في علوم العربية ومنزلته منها من خلال كتابه النادر «التعليقات والنوادر»، وهو كتاب من الأهميَّة بمكان عظيم، ويحسن ـ أوَّلاً ـ الوقوفُ عند دِلالة هذا الاسم، فالمرادُ من (التَّعليقات) ما جُمع من معارفَ مختلفة المقاصد ممَّا عَلِقَ بالأذهان ثم دُوِّنَ بعد ذلك في كتابٍ، والمراد من «النَّوادر» ما جُمِعَ من معارفَ ممَّا يراه أهل العلم نادراً غير معلوم لدى كثير من النَّاس، وقد أخرج الباحث الجاسرُ هذا الكتابَ في أربعة أجزاء مُحكَمةٍ أحسنَ إحكام، الجزء الأوَّل منها مقصور على الحديث عن الهجري في مقدمة مطوَّلة، ويتناول الجزء الثاني الأدبَ والشِّعر والرَّجز، وفيه أغزر مادَّة في كتاب الهجري، ويتميز هذا الجزء بما يشتمل عليه من ذكرٍ لشعراء مغمورين مُجيدين، وفيه نوادرُ من أشعار لا مصدر لها بين الأيدي في هذا الزمن سوى كتاب الهجري، ومن هنا تأتي أهميَّة هذه النَّوادر، إضافةً إلى ذلك ثمَّة شعر لمشهورين تأتي الفائدة منه بذكر أسماء المواضع الواردة فيه، وذِكْرِ غريب اللُّغة فيه ولاسيَّما في الأراجيز، والجزء الثَّالث من الكتاب مقصورٌ على (اللُّغة والمواضع) وجاء هذا الجزء مرتَّباً على حروف المعجم، ويتميَّز بنوادر اللُّغة ونوادر الأماكن، ويظهر فيه علم الهجريِّ الواسع بذلك ممَّا أخذه عن أهل البادية مشافهةً، وأهمُّ ما في هذا الجزء أنَّ الهجريَّ كان ذا صلةٍ وثيقةٍ بكثيرٍ من الأماكن التي يشير إليها في تحديد مواضعَ من جزيرة العرب، وهذا يدل على أنَّه كان ينطق في كتابه عن ثقافةٍ معيشةٍ، ومن هنا تأتي أهميَّة هذه المواضع فضلاً عن نُدرة بعضها في معاجم البلدان، واقتصر الجزء الرابع من الكتاب على (النَّسب) وجاءت الأنساب على حروف المعجم أيضاً، وانفرد فيه الهجريُّ بذكر أنسابٍ لم ترد في كتب من عني بهذا الجانب من المتقدِّمين، حتى قال الوزير المغربيُّ في «أدب الخواص»: «كان الهجريُّ أعلم المتأخِّرين بالنَّسب»، وقد أصاب الهجريُّ نوادره في النَّسب من إقامته بين القبائل العربيَّة في مواطنها.

يُعَدُّ كتاب «التعليقات والنوادر» تمثيلاً حقيقيّاً لجانبٍ مهمٍّ ممَّا استنبطه الهجريُّ من علوم العرب في البادية، وهي علوم متنُها الرِّوايةُ لا الصُّحف، وفي الكتاب وصفٌ للحياة في البادية ممثَّلةً بأنوائها وحيوانها ونباتها، ولا يخلو أحياناً من ظاهرة الاستطراد في القول وهذا دليل على غزارة علم الهجريِّ ورغبته في تتبُّعِ الرِّواية إن ألزمته الخروجَ على الموضوع الذي يتكلَّم عليه. وما يميِّز هذه النوادر أنَّ الهجريَّ كان حريصاً على ذِكْرِ مَنْ روى عنهم من البداة، ومنهم من يُعرف للقارئ، ومنهم من لم تتَّضح نسبتهم في تراجم الرِّجال كابن الضُّبيب وحُميد العَبْد المولَّد وغيرهما، ويُسجَّل للهجريِّ حِرْصُهُ على الرِّواية عن النِّساء، ومنهن مُكْرَمةُ بنت الكُحَيل الفِراسيَّة من بني عبد الله بن سلمة بن قُشَير، وأمُّ قُرَيد الزُّهيريَّة جارة الهَجَريِّ في عقيق المدينة حين نزل بهذا الموضع، وهي من زهير بن جشم، وروى عن غيرهما من النِّساء أيضاً.

يبدو الهجري في نوادره عالماً لغويًّا واسع الاطِّلاع، وأديباً ذا عنايةٍ بالشِّعر وتذوُّقٍ وفهمٍ له وتمييزٍ لجيده من رديئه، توغَّل في قبائل العرب فخالطها وأخذ عنها الشِّعر واللُّغة والنَّسب.

أبرز شيوخه أبو محمد الرَّنَوي، قال فيه الهجري: «هو أفصح من رأينا ولقينا بهَجَر»، ولا يجد الباحث عن شيوخ الهجري ما يشفي الغلّة، ولا تنمُّ كتبه على شيء وافرٍ من ذلك، ويتَّضح أنَّه قد تلقَّى أوَّل علمه في (هَجَر)، ولعلَّ إقامته في المدينة المنورة ومكَّة المكرَّمة قد أمكنته من لقاء مشاهير علماء هاتين المدينتين بوصفهما مركزين للنَّشاط العلمي في شبه الجزيرة في عصره، غير أنَّ نوادره تشير إلى أن جُلَّ ما حصَّله من علوم كانت من أهل البادية، ويبدو أنَّه أراد أن ينقل علم البادية في عهده عن أهلها، فتتبَّع ما يروونه من الأشعار والأراجيز، ووقف على اللُّغة والمواضع ممَّا يسهل فهمَ تلك الأشعار، ويُذْكَرُ في هذا الصَّدد أنَّ الهَجَريَّ كان مؤدِّب أولاد طاهر بن يحيى بن الحسن الطالبي حين إقامته بمكَّة.

الرُّواة الذي اتصلوا بالهجريِّ ونقلوا العلم عنه ثلاثةٌ فقط هذا بيانهم: ثابت بن حزم السَّرَقُسطيُّ الأندلسيُّ والحسن بن يعقوب الهمدانيُّ اليمنيُّ ومحمد بن علي بن القاسم المكيُّ، وهؤلاء نقلوا علم الهَجَريِّ مشافهةً، ونصوص كتابه «النوادر» دليلُ ذلك، إذ تدلُّ أخبارهم على أنَّهم لقوا الهجري ونقلوا عنه، كقول ثابت السَّرَقُسطيِّ: «سمعت الهجريَّ بمكَّة يقول…»، وكقول محمد بن علي القاسم المكيّ: «قرأنا على أبي علي هارون بن زكريا الهجري…»، وما عدا هؤلاء الثَّلاثة لم يُعرف أحدٌ ممَّن نقل علمَ الهجريِّ مشافهةً، غير أنَّ هنالك جمعاً غفيراً ممَّن نقل العلم عن الهجريِّ من غير مشافهة من خلال مطالعة نوادره، وهم علماء من الطَّبقة الأولى في علوم العربيَّة، كابن سِيْدَهْ علي بن إسماعيل إمام اللُّغة المعروف، وأبي عبيد البكريِّ وقد نقل في «معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع» عن الهجريِّ مصرِّحاً باسمه، وأبي حيان الأندلسيِّ المحدِّث المفسِّر صاحب تفسير «البحر المحيط»، وابن حَجَر العسقلانيِّ صاحب تراجم «الإصابة في تمييز الصَّحابة» عليهم رضوان الله، وابن خلف الصقليِّ صاحب «تثقيف اللِّسان وتلقيح الجنان»، وكلُّهم ثقاتٌ في اللُّغة والحديث والتَّفسير.

للهجريِّ مؤلفاتٌ أخرى غير كتاب «التَّعليقات والنَّوادر» منها: كتاب «منتخل الأراجيز» أو «منتخب الأراجيز» وله ذكرٌ في ثنايا كتاب «التعليقات»، وله أيضاً كتاب «العقيق»، وله ذِكْرٌ في ثنايا كتاب السَّمْهوديِّ الموسوم بـ«وفاء الوفاء»، والمرادُ من العقيق عقيق المدينة، والعقيق لغةً كلُّ مسيلٍ شقَّه ماء السَّيل، وهو موضعٌ بناحية المدينة فيه زروعٌ ونخيلٌ،وقد نزل الهجريُّ عقيق المدينـة، فرأى أن يصنِّف كتاباً في وصف مواضعـه، والكتابان «منتخل الأراجيز» و«العقيق» مفقودان، وأوفى قطعـة وصلت إلينـا من كتاب «العقيق» وردت في ثنايـا كتابَي «معجم ما استعجم» للبكريِّ، و«وفاء الوفاء» للسَّمْهودي.

أسـامة اختيار

 

 مراجع للاستزادة:

 

ـ الصَّفدي، الوافي بالوفيات (دار فرانز، فيسـبادن 1962).

ـ ياقوت الحموي، معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (الكتب العلميَّة، بيروت 1991).

ـ الهجري، التعليقات والنوادر (اعتنى بنشره حمد الجاسر، 1992).


التصنيف : التاريخ
النوع : أعلام ومشاهير
المجلد: المجلد الواحد والعشرون
رقم الصفحة ضمن المجلد : 395
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1069
الكل : 40626988
اليوم : 9880

شتورم (تيودور-)

شتورم (تيودور ـ) (1817 ـ 1888)   تيودور شتورم Theodor Storm شاعر ألماني، وأحد أبرز كتاب القصة الطويلة Novelle في القرن التاسع عشر. ولد في مدينة هوسوم Husum الصغيرة في منطقة شليزفيغ Schleswig، وتوفي في بلدة هادِمارشِن Hademarschen في منطقة هولشتاين Holstein شمال غربي ألمانيا. كان والده محامياً من أصول ريفية، أما والدته فقد تحدرت من عائلة أرستقراطية ثرية.
المزيد »